مجموعة «إمبريو أرماني سويس ميد» تدخل المنافسة متسلحة بالدقة السويسرية والأناقة الإيطالية

يرفع فيها المصمم شعار «القليل كثير» شكلا و»الكثير قليل» جوهرا

مجموعة «إمبريو أرماني سويس ميد» تدخل المنافسة متسلحة بالدقة السويسرية والأناقة الإيطالية
TT

مجموعة «إمبريو أرماني سويس ميد» تدخل المنافسة متسلحة بالدقة السويسرية والأناقة الإيطالية

مجموعة «إمبريو أرماني سويس ميد» تدخل المنافسة متسلحة بالدقة السويسرية والأناقة الإيطالية

يذكر اسم جيورجيو أرماني، فتتراءى للعين الفساتين الفخمة والبدلات المفصلة بشكل لا يعلى عليه. فالمصمم المخضرم نجح في تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف تثير مشاعر الثقة في كل ما تطرحه. هذه الثقة أكسبته ثروة قدرتها مجلة «فوربس» بأكثر من 3 مليارات دولار أميركي. مما يحسب لهذا المصمم أنه على الرغم من هذه الثروة وتعديه الـ80 من العمر، لا يعطي أي إشارة بأنه قد يتقاعد في المستقبل القريب، بل لا يزال يتمدد ويتوسع إلى مجالات أخرى، منافسا من هم أقدم منه، وكل ما فيه يقول إنه يستعذب التحديات أكثر من أي وقت مضى. آخر توسعاته كانت في مجال الساعات المعقدة، التي حرص فيها أن تبقى بوجه كلاسيكي تطغى عليه ملامح إيطالية مع إضافة تقنيات سويسرية للمزيد من الدقة والوظائف.
في الطابق الثالث من الفندق أرماني دبي الواقع على أقدام برج خليفة، حدد المصمم يوم الثلاثاء 9 من ديسمبر (كانون الأول) ليكون موعد لقاء عشاق الساعات السويسرية بمجموعته الجديدة من خط «إمبوريو أرماني». كان متأكدا من أنها ستلمس وترا حساسا بداخل هواة الساعات وعشاق أسلوبه على حد سواء، ولم لا وهي تحمل جيناته الوراثية الأنيقة المعززة بصناعة سويسرية، الأمر الذي يمنحها كامل الشرعية في أن تحمل اسم «سويس ميد» Swiss Made؟ في هذا الصدد يعلق المصمم قائلا: «أوليت هذه المجموعة نفس المقدار من العناية التي أوليها لتصميم الأزياء حتى تأتي معبرة في مجملها عن معاني الأناقة الخالصة، وحتى تجسد في مضمونها القيم الجمالية التي يرتكز عليها عالم (أرماني)».
هذا العالم، هو الذي دخل إليه ضيوفه يوم 9 من هذا الشهر، للاستمتاع بابتكاراته الجديدة، ومعاينة بعض خطوات صنعها على يد حرفيين أتوا من إيطاليا وسويسرا إلى دبي، لاستعراض مهارتهم، من جهة وتقديم درس عما تتطلبه كل ساعة من دقة وصبر لكي تأتي بالمستوى المطلوب، من جهة ثانية. على طاولة ضخمة، جلس أكثر من حرفي، بزي أبيض ومجهر صغير معلق على جبينه، يمكنه من رؤية ما بين يديه من مكونات دقيقة لا ترى بالعين المجردة، أو تبدو وكأنها نقطة لا شكل لها في أحسن الحالات. كان تركيزهم على ما بين أيديهم مثيرا للانتباه، إلى حد يعطي الانطباع أنهم يعملون في ناسا وليس في مصنع ساعات، أو بالأحرى في فندق 5 نجوم. على جانب من الطاولة جلس حرفي متمرس يجمع المكونات الدقيقة بثقة عالية، بينما عكف زميله في الجانب الآخر، على تجميع الوصلات التي تربط هذه المكونات ببعضها، وفي طرف آخر، كانت مهمة شابة التركيز على صنع الأساور، التي يأتي بعضها من الجلد الطبيعي أو من المعدن، وهكذا. كانت الفكرة من استقدام هؤلاء الحرفيين إلى دبي، الاستشهاد بأن الساعات الجديدة مصنوعة باليد وبجدية عالية وتقنيات أعلى، وبالتالي لها كامل الحق في أن تشارك في معرض بازل المقبل في جناح مستقل بها، يحمل اسم «إمبوريو أرماني» بكل فخر.
ففي السنوات الماضية، كان المصمم يعرض إصداراته ضمن ساعات الموضة المتنوعة التي تقدمها بيوت أزياء أخرى، في جناح شركة «فوسيل» التي تتولى صناعتها. هذه السنة في المقابل، سيكون لـ«إمبوريو أرماني» جناح خاص ومستقل. فلسان حال المصمم في الآونة الأخيرة يقول إن الوقت قد حان لكي تؤخذ إصداراته في هذا المجال بالجدية التي تليق بها، وهذا يعني أن تجاور أجنحة مصنعي ساعات سويسرية فاخرة أخرى، مثل هاري وينستون وغيره.
وهذا ليس جديدا على جيورجيو أرماني، الذي أكد على مر العقود، أنه لا يقبل بأنصاف الحلول، ولم يبق في الصدارة ما يوسع إمبراطوريته وينقلها من نجاح إلى آخر، من دون أن يولي كل صغيرة وكبيرة حقها، عدا أنه يفهم سوقه جيدا.
يعرف مثلا، بأن زبونه يتوقع منه الكثير، سواء تعلق الأمر بالأزياء أو الإكسسوارات، لهذا كان التحدي بالنسبة له هو إقناع زبونه بقيمة هذه الساعات، وكان الحل أمامه، أن يجعلها تتعدى مفهوم الموضة ويدخل بها ميدان المنافسة مع أعتى الشركات السويسرية، بإدخال مجموعة من الوظائف والتعقيدات المتطورة. وهذا ما جسده في ساعات «جي إم تي» (GMT) التي تتيح لمرتديها مشاهدة منطقتين زمنيتين مختلفتين. وتحتوي في جميع تصاميمها على كريستال السفير، وهيكل خارجي مصنوع من الذهب الوردي مع أحزمة مصنوعة من جلود التماسيح أو السحالي فضلا عن هيكل خارجي مصنوع من الفولاذ اللماع وسوار شبكي يجمع الأسلوب الإيطالي الراقي والأداء الوظيفي الدقيق.
إلى جانب هذه الساعات المعقدة هناك أخرى لا تقل أهمية وتنوعا، من حيث الألوان والخامات أو التصاميم والوظائف، يبقى القاسم المشترك بينها دائما أسلوب أرماني المتميز بانسيابيته الكلاسيكية وتشبعه بالنكهة الإيطالية. كانت هناك، مثلا، ساعة «كرونوغراف» رجالية بعلبة من الذهب الوردي وميناء رمادي غامق، كلاسيكية لا يمكن ربطها بزمن معين، كما كانت هناك ساعات نسائية أصغر حجما، بعضها بميناء من عرق اللؤلؤ ومرصع بعقارب من الماس تشير إلى الأرقام، تتميز بمرونة عجيبة، ربما لأن أسورتها كانت مشبكة، مما يجعلها مناسبة للنهار والمساء والسهرة. من القواسم المشتركة الأخرى أن أغلب هذه التصاميم، إن لم نقل كلها، تأتي بعلبة دائرية رشيقة تستحضر حقبتي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. فهاتين الحقبتين، كما شرح السيد أرماني يعتبرهما «مصدر إلهام حقيقي بالنسبة لي». في معظم هذه التصاميم، تشم بين الجلود والأسلاك والمعادن الثمينة، نكهة فينتاج خفيفة جدا، تطغى عليها رائحة عصرية، تستمد قوتها من خطوطها البسيطة وألوانها الحيادية، وطبعا تستحضر شعار المصمم الذي رفعه في الثمانينات وأصبح لصيقا بها، ألا وهو شعار: «القليل كثير». هذا الأسلوب ظهر في أغلب الساعات المعروضة، وإن كانت الأكثر إثارة للانتباه هي التي طرحها بحركة أوتوماتيكية بأحزمة من جلد التمساح للرجل، لأنها تلتقط روحه وثقافته، خصوصا وأنها ستروق للمرأة كما راقت تصاميمه لها في الثمانينات بخطوطها وإيحاءاتها الرجالية. في هذا الموسم، تحديدا، تتماشى هذه الساعات مع الموضة الحالية التي تعانق التوكسيدو والبدلات والتايورات المفصلة، مما يجعلها تعكس روح العصر وتطوره بشكل مثير.
رغم رغبته الجامحة في التأكيد على الصناعة، أو على الأصح الدقة السويسرية، مما يطمئن عشاق الموضة أن جيورجيو أرماني، مهما حاول التجرد من شخصية المصمم ليركز على شخصية صانع الساعات، فإنه لا يستطيع أن يتملص من جذوره تماما. والحق يقال إنه لم يحاول التجرد من هذه الشخصية بل العكس وظفها بشكل ذكي، لأنه يعرف جيدا أنه يبيع هنا أسلوب حياة متكامل لا يقتصر على جانب دون آخر. وهذا ما عبر عنه قائلا في لقاء خاص: «نجحت على مر السنوات في ابتكار أسلوب حياة مميز يلبي احتياجات مختلفة بدءا من قطع مصنوعة من الجينز، إلى الساعات الفاخرة، مرورا بالفنادق الفاخرة؛ وهي منتجات تندرج ضمن مجالات مختلفة لكن تجمعها فكرة واحد وهي تطوير نمط حياة راق». وتابع: «فيما يخص تصاميمي، فإن ما يميزها هما البساطة والرقة بالمعنيين العملي والمجازي على حد سواء. فأنا أحرص على ابتكار أزياء أنيقة ومريحة تمنح صاحبها إطلالة طبيعية تخدم معالم الجسم، بمعنى أنها تستقي خطوطها الرئيسية من جمالية الأقمشة المنسدلة التي يجب أن تتماهى مع حركة الجسم».
هذا الحرص على تعزيز هذا النمط من الحياة والأسلوب، يطال حاليا ساعاته التي يسعى بكل قواه لكي تأخذ حقها في السوق، لا سيما وأنها تطورت شكلا ومضمونا على مر السنين. فعندما يعود بذاكرته إلى عام 1997، عندما تم إطلاق ساعات «إمبوريو ارماني» لأول مرة، يتذكر أن البداية كانت متأثرة بالموضة وتركز عليها، لكنها تغيرت مع الوقت وأصبح الهدف منها منافسة الساعات السويسرية، أو على الأقل أن تعامل مثلها بثقة ومصداقية. دلالة هذا كله يتجسد في مجموعته لعام 2014، التي تحمل اسم «سويس ميد» (SWISS MADE) لترسيخ هذه المصداقية، وفي الوقت ذاته تحترم أسلوب المصمم، الذي لم يكن يوما استعراضيا، بقدر ما كان راقيا وهادئا. أضف إلى هذا أن جيورجيو أرماني، رجل أعمال من الطراز الأول، مما يجعله يدرك تماما أنه لا يمكن أن ينافس صناع الساعات السويسرية، الذين لهم باع طويل في هذا المجال، فيما لو اعتمد على التقنيات والوظائف وحدها، أو لو باع ساعاته على هذا الأساس. فلحد الآن لا تزال المقارنة بين ساعة سويسرية الصنع من شركة لها تاريخ يمتد على مدى قرون، وساعة سويسرية الصنع بالكامل، لكن من مصمم أو دار أزياء، ظالمة. هذه المقارنة المجحفة تتطلب من المصمم أن يركز كل جهوده الإبداعية وقدراته على الابتكار ليأتي جمال الشكل موازيا لقوة الوظائف، وهذا ما حققه أرماني في هذه المجموعة. فكل ساعة تبدو باهظة الثمن وفي غاية الأناقة، فضلا عن أنها تتضمن تعقيدات مهمة تلبي احتياجات كل رجل ما دام لا يمارس رياضات الغوص في الأعماق أو القفز من أعلى الجبال. والأجمل في كل هذا أنها مطروحة بأسعار مقدور عليها، لأن الخطوة الأولى التي ينطلق منها المصمم هي أن يفرض نفسه في السوق، ويكسب الشرعية التي يطمح إليها من خلال الدقة السويسرية واستعمال الخامات الثمينة من دون أن يفرط في الأناقة الإيطالية. بينما تتمثل الخطوة الثانية في أن تخاطب مجموعة «سويس ميد» كل الأذواق والإمكانيات، على أمل أن تفتح الباب للمزيد من التعقيدات والوظائف في المستقبل. فهذه ليس سوى البداية لقصة طويلة ينوي أرماني أن يكتبها في مجال الساعات.

* منذ سنوات وبيوت الأزياء العالمية تغازل عالم الساعات لكن طموحاتها في هذا المجال أصبحت كبيرة تتعدى حصرها في الموضة، وتماشيها مع آخر صيحات الموضة وألوانها. فهي الآن تركز على الشكل والجوهر بنفس المستوى. وإذا كانت تتقن فن الشكل ولا تجد صعوبة فيها، فإنها تلجأ إلى شركات متخصصة لشراء المكونات وخبراء سويسريين لجمعها، لكي تحصل على الدقة والموثوقية. من أشهر الشركات السويسرية المتخصصة التي يتعاونون معها «فوسيل». فهذه الأخيرة هي التي تصنع ساعات بيوت أزياء مهمة، يبلغ عددها نحو 15 بيتا، نذكر منهم بيربيري، إمبوريو أرماني، مايكل كورس وآخرون.
تصنع «فوسيل» ما لا يقل عن 25.000 ساعة أوتوماتيكية لهذه البيوت، وهو عدد لا يذكر مقارنة بـ30 مليون ساعة تصنعها سنويا. لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه العلاقة تقوم على مفهوم أفد واستفد. فبيوت الأزياء العالمية تستفيد من اسم «فوسيل» نظرا لباعها الطويل في صناعة الساعات السويسرية وسمعتها المحترمة، وفي الوقت ذاته تستفيد هذه الأخيرة من بيوت الأزياء التي تسهم في إنعاش اقتصادها وتحريك معاملها فضلا عن تسليط الضوء على اسمها.



نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.