صورة لبنان «الكبير» من جبران إلى فيروز

«وطن النجوم» الذي تغنى به الشعراء وعمل السياسيون على تقويضه

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

صورة لبنان «الكبير» من جبران إلى فيروز

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

مائة سنة كاملة هي المسافة الزمنية الفاصلة بين وقفة الجنرال الفرنسي غورو في قصر الصنوبر، في بيروت، ليعلن ولادة الكيان اللبناني الجديد، وبين إعلان حفيده الشاب إيمانويل ماكرون، من المكان ذاته، عن تصدع ذلك الكيان الذي أطلقت عليه السلطة المنتدبة آنذاك صفة «الكبير»، لا لاتساع رقعته الجغرافية ونفوذه السياسي، بل لأنها ألحقت به الأقضية الأربعة التي سُلخت عنه زمن الدولة العثمانية، وهو ما يعكس الطبيعة الملتبسة الرجراجة لجغرافيا الكيانات السياسية الجديدة التي تمخضت عنها اتفاقية سايكس - بيكو، والتي لم تحددها وقائع التاريخ وحده، بل موازين القوى القائمة على أرض الواقع، وما استتبعها من تقاسم للنفوذ بين الدولتين العظميين آنذاك. على أن ما تقدم لا يهدف بأي حال إلى دحض العناصر المؤسسة لصورة الكيان اللبناني وهويته ومعناه، فقد بات حقيقة جيوبوليتيكية واقعة، شأنه في ذلك شأن سائر الخرائط المجاورة، بقدر ما يهدف إلى استشفاف الفارق «المأساوي» بين صورتي غورو وماكرون اللتين التقطتا في المكان ذاته، بفارق قرن كامل بين الأولى والثانية، حيث أثبت أمراء الطوائف اللبنانيون، بالأدلة والوقائع الملموسة، أن الزمن لا يعيد نفسه إلا على صورة المهزلة ومثالها.
على أن عجز اللبنانيين التاريخي عن تكوين هوية جامعة، وانقسامهم الطائفي الحاد الذي جعل كل طرف منهم يبحث في الخارج الإقليمي والدولي عن ظهير ملائم لحصته من غنيمة السلطة، لم يكن الوجه الوحيد لصورة لبنان الواقف باستمرار على شفير الانشطار الأهلي، بل ثمة وجه آخر متصل بقدرة هذا البلد المأهول بكل عناصر التفجر على أن يعيد تكوين نفسه باستمرار، وعلى أن يكون مساحة فريدة للتجريب والثراء الإبداعي الطالع من أحشاء الأسئلة الممضة والقلق الوجودي. ومن يتابع تاريخ بيروت الحديث، لا بد أن ينظر بعين الدهشة إلى التطور الهائل الذي أصابته المدينة قبل قرنين من الزمن، حين أمكنها التحول بسرعة قياسية من ميناء صغير على المتوسط إلى مدينة آهلة بالجامعات والمعاهد والصحف والمطابع، لتسهم بشكل فعال في انطلاقة النهضة العربية، وليخرج منها مفكرون وكتاب طليعيون، من أمثال أحمد فارس الشدياق وشبلي الشميل وفرح أنطون ومارون النقاش وسليمان وبطرس البستاني وإبراهيم اليازجي وغيرهم.
سيكون على اللبنانيين بعد ذلك أن ينتظروا ستة عقود كاملة من نظام المتصرفية، وحرباً عالمية مدمرة انتهت بهزيمة الدولة العثمانية على يد الحلفاء، لكي يحصلوا على دولتهم الجديدة في صيغتها الموسعة، إلا أن التزامن اللافت بين إعلان الجنرال الفرنسي غورو عن ولادة لبنان «الكبير» عام 1920، وإعلان جبران خليل جبران وثلة من الكتاب والشعراء عن إنشاء «الرابطة القلمية» في نيويورك، في العام نفسه بفارق شهور قليلة، يتخطى حدود الصدفة المجردة، ليكتسب دلالات أخرى تتعدى الحجم الجغرافي للكيان الناشئ، وتتصل بدوره الطليعي في مجالات الإبداع والفكر والتفاعل بين الثقافات. وإذا كان القائد الفرنسي قد أطلق على البلد المتوسطي صفة «الكبير»، بعد مقايضة صعبة مع البريطانيين قضت ببعض التعديلات على الجغرافيا اللبنانية، فإن هذه الصفة تجد مسوغها في الأدب والشعر والثقافة، لا في السياسة والاقتصاد والجيوش الجرارة. وقد يكون صاحب «النبي» من هذه الزاوية هو التجسيد الأبلغ لصورة لبنان ومعناه الحقيقي الذي لا تصنعه «البهورات» الزجلية والفولكلورية عن وطن التبولة والأرز والحمص والمازات الشهية وأماكن الترفيه، بل الحيوية والتنوع والمغامرة الإبداعية التي عثرت عبر جبران على ضالتها المنشودة. وإذا كانت القيمة الأهم لجبران متأتية من تجاوزه غير المسبوق لحقبة الانحطاط العربي التي بلغت الدرك الأسفل من الركاكة والتنميط والقحط التعبيري، وقدرته الفائقة على اجتراح لغة جديدة نابضة بالحياة معبرة عن الواقع المتغير بعيدة عن التكلف والافتعال، فإن ذلك الإنجاز لم يكن من نتاج الموهبة وحدها، بل هو ثمرة التضافر الخلاق بين الداخل والخارج، وبين المحلية والعالمية، كما بين الجذور والأمواج.
لقد تمكن جبران -بهذا المعنى- أن يحقق اختراقاته التجديدية على جبهتين اثنتين: جبهة اللغة في حساسيتها وجمالياتها المختلفة، وجبهة المشروع الثقافي والفكري النهضوي، حيث البحث المضني عن سبيل ما للخروج من أقبية الجهل والتخلف والخنوع، وعن وسيلة ناجعة للانعتاق من ربقة الظلاميات الطائفية والاستبداد السلطوي. كما أن نتاجه الإبداعي يتراوح بين التحليق الرومانسي فوق واقع بلاده المؤلم المثخن بالجهل والفساد والخنوع، كما في «دمعة وابتسامة» و«عرائس المروج»، وبين نزعة التمرد والرفض والحث على تغيير الواقع بكل طريقة ممكنة، كما في «العواصف» و«الأرواح المتمردة» و«المجنون» وغيرها. وإذا كانت «الأجنحة المتكسرة» تشكل مزيجاً من النزعتين معاً، حيث يتداخل الانكسار العاطفي الرومانسي مع النقمة الواضحة على الإكليروس المتحالف مع الإقطاع المتسلط، فإن هذا التناوب الدائم بين الألم المر والنقمة العارمة سيظل عبر أكثر من عمل واحداً من أبرز سمات الأدب الجبراني. وإذ تتكرر لفظتا الغربة والغريب في أعمال جبران، فلأنه عانى من الغربتين معاً: الغربة في وطنه، والغربة عنه. إضافة بالطبع إلى الغربة الوجودية والميتافيزيقية التي يعيشها المبدعون بوجه عام، وهو ما يؤكده قوله: «أنا غريب عن هذا العالم. لقد جبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أجد مسقط رأسي، ولا لقيت من يعرفني ويسمع بي». وفي كتابه «العواصف»، يستعيد الكاتب حالتي القهر والمجاعة اللتين حكما على اللبنانيين بالموت أو الرحيل في بدايات الحرب العالمية الأولى، بما يؤكد مرة أخرى التشابه بين الأمس واليوم: «مات أهلي جائعين، ومن لم يمت منهم جوعاً قضى بحد السيف».
إن أي استعادة متأنية لأعمال جبران لا تشعرنا بأن هذه الأعمال قابلة للتجدد والقراءة في كل زمن فحسب، بل تدفعنا أيضاً إلى التساؤل عما إذا كان الجريان والتبدل هو من سمات الزمن الشرقي، أم أن هذا الزمن جامد متخثر غير قابل للتسييل. فلو أزلنا التواريخ المتعلقة بنصوص من مثل: «دينكم رياء ودنياكم ادعاء وآخرتكم هباء، فلماذا تحيون؟»، أو «نحن نبكي لأننا نرى تعاسة الأرملة وشقاء اليتيم، وأنتم تضحكون لأنكم لا ترون غير لمعان الذهب»، أو قوله على لسان «خليل الكافر» مخاطباً الحرية: «بددي بعزمك هذه الغيوم السوداء، وانزلي كالصاعقة، واهدمي كالمنجنيق قوائم العروش المرفوعة على العظام والجماجم، المصفحة بذهب الجزية والرشوة، المغمورة بالدماء والدموع»، لشعرنا من دون أدنى شك بأن المعنيين بالرثاء هم اللبنانيون الجوعى المقهورون الواقفون على أطلال مدينتهم المهدمة، وأن المعنيين بالاتهام هم أهل السلطة الحاليون، بكل مثالبهم وموبقاتهم وجرائمهم الموصوفة.
لم يتَح للأخوين رحباني بالطبع أن يلتقيا بجبران، حيث ولدا قبل رحيله عام 1931 بسنوات قليلة. أما فيروز، فقد ولدت بعد رحيل صاحب «المواكب» بسنوات أربع. ومع ذلك، فإن أحداً من اللبنانيين لم يعمل على تحويل الحلم الجبراني إلى حقيقة إبداعية ملموسة كما هو حال الأسرة الرحبانية. وإذا كان جبران قد أرهص بولادة لبنان، الرسالة والرمز، وواكب فترة انتقاله من حقبة المتصرفية إلى حقبة الانتداب وإعلان الدولة، فإن الرحبانيين وفيروز كانا يعكسان بأعمالهما المسرحية والغنائية تحوّل الحلم اللبناني إلى حقيقة واقعة في الحقبة «الذهبية» التي أعقبت الاستقلال، دون أن يغضوا النظر عن أن بعض ذلك اللمعان كان مخاتلاً خلبي المصدر. وكما جسّد جبران المتعدد، بنثره وشعره ورسومه، روح الكيان اللبناني المتكئة من جهة على صوان الأصالة الصلد، والمصيخة من جهة أخرى إلى نداءات الحداثة وأصواتها الآتية من أقاصي القارات، فقد واصل الرحبانيان وفيروز المهمة نفسها، حيث الإفادة من الفولكلور وعناصر التراث المحلي لا تحول دون حداثة النصوص وشعريتها العالية، أو دون الإصغاء إلى الإيقاعات السريعة للعصر المتغير، وإلى الموسيقى الوافدة من أربع رياح الأرض. وكما واءم جبران بين المحلية والعالمية في رحلته الأدبية الممتدة من «الأجنحة المتكسرة» إلى «النبي»، ومن بشري إلى نيويورك، مروراً ببوسطن وباريس، فقد فعل الرحابنة الشيء ذاته، حيث تتدرج الأعمال الغنائية من عوالم القرية الصغيرة، بمسراتها ومشاحناتها وتقاليدها الزراعية، لتلامس في المقلب الآخر أسئلة الحياة والموت والزمن والحرية والوجود بأسره.
وكما اجترح جبران في كثير من أعماله عالماً من العواطف المشبوبة والتفتح القلبي الأثيري الذي يسمو على دنس الواقع وصغائره، وهو ما يفسر افتتان الشبان في مقتبل العمر بنصوصه وشخصياته، فإن صوت فيروز يقوم بالمهمة ذاتها، حيث الصوت يواكب الصباح في تفتحه، والأشياء في انبثاقها، وحيث الأعمار طازجة باستمرار، بعيدة عن تلف الشيخوخة وتغضناتها. كل شيء هنا محمول على صهوة المجاز، أو مرشّح للتحول إلى أسطورة. وإذا كان الاحتفاء بالثلج في الأغنية الفيروزية انعكاساً طبيعياً للاحتفاء بجبال لبنان الشامخة، فهو يبدو من جهة أخرى نوعاً من «التعازيم» الطقوسية المرافقة لبطالة الزمن، تماماً كما هو حال «شادي» المغدور الذي ما يزال ينزّه طفولته فوق ثلوج الموت، أو حال «نواطير الثلج» الذين يحرسون أحلام البشر الغافين، ويمنعونها من الذوبان. أما جبران الثائر الغاضب المتمرد على الواقع، فله بالمقابل ما يماثله ويكمله في الفن الرحباني وصوت فيروز. فمثلما يهتف المجنون في الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه: «إن أذني مثقلتان بنحيب الأمم المستعبدة، والتحسر على الممالك المهجورة»، تطلق فيروز في مسرحية «بترا» نداءها الطالع من الأعماق: «يا ريت فيي روح حرّر هالعبيدْ | ضوّي الفرح بقلوبهن جبلن العيدْ | إحمل السيف بإيدْ وبلادي بإيدْ». ومثلما يقف خليل الكافر في «الأرواح المتمردة» ليهتف بالحرية المغيبة، قائلاً: «من أعماق هذه الأعماق نناديك أيتها الحرية فاسمعينا | من جوانب هذه الظلمة نرفع أكفّنا نحوك فانظرينا»، تخاطب فيروز في «ناطورة المفاتيح» فاتك المستبد بقولها: «ما حدا بيقدر يحبس المي | والناس متل المي، إلا ما تلاقي منفذ تتفجر منو». وعندما يخرج المسجونون من أقبية الظلم، تنشد فيروز باسمهم «طلعنا على الضو | طلعنا على الريح | طلعنا على الشمس | طلعنا عالحرية | يا حرية | يا زهرة نارية | يا طفلة وحشية | يا حرية».
هكذا، يمر قرن كامل على ولادة الكيان اللبناني الحالي، دون أن يتقدم على مستوى الاجتماع السياسي قيد أنملة باتجاه المستقبل، ودون أن يجد الحلمان الجبراني والرحباني - الفيروزي ما يسندهما على أرض الواقع. ففي ظل نظام الملل «الإسمنتية» المتحاصصة، يدور الزمن على نفسه باستمرار، ليس بالمعنى الجبراني المرادف للعوْد الأبدي لدورة الحياة، ولا بالمعنى الفيروزي المرادف للشباب الدائم والسعادة الفردوسية، بل بمعنى التخثر والتكلس، وتحوّل الوطن إلى مستنقع للعفونة وفقدان الجدوى. ومع ذلك، فإذا كان ثمة من خميرة يدخرها هذا البلد الصغير المعذب لأجياله القادمة، فهي بالقطع لا تمت إلى زعمائه السياسيين بأي صلة تذكر، بل هي صنيعة مبدعيه وفنانيه وكتّابه الكبار الذين يضعونه على طريق المستقبل، وينقلون شعلته المتوهجة من جيل إلى جيل.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.