تجارب كارثية سابقة تظهر خطورة التعجيل باستخدام لقاح لكورونا

امرأة تحمل لقاحاً تجريبياً ضد فيروس كورونا (رويترز)
امرأة تحمل لقاحاً تجريبياً ضد فيروس كورونا (رويترز)
TT

تجارب كارثية سابقة تظهر خطورة التعجيل باستخدام لقاح لكورونا

امرأة تحمل لقاحاً تجريبياً ضد فيروس كورونا (رويترز)
امرأة تحمل لقاحاً تجريبياً ضد فيروس كورونا (رويترز)

يحذر خبراء اللقاحات الحكومة الفيدرالية من التسرع في استخدام لقاح لفيروس كورونا قبل أن يثبت الاختبار أنه آمن وفعال. وتظهر عقود من التاريخ لماذا هم على حق، وفقاً لتقرير لشبكة «سي إن إن».
وازداد القلق من أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد تتحرك بسرعة كبيرة عندما قال مفوض إدارة الغذاء والدواء الدكتور ستيفن هان لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إن وكالته يمكن أن تفكر في الحصول على ترخيص استخدام طارئ للقاح كورونا قبل اكتمال التجارب السريرية في المرحلة المتأخرة إذا كانت البيانات تظهر أدلة قوية بما يكفي من شأنها حماية الناس.
وللمفوض سلطة السماح باستخدام المنتجات الطبية غير المعتمدة في حالات الطوارئ عندما لا توجد بدائل مناسبة أو معتمدة. وهذا ما حدث مع الهيدروكسي كلوروكين والكلوروكين، حيث منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية اتفاقية ترخيص استخدام طارئ للأدوية - التي أشاد بها الرئيس دونالد ترمب كثيراً - في 28 مارس (آذار). وألغت الاتفاقية الخاصة بها في يونيو (حزيران)، بعد أن أظهرت الدراسات أنها لم تكن فعالة ويمكن أن تسبب أيضاً مشاكل قلبية خطيرة.

* الموافقة على اللقاح
لكي تتم الموافقة على لقاح من قبل إدارة الغذاء والدواء، يجب على العلماء جمع بيانات كافية من خلال التجارب السريرية بأعداد كبيرة من المتطوعين لإثبات أنه آمن وفعال في حماية الناس من المرض. بمجرد جمع البيانات، عادةً ما يقضي مستشارو إدارة الغذاء والدواء الأميركية شهوراً في التفكير فيها.
وأعطت إدارة الغذاء والدواء لقاحاً بهذه الموافقة القياسية مرة واحدة فقط من قبل، لكنها كانت في ظروف غير عادية. ورفع الجنود دعوى قضائية، زاعمين أن لقاح الجمرة الخبيثة الإلزامي جعلهم مرضى، وأوقف القاضي البرنامج. وطلبت وزارة الدفاع اتفاقية ترخيص الاستخدام الطارئ التي تجاوزت بعد ذلك حكم المحكمة في عام 2005، حتى تتمكن من مواصلة تطعيم الأفراد العسكريين - هذه المرة على أساس تطوعي.
خلافاً لذلك، يجب أن تمر اللقاحات خلال عملية التجربة السريرية بأكملها وعملية موافقة إدارة الغذاء والدواء، التي قد تستغرق شهوراً أو سنوات.
وعندما تم التعجيل بعملية صنع اللقاح، كانت هناك نتائج سيئة.

* حادثة «كاتر»
في 12 أبريل (نيسان) عام 1955، أعلنت الحكومة عن أول لقاح لحماية الأطفال من شلل الأطفال. في غضون أيام، صنعت المعامل آلاف من اللقاحات. واحتوت دفعات من إنتاج شركة واحدة «كاتر لابز»، عن طريق الخطأ على فيروس شلل الأطفال الحي ما تسبب في تفشي المرض.
وحصل أكثر من 200 ألف طفل على لقاح شلل الأطفال، ولكن في غضون أيام اضطرت الحكومة إلى التخلي عن البرنامج.
وأصيب إثر ذلك نحو أربعين ألف طفل بشلل الأطفال. وقال الدكتور هوارد ماركيل، طبيب الأطفال ومدير مركز تاريخ الطب في جامعة ميشيغان، إن البعض كانت لديهم مستويات منخفضة من المرض، وعانى بعض المئات من الشلل الكامل، وتوفي نحو 10 آخرين.

* مشكلة القرد
ومع ذلك، فشلت الرقابة المتزايدة في اكتشاف مشكلة أخرى مع لقاح شلل الأطفال. من عام 1955 إلى عام 1963 ، كان ما بين 10 في المائة و30 في المائة من لقاحات شلل الأطفال ملوثة بفيروس القرد 40 «إس في 40».
وقال عالم الإنثروبولوجيا الطبية إس. لوشلان جين: «الطريقة التي نما بها الفيروس كانت على أنسجة القرود. تم استيراد عشرات الآلاف من قرود المكاك الريسوسية من الهند». وأضاف جين، الذي درّس تاريخ دورة اللقاحات في ستانفورد: «كانوا محبوسين في أقفاص وفي هذه الظروف، مات بعضهم أثناء الرحلة، وأصيب الكثيرون بالمرض وانتشرت الفيروسات بسرعة».
واعتقد العلماء خطأً أن الفورمالديهايد الذي استخدموه سيقتل الفيروس، وقال جين: «تم نقل المرض إلى ملايين الأميركيين».
ويعتقد الكثيرون أن هذه القضية لم تتم متابعتها بشكل كافٍ، وأظهرت بعض الدراسات وجود صلة محتملة بين الفيروس والسرطان. ومع ذلك، قال موقع المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض، إن معظم الدراسات «مطمئنة» ولم تجد أي رابط.

* الجائحة التي لم تحصل
في عام 1976، تنبأ العلماء بانتشار جائحة لسلالة جديدة من الإنفلونزا تسمى إنفلونزا الخنازير. بعد أكثر من 40 عاماً، يسميها بعض المؤرخين «وباء الإنفلونزا الذي لم يحصل أبداً».
وقال مايكل كينش، أستاذ علاج الأورام بالإشعاع في كلية الطب في جامعة واشنطن: «أُخبر الرئيس فورد بشكل أساسي من قبل مستشاريه أن هناك وباء قادماً يسمى إنفلونزا الخنازير سيكون سيئاً مثل الإنفلونزا الإسبانية».
وتم إقناع فورد بطرح لقاح تم وضعه على عجل. وقال كينش: «عندما تكون لديك حالة إجهاد جديدة تماماً مثل هذه، كان عليهم القيام بذلك على الفور». واتخذ فورد قراراً بجعل التطعيم إلزامياً.
وأطلقت الحكومة البرنامج في نحو سبعة أشهر وتم تطعيم 40 مليون شخص ضد إنفلونزا الخنازير، وفقاً لمركز السيطرة على الأمراض. وتم ربط حملة التطعيم هذه لاحقاً بحالات اضطراب عصبي يسمى متلازمة غيلان باريه، التي يمكن أن تتطور بعد الإصابة أو في حالات نادرة بعد التطعيم بلقاح حي.
وقال كينش: «لسوء الحظ، بسبب هذا اللقاح، وحقيقة أنه تم إجراؤه على عجل، كانت هناك بضع مئات من حالات غيلان باريه».
وأوضح مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن الخطر المتزايد كان نحو حالة واحدة إضافية من غيلان باريه لكل 100 ألف شخص حصلوا على لقاح إنفلونزا الخنازير. بسبب هذا الارتباط الصغير، أوقفت الحكومة البرنامج للتحقيق.
وقال ماركيل: «لقد كان نوعاً من الفشل الذريع... النبأ السار هو أنه لم يكن هناك وباء لإنفلونزا الخنازير. لذلك كنا بأمان، لكن هذا يظهر لك ما يمكن أن يحدث».

* تزايد انعدام الثقة في الولايات المتحدة
استغرق الأمر عدة حوادث حتى بدأ الناس في تطوير شعور عدم الثقة في اللقاحات. حتى بعد مرض آلاف الأطفال من لقاح شلل الأطفال الأول في عام 1955، عندما أُعيد تشغيل البرنامج، حرص الآباء على تلقيح أطفالهم. كانت لديهم ذكريات واضحة عن الأوبئة التي أصابت ما بين 13 ألفاً و20 ألف طفل بالشلل كل عام. كان البعض مصاباً بشلل عميق لدرجة أنهم لم يتمكنوا حتى من التنفس بسهولة بمفردهم، واعتمدوا على آلات تسمى الرئتين الحديدية لمساعدتهم في التنفس.
وقال ماركيل إن مواقف الناس بدأت تتغير بين عام 1955 ومشروع التطعيم ضد إنفلونزا الخنازير عام 1976.

* فكرة «غبية للغاية»
أشار ماركيل إلى أن عدم ثقة الناس في النظام يجعل فكرة أن إدارة الغذاء والدواء ستسرع في هذه العملية قبل أن تكتمل التجارب السريرية في المراحل المتأخرة «غبية للغاية».
وتابع: «هذا أحد أكثر الأشياء سخافة التي سمعتها من الإدارة... كل ما يتطلبه الأمر هو أحد الآثار الجانبية السيئة لفشل برنامج لقاح نحتاجه بشدة ضد هذا الفيروس».


مقالات ذات صلة

الطبخ المنزلي... وقاية من الخرف لدى كبار السن

صحتك الطبخ المنزلي... وقاية من الخرف لدى كبار السن

الطبخ المنزلي... وقاية من الخرف لدى كبار السن

قد يبحث البعض في الأخبار عن الدراسات الطبية التي تتحدث عن اكتشاف وسائل دوائية أو جراحية «معقدة» للتغلب أو الوقاية من إحدى المشكلات الصحية أو الأمراض الطبية.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك هرمون الألدوستيرون عامل مساهم في ارتفاع ضغط الدم

هرمون الألدوستيرون عامل مساهم في ارتفاع ضغط الدم

إذا كنت تعاني من ارتفاع ضغط الدم، توصي الإرشادات الجديدة الصادرة عن «جمعية الغدد الصماء» بإجراء فحص دم للكشف عن ارتفاع مستويات هرمون ألدوستيرون.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك اللقاحات عبر الأجيال... حماية تمتد طويلاً

اللقاحات عبر الأجيال... حماية تمتد طويلاً

مشهدٌ مُحيّر يتكرر في معظم المراكز الصحية بصور مختلفة حول العالم: أمهاتٌ يجلسن متأملات بطاقات تطعيم أطفالهن، ويترددن قبل أن يقررن الموافقة على الجرعة التالية...

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك «التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

«التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية للأطفال

أظهرت دراسة، أن الصحة النفسية للأطفال، مرتبطة بالاستعداد الجيني للإصابة بالأمراض النفسية في الوالدين، بما يشبه الصفات التي يتم توريثها من الآباء للأبناء.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك الشوكولاتة الداكنة والشاي يحتويان على مركبات مضادة للأكسدة تُسهم في خفض ضغط الدم (بيكسلز)

مزيج أطعمة يومي قد يصنع فرقاً كبيراً لصحة قلبك

في وقت تتزايد فيه أمراض القلب عالمياً، يكشف خبراء التغذية عن حلول سهلة يمكن تطبيقها في الحياة اليومية دون تعقيد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.