السعودية أكبر مستهلك للأرز ودعوات للاستثمار في زراعته لتجنب «تقلبات» الدول المصدرة له

بانخفاض أسعاره من 10 إلى 40 % لتوفر الإنتاج الهندي وانسحاب إيران من خط الاستيراد

أكياس أرز معروضة في أحد المتاجر السعودية («الشرق الأوسط»)
أكياس أرز معروضة في أحد المتاجر السعودية («الشرق الأوسط»)
TT

السعودية أكبر مستهلك للأرز ودعوات للاستثمار في زراعته لتجنب «تقلبات» الدول المصدرة له

أكياس أرز معروضة في أحد المتاجر السعودية («الشرق الأوسط»)
أكياس أرز معروضة في أحد المتاجر السعودية («الشرق الأوسط»)

تعتبر السعودية من بين الدول الأعلى استهلاكا للأرز، ومع هذا يتوقع أن يشهد العام المقبل انخفاضا في سعر الأرز يبدأ من 10 إلى 15 إلى 40 في المائة، نسبة لنجاح موسم إنتاج المحصول في الهند والتي تسد 70 في المائة من حاجة السوق السعودية.
إلا أن عامل انسحاب بعض الدول من حصة استيراد الأرز الهندي كإيران والعراق والتي يعتقد أنها اتجهت إلى أسواق جديدة كأميركا، جعل العرض أكبر من الطلب، ما من شأنه أن يسهم في تخفيض السعر لدى المستورد السعودي.
ويعتبر غياب السعودية عن الاستثمار المباشر بالزراعة للأرز من خلال الاستفادة من صندوق الاستثمارات التابع لوزارة المالية للاستثمارات يضعها تحت رحمة الدول المصدرة للأرز، خصوصا أن لدى الصندوق استثمارات خارجية تتجاوز 776 مليار ريال (207 مليارات دولار)، وفي ظل التوجه العالمي نحو الاستحواذ أو المشاركة في الشركات والمصانع والمناطق الزراعية المنتجة للغذاء والتي من أهمها الأرز والحبوب.
ويرى بعض المراقبين والمستوردين أهمية توجيه حصة كبيرة من الاستثمارات السعودية في زراعة وصناعة الأرز كتوجه استراتيجي نحو تأمين الغذاء في السعودية، خصوصا وأن استهلاك السوق السعودية عال جدا، مشيرين إلى أنه في حدود 1.4 مليار طن في العام.
وفي هذا السياق، يؤكد حفظ الرحمن محمد، السكرتير الثالث في السفارة الهندية بالسعودية، أن قيمة الصادر من الأرز الهندي وصل خلال عام 2013 و2014 إلى 1.1 مليار دولار، وفقا لـ«سلطة الصادرات الغذائية الهندية APEDA».
وأوضح أن الهند قادرة على الاحتفاظ بقوة الإنتاج وسد حاجة الأسواق المهمة خاصة السعودية في كل الظروف، مشيرا إلى أن وفرة الإنتاج لا تعني إلا مزيدا من التخزين التأميني لمحصول يمثل ركنا هاما في عملية الأمن الغذائي لكثير من بلدان العالم.
فيما يشير كامل المنجد رئيس مجلس الأعمال السعودي - الهندي، أن هناك نحو 750 ألف طن من الأرز تستورد هذا العام من الهند إلى السعودية، مشيرا إلى أن السوق السعودية تسد حاجتها منه من خلال وارد الأرز من دول أخرى بما فيها أميركا.
وتوقع المنجد أن ينخفض سعر الأرز هذا العام بنسبة تتراوح بين 20 في المائة إلى 40 في المائة، عازيا ذلك إلى أن إنتاج الهند من الأرز كان هذا العام كبيرا جدا وذلك بسبب نجاح الموسم وتهيئة الظروف المناخية الملائمة.
وبالمقابل وفق المنجد، كانت هناك عدة بلاد أخرى تستورد الأرز من الهند ولكنها أوقفت الاستيراد لسبب أو آخر، مبينا أن إيران بدأت تتجه لأسواق أخرى بعد الاتفاقية النووية الأخيرة كأميركا مثلا وكذلك الحال لدى العراق، مشيرا إلى أن هذين البلدين، لم تشتريان حصتهما المعتادة من الأرز الهندي هذا العام.
ولفت إلى أن إيران كانت على مدى الأعوام الماضية، تشتري حصتها الكبيرة من الأرز الهندي، حيث كانت تستخدم النفط وتبيعه بعملة الروبية مقابل الأرز، لافتا إلى أنها استوردت العام الماضي مليون طن، غير أنها هذا العام لم تشتر بعد، وإن اشترت لن تتعدى حصتها هذه المرة الـ200 ألف طن أو 300 ألف طن على الأكثر.
وقال المنجد: «نسبة للظروف الحالية وخروج إيران والعراق وغيرها من سوق الأرز الهندي هذا العام، ارتفع حجم العرض وانخفض الطلب، وأدى ذلك إلى ارتفاع المعروض لدى السوق السعودية وأصبح المستفيد الأكبر من هذا الوضع، وبالتالي سيشهد هذا العام انخفاضا ملحوظا في السعر».
ومع ذلك يعتقد المنجد أن هناك تراجعا في التحديات التي تواجه المستوردين السعوديين، مبينا أن هناك توجها لوزارة التجارة والصناعة السعودية سيحدد شكل الشراكات السعودية الهندية على جميع الأصعدة اقتصاديا تجاريا أمنيا، سيكون موقع انطلاقها في دلهي في الربع الأول من عام 2015، من شأنها أن تعزز حصة السوق السعودية من الأرز الهندي وتخفف بعض التحديات التي تواجه المستوردين سابقا.
من ناحيته، أكد غدران غدران – مستورد أرز سعودي - أن هناك تحديات تواجه ضمان وصول الأرز بالجودة والشكل المطلوب، خصوصا وأن الأسواق التي يستورد منها الأرز تفتقد للنظام الذي يحمي المستورد من أي خسائر تترتب على الحالة التي يصل بها إلى السعودية والتي تتسبب في رداءة المنتج لاحقا.
وقال غدران: «نحن اتجهنا منذ فترة نحو الاستثمار بشكل مباشر في مزارع للأرز بالهند، وهذا أضاف لنا زيادة في الإنتاج فضلا عن الحصول على الجودة أيضا، وهي في نفس الوقت تنمي الإيرادات وتزيد هامش الربح من خلال تقليل التكاليف».
وشدد غدران على ضرورة أن تتجه الدولة، نحو الاستثمار المباشر بشكل أكبر في مزارع الأرز بالخارج في الدول المجاورة والتي لديها مع السعودية شراكات استراتيجية مثل باكستان والهند وغيرها، مبينا أن ذلك سيكون مردوده أكثر فائدة، مشيرا إلى أن استهلاك السوق السعودية عال جدا، مشيرا إلى أنه تقريبا في حدود 1.4 مليار طن في العام.
ولفت إلى أهمية الاستفادة من صندوق الاستثمارات التابع لوزارة المالية للاستثمارات، مبينا أن لديه استثمارات خارجية في حدود 776 مليار ريال (207 مليارات دولار)، داعيا إلى أهمية توجيه حصة كبيرة منها نحو الاستثمار المباشر في الأرز كتوجه استراتيجي نحو تأمين الغذاء في السعودية.
ولفت غدران إلى أن الصندوق استثمر في فترة سابقة في زراعة الشعير في أوكرانيا ولكن نسبة للظروف التي تمر بها تلك البلاد لم يستمر هذا المشروع، مؤكدا لو أن ما وجه لأوكرانيا وجه لمحصول الأرز في الهند وباكستان لكان أفضل، مشيرا إلى أن هناك ميزات نسبية أخرى تتعلق بقانون الاستثمار، حيث إنه يصعب مهمة منافسة الأوكرانيين على أراضيهم بعكس الحال في الهند وباكستان.
ونوه غدران أن الهند من الدول ذات القدرات العالية في إنتاج الأرز والسكر، وهي برأيه تعتبر علامة فارقة في الإنتاج العالمي في هذين المحصولين، ولذلك فهي تتحكم في السوق الدولية وتؤثر عليه بشكل مباشر، مشيرا إلى أنه إذا انخفض إنتاجها أو أصابه الجفاف كما حدث في مرة سابقة فإن السعر يرتفع وإذا فاض ينخفض السعر.
وشدد غدران على أن التوجه نحو الاستثمار المباشر في الأرز في الخارج، من شأنه أن يخفض التكاليف على المنتج وبالتالي ينعكس إيجابا في انخفاض السعر للمستهلك، الأمر الذي يفيد عملية الاستيراد للسعودية، من خلال توفر سعر مناسب، فضلا عن منح المستوردين إمكانية التصدير لدول أخرى بسعر يعود بهامش ربح أكبر.
ويعتقد غدران أن مثل هذا التوجه، سيوفر على البلاد صعوبات سدة حاجة السوق من المستورد بطريقة غير مباشرة، مبينا أن الأرز يعتبر أكبر استثمار يواجه مشكلات الارتباط بأحوال الأسواق العالمية وتذبذباتها، خصوصا أنه لا يمكن زراعته لقلة المياه في السعودية، ولا تستغني عنه كسلعة استهلاكية ضرورية يمثل حصة مهمة في تأمين الغذاء.
وأكد غدران أن التحديات التي تواجه السوق السعودية من حيث منتج الأرز، تكمن في كونه سلعة استراتيجية ومصدر غذاء للسعودية، ويدخل في الثقافة الغذائية لدى المجتمع السعودي، ما يتطلب المحافظة على تدفقاته بضمانات تجعله متوفرا وبأسعار مناسبة في ظل الظروف المعقدة والتي تؤثر في إنتاجه وأسعاره ولو بطريقة غير مباشرة.
وقال غدران: «إن ضمان جودة الأرز، تكمن في الاستثمار المباشر في المحصول، خصوصا وأن هناك تلفا يحدث للمحصول لو كنت تشتريه بشكل غير مباشر، فهناك نسبة 15 في المائة منها يكون مكسرا عند التخزين وأحيانا تصل الرداءة إلى 40 في المائة».
من جهته، أكد رئيس فريق الأمن الغذائي بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض، أن حصة الأرز الهندي تبلغ 70 في المائة من حاجة السوق السعودية، مشيرا إلى أن المحصول مر بارتفاع عرضي طفيف في السعر، غير أنه عاد متجها نحو انخفاض السعر العادل للمستورد والمستهلك على حد سواء.
ومع ذلك توقع حدوث انخفاض في سعر الأرز في هذا العام، مقارنة بأسعاره في العام الماضي، لعدة أسباب، منها توفر المحصول الهندي في موسم هذا العام بشكل كبير وبجودة عالية، وعالج معادلة زيادة العرض على حساب الطلب.
ومن أسباب انخفاض سعر الأرز كذلك وفق رئيس فريق الأمن الغذائي بغرفة الرياض، أن بعض الدول المنافسة للسوق السعودية، مثل إيران والعراق لم تشتر حتى الآن الأرز من الهند هذا العام، الأمر الذي جعل العرض أكبر من الطلب وبالتالي انخفض السعر في بداية الموسم. وأما من حيث التحديات التي تواجه المستوردين، أوضح رئيس فريق الأمن الغذائي بغرفة الرياض، أنه حتى الآن الدول المنافسة لم تدخل السوق الهندية لشراء الأرز والمتمثلة في العراق وإيران ودول الخليج وأوروبا، حيث إنها أكبر دول تنافس السعودية والتي يتراوح واردها من الهند من 800 ألف طن إلى مليون طن.
وتوقع رئيس فريق الأمن الغذائي بغرفة الرياض، أن يبلغ حجم الوارد من الأرز الهندي للسعودية، أكثر من مليون طن، خاصة وأن الإنتاج كبير والنوعية جيدة، مبينا أن حجم استيراد إيران منها بلغ 1800 طن قبل عامين، فيما استوردت في العام الماضي 1200 طن.
ولفت إلى أن أوروبا استوردت 450 ألف طن هذا العام، مبينا أن ذلك أحد العوامل التي تسببت في رفع الأسعار، مشيرا إلى أنها بدأت مع بداية الموسم بـ1300 دولار للطن ووصل إلى 1700 دولار للطن بعد شهرين. وقال رئيس فريق الأمن الغذائي بغرفة الرياض: «بدأ الهنود في فتح باب تصدير في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) وبداية نوفمبر (تشرين الثاني)، أنواع من الأرز بـ1300 دولار للطن، انخفض تدريجيا إلى 1100 و1200 حيث إن هناك فائضا في إنتاج الأرز الهندي يلامس الـ30 في المائة».
وقال رئيس فريق الأمن الغذائي بغرفة الرياض: «يبدأ موسم الأرز في الهند في شهري نوفمبر وديسمبر (كانون الأول) ولكن لا تدخل السوق السعودية إلا بعد فترة تتراوح بين 4 أشهر إلى 6 أشهر».
ولفت إلى أنه من يشترِ المحصول من المستوردين السعوديين في نوفمبر يُشحن للسعودية في شهر مارس (آذار) أو مايو (أيار) ويمر بعملية تعبئة وشحن وتهيئة بعد الجفاف، وبعضه يخزن في الهند لمدة 3 أشهر أو 6 أشهر وبعضه يخزن في السعودية لمدة تتراوح بين 9 أشهر إلى عام ونصف حسب جودة النوعية.
وأوضح رئيس فريق الأمن الغذائي، أن هناك بعض التجار الذين يستوردون الأرز الهندي هذا العام يكون لهم مخزون متبقٍ من العام الماضي، وبالتالي يكون هناك سعر مرتفع من العام السابق وسعر منخفض هذا العام بسبب غلبة العرض على الطلب نتيجة وفرة المحصول، مبينا أنه في هذه الحالة يؤخذ بالسعر المتوسط للسعرين، مشيرا إلى أن السعر المتوسط يبدأ في الزيادة رويدا رويدا إلى أن يستقر على سعر معقول جدا وسهل على المستهلك.
وقال: «لو كان سعر الأرز العام الماضي 1700 دولار للطن وانخفض هذا العام إلى 1300 دولار يكون المتوسط 1500 دولار وهذا جعل سعر كيس الأرز (40 كيلو) يتراوح ما بين 280 ريالا إلى 260 ريالا العام الماضي، حيث يختلف السعر حسب النوعية والجودة والماركة».
وتوقع أن ينخفض السعر بـ30 أو 40 ريالا، مبينا أن هناك عناصر أخرى تتدخل في تحديد السعر وهو حجم المخزون زائد حجم المستورد حديثا ويظل ذلك في حكم الغيب ما لم تتوفر معلومات تحدد الحجمين المخزن والجديد، وكل مستورد لا يسمح لمنافسه أن يخفض السعر بطريقته التي يراها، إذ لا بد للخضوع لأسعار غيره. وتوقع رئيس فريق الأمن الغذائي انخفاضا في الأسعار يتدرج مع مرور الأيام، مبينا أنه قبل شهرين بيعت وحدة العشرة كيلو بأكثر من 70 ريالا، وطوال الفترة منذ أبريل (نيسان) من العام الماضي مرورا برمضان وحتى موسم الحج لم ينخفض السعر، غير أنه انخفض لاحقا إلى 60 ريالا.



زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

مدفوعاً بتغيرات متسارعة في سلوك المستهلك وتنامي الاعتماد على الحلول الرقمية، يواصل قطاع توصيل الطلبات في السعودية تحقيق قفزات نوعية، معززاً مكانته بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي، بعد تسجيل القطاع نمواً لافتاً خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة تقارب 49 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ويدعم تلك القفزة زيادة تجاوزت 118 مليون طلب خلال الربع الأول من العام الحالي، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة المستخدمين وتطور البنية التحتية للخدمات اللوجيستية والتقنية في المملكة.

وحسب تقرير حديث صادر عن الهيئة العامة للنقل، استحوذت العاصمة الرياض على 44 في المائة من إجمالي الطلبات في الربع الأول 2026، تلتها مكة المكرمة 22.2 في المائة، ثم المنطقة الشرقية 16.2 في المائة، فيما توزعت بقية الطلبات على باقي مناطق المملكة.

أبرز التطبيقات

ومن أبرز قائمة تطبيقات التوصيل في السعودية: «هنقرستيشن»، و«جاهز»، و«كيتا»، و«مرسول»، و«نينجا»، و«كريم ناو»، و«تويو»، وغيرها من المنصات التي تعمل في هذا المجال.

وتشهد تلك التطبيقات منافسة شرسة مع ارتفاع الطلبات المنفذة من قبل المستهلكين والاعتماد عليها بشكل كبير، حيث يقدم بعض من تلك المنصات عروضاً ترويجية وخصومات على تلك الطلبات للاستحواذ على أكبر نسبة من العملاء.

وكان قطاع نشاط الطلبات قد سجل في المملكة نمواً ملحوظاً خلال الربع الثالث من العام الماضي، إذ تجاوز إجمالي عدد الطلبات المنفذة أكثر من 103 ملايين عملية طلب على مستوى مناطق السعودية، بارتفاع بلغ 40 في المائة، قياساً بالربع المماثل من عام 2024، مما يعكس النمو المتواصل في خدمات توصيل الطرود وارتفاع الطلب على التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في البلاد.

الأنظمة والتشريعات

ويعود هذا النمو الملحوظ الذي يشهده قطاع توصيل الطلبات إلى عدد من العوامل، أبرزها تطوير الأنظمة والتشريعات التي مكّنت الشركات من رفع جودة خدماتها وكفاءتها التشغيلية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار في مجالات الخدمات اللوجيستية.

كما أسهمت التحولات في سلوك المستهلكين والاعتماد المتزايد على التجارة الإلكترونية في رفع حجم الطلب على خدمات التوصيل، بالإضافة إلى الاستثمارات في الحلول التقنية الحديثة التي عززت سرعة الاستجابة ورفعت مستوى التنافسية داخل السوق.

يذكر أن المملكة شهدت في الأعوام الأخيرة طفرة في تطبيقات التوصيل، ومن ضمنها خدمات المطاعم والتموينات وبقية المستلزمات الأخرى. وبلغت ذروة اعتماد المستهلكين عليها بعد تطبيق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد في عام 2020.


أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.