شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

لم تكشف محكمة جرائم الحرب عن اسمه ولا هويته... ودخل القاعة متنكراً

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
TT

شهادة «حفار القبور» السوري في ألمانيا تستعيد صور جرائم النازية

عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين  للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)
عرض «المظاهرة الصامتة» عن ضحايا التعذيب السوريين للفنان خالد بركة أمام محكمة كوبلنز يوليو الماضي (رويترز)

أثارت شهادة «حفار القبور» التي أدلى بها في الجلسة 31 الأخيرة الأسبوع الماضي، لمحاكمة مسؤولين سوريين على جرائم حرب، في مدينة كوبلنز غرب ألمانيا، كثيراً من الصدمة داخل قاعة المحكمة ولدى الصحافيين الألمان الذين كانوا يستمعون لشهادته، وأعادت إلى أذهانهم كثيراً من الصور المألوفة هنا، في بلد ما زال يعيش وصمة جرائم النازيين.
من الصور التي تأبى أن تغادر ذاكرة «حفار القبور» السوري، جثة امرأة كانت في أسفل ردمة الجثث التي كان ينقلها لدفنها في مقبرة جماعية في دمشق، فالمرأة كانت لا تزال تعانق طفلها الميت بين ذراعيها. يتذكر «حفار القبور» الذي كان حتى تلك اللحظة يتمالك نفسه، تلك الصورة، وينهار بالبكاء. تطلب القاضية الألمانية في محكمة كوبلنز التي تستمع لشهادة الرجل، استراحة ريثما يستعيد أنفاسه ويتابع. صور أخرى، يقول إنها ما زالت عالقة في ذهنه أكثر من غيرها. مثل تلك اللحظة التي شاهد فيها رجلاً بين كومة من مئات أو آلاف الجثث، ما زال يتنفس، حتى أمر الضابط السوري المسؤول، بسير المجرفة التي كانت تحفر القبور الجماعية، فوق جسده، لتحوله جثة بين كومة من الجثث. فالرجل الذي لم تكشف المحكمة عن اسمه ولا هويته، دخل القاعة متنكراً، مخبئاً وجهه خلف قناع لم ينزعه طوال 3 ساعات هي مدة إدلائه بشهادته.
والمحاكمة المقصودة هي تلك التي يحاكم فيها الضابط السوري السابق أنور رسلان والمجند السابق أياد الغريب، عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبوها في سوريا بعد الثورة عام 2011. فهذه المحاكمة التي انطلقت قبل أربعة أشهر تقريباً، هي أول محاكمة لمسؤولين أمنيين في النظام السوري يحاكمون بجرائم حرب. المتهمان، أنور رسلان وأياد الغريب، هما الوحيدان حتى الآن اللذان نجح محامون وناشطون سوريون وأوروبيون، في جمع ملفات كافية عنهما، لوضعهما في قصف الاتهام. رسلان متهم بالمسؤولية عن تعذيب نحو 4 آلاف شخص، وقتل 58 آخرين في فرع الخطيب بدمشق، أما الغريب فمتهم بالقبض على متظاهرين وتسليمهم لفرع الخطيب حيث كانوا يتعرضون للتعذيب والقتل أحياناً.
ومنذ انطلاق المحاكمة في مدينة كوبلنز الألمانية في 23 أبريل (نيسان) الماضي، والعالم يستمع للمرة الأولى، بصدمة شديدة، لما يعيشه السوريون منذ سنوات: اعتقالات تعسفية، عمليات تعذيب لا تطاق، ومقابر جماعية يديرها النظام السوري. المحامي السوري أنور البني الذي يجمع الشهود في هذه المحاكمة، وقدم هو نفسه شهادته أمامه بصفته معتقلاً سابقاً، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الصدمة التي شعر بها الألمان «لم تحدثها فقط معرفتهم بأن هذه الجرائم حصلت في سوريا، بل لأن عدداً منهم قارنها بما حدث أيام النازيين ومحاكمات أوشفيتز»، في ألمانيا. ويضيف أن «الصدمة الكبرى، هي في حقيقة أن هذه الجرائم ما زالت تحدث في سوريا حتى الآن». ويشير البني إلى أن الشاهد «حفار القبور» كان ما زال يعمل على دفن المعتقلين حتى عام 2017، حين غادر البلاد ما يؤكد أن هذه الجرائم ما زالت تجري في معتقلات سوريا حتى الآن. ولكن بالنسبة للبني، فإن أهم ما كشفته شهادة «حفار القبور»، هو «الحلقة المفقودة»، والسؤال الأزلي حول «أين تذهب جثث المعتقلين؟»، أو ماذا يحدث للمعتقلين المفقودين الذين يدخلون الأفرع الأمنية ثم يختفون. ويقول: «الآن بتنا نعرف». ولكن الأهم في شهادة الرجل، كانت بالنسبة للبني، أنها تربط منهجية القتل الجماعي بكل الأفرع الأمنية في سوريا، وتؤكد أن النظام بأكمله متورط.
والواقع أن عدداً من عائلات مفقودين سوريين، اكتشفوا مصير أبنائهم بعد أن شاهدوا صور جثثهم بين مجموعات صور قيصر، المصور العسكري السوري الذي هرب وهرّب معه آلاف الصور التي تظهر جثث معتقلين وعليه آثار التعذيب. وهذه الصور تشكل جزءاً من الأدلة التي استخدمها الادعاء في محاكمة كوبلنز الجارية.

مقابر جماعية
وأكثر من هذا، فإن «حفار القبور» تحدث بالفعل عن جثث كان تحمل بشاحنات مبردة تأتي من كل الأفرع الأمنية والمستشفيات العسكرية، ولكن أيضاً مستشفيات مدنية. وروى كيف «جنده» أحد عناصر المخابرات في عام 2011، وطلب منه أن يعد فريقاً من 10 إلى 15 رجلاً، يكونون مسؤولين عن مرافقة شاحنات محملة بجثث، أربع مرات أسبوعياً، باتجاه مقابر جماعية. وروى أن المخابرات أمنت له شاحنة صغيرة من دون لوحة وعليها صور بشار الأسد. في كل نقلة، قال إن عدد الشاحنات كان يتراوح بين واحدة وثلاثة، تنقل مئات الجثث المكدسة فوق بعضها. وكل شحنة كانت ترافقها لائحة بأسماء المراكز الأمنية التي جاءت منها الجثث، وكان من بينها مركز الخطيب.
أما الجثث فلم يكن لها أسماء. بعضها حتى كانت وجوهها مشوهة. ربما بالأسيد. كانت الجثث مجرد أرقام. أرقام ورموز محفورة على الجبين أو الصدر. بعضها كانت يداه لا تزال مقيدة خلف ظهره. وجميعها ملطخة بالكدمات أو الدماء بأظافر مقلعة. قدر «حفار القبور»، عدد الجثث التي كانت تنقل إلى المقابر الجماعية في كل نقلة، بين 300 و700 جثة. وحدد كذلك مسار الشاحنات التي كانت تنطلق إلى المقابر الجماعية، فجراً، بين الرابعة والخامسة. من مستشفيات تشرين وحرستا ومزة العسكرية، إلى مقبرتين جماعيتين في القطيفة شمال دمشق، والنجها جنوب دمشق. وهناك، تفرّغ الجثث عشوائياً في الحفرة العملاقة بعمق 6 أمتار وطول مائة متر. وقد يستغرق ملء كل حفرة قرابة 150 نقلة.
استمر «حفار القبور» يؤدي هذه الوظيفة منذ عام 2011 حتى عام 2017. لم تكشف تفاصيل أكثر عن هوية هذا الشاهد، رغم طلب محامي الدفاع، خوفاً على عائلته التي لا تزال في سوريا. وقد انتهت معه الجلسة 31 من جلسات هذه المحاكمة التي استمعت لعدد كبير من الشهود حتى الآن، كان من بينهم خمسة معتقلين سابقين.

صوت رسلان ووجهه
ورغم أن أياً من المعتقلين لم يتعرف على رسلان بالشكل، كونهم كانوا معصوبي الأعين وقت استجوابهم في معتقل الخطيب، فإن أدلة أخرى ظهرت تثبت أن رسلان كان محققاً في الفرع 251، كما كان يعرف ذاك المركز، وكان يعطي أوامر التعذيب. فالمتهم رسلان الذي يرفض الحديث في المحكمة ويتحدث فقط عبر محاميه، كان قد اعترف في استجواب سابق مع محقق ألماني قبل أن تبدأ المحاكمة، بأنه استجوب أحد الشهود الأساسيين في المحكمة، وهو وسيم المقداد، العازف السوري المشهور الذي وصل لاجئاً إلى ألمانيا. ورغم أن رواية رسلان للمحقق الألماني حول استجوابه للمقداد كانت مختلفة عما تحدث به الشاهد، فإنها كانت اعترافاً ضمنياً منه بأنه هو المحقق والآمر بالتعذيب. ذلك أن المقداد بشهادته أمام المحكمة، قال إن محققاً واحداً هو من استجوبه طيلة فترة اعتقاله في فرع الخطيب، وإنه لو سمع صوته فبإمكانه التعرف عليه فوراً. ولكنه لم يرَ وجهه لأن عينيه كانتا معصوبتين، كما حال كل المعتقلين السوريين الذين تعصب أعينهم كي لا يتمكنوا من التعرف على المحقق. وطلب المقداد، وشهود غيره، عينة صوتية من رسلان للتأكد بأنه هو نفسه المحقق الذي أعطى أوامر تعذيبهم. ولكن محاميه رفض الأمر بشكل قاطع.
ورغم أن الشهود حتى الآن لم يتعرفوا على وجه رسلان، فإن البني يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسات المقبلة ستشهد مثول شهود يمكنهم التعرف على وجه رسلان، لأنهم كانوا قد شاهدوه في السجن بسوريا. على أي حال، الجلسات المجدولة حتى الآن لغاية مايو (أيار) المقبل، قد تمدد في حال الحاجة، وستستمع لمزيد من الشهود الذين طلبهم الادعاء والدفاع. فالدفاع حتى الآن لم يقدم إلا شاهداً واحداً، هو المعارض السوري المعروف رياض سيف، المقيم في برلين. وحتى شاهد الدفاع الأول، لم يشهد لصالح رسلان في النهاية. فسيف، المعارض السوري المعروف والعضو السابق في الائتلاف الوطني المعارض، نفى معرفته الشخصية المسبقة برسلان، رغم تأكيده أنه أوصى به لدى الخارجية الألمانية عندما قدم رسلان طلب لجوئه إلى ألمانيا من تركيا. وبرر سيف هذه التوصية التي أرسلها، بأنها جاءت بناء على توصية أخرى من صهره ورغبة منه بمساعدة منشق، أملاً في الحصول منه على معلومات عن مصير المعتقلين. وأكد سيف أنه رغم لقائه برسلان مرتين في برلين، فهو لم يتمكن من أن يحصل منه على أي معلومة تتعلق بالمعتقلين.
وكشف سيف، كذلك، أن رسلان كان من ضمن أوائل الوفود المعارضة المشاركة في مؤتمرات جنيف للحوار مع النظام. واعترف سيف بخطأ توصيته برسلان من دون التأكد والتدقيق بخلفيته. وبحسب المحامي أنور البني، فإن شهادة سيف جاءت لصالح المدعين، وأن رسلان نفسه تفاجأ بالكلام الذي أدلى به سيف.
وكان رسلان قد وصل لاجئاً إلى ألمانيا عام 2015 بعد أن انشق عن النظام ولجأ إلى تركيا في البداية، ثم منها وصل إلى ألمانيا حاملاً تأشيرة دخول من السفارة الألمانية في عمّان. وقدم في برلين طلب لجوء، ساعده فيه رياض سيف بتوصية مكتوبة للخارجية الألمانية.
ويرفض رسلان الاتهامات الموجهة إليه، وقال عبر محاميه في رسالة وجهها للمحكمة في الأسبوع الثاني من المحاكمة تلاها محاموه، إنه لا علم له بعمليات تعذيب كانت تجري في فرع الخطيب، وزعم حتى أنه كان يساعد بعض المعتقلين. واعتقل رسلان بعد أن لجأ للشرطة في برلين ليبلغ عن مخاوف من تعرضه للملاحقة والمراقبة من قبل سوريين. واعترف أثناء بلاغه للشرطة، بأنه كان ضابطاً في الجيش السوري، ما دفع بالشرطة لتحويل ملفه للشرطة الجنائية لفتح تحقيق في مدى إمكانية ارتكابه لجرائم.
أما أياد الغريب الذي وصل إلى ألمانيا عام 2018، فقد اعتقل بعد أن أدلى بشهادتة أمام دائرة الهجرة في ألمانيا واعترف بأنه كان يعمل مع المخابرات السورية. وهو يرفض التهم الموجهة إليه كذلك. وفي الجلسة الأخيرة من المحاكمة المشتركة مع رسلان، أعلنت القاضية أن ملف الغريب سيتم فصله عن محاكمة رسلان في الأشهر المقبلة. والجرائم التي يتهم بها الغريب ليست بالمستوى نفسه، مقارنة بالتهم الموجهة لرسلان التي تعد عقوبتها أشد بكثير.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.