«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

باحثة كويتية تتّبعت المصادر التاريخية لسيرة المؤسس قبل قيام المملكة

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
TT

«حياة الملك عبد العزيز في الكويت»... حتى استرداد الرياض

 الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)
الملك عبد العزيز في الكويت مع الأمير مبارك الصباح ويرافق الملك أخوانه محمد، مسعود، سعد، عبد الله وابنه تركي (الصورة: وليم أتش. آي: شكسبير. المصدر: الجمعية الجغرافية الملكية)

يمثل كتاب «حياة الملك عبد العزيز... في الكويت... خلال الفترة من 1892م – 1902م» سجلاً «تاريخياً» و«وثائقياً»، لسيرة وشخصية مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ويوثّق لحياته في الكويت التي امتدت نحو عشر سنوات، في الفترة 1892 - 1902م، حتى استرداده للرياض.
مؤلفة الكتاب هي الكاتبة الكويتية شيماء نبيل عبد الله الملا، وصدر عن دار «شيماء نبيل الملا للنشر والتوزيع» في 222 صفحة من الحجم الكبير.
في البداية، تشرح المؤلفة الصعوبات في تتبّع المصادر العربية والأجنبية، حيث «واجهتُ في أثناء فترة إعدادي لهذا الكتاب، والتي تجاوزت العامين، مشكلة شُحّ المصادر التاريخية لهذه المرحلة التاريخية من حياة الملك عبد العزيز... ومن خلال اطّلاعي وبحثي في المكتبات في (الرياض – الكويت – إسطنبول – لندن) تمكنت من الحصول على (مواد الكتاب: الوثائق والصور، والقصائد) لهذا البحث» (ص 10). كما «واجهتُ مشكلة عدم توفر أي صورة تاريخية للبيت الذي كان يسكن فيه الإمام عبد الرحمن بن سعود، وأسرته في الكويت (بمنطقة المباركية) منذ عام 1892م حتى عام 1902م، حيث أُزيل هذا البيت في أثناء عملية هدم البيوت القديمة في بداية الخمسينات وبناء الأسواق والمجمعات التجارية».

الملك المؤسس
يقدم الكتاب نبذة عن الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية، «الذي وضع لبنات مؤسسات الدولة على قواعد عصرية حديثة، حتى شرع في تنفيذ أكبر مشروع حضاري ساعده في تحقيق قدر كبير جداً من الاستقرار، وهو مشروع توطين البدو الرُّحل في تجمعات سكنية، أُطلق عليها آنذاك اسم (هجر)» (ص 15).
كما «عمد –الملك عبد العزيز- بعد ذلك إلى تأمين طرق الحجّ، وأتبع ذلك إجراء تحسينات وترميمات واسعة في المسجد الحرام، وأحدث توسعة في المسجد النبوي الشريف» (ص 15).
وفي حديثها عن «الملك المؤسس»، تستعرض المؤلفة آراء العديد من رجال السياسة والرحالة الغربيين الذي بهرتهم شخصية الملك عبد العزيز، ومنهم الرحالة والسياسي البريطاني جون فيلبي الذي رأى أن الملك عبد العزيز «جندي ناجح، ومصلح أصيل، تقي كل التقى، صريح حازم، ذكي متواضع، ولا أعلم في العالم حاكماً غيره تتحدث معه رعيّته بمثل الحرية التي تتحدث بها رعية عبد العزيز معه»، والسياسي الأميركي هـ.س. آرمسترونغ، مؤلف كتاب «سيد الجزيرة العربية، عبد العزيز آل سعود»، (1934)، الذي قال: «كان الملك عبد العزيز سخي اليد، كبير القلب، يتمتع بصبر لا حدود له، وكان يعلم طريقة التعامل مع شيوخ القبائل، وكيف يشبع كبرياءهم، ويتجاهل نفسه، كان يتمتع بالخصائص التي يعجب بها العرب» (ص 16).
ومن بين الآراء التي عرضها الكتاب لرجال السياسة والرحالة الأجانب، المستشرق المجري جومانوس، والرحالة الإنجليزي كنت ويلمز، والسياسي الهندي جواهر لال نهرو، والطبيب البريطاني الذي يعمل في الإرسالية الأميركية في البحرين والكويت، الدكتور ستانلي ميليريا، والدكتور بول هاريسون من الإرسالية الأميركية في البصرة والكويت والبحرين.

الدولة السعودية الأولى والثانية
تقسم المؤلفة الكتاب إلى خمسة أبواب؛ تستعرض رحلة مانع بن ربيعة المريدي، جدّ آل سعود، في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) من مكان قرب القطيف إلى وادي حنيفة، حيث منازل قبيلته، حيث أسس إمارة الدرعية الأولى، «وبتولي الأمير محمد بن سعود إمارة الدرعية بدأ عصر جديد في تاريخ الجزيرة العربية كلها» (ص 23).
ويتناول الباب الأول قيام الدولة السعودية الأولى التي بدأت منذ عام 1157هـ (1744م)، حيث «يقف على رأس شجرة الحكم السعودي الأمير محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وإليه يرجع تأسيس حكم آل سعود، حينما تولّى حكم إمارة الدرعية في بدايات القرن الثاني عشر» (ص 24).
امتدت فترة حكم محمد بن سعود بين عامي 1726 و1765م وتزامن ذلك مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث أقاما تحالفاً بينهما.
في الباب الأول كذلك، تتناول المؤلفة قيام الدولة السعودية الثانية التي بدأت عام 1240هـ - 1824م في ذات العام الذي فتح فيه الإمام تركي بن عبد الله، مدينة الرياض، بعد معارك شرسة دارت رحاها مع الضابط العثماني عبوش، الذي كان يرابط مع جنوده في مدينة عنيزة، والذي تمكن من الأمير مشاري بن سعدة فقتله، غير أن الأمير تركي استطاع هزيمته، وأبعد قوات محمد علي، وأخضع نجداً والأحساء والقطيف لإمارته، وقد استمرت الدولة الثانية حتى عام 1309هـ - 1891م، وانتهت بسيطرة ابن الرشيد على الرياض ورحيل الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي (والد الملك عبد العزيز) إلى خارج الرياض (ص 27).
يتناول الباب الثاني، ميلاد الملك عبد العزيز في مدينة الرياض، (1876) ثمّ رحيله منها إلى «يبرين» على الطرف الشمالي الغربي من الربع الخالي، حيث سكنوا البادية مع قبيلة (آل مرة)... (ص 34)، ثمّ وصول الملك عبد العزيز إلى البحرين، بحثاً عن مكان آمن لأسرته، وكان يرى أن إقامته في الأحساء أفضل، فأرسل عبد العزيز إلى متصرف الدولة العثمانية في الأحساء عاكف باشا، لمفاوضته في هذا الشأن... لكنّه كان لمتصرف الأحساء هدفٌ آخر، فقد أراد الضغط على الإمام عبد الرحمن لقبول الطلب العثماني بتعيينه حاكماً على الرياض من الدولة العثمانية وأن يكون تابعاً للدولة العثمانية... وفي أثناء اجتماع عبد العزيز مع هذا المتصرف استمع منه لهذا العرض وأن الدولة العثمانية ستصرف له خراجاً سنوياً بمقدار ألف ليرة إذا قَبِل الطلب، لكن عبد العزيز ردّ عليه قائلاً: «لن يقبل والدي الإمام عبد الرحمن هذا الطلب، وأنا لن أقبل أيضاً بهذا الطلب، وإننا لن نتنازل عن حقنا في حكم أرض آبائنا وأجدادنا، وإن شاء الله سنستردّ الرياض» (ص 40).
بعدها أرسل الإمام عبد الرحمن ابنه عبد العزيز إلى أمير الكويت الشيخ محمد بن صباح الصباح (حاكم الكويت خلال الفترة 1892 حتى 1896م) طالباً منه إقامته بالكويت مع أسرته ومرافقيه (1892)، ولكنّ الشيخ محمد الصباح اعتذر عن ذلك، لأنه لم يجرؤ على الجمع بين مناوءة محمد بن الرشيدن ومخالفة سياسة العثمانيين (ص 41).
المحطة التالية كانت قطر التي رحّب شيخها جاسم آل ثاني بإقامة الأسرة هناك، حيث انتقلت في 1892م وأقاموا فيها أربعة أشهر (ص 42).

الاستقرار في الكويت
في الباب الثالث تسهب المؤلفة في تفصيل انتقال الإمام عبد الرحمن، وولده عبد العزيز، إلى الكويت، حيث استقبل أمير الكويت الشيخ محمد الصباح، سفن عبد العزيز بن سعود وأسرته في ميناء الكويت، وأوكل إلى زوجته الشيخة مريم حمد الصباح مهمة استقبال زوجة الإمام عبد الرحمن (والدة الملك عبد العزيز) سارة السديري، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 1892 (ص 48).
وقد استقرّ عبد العزيز في بيت عائلة «العامر» بالكويت، وصاحب البيت هو علي العامر، من تجار الخيول في الكويت، وقد فتك به وعائلته الطاعون عام 1831م، مثلما قضى على عوائل كثيرة في الكويت، وبقي البيت مهملاً حتى تمّ تجهيزه لسكن عائلة الإمام ابن سعود، ويقع البيت في منطقة المباركية إلى جانب براحة السبعان (ص 49).
في هذا الفصل يتعرف القارئ على حياة الملك عبد العزيز في الكويت، حيث تلقى فيها شطراً من التعليم، كما تعرف على الدواوين الكويتية وتوطدت علاقته مع الشيخ مبارك الصباح: «تعاهد الشيخ مبارك والإمام عبد الرحمن على أن يكونا يداً واحدة في استرداد الرياض والوقوف في وجه أطماع أمير حائل، ابن الرشيد... لذلك دعا الشيخ مبارك الإمام عبد الرحمن في أثناء إقامته في الكويت وأدخله خزائن مملوءة بالبنادق والبارود والسلاح والنقود» (ص 56). في هذا الباب تعرض المؤلفة لزواج الملك عبد العزيز الأول من شريفة صقر الفجري من قبيلة ابن خالد، وتمّ الزواج عام 1894م، ولكن وافتها المنية بعد 6 أشهر من زواجهما. كما تتناول المؤلفة علاقة عبد العزيز المميزة مع أخته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن (وُلدت في الرياض علم 1875م) والتي كانت مصدر إلهام وتشجيع له، ثمّ زواج عبد العزيز الثاني عام 1899م من وضحى بنت محمد آل عريعر، من قبيلة ابن خالد أيضاً، والتي أنجبت له تركي (الأول) وسعود (الملك) ومنيرة.

معركة الصريف
خصصت المؤلفة الباب الرابع من كتابها للحديث عن استرداد الرياض، فقد خرج الإمام عبد الرحمن وابنه عبد العزيز من الكويت مع مقاتليهم في النصف الأول من عام 1900م، إلى إقليم «سدير» في نجد، وأغار على قبيلة قحطان الموالية لأمير حائل عبد العزيز بن رشيد، ثم توجه عبد العزيز إلى الرياض بهدف استردادها، حيث اجتاز ما بين الشوكى والرياض في يومين، وكان حاكم الرياض من قِبَل ابن الرشيد هو عجلان بن محمد.
وشارك الملك عبد العزيز في معركة الصريف بين إمارة الكويت وإمارة جبل شمر، وانتهت المعركة شمال شرقي مدينة بريدة في القصيم في 17 مارس (آذار) 1901م.
وبعد المعركة التي حُسمت لصالح ابن الرشيد عاد عبد العزيز ومقاتليه إلى الكويت...
وفي الباب الخامس، تبدأ المؤلفة عرض نتائج معركة الصريف، حيث عسكر ابن الرشيد بقواته شمال الكويت لكنه تراجع بطلب من الدولة العثمانية «كي لا تنجرّ لصراع مع بريطانيا» (ص 77).
وقد تركت هزيمة الصريف أثرها في نفس مبارك الصباح، الذي آثر عدم المجازفة في حرب أخرى في الصحراء (حسب رواية عبد الله فيلبي)، لولا أن مؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد يضع تردد مبارك الصباح على أنه «خطة محكمة» لـ«تشتيت انتباه الخصم» (ص 77).
على أي حال، أصرّ عبد العزيز على استرداد الرياض، حيث خرج من الكويت بقوة صغيرة قوامها 40 مقاتلاً. حيث يذكر الريحاني أن الشيخ مبارك قدّم له «أربعين ذلولاً وثلاثين بندقية ومائتي ريال وبعض الزاد» (ص 79).
وخروج الملك عبد العزيز بهذا العدد من المقاتلين «يوحي بأنه دبّر الأمر ورتّبه من كل النواحي، بل يوحي بأنه فضّل الخروج بتلك القلة القليلة، لكي يكون سريع الحركة والوثب والكر والفر، فيما لو واجهته قوات ابن رشيد، وأنها ستكون أخفّ عبئاً في التمويل» (ص 82).
ثم تعرض المؤلفة بكثير من التفصيل لليلة استرداد الرياض بعد طول انتظار ومعاناة وقد تمّ ذلك فجر يوم الخامس من شهر شوال 1319هـ، 15 يناير (كانون الثاني) 1902.
 



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».