كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

أبحاث مُكثَّفة في «كاوست» لتحسين الأمن الغذائي بصفة مستدامة

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟
TT

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

كيف يمكن إطعام العالم من دون تدمير الأرض؟

في ظل تحديات تغير المناخ وتزايد تعداد سكان الأرض الذي يُتوقَّع أن يبلغ عشرة مليارات نسمة بحلول عام 2050، وبالنظر إلى افتقار أكثر من ملياري شخص بالفعل إلى إمكانية الحصول على طعام آمن ومُغذٍّ وكافٍ بانتظام، تتّضح معالم التحدي البالغ الذي تواجهه البشرية والذي يتمثل في توفير الطعام لذلك العدد المتنامي باستمرار من البشر. ولذا يسعى العلماء في المختبرات العالمية إلى ابتكار حلول جديدة قد تجنِّب العالم تلك المخاطر.
هنا نسلط الضوء على بعض تلك البحوث والمشاريع التي يقوم بها العلماء في السعودية وتحديداً في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) من أجل تحقيق هدف زراعة طعامٍ كافٍ على نحو مُستدام لإطعام ثلاثة مليارات شخص بحلول عام 2050 من دون تدمير كوكب الأرض.

أبحاث ومشاريع
البداية مع البروفسور رود وينغ، مدير مركز الزراعة الصحراوية في «كاوست»، الذي يعد من العلماء الذين كرّسوا حياتهم المهنية للمساعدة على تحقيق المسعى الرامي إلى إطعام هذا العدد المتنامي من البشر. يركز وينغ في أبحاثه على الأرز ذي الأهمّية القصوى في تحقيق الأمن الغذائي، بوصفه غذاءً أساسياً لأكثر من نصف سكّان العالم. وينصبُّ اهتمامه بصفة رئيسية على استنبات أصناف فائقة الجودة من الأرز الأخضر تُنتج محاصيل أكبر من ناحية الحجم، وأعلى من جانب القيمة الغذائية باستخدام كميات أقل من المياه والأسمدة والمبيدات الحشرية ومساحات أصغر من الأراضي. ويعمل أحد مشروعات وينغ على تطويع سلالة برِّية من الأرز يُمكنها النموّ في المياه المالحة، فيما يقوم مشروع آخر بتحليل كمّ هائل من المعلومات الجينية المتاحة عن أصناف الأرز المزروعة والبرِّية، بالإضافة إلى توليد جينومات مرجعية يمكن استخدامها في نهاية المطاف لإنشاء بنك جينات رقمي. سوف تضطلع مجموعة الأحياء الحاسوبية التي يؤسّسها وينغ حالياً بإجراء مقارنة مرجعية بين البيانات المأخوذة من هذا البنك، والبيانات الأخرى المتاحة بشأن السمات الجينية للأرز، لتسريع وتيرة استنبات مزيدٍ من أصناف الأرز التي تكون أكثر استدامة وقدرة على التكيّف.

توليد نباتات أقوى
أمّا زميل وينغ، البروفسور مارك تيستر، أستاذ علوم النبات والمدير المشارك، في مركز الزراعة الصحراوية بـ«كاوست»، فيعكف حالياً على دراسة تسلسلات الجينوم الخاصة بنباتات الشعير والطماطم والكينوا لتحديد الجينات التي تُعبِّر عن سمات تحمُّل الملوحة. وحدَّد فريق تيستر بالفعل الجينات المسؤولة عن تحمّل الإجهاد في نبات الشعير، وذلك في أثناء دراسة مجموعة من سلالات الشعير التي وُلِّدَت بتهجين أحد الأصناف المستزرَعة مع عدّة أصناف برِّية، ويعمل الفريق البحثي حالياً على تهجين تلك الجينات مع سلالات الشعير التجارية. كما يهدف عمل الفريق المَعني بجينوم الكينوا إلى توليد نباتات أقوى، لها بذور ذات مذاقٍ أفضل. وجدير بالذكر أن نبات الكينوا يُعرَف بقيمته الغذائية العالية فضلاً عن قدرته على النمو في التربة المالحة وعلى ارتفاعات شاهقة، وربما يساعد عمل تيستر على إنتاج الكينوا كمحصول أساسي بديل في البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي.
وتبحث مجموعة تيستر أيضاً في ري المحاصيل بالمياه المُحلّاة جزئياً، وإيجاد طرق لخفض تكاليف تحلية المياه مما يخلق نظاماً للري يتميّز باستدامته وجدواه من الناحية الاقتصادية. وقد حفّز النجاح المبكر لهذا العمل هِمّة تيستر لتأسيس شركة «مزارع البحر الأحمر Red Sea Farms» بالتعاون مع المهندس الزراعي راين ليفرز، التي تُقدِّم أحدث التقنيات لمزارع «الصوبات» ومزارع الاستنبات المائي بغرض زيادة إنتاج المحاصيل بكميات أقل من المياه والطاقة، عبر استغلال موارد المياه المالحة وأنظمة التبريد التي تعتمد على مياه البحر غير المُخفَّفة.
يقول تيستر: «أرغب في رفع مستويات استدامة نُظم إنتاج الغذاء لدينا، وأحد السبل لتحقيق ذلك يكمُن في الحدّ من استخدام المياه العذبة. فالأمن الغذائي وأمن المياه لهما أهمّية فائقة على المُستويين الاجتماعي والسياسي والبيئي، ليس بإمكاني سوى إحداث تأثير بسيط في هذا الجانب، ولذا فإنني لا أريد إهدار هذه الفرصة».

الزراعة الدقيقة
ومن جانبه يقدّم البروفسور ماثيو مكابي، أستاذ العلوم والهندسة والبيئة والمدير المشارك في مركز تحلية وإعادة استخدام المياه في «كاوست»، يد المساعدة لتيستر في جمع البيانات من آلاف النباتات المختلفة، باستخدام طائرات دون طيار (UAVs) مُجهَّزة خصيصاً لذلك الغرض. يستخدم مكابي أيضاً تلك الطائرات إلى جانب أقمار صناعية تجارية لا يزيد حجمها على حجم «صندوق الأحذية» لمراقبة الزراعة واسعة النطاق في شتى أنحاء السعودية. ويُحلل فريقه البيانات لتحديد كمية المياه المستخدمة حالياً لزراعة كل محصول على حدة. «إنها أداة مفيدة بشكل لا يُصدَّق، إذ تساعد على إدارة الموارد المائية الثمينة للمملكة»، حسبما يوضّح مكابي. ويشارك فريقه أيضاً في مشروع خاص بوزارة البيئة والمياه والزراعة لرسم خرائط استخدام المياه في الزراعة عبر أرجاء المملكة.
من الممكن أن تساعد البيانات التي جمعها فريق مكابي من الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار على تحقيق مفهوم الزراعة الدقيقة، التي تُمكِّن المزارعين من تحديد المناطق المتضرّرة في الحقول ومعالجتها، لتوفير الأموال والموارد وإنتاج محاصيل زراعية بجودة أعلى.
«لكن كل هذه التطورات في مجال الرصد تصاحبها زيادة هائلة في كمِّ البيانات الخاضعة للمعالجة»، حسبما يقول مكابي، الذي يُوظِّف حالياً تقنيات التعلم الآلي لمجابهة هذا التحدّي، واستخلاص المعلومات من مجموعات البيانات الوفيرة؛ كي يتسنّى استخدامها لاحقاً لتوجيه دفّة إدارة وتشغيل النُّظُم الزراعية. كذلك يبحث فريقه في الوقت الحالي عن وسائل للدمج بين بيانات الاستشعار عن بُعد عالية الدقّة، والنشرات الجوية وأحدث نماذج نمو المحاصيل، بغرض تطوير التنبؤات والتكهّنات بإنتاجية المحاصيل، ويضيف: «إننا نحاول معرفة ما إذا كان بإمكاننا التنبؤ بإنتاجية المحاصيل قبل أسابيع أو أشهر من الحصاد الفعلي، ولهذه الجهود تطبيقات مباشرة في مجال الأمن الغذائي، لأننا نفتقر الآن إلى القدرة على التنبؤ الدقيق بإنتاجية المحاصيل في نهاية الموسم».

أبحاث نخيل التمر
ولأن تحسين الاستدامة الزراعية فهم تأسيسي قوي لعلوم النبات، فإن العمل الذي تقوم به الباحثة الدكتورة إكرام بليلو، أستاذ علوم النبات المشارك، وفريقها، يعد ضرورياً لتحقيق هذا الهدف. وحسب قولها، فإن الفضول هو المُحرّك الرئيسي لأبحاثها الأساسية عن النباتات. يرغب فريق بليلو في فهم العمليات البيولوجية المرتبطة بنمو النبات، مع التركيز على أنظمة الجذور. وقد يتمخّض هذا الجهد عن تطبيقات مهمّة. فعلى سبيل المثال، تبحث بليلو وفريقها في كيفية تمكُّن جينات نباتية معينة من تحسين نمو النباتات وتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد العوامل الممرِضة، مثل العفن الرمادي، الذي يُسفِر عن خسائر سنوية في المحاصيل الزراعية تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
وتدرس بليلو أيضاً الجينوم الخاص بأشجار نخيل التمر، إذ تبحث في كيفية تأقلُم هذه النباتات مع أنواع التربة القاحلة ودرجات الحرارة المرتفعة في الصحراء. وتأمل الباحثة في أن يُثمر هذا الجهد عن معلومات تُحدث طفرة في نمو نخيل التمر وإنتاجه، وهو ما قد يمتدّ بدوره لمساعدة محاصيل أخرى على استخلاص المياه والاحتفاظ بها.

تحسين محاصيل الحبوب
شاركت بليلو أيضاً في بعض البحوث الأساسية التي أجراها أستاذ علوم النبات، البروفسور سالم البابلي، أستاذ علوم النبات بـ«كاوست»، بخصوص الدور الإنمائي لأشباه الكاروتين (كاروتينويد) carotenoids، وهي أصباغ تؤدّي وظائف حيوية لدى الكائنات الحية المعتمدة على التمثيل الضوئي. وقد عمل البابلي وبليلو معاً على اكتشاف مُستقْلَب كاروتينويدي يعمل على تحسين نموّ محاصيل الحبوب، وفي الوقت ذاته يتحكّم في إصابة المحصول بعدوى الحشيشة الساحرة البنفسجية من الجنس Striga المعروفة بخطورتها، والتي تحرم عائلها المُضيف من المياه والمواد الغذائية الحيوية مما تنتج عنه خسائر في المحاصيل تزيد قيمتها على سبعة مليارات دولار سنوياً.
كما اكتشف البابلي أيضاً مُستقْلَبا آخر مُشتقاً من «الكاروتينويد» يتولى تنظيم عملية تكوين جذور النبات المُثبّتة حينما تفتقر التربة المحيطة بها إلى النيتروجين. توصّل الباحث كذلك، بالتعاون مع جامعة ديوك الأميركية، إلى أن ثمّة جزيئاً مشتقاً من الكاروتين، يُسمَّى beta - Cyclocitral7، يعمل كمُنظِّم لنمو الجذور ويُحسِّن نمو الأرز في أثناء الإجهاد الملحي.
وعن هذا يقول البابلي: «يُعدّ ذلك العمل من البحوث الأساسية التي سوف تساعد البشرية على الحياة. وهناك عديدٌ من الأمثلة على بحوث أساسية بشَّرت بإنجازات واكتشافات عظيمة أدَّت إلى ابتكار تطبيقات عملية. ومن المثير أن لدينا تجارب جيدة قيد التنفيذ في الوقت الراهن، وأن نرى في الوقت ذاته أنه من الممكن ترجمة تلك التجارب بصورة فورية على أرض الواقع».



اكتشاف وميض كوني هائل يعود إلى 13 مليار سنة

رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
TT

اكتشاف وميض كوني هائل يعود إلى 13 مليار سنة

رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)

رصد القمر الاصطناعي الفرنسي الصيني «سفوم» SVOM في مارس (آذار) الماضي «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة، ومن شأن هذا الوميض القوي الآتي من أعماق الكون تزويد الأوساط العلمية بمعلومات عن تاريخه.

ويقول برتران كوردييه، الرئيس العلمي لمشروع «سفوم» في الهيئة الفرنسية للطاقات البديلة والطاقة الذرية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «هذا الاكتشاف نادر جداً، فهو خامس أبعد انفجار لأشعة غاما يُرصَد على الإطلاق» و«الأكثر دقة من ناحية الضوء الذي جمعناه والقياسات التي أجريناها».

أُطلقت مهمة «سفوم» (المرصد الفضائي متعدد الأطياف للأجسام الفلكية المتغيرة) في يونيو (حزيران) 2024، وتهدف إلى اكتشاف وتحديد مواقع هذه الظواهر الكونية ذات القوة الهائلة.

تحدث انفجارات أشعة غاما عادة بعد انفجار نجوم ضخمة (تزيد كتلتها على كتلة الشمس عشرين مرة) أو اندماج النجوم الكثيفة. يمكن لهذه الانفجارات الإشعاعية ذات السطوع الهائل أن تُطلق طاقة تعادل أكثر من مليار مليار شمس مثل شمسنا.

يوضح كوردييه الذي شارك في دراستين عن هذا الاكتشاف نشرتا الثلاثاء في مجلة «أسترونومي آند أستروفيزيكس»، أنها «الظواهر الكونية التي تنبعث منها الكميات الأكبر من الطاقة».

الجيل الأول من النجوم

تُتيح دراسة انفجارات أشعة غاما التقدّم في مسائل «الفيزياء الأساسية»، مثل محاولة «فهم كيفية إطلاق هذه الكمية من الطاقة، وما الآليات المؤثرة» في ذلك.

ويقول كوردييه: في انفجارات أشعة غاما «تتسارع المادة إلى سرعات تُقارب سرعة الضوء. إنها ظروف فيزيائية لا يُمكننا إعادة إنتاجها على الأرض، ولكن يُمكننا رصدها في المختبرات الكونية».

تُستخدم هذه الإشارات شديدة السطوع أيضا كأنها «مسبارات»، إذ تُضيء كل المادة التي تمرّ بها قبل أن تصل إلى الأرض. ويقول كوردييه: «نحن بحاجة ماسة إلى وميض بهذه الشدة لنتمكن من قياس» الظروف الفيزيائية للكون في عصور بعيدة جداً، مضيفاً أنها «الطريقة الوحيدة للقيام بذلك مباشرةً».

في 14 مارس، عندما تلقوا تنبيهاً عبر جوالاتهم، أدرك العلماء المُناوبون في مهمة «سفوم» بسرعة أنهم يتعاملون مع حدث كبير. ثم أقنعوا طواقم التلسكوبات الأخرى بإعادة توجيه عدساتها إلى منطقة الانبعاث.

بعد انفجار لأشعة غاما استمر بضع عشرات من الثواني، أصدر الجسم المسؤول عنه، لفترة أطول ولكن بكثافة متناقصة، أطوالاً موجية أخرى: أشعة سينية، وبصرية، وأشعة تحت الحمراء، وراديوية. ويتّسم هذا «الانبعاث اللاحق» بأهمية كبيرة لتحديد موقع المصدر بدقة ودراسة طبيعته.

وتوصل العلماء إلى أنّ الإشارة بُعثت «عندما كان الكون في بداياته»، أي قبل 700 مليون سنة تقريباً. ويقول كوردييه إنّ «الفوتونات التي وصلت إلى أجهزتنا قطعت 13 مليار سنة».

وبحسب كوردييه، فإن عصر «الأجيال الأولى من النجوم» التي تشكلت بعد الانفجار العظيم من «مادة بدائية تتكون أساساً من الهيليوم خصوصاً الهيدروجين» أنتجت هذه النجوم العناصر الثقيلة الأولى (الحديد، والكربون، والأكسجين...)، وأدّت دوراً أساسياً في تطور الكون.

ولإحداث هذا الانفجار الهائل، ربما كانت كتلة النجم المنهار «أكبر بمائة مرة من كتلة الشمس»، بحسب عالم الفيزياء الفلكية الذي يأمل أن يتمكّن «سفوم» من رصد «ربما حدث أو حدثين» من هذا القبيل سنوياً.

ويكمن التحدي في ربط كل التفاصيل في سلسلة من عمليات رصد الانبعاثات اللاحقة.

بعد تنبيه 14 مارس، «مرت 17 ساعة قبل أن يغيّر التلسكوب العملاق جداً (VLT) الموجود في تشيلي اتجاهه»، بحسب كوردييه الذي يضيف: «خلال تلك الفترة، انخفضت شدة الرصد. الهدف هو تحسين كفاءتنا. إذا وصلنا مبكراً، فسنحصل على بيانات أفضل».


الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة
TT

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي موجود في كل مكان، فهو يُغذّي نقاشات مجالس الإدارة، ويُوجّه الأولويات، ويُحدّد الوصول إلى المعلومات، ويُحفّز تجارب المستهلكين، كما كتبت لويزا لوران(*).

رؤى أوضح مقابل نقاط ضعف قيادية

لكن بينما يَعِد الذكاء الاصطناعي برؤى أكثر وضوحاً وسرعة في اتخاذ الإجراءات، فإنه يُسرّع أيضاً من ظهور نقاط ضعف يُعاني منها القادة بالفعل.

المفارقة هي أنه يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُوسّع الأفق، لكن إذا استُخدم دون بصيرة صحيحة، فإنه يُضيّقه. وعندما تتلاقى هذه الجوانب السلبية من نقاط الضعف مع سرعة تبني الذكاء الاصطناعي في العمل فإن العواقب تتضاعف.

لقد رأيتُ هذا يتجلّى في مختلف القطاعات -من خلال أدواري القيادية في «غوغل»، و«ميرسك Maersk»، و«دياغيو Diageo»، وفي تقديم المشورة للمديرين التنفيذيين الذين يُشكّلون بعضاً من كبرى المؤسسات في العالم. إن النمط واضح: التكنولوجيا لا تتوقف عند نقاط الضعف، بل بدلاً من تنبيهنا إليها فإنها تمحو آثارها -حتى تنزلق الميزة التنافسية بهدوء.

تقليص نقاط الضعف بالذكاء الاصطناعي

إليكم ثلاث طرق يوسع بها الذكاء الاصطناعي نقاط الضعف وكيفية تقليصها.

1. البيانات من دون سياق- راحة زائفة. يتخذ كل ذكاء اصطناعي شكله، بما أمكنه الوصول إليه. وإن كان الذكاء الاصطناعي التوليدي يسترشد بالاحتمالية، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل يعمل بناءً على البيانات التي تم تدريبه عليها. وكلاهما لا يفيد إلا بقدر السياق الذي يمكنه رؤيته.

هنا تظهر أول نقطة ضعف: يخطئ القادة في اعتبار مخرجات الذكاء الاصطناعي واقعاً بحد ذاته، متناسين أن النظام محدود بمدخلاته. قد تتوهج لوحة المعلومات باللون الأخضر، أو قد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات دقيقة -لكن الدقة من دون سياق راحة زائفة.

قد يبدو هذا تحدياً مألوفاً، حيث يمكن أن يجعل الاعتماد على مؤشرات الأداء الرئيسية الثابتة التقدم الداخلي يبدو مقنعاً، ولكنه يفشل في ربطه بالتحولات الحقيقية في السوق.

إن تطبيق الذكاء الاصطناعي على هذه المقاييس سيعزز هذا الاختلال. فإذا طُبقت قواعد العمل على مستوى منخفض جداً في المؤسسة أو العملية، فسيحدث نقص في التحسين. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، يتفاقم هذا على نطاق واسع، مما يُقيد عدم الكفاءة في كل قرار آلي.

* كيفية معالجة نقاط الضعف: انتقلْ من التحقق من صحة ما تتابعه بالفعل إلى استكشاف ما لم تره بعد. تعاملْ مع البيانات على أنها مجال للاختبار، لا بوصفها لوحة معلومات للتأكيد. اسألْ: أين تظهر التناقضات؟ وأين تتعارض الإشارات؟ وأين تكشف أطراف النظام عن شيء مختلف عن المركز؟ تتقلص النقاط العمياء عندما يكون القادة فضوليين بما يكفي لاستكشاف الشذوذ بدلاً من تفسيره.

2. الاستعانة بمصادر خارجية للحكم تُضعف القيمة الأساسية. تظهر نقطة ضعف سلبية (عمياء) أخرى متنامية عندما تُلقى مسؤولية كبيرة على الأنظمة الخارجية أو الشركاء.

الذكاء الاصطناعي قوي، لكنه ليس محايداً. إذا استعان القادة بمصادر خارجية لإصدار الأحكام دون الاستفادة من خبراتهم الخاصة، فإنهم يخاطرون بتفريغ القيمة ذاتها التي تُميّز أعمالهم.

فكّر في الأمر بهذه الطريقة: لديك معرفة شخصية، ومعرفة جماعية داخل شركة أو مؤسسة، ومعرفة عالمية. تسعى الشركات بطبيعتها إلى ربط الذكاء الجماعي والاستفادة منه، فلماذا، عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، يُهمل الكثيرون ضرورة مشاركة المعرفة ووضعها في سياقها وتحديثها بنشاط للحفاظ على قيمتها؟

قد تُحقق إدارة التكاليف من خلال الاستعانة بمصادر خارجية لمراكز الاتصال وفورات ملموسة، لكنها تُحوّل أيضاً رؤى العملاء القيّمة خارج نطاق العمل.

* كيفية معالجة الجوانب السلبية: مع أن الذكاء الاصطناعي ضروري للكفاءة والعمليات المستقبلية، إلا أن الاستراتيجية يجب أن تُعطى الأولوية. اعرف عرضك -القيمة الحالية والمستقبلية- وابنِ نهجك في الذكاء الاصطناعي بناءً على ذلك، وليس على توافر البرامج المُدربة مسبقاً، أو أسعار الشركاء، أو سهولة استخدام ما يقدمه الآخرون. اسأل: مَن يستفيد من البيانات التي تحتفظ بها؟ ومَن لديه حق الوصول إلى البيانات التي قد تساعدك على النمو؟ في العديد من القطاعات، سيصبح هذا أساساً لنماذج إيرادات جديدة وشراكات أعمق -أو سبيلاً للتخلص من تلك التي تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي.

3. الفخ المعرفي وراء الراحة الخوارزمية

حتى مع وجود بيانات واسعة ومتطورة ووضوح استراتيجي قوي، لا يزال الذكاء الاصطناعي قادراً على حصر القادة في حلقات من المتاهات. لقد صُممت الخوارزميات للتعلم من الأنماط، لكن الأنماط ليست مثل الرؤى؛ فهي تُعزز، افتراضياً، ما هو الأكثر تمثيلاً، وليس ما هو أكثر ما تتعرف عليه البصيرة النافذة.

الذكاء الاصطناعي يعكس اليقين الذي يتوق إليه القادة، مُسرّعاً من سرعة ترسيخ الافتراضات غير المُختبرة لتتحول إلى استراتيجية. والنتيجة هي تضييق في الرؤية -أكثر إقناعاً، وأسرع حركة، وأصعب كشفاً بالبصر. إذا تُركت دون رادع، هكذا تجد المؤسسات نفسها عالقة في أنماط مألوفة بينما يُعيد المنافسون تعريف السوق من حولهم.

* كيفية معالجة الجوانب السلبية: يكمن الحل في البقاء على أرض الواقع بما يكفي لملاحظة متى يصبح اليقين راحةً بدلاً من أن يكون حقيقة. هذا يعني التساؤل واستبعاد الافتراضات التي لم تعد تُجدي نفعاً، والسماح بإعادة اختبار الرواية في ضوء واقع اليوم والغد.

الضعف هو إشارة إلى مواضع عدم تحديث الافتراضات. دعْ هذه النقاط تطفو على السطح، واعترف بما يتطلبه الأمر لتغيير رأيك، وكن فضولياً بشأن ما يمكن أن يناسبك، واستكشف اتجاهات ناشئة جديدة لتشكيل إطار جديد. القادة الذين يجسدون هذا الموقف يوسعون مجال رؤيتهم ويمنعون الذكاء الاصطناعي من ترسيخ النقاط العمياء وتحويلها إلى استراتيجية.

الذكاء الاصطناعي يختبر القيادة

الخيط الذي يربط النقاط العمياء الثلاث هو نفسه: الذكاء الاصطناعي لا يلغي حدود الحكم البشري، بل يضخِّمها. إنه يُعزز ما إذا كانت الشركة منسجمة أم مجزأة، منعزلة أم متناغمة، سواء كان القادة فضوليين أم راضين، سواء كانت الاستراتيجية نشطة أم سلبية.

والاختبار الحقيقي لا يكمن في سرعة التبني، بل في الوعي الذي يُحدثه القادة -هل يستطيعون البقاء منفتحين بما يكفي لتحدي ما يبدو مؤكداً، مع التمسك بما يُحدد قيمتهم حقاً؟ يتطلب ذلك بناء منصة للتواصل، حيث تُغذي وجهات النظر المتنوعة النظام -ما يربط بين الأفراد والبيانات- ويضمن ثقافة وصول إلى البيانات لا يُرحَّب فيها بالاستكشاف نحو طموح مشترك فحسب، بل يُتوقع منه أيضاً. وهذا يُمهد الطريق ليس فقط لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بل للنمو معه.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا
TT

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

يشهد علم الجينوم نقلة نوعية غير مسبوقة مع ظهور منهجين متكاملين أحدثا فرقاً ملموساً في حياة مئات العائلات التي تكافح لفهم الأسباب الحقيقية وراء حالات وراثية نادرة.

منهج جينومي

وفي حين أعلن علماء معهد ويلكوم سانغر وجينوميكس إنغلاند في المملكة المتحدة عن تطوير منهج جينومي قادر على كشف طفرات بنيوية معقّدة طالما استعصت على الفحوص التقليدية، أظهرت دراسة ثانية من مستشفى «غريت أورموند ستريت» في لندن أن إدخال تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية NHS ساعد الأطفال المصابين بالأمراض النادرة على الوصول إلى التشخيص والرعاية المناسبة بشكل أسرع من أي وقت مضى.

وترسم هذه التطورات المتزامنة ملامح مرحلة جديدة في فهم الجينوم البشري، قائمة على رؤية أوسع للطفرات الوراثية وقدرة أعلى على تفسير الحالات المعقدة التي كانت تُعدّ «لغزاً طبياً» لسنوات طويلة.

كشف الطفرات البنيوية وإعادة رسم حدود التشخيص

تركز الاختبارات الجينية التقليدية على الطفرات الصغيرة التي تصيب قاعدة واحدة في الحمض النووي لكنها غالباً ما تُخفق في كشف الطفرات البنيوية Structural Variants وهي تغيّرات واسعة تشمل حذفاً أو تكراراً أو إعادة ترتيب لمقاطع طويلة من الجينوم تزيد على 50 قاعدة.

وقد تكون هذه الطفرات السبب الأساسي لاضطرابات عصبية أو نمائية أو جسدية لكنها تظل «غير مرئية» عندما يُحلَّل الجينوم على شكل مقاطع صغيرة متفرقة.

وقد شبّه الباحثون الأمر مجازياً بمحاولة قراءة كتاب تمزقت جُمله إلى قصاصات صغيرة قد نفهم جزءاً من القصة لكن الصورة الكاملة تبقى ناقصة.

مشروع «مائة ألف جينوم»

من هنا جاء المنهج الجديد الذي اعتمد على تحليل بيانات 13 ألفاً و700 فرد من الآباء والأطفال ضمن مشروع مائة ألف جينوم. ومن خلال خوارزميات متقدمة تمكن الفريق من اكتشاف 1870 طفرة بنيوية، كثير منها لم يكن قابلاً للكشف سابقاً. كما اتضح أن واحدة من كل ثماني طفرات معقّدة ومتشابكة وهي الأصعب رصداً بالفحوص السريرية التقليدية.

وقاد هذا التحليل العميق إلى تحديث أو تقديم تشخيصات جديدة لـ145 طفلاً بينهم نحو 60 يحملون طفرات بنيوية معقدة لم يكن بالإمكان اكتشافها من قبل.

وقال الدكتور هيونتشول جونغ المؤلف الأول للدراسة من معهد ويلكوم سانغر في المملكه المتحده في الورقة البحثية المنشورة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عبر دورية Nature Communications إن هذا المنهج يتيح لنا رؤية بنية الجينوم بعمق غير مسبوق. ولم نعد نكتفي بمعرفة وجود حذف أو تكرار بل نفهم كيفية تفاعل هذه التغيّرات معاً وكيف تؤثر على بيولوجيا المريض.

وأضاف أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام عصر جديد في تشخيص الأمراض الوراثية النادرة وتفسيرها. ونحن الآن نرى بنية الجينوم بطريقة لم تكن ممكنة سابقاً. ولم نعد نبحث فقط عمّا إذا كان هناك حذف أو تكرار بل نفهم كيف تتفاعل هذه التغيّرات معاً وتؤثر على وظيفة الجينات.

التشخيص المبكر... قوة تُعيد الأمل للعائلات

وفي موازاة هذا التقدّم العلمي اللافت كشفت دراسة حديثة أخرى من مستشفى غريت أورموند ستريت للأطفال في لندن ونُشرت في Genetics in Medicine في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن نتائج تحمل بارقة أمل لآلاف العائلات. وقد بيّنت الدراسة أن اعتماد تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية لم يُسرّع فقط عملية التشخيص بل رفع دقته بشكل ملحوظ في حالات كانت تُعَدّ من أكثر الأمراض ندرة وتعقيداً.

وحلّل الباحثون بيانات 500 طفل خضعوا للفحص عبر خدمة الطب الجينومي وقارنوها ببيانات 2.000 طفل من مشروع «الجينومات المائة ألف». وكانت المفاجأة أن معدل التشخيص ارتفع من 22 في المائة إلى 29 في المائة، وأن الأطفال باتوا يحصلون على تشخيص واضح قبل عامين كاملين من العمر الذي كان يحدث فيه ذلك سابقاً وهي فترة حاسمة في حياة طفل يعاني من مرض وراثي غامض.

ووصفت الدكتورة إيما ويكلينغ استشارية الوراثة السريرية والمسؤولة عن الدراسة هذا التطور بأنه «تحوّل جذري في مسار الرعاية». وقالت إن الرؤى التي قدمها مشروع المائة ألف جينوم مكّنتنا من إعادة تشكيل خدماتنا، إذ إن التشخيص المبكر لا يمنح العائلات وضوحاً فحسب بل يمكّننا من التدخل في اللحظة المناسبة ومنح الأطفال أفضل فرصة ممكنة للرعاية والعلاج.

وأوضحت ويكلينغ أن قوة هذا الفحص لا تكمن فقط في نتائجه الأولية، بل أيضاً في إمكانية إعادة تحليل البيانات مستقبلاً كلما كشفت الأبحاث عن تغيّرات جينية جديدة. مضيفة أن هذا يعني أن العائلات التي لا تمتلك اليوم خيارات علاجية قد تحصل غداً على إجابات... وربما علاجات.

بهذا التقدم يبدو أن علم الجينوم لا يقدّم تشخيصاً مبكراً فحسب بل يفتح باباً واسعاً للأمل ولرحلة جديدة تقود إلى فهم أدقّ وعلاج أسرع للأطفال الأكثر هشاشة.

مستقبل الطب الجينومي

يجمع المنهجين: منهج كشف الطفرات البنيوية المعقدة، والتشخيص المبكر عبر تسلسل الجينوم الكامل، خيط واحد؛ هو الرغبة في بناء صورة أكثر شمولاً لجينوم الإنسان.

هذه الصورة الموسّعة ستسمح بفهم أفضل لمسار الأمراض النادرة وتوقع المضاعفات قبل حدوثها ثم تصميم علاجات شخصية ودقيقة، وأخيرا إعادة تحليل البيانات مستقبلاً مع اكتشاف طفرات جديدة.

وتؤكد البروفسورة دام سو هيل كبيرة المسؤولين العلميين في هيئة الصحة البريطانية أن الطب الجينومي يمنح العائلات بارقة أمل ويقدم للأطفال تشخيصاً أوضح وأسرع، وهو ما يفتح الباب لرعاية أكثر فاعلية.

ومع تطور أدوات تحليل الجينوم يصبح من الواضح أن النظر إلى ما هو أبعد من الطفرات الصغيرة وإلى الطفرات البنيوية الواسعة قد يكون المفتاح لفهم ما ظل لسنوات خارج نطاق التفسير العلمي.

ولكثير من العائلات، فإن مجرد الحصول على إجابة هو نقطة تغيير كبرى وبداية رحلة جديدة نحو فهم الواقع وتخفيف القلق ووضع خطوات واضحة للمستقبل.