«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

باحثة كويتية تتّبعت المصادر التاريخية لسيرة المؤسس قبل قيام المملكة

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
TT

«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)

يمثل كتاب «حياة الملك عبد العزيز... في الكويت... خلال الفترة من 1892م – 1902م» سجلاً «تاريخياً» و«وثائقياً»، لسيرة وشخصية مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويوثّق لحياته في الكويت التي امتدت نحو عشر سنوات، في الفترة 1892 - 1902م، حتى استرداده للرياض.
مؤلفة الكتاب هي الكاتبة الكويتية شيماء نبيل عبد الله الملا، وصدر عن دار «شيماء نبيل الملا للنشر والتوزيع» في 222 صفحة من الحجم الكبير.
في البداية، تشرح المؤلفة الصعوبات في تتبّع المصادر العربية والأجنبية، حيث «واجهتُ في أثناء فترة إعدادي لهذا الكتاب، والتي تجاوزت العامين، مشكلة شُحّ المصادر التاريخية لهذه المرحلة التاريخية من حياة الملك عبد العزيز... ومن خلال اطّلاعي وبحثي في المكتبات في (الرياض – الكويت – إسطنبول – لندن) تمكنت من الحصول على (مواد الكتاب: الوثائق والصور، والقصائد) لهذا البحث» (ص 10). كما «واجهتُ مشكلة عدم توفر أي صورة تاريخية للبيت الذي كان يسكن فيه الإمام عبد الرحمن بن سعود، وأسرته في الكويت (بمنطقة المباركية) منذ عام 1892م حتى عام 1902م، حيث أُزيل هذا البيت في أثناء عملية هدم البيوت القديمة في بداية الخمسينات وبناء الأسواق والمجمعات التجارية».

الملك المؤسس
يقدم الكتاب نبذة عن الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية، «الذي وضع لبنات مؤسسات الدولة على قواعد عصرية حديثة، حتى شرع في تنفيذ أكبر مشروع حضاري ساعده في تحقيق قدر كبير جداً من الاستقرار، وهو مشروع توطين البدو الرُّحل في تجمعات سكنية، أُطلق عليها آنذاك اسم (هجر)» (ص 15).
كما «عمد –الملك عبد العزيز- بعد ذلك إلى تأمين طرق الحجّ، وأتبع ذلك إجراء تحسينات وترميمات واسعة في المسجد الحرام، وأحدث توسعة في المسجد النبوي الشريف» (ص 15).
وفي حديثها عن «الملك المؤسس»، تستعرض المؤلفة آراء العديد من رجال السياسة والرحالة الغربيين الذي بهرتهم شخصية الملك عبد العزيز، ومنهم الرحالة والسياسي البريطاني جون فيلبي الذي رأى أن الملك عبد العزيز «جندي ناجح، ومصلح أصيل، تقي كل التقى، صريح حازم، ذكي متواضع، ولا أعلم في العالم حاكماً غيره تتحدث معه رعيّته بمثل الحرية التي تتحدث بها رعية عبد العزيز معه»، والسياسي الأميركي هـ.س. آرمسترونغ، مؤلف كتاب «سيد الجزيرة العربية، عبد العزيز آل سعود»، (1934)، الذي قال: «كان الملك عبد العزيز سخي اليد، كبير القلب، يتمتع بصبر لا حدود له، وكان يعلم طريقة التعامل مع شيوخ القبائل، وكيف يشبع كبرياءهم، ويتجاهل نفسه، كان يتمتع بالخصائص التي يعجب بها العرب» (ص 16).
ومن بين الآراء التي عرضها الكتاب لرجال السياسة والرحالة الأجانب، المستشرق المجري جومانوس، والرحالة الإنجليزي كنت ويلمز، والسياسي الهندي جواهر لال نهرو، والطبيب البريطاني الذي يعمل في الإرسالية الأميركية في البحرين والكويت، الدكتور ستانلي ميليريا، والدكتور بول هاريسون من الإرسالية الأميركية في البصرة والكويت والبحرين.

الدولة السعودية الأولى والثانية
تقسم المؤلفة الكتاب إلى خمسة أبواب؛ تستعرض رحلة مانع بن ربيعة المريدي، جدّ آل سعود، في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) من مكان قرب القطيف إلى وادي حنيفة، حيث منازل قبيلته، حيث أسس إمارة الدرعية الأولى، «وبتولي الأمير محمد بن سعود إمارة الدرعية بدأ عصر جديد في تاريخ الجزيرة العربية كلها» (ص 23).
ويتناول الباب الأول قيام الدولة السعودية الأولى التي بدأت منذ عام 1157هـ (1744م)، حيث «يقف على رأس شجرة الحكم السعودي الأمير محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وإليه يرجع تأسيس حكم آل سعود، حينما تولّى حكم إمارة الدرعية في بدايات القرن الثاني عشر» (ص 24).
امتدت فترة حكم محمد بن سعود بين عامي 1726 و1765م وتزامن ذلك مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث أقاما تحالفاً بينهما.
في الباب الأول كذلك، تتناول المؤلفة قيام الدولة السعودية الثانية التي بدأت عام 1240هـ - 1824م في ذات العام الذي فتح فيه الإمام تركي بن عبد الله، مدينة الرياض، بعد معارك شرسة دارت رحاها مع الضابط العثماني عبوش، الذي كان يرابط مع جنوده في مدينة عنيزة، والذي تمكن من الأمير مشاري بن سعدة فقتله، غير أن الأمير تركي استطاع هزيمته، وأبعد قوات محمد علي، وأخضع نجداً والأحساء والقطيف لإمارته، وقد استمرت الدولة الثانية حتى عام 1309هـ - 1891م، وانتهت بسيطرة ابن الرشيد على الرياض ورحيل الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي (والد الملك عبد العزيز) إلى خارج الرياض (ص 27).
يتناول الباب الثاني، ميلاد الملك عبد العزيز في مدينة الرياض، (1876) ثمّ رحيله منها إلى «يبرين» على الطرف الشمالي الغربي من الربع الخالي، حيث سكنوا البادية مع قبيلة (آل مرة)... (ص 34)، ثمّ وصول الملك عبد العزيز إلى البحرين، بحثاً عن مكان آمن لأسرته، وكان يرى أن إقامته في الأحساء أفضل، فأرسل عبد العزيز إلى متصرف الدولة العثمانية في الأحساء عاكف باشا، لمفاوضته في هذا الشأن... لكنّه كان لمتصرف الأحساء هدفٌ آخر، فقد أراد الضغط على الإمام عبد الرحمن لقبول الطلب العثماني بتعيينه حاكماً على الرياض من الدولة العثمانية وأن يكون تابعاً للدولة العثمانية... وفي أثناء اجتماع عبد العزيز مع هذا المتصرف استمع منه لهذا العرض وأن الدولة العثمانية ستصرف له خراجاً سنوياً بمقدار ألف ليرة إذا قَبِل الطلب، لكن عبد العزيز ردّ عليه قائلاً: «لن يقبل والدي الإمام عبد الرحمن هذا الطلب، وأنا لن أقبل أيضاً بهذا الطلب، وإننا لن نتنازل عن حقنا في حكم أرض آبائنا وأجدادنا، وإن شاء الله سنستردّ الرياض» (ص 40).
بعدها أرسل الإمام عبد الرحمن ابنه عبد العزيز إلى أمير الكويت الشيخ محمد بن صباح الصباح (حاكم الكويت خلال الفترة 1892 حتى 1896م) طالباً منه إقامته بالكويت مع أسرته ومرافقيه (1892)، ولكنّ الشيخ محمد الصباح اعتذر عن ذلك، لأنه لم يجرؤ على الجمع بين مناوءة محمد بن الرشيدن ومخالفة سياسة العثمانيين (ص 41).
المحطة التالية كانت قطر التي رحّب شيخها جاسم آل ثاني بإقامة الأسرة هناك، حيث انتقلت في 1892م وأقاموا فيها أربعة أشهر (ص 42).

الاستقرار في الكويت
في الباب الثالث تسهب المؤلفة في تفصيل انتقال الإمام عبد الرحمن، وولده عبد العزيز، إلى الكويت، حيث استقبل أمير الكويت الشيخ محمد الصباح، سفن عبد العزيز بن سعود وأسرته في ميناء الكويت، وأوكل إلى زوجته الشيخة مريم حمد الصباح مهمة استقبال زوجة الإمام عبد الرحمن (والدة الملك عبد العزيز) سارة السديري، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 1892 (ص 48).
وقد استقرّ عبد العزيز في بيت عائلة «العامر» بالكويت، وصاحب البيت هو علي العامر، من تجار الخيول في الكويت، وقد فتك به وعائلته الطاعون عام 1831م، مثلما قضى على عوائل كثيرة في الكويت، وبقي البيت مهملاً حتى تمّ تجهيزه لسكن عائلة الإمام ابن سعود، ويقع البيت في منطقة المباركية إلى جانب براحة السبعان (ص 49).
في هذا الفصل يتعرف القارئ على حياة الملك عبد العزيز في الكويت، حيث تلقى فيها شطراً من التعليم، كما تعرف على الدواوين الكويتية وتوطدت علاقته مع الشيخ مبارك الصباح: «تعاهد الشيخ مبارك والإمام عبد الرحمن على أن يكونا يداً واحدة في استرداد الرياض والوقوف في وجه أطماع أمير حائل، ابن الرشيد... لذلك دعا الشيخ مبارك الإمام عبد الرحمن في أثناء إقامته في الكويت وأدخله خزائن مملوءة بالبنادق والبارود والسلاح والنقود» (ص 56). في هذا الباب تعرض المؤلفة لزواج الملك عبد العزيز الأول من شريفة صقر الفجري من قبيلة ابن خالد، وتمّ الزواج عام 1894م، ولكن وافتها المنية بعد 6 أشهر من زواجهما. كما تتناول المؤلفة علاقة عبد العزيز المميزة مع أخته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن (وُلدت في الرياض علم 1875م) والتي كانت مصدر إلهام وتشجيع له، ثمّ زواج عبد العزيز الثاني عام 1899م من وضحى بنت محمد آل عريعر، من قبيلة ابن خالد أيضاً، والتي أنجبت له تركي (الأول) وسعود (الملك) ومنيرة.

معركة الصريف
خصصت المؤلفة الباب الرابع من كتابها للحديث عن استرداد الرياض، فقد خرج الإمام عبد الرحمن وابنه عبد العزيز من الكويت مع مقاتليهم في النصف الأول من عام 1900م، إلى إقليم «سدير» في نجد، وأغار على قبيلة قحطان الموالية لأمير حائل عبد العزيز بن رشيد، ثم توجه عبد العزيز إلى الرياض بهدف استردادها، حيث اجتاز ما بين الشوكى والرياض في يومين، وكان حاكم الرياض من قِبَل ابن الرشيد هو عجلان بن محمد.
وشارك الملك عبد العزيز في معركة الصريف بين إمارة الكويت وإمارة جبل شمر، وانتهت المعركة شمال شرقي مدينة بريدة في القصيم في 17 مارس (آذار) 1901م.
وبعد المعركة التي حُسمت لصالح ابن الرشيد عاد عبد العزيز ومقاتليه إلى الكويت...
وفي الباب الخامس، تبدأ المؤلفة عرض نتائج معركة الصريف، حيث عسكر ابن الرشيد بقواته شمال الكويت لكنه تراجع بطلب من الدولة العثمانية «كي لا تنجرّ لصراع مع بريطانيا» (ص 77).
وقد تركت هزيمة الصريف أثرها في نفس مبارك الصباح، الذي آثر عدم المجازفة في حرب أخرى في الصحراء (حسب رواية عبد الله فيلبي)، لولا أن مؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد يضع تردد مبارك الصباح على أنه «خطة محكمة» لـ«تشتيت انتباه الخصم» (ص 77).
على أي حال، أصرّ عبد العزيز على استرداد الرياض، حيث خرج من الكويت بقوة صغيرة قوامها 40 مقاتلاً. حيث يذكر الريحاني أن الشيخ مبارك قدّم له «أربعين ذلولاً وثلاثين بندقية ومائتي ريال وبعض الزاد» (ص 79).
وخروج الملك عبد العزيز بهذا العدد من المقاتلين «يوحي بأنه دبّر الأمر ورتّبه من كل النواحي، بل يوحي بأنه فضّل الخروج بتلك القلة القليلة، لكي يكون سريع الحركة والوثب والكر والفر، فيما لو واجهته قوات ابن رشيد، وأنها ستكون أخفّ عبئاً في التمويل» (ص 82).
ثم تعرض المؤلفة بكثير من التفصيل لليلة استرداد الرياض بعد طول انتظار ومعاناة وقد تمّ ذلك فجر يوم الخامس من شهر شوال 1319هـ، 15 يناير (كانون الثاني) 1902.
 



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».