هيغل... كبير فلاسفة الحداثة الذي لا يخبو بريقه

قرنان ونصف قرن على ولادة صاحب الديالكتيك

الفيلسوف الألماني هيغل
الفيلسوف الألماني هيغل
TT

هيغل... كبير فلاسفة الحداثة الذي لا يخبو بريقه

الفيلسوف الألماني هيغل
الفيلسوف الألماني هيغل

يمكن الزّعم بأريحيّة بأن جُلّ المواقف الفلسفيّة في القرنين الأخيرين تُقرأ من زاوية علاقتها بفكر الألماني جورج ويلهيلم فريدريك هيغل (1770 – 1831)، اقتراباً – أو ابتعاداً. ولا يكاد يوجد فيلسوف واحد ذو قيمة حقيقيّة منذ كارل ماركس قبل 200 عام إلى آلان باديو اليوم، لا يعترف لصاحب «دروس في فلسفة التاريخ» بالعبقريّة والريادة وأصالة الأفكار، بمن فيهم فلاسفة ما بعد الحداثة الفرنسيون من فوكو إلى ألتوسير مروراً بديلوز ودريدا وبودريارد الذين امتشقوا السلاح للقضاء على الأفكار الشموليّة في تفسير العالم ومثاليات (الديالكتيك أو الجدل) الهيغلي دون هوادة، وكذلك معظم الفلاسفة الأكاديميين المعاصرين في الجامعات الغربيّة لا سيّما التحليليين منهم الذين ما فتئوا يُلبسون الرجل غير عمامته، ويلوون عنق نصوصه محاولين جرجرته عنوةً إلى مربعات في السياسة المعاصرة –كالتطرّف اليميني في أوروبا المعاصرة مثلاً- وهو منها بَرَاء.
وعلى الرّغم من أنّ تفصيلات الفكر الهيغلي ربما لم تعد في وقتنا الراهن تعني غير المتخصصين –لا سيّما مع الصعوبة البالغة لعبور نصوصه المعقدّة- وليس أيٌّ من استنتاجاته مهماً بحد ذاته اليوم، لكن المنهجية الفكريّة التي طوّرها الرجل في إطار محاولته شديدة الأصالة لتفسير العالم وحركة التاريخ لا يمكن إغفالها أو تجاوزها أو الاستهانة بتأثيرها على العقل الغربي المعاصر.
وُلد هيغل في مدينة شتوتغارت –جنوب غربي ألمانيا– لعائلة تتبع طريقة مسيحيّة لوثريّة تعاليمها معنيّة أساساً بالدور الذاتي للفرد في خوض التجربة الدينيّة، وقد أبدى مبكراً اهتماماً بالمفاهيم الرياضيّة المجردة كما التراكيب اللغوية اللاتينيّة، وتفوّق بمدرسته. أراد والداه أن يصبح قسيساً، فدرس لذلك الفلسفة واللاهوت البروتستانتي بجامعة «توبينغن» القريبة من مكان نشأته.
كان رفيقاه في السكن الجامعي فريدريك شيللينغ وفريدريك هولدرلين -اللذين أصبحا لاحقاً من أهم فلاسفة ألمانيا وكتّابها- وثلاثتهم كانوا يستيقظون الرابعة صباحاً كل فجر لاستئناف نقاشاتهم الفلسفيّة من حيث تركوها اليوم السابق.
وقد اندلعت الثورة الفرنسيّة وهيغل يتلقى دروسه الجامعيّة، فأظهر لها حماسة بالغة مع أنّه بحكم تكوينه الطبقي البرجوازي، وثقافته الدينيّة المحافظة يُفترض أن يكون في المقلب الآخر. لكنّه لاحقاً صار متشككاً بعد عصر الإرهاب في فرنسا، ورأى أن الفقراء والطبقة العاملة مشكلة اجتماعيّة لا طبقة ثوريّة يمكن أن تقود التغيير.
عانى هيغل لدى تخرجه من مصاعب ماليّة، ولم يحظَ بوظيفة تؤمّن له الحد الأدنى من العيش الكريم، ولذا اضطر لتقديم الدروس الخصوصيّة وقَبِل وظيفة في الصحافة المحليّة يدبّج نصوصاً فارغة عن أنشطة المجتمع المخملي، قبل التحاقه في وقت متأخر من حياته بالعمل الأكاديمي بروفسوراً للفلسفة بدايةً بجامعة هيدلبيرغ 1816، ولاحقاً بجامعة برلين 1818 والتي بقي فيها يحاضر ويتفلسف وينشر الكتب ثلاثة عشر عاماً لحين وفاته عن 61 عاماً.
ويبدو أنّه لم يكن على الصعيد الشخصي محبوباً. إذ كان دائم التذمّر، قاسي النظرات، ويعبّر عن نفسه بلهجة محليّة ثقيلة، ويكتب بخط غير مفهوم. لكنّه مع ذلك أصبح في سنواته الأخيرة مقصد طلاب الفلسفة من كل أوروبا، وأغلب نصوص كتبه التي نقرأها اليوم –وتتعدد تفسيراتها– إن لم تكن من ملاحظاته التحضيريّة للمحاضرات التي كان يلقيها بجامعة برلين فإنها من تدوينات تلاميذه عنها، الذين انقسموا من بعده إلى تيارين: راديكالي، وآخر محافظ، دخلا معاً في معارك فكريّة شعواء. وقد أثارت الهيغليّة لذلك قلق السلطات البروسيّة (الدولة السابقة لألمانيا الموحدة)، فاستدعت شيللينغ –رفيق هيغل القديم وعدّوه الفكري لاحقاً– للتدريس في جامعة برلين وتنفيذ عمليّة اغتيال أكاديميّة كاملة لتراث الرجل. ويذكر كاتبو سيرة هيغل أن أوّل محاضرات شيللينغ البرلينية تلك في نقض هيغل حضرها فريدريك إنغلز، وميخائيل بوكانين وسورين كيركيغارد وجاكوب بيركهاردت. وهؤلاء بالتتابع كانوا مؤسسي الشيوعيّة والفوضويّة والوجوديّة، بينما الأخير واضع منهج التأريخ الثقافي. ويبدو أنّ هيغل كان فقد ودّ الكنيسة الكاثوليكيّة أيضاً بعدما وصف الربّ بأنّه «روح العالم»، وقد أجبرته لاحقاً على الاعتذار رسميّاً عن تصريحات علنيّة له -عدّت هرطقة- بشأن ممارسات كنسيّة تقليديّة.
بعض المفاهيم الهيغليّة، كالاغتراب، وفلسفة حركة التاريخ، والديالكتيك، تعد نقط انطلاق للمادية التاريخيّة –التفسير المادي لحركة التاريخ كنقيض للأفكار المثاليّة بشأنه- وأحد المكونات النظريّة الأساسيّة للفكر الماركسي ومصدر إلهام المدرسة الوجوديّة في الفلسفة على الرّغم من أن الرجل نفسه كان محافظاً يميني الهوى عنصريّاً في مواقفه، لا سيّما خلال الفترات اللاحقة من حياته. وقد مَنَحَ هيغل علم المنطق المكانة التي يستحقها كأعلى أشكال العلوم، وتُمثّل أعماله الفلسفيّة نقلة نوعيّة نقيضة للفكر الكانطي (نسبة إلى عمانويل كانط) السائد في عصره، ويعده كثيرون بداية الحداثة وقد تجسدت في رجل واحد. لكن خلاصة فكره الأهم تبقى مفهومه عن التقدّم البشري عبر التراكم والتغيير الدائم والجدل، وهي ذاتها النقطة التي جعلته مرجعيّة للمفكرين المحافظين الحاليين كفرنسيس فوكوياما والبابا بينيديكت السادس عشر، وتعرّض من أجلها في ذات الآن لأقصى أشكال التقريع من فلاسفة ما بعد الحداثة الذين ذهبوا إلى وصف العالم كموضع للتقلب، يغلب فيه الذاتي والمحلي على الموضوعي والكليّ، والطارئ على الحتميّ، وبنية القوّة في عصر ما على صيغة المعرفة فيه.
إلا أن طرائق جديدة من النّظر في الفكر الهيغلي بدأت مؤخراً بإزالة ما تركته مرحلة ما بعد الحداثة من ركام على فلسفة الرجل وسوء السمعة التي تسبب بها الفلاسفة البريطانيون –برتراند رَسل مثلاً- الذين لم يتمكنوا من استيعاب المصطلحات الفكريّة باللغة الألمانيّة قط. ولعل من أهم تلك القراءات مساهمة المفكّر الفرنسي آلان باديو الذي يقول إن «هيغل لم يكن مطلقاً فيلسوفاً مثالياً بالمفهوم التقليدي المأخوذ عن كانط»، وإن نصوصه نفسها –لا تفسيراتها والتعليقات عليها– تشير إلى «أن الجدل الديالكتيكي هيغيلياً يقوم على أساس الإمكانيات اللانهائيّة واللايقين بشأن التالي، كما لو كان طريقاً إلى وجهة غير معروفة»، فيما ذهب المفكر السلوفيني سلافوج جيجيك، إلى حدود التطرّف ربّما لناحية الارتكاز على المفاهيم الهيغليّة، لدرجة أنّه كتب في دراسة له عن جاك لاكان –رائد مدرسة التحليل النفسي– أنّ أساس نظرياته بمجملها هيغليّ، رغم أن لاكان –المسكين- ذاته لم يكن يعلم بذلك. وأحدث كتب جيجيك (Hegel in a Wired Brain) –الذي صدر قبل أسابيع قليلة– محاولة طموحة لاستعادة العقل الهيغلي لعصر التقدّم التكنولوجي الفائق الذي نعيش. وكتب الفيلسوف الفرنسي المعاصر جين لوك نانسي، يصف تجربته في قراءة هيغل اليوم: «فكره علامة على الفكر، لا مجرد مفاهيم مجردة. توتّر مترقّب لا استنتاجات مطمئنّة، فاصلة لالتقاط الأنفاس لا نقطة في نهاية السّطر. فكر يسائل نفسه كي يقفز أفضل وأعلى، اليوم وغداً». ولعل أجمل دفاع معاصر عنه جاء من ربييكا كوماي، الأستاذة في جامعة تورونتو التي كتبت وزميلها فرانك رودا، تقول: «الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم. بالنسبة لهيغل فإن النقطة هي أن ندعه، أن ننفيه، أن نعلّقه، أن نفككه، أن نهشمه إلى قطع صغيرة – أن نرفض العالم كما خبرناه، وأن نصنع عالماً جديداً. النقطة هي وضع علامات الترقيم على التاريخ، أن نصل إلى معنى التاريخ، معنى للتاريخ يأخذ بالأشياء قُدماً إلى نقطة التحوّل الجذري».
مضى هيغل –الشخص- عن عالمنا منذ ما يقرب قرنين ونصف من الزّمن، لكن بريق هيغل -المفكّر والفيلسوف- لم ولن يخبو قط، وحاجتنا لمنهجيته راهناً ملحّة أكثر منها في أي وقت مضى.



للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
TT

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

على كوكب «بريدجرتون» الساحر، كل شيء ممكن، حتى قصص الحب بين الأسياد والخادمات تُكتب لها النهايات السعيدة.

لعلّ فسحة الحلم هذه، التي يقدّمها مسلسل «نتفليكس» المحبوب، هي ما تشدّ الجمهور إليه في كل مرةٍ يُعلَن موسم جديد. وقد استكملت المنصة الموسم الرابع قبل أيام، بعَرْضها قسمه الثاني المؤلّف من 4 حلقات، بعد أن كانت قد بثّت الحلقات الـ4 الأولى قبل شهرٍ تقريباً.

ما بدأ كحكاية «سندريلا» بين «بينيديكت بريدجرتون» والخادمة «صوفي» لم ينقطع، لا بل شهدَ تطوّراتٍ عاطفية دراماتيكية.

بعد أن التقاها، في الحلقة الأولى من القسم الأول، وسط حفلٍ تنكّريّ راقص ثم فقَدَ أثرَها، عاد بينيديكت ليصادف صوفي من جديد، إنما هذه المرة على هيئة خادمة. رغم اختلاف الهندام، لم يتبدّل شيء على مستوى المشاعر، فنارُ الحب اشتعلت منذ اللحظة الأولى بينهما. وبعد أن أنقذها من مصيرٍ مُذلّ مع أسيادٍ عرّضوها للإهانة، نقلها إلى بيت العائلة في لندن، حيث انضمّت صوفي إلى فريق الخدَم هناك. هكذا انتهى القسم الأول من الموسم الثاني، ليُفتتح، من جديد، على اتّخاذ قصة الحب مساراتٍ جديدة.

كلُّ ما في الفتاة يوحي بأنها آتية من خلفيّة راقية؛ ثقافتها، سلوكها، ورفضُها أن تتحوّل إلى عشيقة لبينيديكت. جميع أفراد عائلة بريدجرتون، وليس بينيديكت حصراً، مهتمّون بها؛ بمَن فيهم والدتُه «الليدي فيوليت» التي تقتنع بصِدق المشاعر بين ابنها والخادمة. رغم التفاوت الطبقيّ ونظرة المجتمع، وبعد عدد من المواجهات مع بينيديكت تتحوّل الأمّ إلى عنصرٍ مُساعد في التئام الشمل بين الحبيبَين.

إلا أنّ دون ذلك عثرات ليس أوّلُها استحالة فكرة الزواج بين خادمة وسيّدها، بل حِقد زوجة أب صوفي، التي جرّدتها من ميراث أبيها وحوّلتها إلى خادمة في منزلها ثم طردتها منه. يصل بغض تلك السيدة إلى حدّ زجّ صوفي في السجن بتهمة السرقة.

زوجة أب صوفي وابنتاها والمنافسة الآسيوية على قلب بينيديكت (نتفليكس)

لكن لا شيء أقوى من مشاعر بينيديكت للخادمة. وكأنّ السيناريو في الموسم الرابع كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع. ومَن أفضل من المُنتجة شوندا رايمز، الأمّ الروحيّة لبريدجرتون، كي ترسم باللون الورديّ أسطورة الحب هذه.

صحيح أنّ القسم الأول من المسلسل كان قد أوشك على الغرق في رتابة حبكةٍ مستنسَخة من قصة سندريلا، إلا أنّ التحوّلات الطارئة على القسم الثاني تنقذ الموقف من احتمالات الملل. فعلى ضفاف الحب المتعثّر، تنشأ حبكاتٌ فرعية خاصة بمعظم الشخصيات.

يزخر الموسم الرابع بالحبكات الفرعية التي تنقذه من الرتابة (نتفليكس)

في مشهدٍ لم يعتَده جمهور بريدجرتون، يطرق الموت باب «فرانشيسكا»، شقيقة بينيديكت، فيخطف زوجها «جون». يتحوّل المزاج، على مدى حلقةٍ كاملة، إلى السواد والكآبة، بما يتناقض والزهوَ المعتاد للمسلسل بألوانه وموسيقاه وحفلاته. لكنّ ملامح الفرح تعود لتدخل إلى حياة الأرملة الشابّة وبيتها، من خلال نسيبة زوجها الراحل، «ميكاييلا».

أما السيدة بريدجرتون الأم فلا تدَع ابنها يُصاب وحده بسَهم الحب، بل تسمح لقلبها بالخفقان وتفكّر حتى في الزواج بعد سنواتٍ طويلة من الوحدة. وفي حين تتخلّى «بينيلوبي» نهائياً عن نشر الأسرار والفضائح تحت مسمّى «ليدي ويسلداون»، تجد «الملكة تشارلوت» نفسها مهددة بالوحدة والملل، بعد أن تُقرر صديقتها «ليدي دانبوري» أن تغادر البلاد بحثاً عن جذورها.

الملكة تشارلوت وصديقتها الوفية الليدي دانبوري (نتفليكس)

يشكّل الموسم الرابع من بريدجرتون تحوّلاً عمّا سبقه من مواسم؛ ليس لأنه يطرح قصة حب خارجة عن المألوف وخارقة للطبقيّة الاجتماعية، بل أيضاً لأنه يمنح صوتاً لمَن لم يكن يُسمع لهم صوتٌ من قبل. يشهد هذا الموسم ما يُسمّى «حرب الخدم»، الذين يرفعون أصواتهم دفاعاً عن حقوقهم المادية والمعنوية. وبقوّتها الناعمة ومشاعرها الصادقة، تقود صوفي تلك الحرب.

ليست المرة الأولى التي يلعب فيها المسلسل على وتر الدمج، فقد سبق أن أفرد مساحةً لأصحاب البشرة السمراء. وفي هذا الموسم، يفرض العِرق الآسيويّ نفسه بقوّة، إضافةً إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الممثَّلة من خلال خادمة مبتورة الذراع.

الكل يخرج راضياً من بريدجرتون، ولا سيما جمهور المسلسل الذي يجد فيه استراحةً نفسية على مستوى الشكل المُفرح والمضمون المُطَمئن. ولإضفاء مزيدٍ من الاطمئنان على نفوس المشاهدين الأوفياء، فقد أعلنت «نتفليكس» أنّ الموعد سيتجدّد في موسمَين خامسٍ وسادس. وهذا أمرٌ متوقّع، بما أنّ السلسلة مقتبَسة عن مجموعة روايات للكاتبة الأميركية جوليا كوين، ومكوّنة من 8 أجزاء؛ ما يعني أنّ بريدجرتون سيمتدّ على 8 مواسم.

يلعب المسلسل منذ أول مواسمه على وتر الدمج بين فئات المجتمع (نتفليكس)

بالعودة إلى الموسم الخامس، من المرتقب أن ينطلق تصويره خلال شهر، على أن يُبَثّ في 2027. أما الشخصية المحوريّة فيه، ووفق ما ألمحت المنتِجة التنفيذية جيس براونيل، فربما تكون فرانشيسكا بريدجرتون أو شقيقتُها «إيلويز»، فالأخيرة واحدة من بنات العائلة التي لم تتزوّج لأنها تُعاند الفكرة، أما فرانشيسكا فقد تعود الأضواء لتُلقى عليها بعد أن تُنهي حدادها على زوجها.

ومن الألغاز التي من المتوقّع أن تشكّل إحدى حبكات الموسم المقبل، عودة نشرات ليدي ويسلداون الأسبوعية، إنما موقَّعةً من قلمٍ سرّيّ جديد.


«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».