شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

لم تكشف محكمة جرائم الحرب عن اسمه ولا هويته... ودخل القاعة متنكراً

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
TT

شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)

أثارت شهادة «حفار القبور» التي أدلى بها في الجلسة 31 الأخيرة الأسبوع الماضي، لمحاكمة مسؤولين سوريين على جرائم حرب، في مدينة كوبلنز غرب ألمانيا، كثيراً من الصدمة داخل قاعة المحكمة ولدى الصحافيين الألمان الذين كانوا يستمعون لشهادته، وأعادت إلى أذهانهم كثيراً من الصور المألوفة هنا، في بلد ما زال يعيش وصمة جرائم النازيين.
من الصور التي تأبى أن تغادر ذاكرة «حفار القبور» السوري، جثة امرأة كانت في أسفل ردمة الجثث التي كان ينقلها لدفنها في مقبرة جماعية في دمشق، فالمرأة كانت لا تزال تعانق طفلها الميت بين ذراعيها. يتذكر «حفار القبور» الذي كان حتى تلك اللحظة يتمالك نفسه، تلك الصورة، وينهار بالبكاء. تطلب القاضية الألمانية في محكمة كوبلنز التي تستمع لشهادة الرجل، استراحة ريثما يستعيد أنفاسه ويتابع. صور أخرى، يقول إنها ما زالت عالقة في ذهنه أكثر من غيرها. مثل تلك اللحظة التي شاهد فيها رجلاً بين كومة من مئات أو آلاف الجثث، ما زال يتنفس، حتى أمر الضابط السوري المسؤول، بسير المجرفة التي كانت تحفر القبور الجماعية، فوق جسده، لتحوله جثة بين كومة من الجثث. فالرجل الذي لم تكشف المحكمة عن اسمه ولا هويته، دخل القاعة متنكراً، مخبئاً وجهه خلف قناع لم ينزعه طوال 3 ساعات هي مدة إدلائه بشهادته.
والمحاكمة المقصودة هي تلك التي يحاكم فيها الضابط السوري السابق أنور رسلان والمجند السابق أياد الغريب، عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبوها في سوريا بعد الثورة عام 2011. فهذه المحاكمة التي انطلقت قبل أربعة أشهر تقريباً، هي أول محاكمة لمسؤولين أمنيين في النظام السوري يحاكمون بجرائم حرب. المتهمان، أنور رسلان وأياد الغريب، هما الوحيدان حتى الآن اللذان نجح محامون وناشطون سوريون وأوروبيون، في جمع ملفات كافية عنهما، لوضعهما في قصف الاتهام. رسلان متهم بالمسؤولية عن تعذيب نحو 4 آلاف شخص، وقتل 58 آخرين في فرع الخطيب بدمشق، أما الغريب فمتهم بالقبض على متظاهرين وتسليمهم لفرع الخطيب حيث كانوا يتعرضون للتعذيب والقتل أحياناً.
ومنذ انطلاق المحاكمة في مدينة كوبلنز الألمانية في 23 أبريل (نيسان) الماضي، والعالم يستمع للمرة الأولى، بصدمة شديدة، لما يعيشه السوريون منذ سنوات: اعتقالات تعسفية، عمليات تعذيب لا تطاق، ومقابر جماعية يديرها النظام السوري. المحامي السوري أنور البني الذي يجمع الشهود في هذه المحاكمة، وقدم هو نفسه شهادته أمامه بصفته معتقلاً سابقاً، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الصدمة التي شعر بها الألمان «لم تحدثها فقط معرفتهم بأن هذه الجرائم حصلت في سوريا، بل لأن عدداً منهم قارنها بما حدث أيام النازيين ومحاكمات أوشفيتز»، في ألمانيا. ويضيف أن «الصدمة الكبرى، هي في حقيقة أن هذه الجرائم ما زالت تحدث في سوريا حتى الآن». ويشير البني إلى أن الشاهد «حفار القبور» كان ما زال يعمل على دفن المعتقلين حتى عام 2017، حين غادر البلاد ما يؤكد أن هذه الجرائم ما زالت تجري في معتقلات سوريا حتى الآن. ولكن بالنسبة للبني، فإن أهم ما كشفته شهادة «حفار القبور»، هو «الحلقة المفقودة»، والسؤال الأزلي حول «أين تذهب جثث المعتقلين؟»، أو ماذا يحدث للمعتقلين المفقودين الذين يدخلون الأفرع الأمنية ثم يختفون. ويقول: «الآن بتنا نعرف». ولكن الأهم في شهادة الرجل، كانت بالنسبة للبني، أنها تربط منهجية القتل الجماعي بكل الأفرع الأمنية في سوريا، وتؤكد أن النظام بأكمله متورط.
والواقع أن عدداً من عائلات مفقودين سوريين، اكتشفوا مصير أبنائهم بعد أن شاهدوا صور جثثهم بين مجموعات صور قيصر، المصور العسكري السوري الذي هرب وهرّب معه آلاف الصور التي تظهر جثث معتقلين وعليه آثار التعذيب. وهذه الصور تشكل جزءاً من الأدلة التي استخدمها الادعاء في محاكمة كوبلنز الجارية.

مقابر جماعية
وأكثر من هذا، فإن «حفار القبور» تحدث بالفعل عن جثث كان تحمل بشاحنات مبردة تأتي من كل الأفرع الأمنية والمستشفيات العسكرية، ولكن أيضاً مستشفيات مدنية. وروى كيف «جنده» أحد عناصر المخابرات في عام 2011، وطلب منه أن يعد فريقاً من 10 إلى 15 رجلاً، يكونون مسؤولين عن مرافقة شاحنات محملة بجثث، أربع مرات أسبوعياً، باتجاه مقابر جماعية. وروى أن المخابرات أمنت له شاحنة صغيرة من دون لوحة وعليها صور بشار الأسد. في كل نقلة، قال إن عدد الشاحنات كان يتراوح بين واحدة وثلاثة، تنقل مئات الجثث المكدسة فوق بعضها. وكل شحنة كانت ترافقها لائحة بأسماء المراكز الأمنية التي جاءت منها الجثث، وكان من بينها مركز الخطيب.
أما الجثث فلم يكن لها أسماء. بعضها حتى كانت وجوهها مشوهة. ربما بالأسيد. كانت الجثث مجرد أرقام. أرقام ورموز محفورة على الجبين أو الصدر. بعضها كانت يداه لا تزال مقيدة خلف ظهره. وجميعها ملطخة بالكدمات أو الدماء بأظافر مقلعة. قدر «حفار القبور»، عدد الجثث التي كانت تنقل إلى المقابر الجماعية في كل نقلة، بين 300 و700 جثة. وحدد كذلك مسار الشاحنات التي كانت تنطلق إلى المقابر الجماعية، فجراً، بين الرابعة والخامسة. من مستشفيات تشرين وحرستا ومزة العسكرية، إلى مقبرتين جماعيتين في القطيفة شمال دمشق، والنجها جنوب دمشق. وهناك، تفرّغ الجثث عشوائياً في الحفرة العملاقة بعمق 6 أمتار وطول مائة متر. وقد يستغرق ملء كل حفرة قرابة 150 نقلة.
استمر «حفار القبور» يؤدي هذه الوظيفة منذ عام 2011 حتى عام 2017. لم تكشف تفاصيل أكثر عن هوية هذا الشاهد، رغم طلب محامي الدفاع، خوفاً على عائلته التي لا تزال في سوريا. وقد انتهت معه الجلسة 31 من جلسات هذه المحاكمة التي استمعت لعدد كبير من الشهود حتى الآن، كان من بينهم خمسة معتقلين سابقين.

صوت رسلان ووجهه
ورغم أن أياً من المعتقلين لم يتعرف على رسلان بالشكل، كونهم كانوا معصوبي الأعين وقت استجوابهم في معتقل الخطيب، فإن أدلة أخرى ظهرت تثبت أن رسلان كان محققاً في الفرع 251، كما كان يعرف ذاك المركز، وكان يعطي أوامر التعذيب. فالمتهم رسلان الذي يرفض الحديث في المحكمة ويتحدث فقط عبر محاميه، كان قد اعترف في استجواب سابق مع محقق ألماني قبل أن تبدأ المحاكمة، بأنه استجوب أحد الشهود الأساسيين في المحكمة، وهو وسيم المقداد، العازف السوري المشهور الذي وصل لاجئاً إلى ألمانيا. ورغم أن رواية رسلان للمحقق الألماني حول استجوابه للمقداد كانت مختلفة عما تحدث به الشاهد، فإنها كانت اعترافاً ضمنياً منه بأنه هو المحقق والآمر بالتعذيب. ذلك أن المقداد بشهادته أمام المحكمة، قال إن محققاً واحداً هو من استجوبه طيلة فترة اعتقاله في فرع الخطيب، وإنه لو سمع صوته فبإمكانه التعرف عليه فوراً. ولكنه لم يرَ وجهه لأن عينيه كانتا معصوبتين، كما حال كل المعتقلين السوريين الذين تعصب أعينهم كي لا يتمكنوا من التعرف على المحقق. وطلب المقداد، وشهود غيره، عينة صوتية من رسلان للتأكد بأنه هو نفسه المحقق الذي أعطى أوامر تعذيبهم. ولكن محاميه رفض الأمر بشكل قاطع.
ورغم أن الشهود حتى الآن لم يتعرفوا على وجه رسلان، فإن البني يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسات المقبلة ستشهد مثول شهود يمكنهم التعرف على وجه رسلان، لأنهم كانوا قد شاهدوه في السجن بسوريا. على أي حال، الجلسات المجدولة حتى الآن لغاية مايو (أيار) المقبل، قد تمدد في حال الحاجة، وستستمع لمزيد من الشهود الذين طلبهم الادعاء والدفاع. فالدفاع حتى الآن لم يقدم إلا شاهداً واحداً، هو المعارض السوري المعروف رياض سيف، المقيم في برلين. وحتى شاهد الدفاع الأول، لم يشهد لصالح رسلان في النهاية. فسيف، المعارض السوري المعروف والعضو السابق في الائتلاف الوطني المعارض، نفى معرفته الشخصية المسبقة برسلان، رغم تأكيده أنه أوصى به لدى الخارجية الألمانية عندما قدم رسلان طلب لجوئه إلى ألمانيا من تركيا. وبرر سيف هذه التوصية التي أرسلها، بأنها جاءت بناء على توصية أخرى من صهره ورغبة منه بمساعدة منشق، أملاً في الحصول منه على معلومات عن مصير المعتقلين. وأكد سيف أنه رغم لقائه برسلان مرتين في برلين، فهو لم يتمكن من أن يحصل منه على أي معلومة تتعلق بالمعتقلين.
وكشف سيف، كذلك، أن رسلان كان من ضمن أوائل الوفود المعارضة المشاركة في مؤتمرات جنيف للحوار مع النظام. واعترف سيف بخطأ توصيته برسلان من دون التأكد والتدقيق بخلفيته. وبحسب المحامي أنور البني، فإن شهادة سيف جاءت لصالح المدعين، وأن رسلان نفسه تفاجأ بالكلام الذي أدلى به سيف.
وكان رسلان قد وصل لاجئاً إلى ألمانيا عام 2015 بعد أن انشق عن النظام ولجأ إلى تركيا في البداية، ثم منها وصل إلى ألمانيا حاملاً تأشيرة دخول من السفارة الألمانية في عمّان. وقدم في برلين طلب لجوء، ساعده فيه رياض سيف بتوصية مكتوبة للخارجية الألمانية.
ويرفض رسلان الاتهامات الموجهة إليه، وقال عبر محاميه في رسالة وجهها للمحكمة في الأسبوع الثاني من المحاكمة تلاها محاموه، إنه لا علم له بعمليات تعذيب كانت تجري في فرع الخطيب، وزعم حتى أنه كان يساعد بعض المعتقلين. واعتقل رسلان بعد أن لجأ للشرطة في برلين ليبلغ عن مخاوف من تعرضه للملاحقة والمراقبة من قبل سوريين. واعترف أثناء بلاغه للشرطة، بأنه كان ضابطاً في الجيش السوري، ما دفع بالشرطة لتحويل ملفه للشرطة الجنائية لفتح تحقيق في مدى إمكانية ارتكابه لجرائم.
أما أياد الغريب الذي وصل إلى ألمانيا عام 2018، فقد اعتقل بعد أن أدلى بشهادتة أمام دائرة الهجرة في ألمانيا واعترف بأنه كان يعمل مع المخابرات السورية. وهو يرفض التهم الموجهة إليه كذلك. وفي الجلسة الأخيرة من المحاكمة المشتركة مع رسلان، أعلنت القاضية أن ملف الغريب سيتم فصله عن محاكمة رسلان في الأشهر المقبلة. والجرائم التي يتهم بها الغريب ليست بالمستوى نفسه، مقارنة بالتهم الموجهة لرسلان التي تعد عقوبتها أشد بكثير.



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».