مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
TT

مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920

تُرافق صورة الجنرال هنري غورو في قصر الصنوبر البيروتي، في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، كل مقال وكتاب تاريخ وفيلم وثائقي عن تأسيس «لبنان الكبير»: المندوب السامي الفرنسي الأول جالساً ببذلته البيضاء بين بطريرك الموارنة إلياس الحويك ومفتي المسلمين الشيخ مصطفى نجا. وفي لقطات أخرى، يظهر الجنرال واقفاً رافعاً يده، كمن يقسم أو كمن أخذته حماسة الخطاب، بين البطريرك والمفتي.
كان الحفل ختاماً لمسار طويل من الشق الماروني «للمسألة الشرقية» التي شغلت الغرب طوال القرن التاسع عشر، ومثلت الجماعات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية واحداً من فصولها. قضت الواقعية السياسية للبطريرك الحويك، الزعيم الأبرز للطائفة في تلك الفترة، القبول بألا يقتصر الكيان الوليد على الموارنة وحدهم، أو على المناطق التي يشكلون فيها أكثرية سكانية واضحة.
وتبدو اليوم رواية إنشاء لبنان الكبير وكأنها تنتمي إلى عالم آخر لم تحفظ الأيام منه شيئاً، إذ إن كيفية رسم خريطة لبنان وضم أقضية (ورفض أخرى نظراً إلى كثرة أبناء طوائف بعينها بين السكان، بحسب الروايات الشائعة) لم تعد تعني الشيء الكثير. كذلك الأمر في ما خص نشاطات المنفيين اللبنانيين في فرنسا ومصر (ومن بينهم بشارة الخوري وميشال شيحا ويوسف السودا) الذين عملوا على تحصيل أكبر نسبة من الاستقلال من الفرنسيين ومن البريطانيين في آن، وإبعاد الكيان الذي كان بعد جنيناً عن حكومة الأمير فيصل في دمشق. ومراقبة أعمال مؤتمرات الصلح ومعاهدات السلام المتعددة التي كانت ترمي إلى تقاسم التركة العثمانية، وصولاً إلى تفضيل الانتداب الفرنسي على الحكم الفيصلي، لا تحضر سوى في كتب التاريخ، بصفتها مواضيع خلافية لم يتوصل اللبنانيون الحاليون إلى اتفاق حولها بعد. وترتفع الأصوات الداعية إلى التفكير في الإمكانات البديلة التي كانت متاحة في ذلك الزمن عن لبنان الكبير، من مثل البقاء ضمن المملكة العربية التي حاول فيصل إقامتها في سوريا، بصفتها مؤشرات إلى الخلاف القائم اليوم، وليس إلى ما اتفق اللبنانيون في سنة الاستقلال عن فرنسا في 1943، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتداب، على طي صفحته، وتوجيه أنظارهم إلى المستقبل.

فرضت الضرورة على البطريرك الحويك، إذن، القبول بضم أقضية وأقاليم جديدة إلى لبنان - المتصرفية. ويقال إن الخوف من تكرار مجاعة 1915 التي افتعلها الأتراك، بحسب الرواية الرسمية اللبنانية، والتي يتحمل مسؤوليتها الحلفاء الذين فرضوا حصاراً على موانئ السلطنة، وفق الرواية التركية، هو الدافع إلى ضم سهل البقاع الذي كان يفترض به أن يؤدي دور سلة الخبز للدولة الجديدة. وضم الجنوب له قصة مختلفة، وكذلك الشمال الذي ظلت عاصمته طرابلس على عصيانها لانتمائها الجديد حتى الاستقلال.
- التاريخ بعد الجغرافيا
بعد إنجاز جغرافيته، احتاج لبنان الكبير إلى وظائف اقتصادية، وتاريخ مستقل مميز عن تواريخ باقي الولايات العثمانية. ولا عجب أن يكون القسم الأكبر من التاريخ الفينيقي قد «اكتشفه» كتاب لبنانيون مسيحيون في أثناء الانتداب الفرنسي. فالاستناد إلى القوة والثقافة الفرنسيين في بلد يسير نحو الاستقلال لم يكن مقنعاً أو مقبولاً. فكان من الملح «اقتراح» تاريخ بديل للولاية العثمانية السابقة، تاريخ يمتد إلى آلاف السنين، ويسبق المسيحية والإسلام، ويضع لأهالي تلك الحقبة خصائص مشابهة لأهالي البلد الحالي، ويبعدهم قدر المستطاع في الآن ذاته عن المجموعات العرقية التي تحيط بهم. ولا يخفى على قارئ التاريخ اللبناني، إذا قاربه من زاوية المقارنة والنظر في الوثائق والدلائل الأركيولوجية، أن يطرح كثيراً من الأسئلة لا يجد جلها إجابات مقنعة.
ليس معنى الكلمات هذه تأييد الزعم الذي حمله القوميون العرب والبعثيون من أن لبنان «كيان مصطنع» و«خطأ تاريخي» مصيره العودة إلى حضنه الطبيعي في سوريا كبرى متخيلة. وعلى جاري ما بات عادة في تناول تاريخ لبنان، ينبغي التذكير بأن كل بلدان المشرق العربي رسم خرائطها صغار ضباط القوتين الاستعماريتين، الفرنسية والبريطانية. ولا يختلف في ذلك لبنان عن سوريا أو العراق أو الأردن. وما الأزمات الحالية في المشرق، وتآكل بنى دوله، غير تأكيد متأخر على السمة الاصطناعية الجامعة لدوله كلها، واضطراب روابطها الداخلية، وبقاء «نظام الملل العثماني» من دون بديل ما كان ليتوفر أصلاً في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية، أو ذي ديمقراطية منقوصة على غرار النظام اللبناني. وإذا كان إنشاء «لبنان الكبير» قد تزامن مع إعلان الاحتلال الفرنسي قيام دول طائفية في سوريا، ثم تخليه عن هذا المشروع أواخر الثلاثينات، فإن في استمرار الكيان اللبناني ما يبرره، ويخرجه من فئة دول الطوائف المذكورة.
القدرة على الاستمرار استندت أولاً إلى تاريخ من العلاقات مع الغرب، منها الثقافي والديني، ومنها الاقتصادي، ومن حروب أهلية وطائفية بدأت أواسط القرن التاسع عشر، مع تحول مسيحيي الشوف الذين خرجوا من ولاءات قبلية عشائرية ظلت راسخة في الجبال الشمالية، وتحولوا إلى جماعة واعية لذاتها تحت رعاية البطريركية المارونية. ومن دون العودة إلى سجال لا ينتهي حول «التميز» المسيحي، وقدرة المسيحيين على التفوق سياسياً وثقافياً على جيرانهم الدروز، وغيرهم من المسلمين، يتعين القول إن المسألة المسيحية وجدت طريقها إلى اهتمام القوى الغربية التي لم تتردد في الاستفادة منها في سياق سعيها إلى تقاسم إرث «الرجل المريض».
لكن هذه الرواية لا تكفي لتبرير هيمنة الموارنة السياسية والاقتصادية والثقافية على الكيان الجديد. فهذه تحتاج إلى نسيج موحد يجمع سكانه حول قضايا وقيم، وإن لم ينضووا في هوية عرقية أو دينية وثقافية واحدة. وبدلاً من تواريخ المناطق والطوائف والولايات العثمانية، بدأت محاولات كتابة تاريخ وطني. وظهر في حيز التداول الفينيقيون، بصفتهم بناة حضارة بحرية عظيمة وصلت إلى قرطاج، وأقامت المستعمرات التجارية على شواطئ أيبيريا وأفريقيا. ومع هؤلاء، بدأت الألفباء التي أخذها العالم عنهم. لكن حال الساحل في بدايات القرن العشرين لا يساند تماماً هذه الرواية. فبدأت هنا القصص عن الاعتصام بالجبال، والتطبع بطبيعتها الصخرية الصلبة، ومقاومة الغزاة والتصدي للمستبدين والطغاة. وفي هذه الرواية، تجوز شراكة المسيحيين والدروز.
غني عن البيان أن الانتقال إلى الجبل، والعودة إلى الساحل مجدداً مع مجيء الانتداب، بصفته مركزاً للكيان اللبناني، أملته الحاجة إلى تماسك في تصور اللبنانيين عن أنفسهم. فهم تجار مسالمون، بحسب توصيف شارل قرم في إحدى محاضرات «الندوة اللبنانية»، أواخر أربعينيات القرن الماضي، تمركزوا على الساحل. لكنهم لجأوا إلى الجبال هرباً من الاضطهاد في أدبيات أخرى، ثم نزلوا منها، ليس هرباً من مذابح حروب الجبل الطائفية، لكن لاستئناف مهمتهم التاريخية بصفتهم تجاراً عالميين.
وبعد الاستقلال، كان لا بد من توسيع إطار الرواية التاريخية، لتشمل لبنانيين آخرين لم يتركوا السواحل، ولم يهبطوا من الجبال. وقد أدى مؤرخون مثل فؤاد أفرام البستاني وفنانون ومثقفون من كل المجالات أدواراً كبيرة في تعميم رواية جديدة عن لبنان المنفتح على العالم، وعلى محيطه، الملتف حول قيادة سياسية معتدلة حكيمة لا تذهب بعيداً في العداء لأي قوة خارجية إلا في حال الدفاع عن الوطن. ومفهوم أن القيادة هذه يجب أن تبقى للمسيحيين لأنهم الأكثر رقياً والتصاقاً بثقافة الغرب، وضمانة لهم بصفتهم أقلية مهددة بالفناء في بحر من المسلمين الذين لم يتخلوا -وفق السردية الرسمية- عن مخططهم المضمر بالوحدة العربية. ويمكن هنا زج عدد من الأحداث تثبت أو تنقض صحة هذه المقاربة، من حرب 1958 الأهلية الصغيرة إلى أحداث عام 1969 وصولاً إلى اشتباكات 1973 بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين التي انحاز فيها المسلمون واليسار اللبناني إلى جانب الفلسطينيين. وصولاً، بطبيعة الحال، إلى حرب 1975-1990 التي دمرت الدولة اللبنانية القديمة، ولم تنتهِ إلا بـ«اتفاق الطائف» الذي أسس لعقد جديد بين اللبنانيين.
- الاقتصاد يسير في ركب التاريخ
سار النموذج الاقتصادي الذي بُني ليتفق مع توجهات المجموعة السياسية التي برزت في ظل الانتداب، وبعد رحيله، يداً بيد مع التصور التاريخي للبنان: تقديم التجارة، وترجمتها الحديثة العمل المصرفي، على باقي القطاعات الاقتصادية. وتسهيل الخدمات التي تشمل نواح تمتد من السياحة إلى التعليم العالي. وجنى النموذج هذا فوائد ضخمة عند احتدام الصراعات العربية الداخلية، وفي أتون الصراع العربي - الإسرائيلي، كما هو معروف. لكن نقطة ضعفه لم تكن في إفقار المجتمع اللبناني، ولا في تعميق الانقسام الطبقي، بل خصوصاً في محاولة السياسيين اللبنانيين إمساك عصا التناقضات الإقليمية من الوسط. السياسيون هؤلاء يريدون التربح من التأميمات في الدول العربية، وفرار رؤوس الأموال من هناك إليهم، إضافة إلى جذب أموال النفط العربية التي بدأت بالتدفق في الخمسينيات، لكنهم لا يرغبون في الشراكة في الصراع العربي - الإسرائيلي، ويفضلون حياداً غير معلن عليه. وقد وافق النظام العربي الرسمي على استثناء لبنان من تصنيف «دول المواجهة»، وضم العراق بدلاً منه.
بيد أن النهج اللبناني هذا غفل عن أن الحدود ليست مقفلة على رياح الأزمات وعواصف التناقضات الإقليمية والدولية. والتسوية التي أنهت «ثورة 1958» ما كان لها لتصمد أمام زلزال بحجم حرب 1967 التي غيرت صورة المنطقة تغييراً جذرياً، وأدخلت المعطى الفلسطيني بمقاومته المسلحة وتعقيداتها، واستغلال الأنظمة العربية لها، إلى المعادلة اللبنانية الهشة منذ 1969. وقد سرع العامل الفلسطيني انهيار صيغة 1943 التي كانت صدوعها تتسع في العقود السابقة، حيث لم يعد يكفي النظامان السياسي والاقتصادي لتلبية حاجات وتطلبات شرائح جديدة من اللبنانيين الذين يكتشفون الدولة، ويكتشفون خصوصاً حرمانهم مما يفترض أن تقدمه لهم الدولة، ليس من مدارس ومستشفيات فحسب، بل أيضاً من أمن وسلام بعد تفاقم الاعتداءات الإسرائيلية أواخر الستينيات ارتباطاً بالعمل الفلسطيني المسلح.
وطرحت هنا إشكالية ثانية أشار إليها كتاب شباب أواخر الستينيات: إذا صعّد لبنان مشاركته في الصراع العربي - الإسرائيلي سيكون الحلقة الأضعف بين الدول العربية، وسيتعرض للدمار. في المقابل، إذا رفعت قوى اليسار المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، سترتفع أخطار الحرب الأهلية التي لن تكون إلا طائفية، وسيُطمس البعد الاجتماعي فيها؛ لم ينتهِ هذا التناقض إلى اليوم.
- الانهيار وسؤال النهوض
العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحروب الأهلية في 1990 يجوز وصفها بتكرار محاولات البناء الأولى في عشرينيات القرن الماضي، واعتماد صيغ الاقتصاد والثقافة ذاتها، في ظل صيغة سياسية معدلة فرضتها الوقائع الإقليمية والديمغرافية. لم يعد المسيحيون «أولاً بين متساوين»، بل فرضت وصاية النظام السوري عليهم، وعوملوا معاملة مجتمع واقع تحت الاحتلال، واقتيدوا إلى مواقع التبعية والتهميش. ولم يغفر المسيحيون بعد رفع ربقة القيد السوري للمسلمين أنهم شاركوا في إذلالهم، وفي احتلال مواقع سياسية واقتصادية وثقافية كانت لهم قبل الحرب.
لكن انهيار العالم الذي اعتاد المسيحيون عليه، وتغير أولويات الغرب، وخروجهم من اهتماماته، وتفضيله التحالف مع من يستطيع تحقيق مصالحه المباشرة بعد نهاية خدمة غلالة «مسيحيي الشرق»، ناهيك من انقراض ثقافة اليمين التقليدي التي كان المسيحيون اللبنانيون يعتمدون عليها في إبراز تفوقهم الثقافي، جعلت محاولة التيار الأكبر منهم استعادة المواقع السابقة تصطدم بصخرة الواقع الجديد. فآثر بعضهم التحالف مع قوى كانت في صميم التحالف الذي هزمهم، في نوع من الانحياز إلى الطرف الأقوى في المعادلة التي حكمت لبنان بعد خروج القوات السورية في 2005.
هذه العودة سرّعت عملية التفكك الناجم عن نهاية الوظيفة الاقتصادية للبنان في محيط بات كثير من دوله متفوقاً عليه في المجالات التي أتقنها. لم يعد لبنان مرفأً ومصرفاً وجامعة وملهى ليلاً. وبعد اندلاع الثورات العربية والحروب التي أعقبتها، لم يعد حتى صندوق بريد لمراسلات الأطراف المتقاتلة، ومكاناً لتنفيس الاحتقانات التي وجدت ساحات أرحب للصراع المكشوف. وما تفشي الفساد الذي أصبح سمة مرافقة لكل ما له علاقة بالسياسة والإدارة اللبنانيتين سوى علامة على اضمحلال المكانة التي كان لبنان يحتلها ذات يوم، واضطرار عرابي الطوائف إلى تمويل زعاماتهم وتأبيدها من خلال السطو على المال العام على مستويات وصعد أوسع كثيراً مما كان سائداً قبل الحرب وفي أثنائها.
تضافر النهايات والممارسات هذه أفضى إلى سقوط الدولة اللبنانية في 2019-2020، وانقلابها دولة فاشلة لم يصمد من هياكلها سوى أدوات العنف والقمع الداخلي التي تتشارك فيها أدوات الدولة مع تلك التي أفرزتها الطوائف المسلحة، ويقتصر عملها على الحفاظ على الذات خشية أي تغيير في تركيبة البلد السياسية يطيح «بالإنجازات والانتصارات» و«باستعادة حقوق المسيحيين» التي يتغنى بها طرفا الحلف الجديد.
كل هذا بات من بداهات الخطاب اليومي اللبناني. وها هو هذا البلد يختتم مئويته الأولى في حضيض لم يصله في يوم من هذا القرن الحافل بالحروب والاضطرابات والمحن. لكن هل هذه هي نهاية هذا الكيان فعلاً؟
الرومانسية القاتمة المستوحاة -ربما- من مرضى السل في القرن التاسع عشر التي يحلو لبعض الكتاب استخدامها في وصفهم لحال لبنان اليوم، وذلك التشاؤم الكلي الأسود، لا يضيفان في واقع الأمر شيئاً إلى محاولات اكتشاف مخارج وحلول للوضع القائم. ذلك أن ملايين من اللبنانيين ما زالوا على هذه البقعة من الأرض، ويبحثون كل على طريقته عن خلاص، فردي أو جماعي. لن يصيب الفناء هؤلاء، وربما لن يكون مستقبلهم زاهراً في المستقبل المنظور، من دون حل المعضلات السياسية الطائفية، وآليات التمثيل في السلطة والمشاركة فيها، وبناء اقتصاد جديد قائم على الإمكانات المتوفرة لدى اللبنانيين من جهة، المتلائمة مع متطلبات الجوار والعالم من جهة ثانية. السؤال الذي ينهض هنا هو: من هي القوى الاجتماعية التي تملك مصلحة في الخروج من الاستعصاء الطائفي الذي وفر لقسم كبير من اللبنانيين، وعلى امتداد عقود طويلة، قدراً من الحماية من أخطار، حقيقية أو وهمية، شكلتها الطوائف الأخرى؟
انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لم تأتِ بالجواب الشافي. التحركات التي تبعت انفجار بيروت، في الرابع من أغسطس (آب)، لم تؤدِ إلى نتيجة أمام تصلب سلطة ما زالت قادرة على تحريك الغرائز والرعاع في وقت واحد.
لكن هل يعني كل هذا أن «قصة» لبنان قد طويت؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما الكيان الذي يعيش فيه من يسمون أنفسهم باللبنانيين؟ عليه، مهمة إعادة اختراع لبنان آخر توضع فيه آمال اللبنانيين وطموحاتهم، وبعض الدروس المريرة، تبدو ضرورية، ليس للعالم غير المبالي، ولا من أجل رسالة لن تصل إلى أي مكان، بل من أجل اللبنانيين وحقهم في الحياة مثل شعوب العالم، لا غير.



مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية
TT

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالات هاتفية مع قادة وزعماء دول عربية تعرضت لضربات إيرانية السبت، مؤكداً موقف مصر الرافض لأي اعتداء على سيادة الدول العربية، ومشدداً على تضامن بلاده الكامل مع «الدول الشقيقة التي تعرضت للاعتداءات».

وحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، فإن السيسي «جدد التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء التوتر»، مشدداً على «أن الحلول السياسية والدبلوماسية هي السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات».

كما أجرى السيسي اتصالاً هاتفياً بالعاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، على ضوء الهجوم الإيراني على أراضي الأردن، وعبر عن تضامن مصر مع المملكة الأردنية، مشدداً على «رفض مصر وإدانتها البالغة التعدي على سيادة وأمن واستقرار الدول العربية». كما أكّد السيسي «خطورة هذه الانتهاكات التي تُهدد بزعزعة أمن واستقرار المنطقة بأسرها، وبانزلاق المنطقة نحو حالة من الفوضى».

وكذلك، أجرى السيسي اتصالاً هاتفياً بالملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، عبّر فيه عن تضامن مصر مع المملكة في أعقاب الاعتداء الإيراني الذي استهدف أراضيها.

من جانبه، شدد الملك حمد بن عيسى آل خليفة «على أهمية التنسيق العربي المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وصون الأمن القومي العربي».

وأجرى السيسي اتصالاً مع الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، أكد خلاله تضامن مصر مع دولة الإمارات، وطالب «بضرورة العودة للاحتكام للحوار والدبلوماسية للتوصل إلى حلول سياسية للأزمة الراهنة»، مشدداً على أن الحلول العسكرية «لن تُحقق مصالح أي طرف، وتنذر بإدخال المنطقة في دائرة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار وإراقة الدماء، وهو ما يتعارض مع تطلعات شعوب المنطقة».

كما تابع السيسي تداعيات الضربات الإيرانية التي طالت دولة قطر خلال اتصال هاتفي مع الأمير تميم بن حمد، ودعا إلى ضرورة تكثيف التحرك الدولي والإقليمي لاحتواء التوتر.

وكانت مصر قد أدانت، السبت، استهداف إيران «وحدة وسلامة أراضي دول عربية وانتهاك سيادتها»، وحذّرت من انزلاق المنطقة بأسرها إلى «حالة الفوضى الشاملة».

وأعربت «الخارجية المصرية»، في بيان لها، عن قلقها من «التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة، وما ينطوي عليه من مخاطر توسيع رقعة الصراع وانزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة التي ستكون لها، دون شك، تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي».


«لا عودة قسرية» من مصر... تأكيدات سودانية لحل أزمات الوافدين

رئيس الوزراء السوداني خلال حديث لصحافيين مصريين بالقاهرة (مجلس الوزراء السوداني)
رئيس الوزراء السوداني خلال حديث لصحافيين مصريين بالقاهرة (مجلس الوزراء السوداني)
TT

«لا عودة قسرية» من مصر... تأكيدات سودانية لحل أزمات الوافدين

رئيس الوزراء السوداني خلال حديث لصحافيين مصريين بالقاهرة (مجلس الوزراء السوداني)
رئيس الوزراء السوداني خلال حديث لصحافيين مصريين بالقاهرة (مجلس الوزراء السوداني)

بعث رئيس وزراء السودان كامل إدريس برسالة طمأنة للجالية السودانية في مصر، وأكد أنه «لا توجد عودة قسرية»، مشيراً إلى «اتفاق مع الحكومة المصرية لتدشين آلية تستهدف إطلاق سراح المحبوسين من السودانيين وتبادل السجناء مع الجانب المصري».

وتأتي تصريحات إدريس وسط شكاوى من الجالية السودانية في مصر، لتعرضها لملاحقات أمنية، وتداول سودانيون عبر منصات التواصل الاجتماعي، أنباء عن «توقيف عدد من السودانيين نتيجة لعدم تقنين أوضاع إقامتهم في البلاد».

وزار رئيس وزراء السودان القاهرة، الخميس، ولمدة يومين، التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وحسب البيان المشترك الصادر عن الجانبين، أكدت القاهرة «دعم وحدة وسلامة السودان ومؤسساته الوطنية».

وقال رئيس وزراء السودان إن «محادثاته مع المسؤولين المصريين ركزت بالدرجة الأولى على أوضاع الجالية السودانية في مصر والقضايا المرتبطة بها، وفي مقدمتها التعليم والإقامة»، وأكد خلال تصريحات، مساء الجمعة، مع صحافيين مصريين، أنه «لا توجد عودة قسرية للسودانيين، وما يتم هو عودة طوعية».

وأشار إدريس إلى أن «الرئيس المصري تعهد خلال المحادثات معه، بتقنين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر»، وقال إن «الإجراءات التي تقوم بها السلطات المصرية هي تدابير روتينية، وليس المقصود بها السودانيين وحدهم»، ونوه إلى أن «الحديث عن عودة قسرية غير صحيح وتم الترويج له لإثارة الفتنة بين البلدين»، وأكد أن «العودة تظل خياراً شخصياً لمن يرغب».

وكشف إدريس عن آلية بين بلاده والقاهرة تستهدف العمل على «إطلاق سراح السودانيين المحبوسين وتبادل السجناء»، وأشار إلى أن «الرئيس المصري تعهد مباشرةً بالاهتمام الكامل بأوضاع الجالية السودانية، والعمل على تسوية أوضاع الطلاب والجامعات والمدارس، وتنظيم امتحانات الشهادة السودانية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس وزراء السودان بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وتداول سودانيون على منصات التواصل الاجتماعي، منها «الحساب الخاص بالجالية السودانية»، على منصة «فيسبوك»، شكاوى من استهداف سودانيين في حملات أمنية، فيما أشارت حسابات سودانية أخرى إلى أن ما يثار عن «حملات ممنهجة» غير واقعي، وأن الأمر يجري تداوله بشكل مبالغ به عبر منصات وسائل التواصل.

ويرى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، أن «معالجة أوضاع الجالية السودانية في مصر من أهم النتائج التي خرجت بها زيارة إدريس للقاهرة»، مشيراً إلى أن «شكاوى الملاحقة الأمنية تكررت كثيراً في الفترة الأخيرة من أبناء الجالية».

وأكد جبارة لـ«الشرق الأوسط»، أن الجالية السودانية في مصر تعول على نتائج الزيارة من أجل تقديم تسهيلات للسودانيين المقيمين في المدن المصرية، موضحاً أن «التسهيلات يجب أن تشمل ملف تقنين الإقامات، وضمان فرص التعليم للطلاب السودانيين».

وحسب البيان المشترك الصادر عن الحكومتين المصرية والسودانية، «أعرب الجانب السوداني عن تقديره للدعم وأوجه الرعاية التي تقدمها مصر لأبناء الجالية السودانية في مصر، واستمرار هذا الدعم المُقدّر».

وإلى جانب أوضاع الجالية السودانية، تحدث رئيس وزراء السودان عن «اتفاق مع الحكومة المصرية، لتحقيق شراكة منتجة مع التأكيد على وحدة المصير»، وقال إن «المحادثات مع المسؤولين المصريين تناولت ملف إدارة مياه النيل، حيث جرى الاتفاق على أن الملف أمني واقتصادي، وضرورة إدارته بالإجماع مع دول حوض النيل، ورفض الممارسات الأحادية»، إلى جانب ضرورة «وجود اتفاق ينظم قواعد تشغيل (السد الإثيوبي)، لحماية مصالح البلدين المائية».

رئيسا وزراء مصر والسودان في محادثات مشتركة بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول مبادرة السلام السودانية وفرص تنفيذها، قال إدريس إن «بلاده حرصت على تقديم رؤية وطنية للسلام الشامل، لتنتقل من مقاعد اللاعبين البدلاء في هذا الملف، إلى لاعب أساسي فيه»، مشيراً إلى أن «السودان يستهدف تحقيق هدنة موسعة وشاملة لإنهاء الحرب، وليس هدنة منقوصة، وأن المقصود من (مبادرة السلام السودانية) نزع سلاح ميليشيا (الدعم السريع)، ثم تدشين عملية سياسية موسعة لا تستثني أحداً».

وبشأن مبادرة «الرباعية الدولية»، التي تضم (السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة)، قال إدريس إن «هذه المبادرة تتكامل مع المبادرة السودانية»، مشيراً إلى أن «بلاده تتفاعل مع الرباعية الدولية، لكن لم يتم الوصول لأي اتفاق نهائي بشأن هدنة حتى الآن».

وأشاد رئيس الوزراء السوداني بموقف القاهرة الداعم لبلاده، وقال إن «مصر أكدت أن استقلالية السودان وسلامة ومؤسساته الوطنية وأراضيه، خط أحمر بالنسبة لها»، وأشار إلى أن «القاهرة ستكون لها القدح الأعلى في خطة إعادة إعمار السودان»، منوهاً إلى أنه «ناقش مع المسؤولين المصريين المشاركة في إنشاء مدينة إدارية جديدة لبلاده على غرار العاصمة الجديدة بمصر».

وأصدرت الرئاسة المصرية، في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوط حمراء في السودان، باعتبارها تمس مباشرة الأمن القومي المصري الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي السوداني»، وأشار إلى أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه هي أحد أهم هذه الخطوط الحمراء، بما في ذلك عدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان».


مصر تدين استهداف إيران للدول العربية وتحذر من «الفوضى الشاملة» بالمنطقة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدين استهداف إيران للدول العربية وتحذر من «الفوضى الشاملة» بالمنطقة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

أدانت مصر، السبت، استهداف إيران «لوحدة وسلامة أراضي دول عربية وانتهاك سيادتها»، وحذرت من انزلاق المنطقة بأسرها إلى «حالة الفوضى الشاملة».

وأعربت «الخارجية المصرية»، في بيان لها، عن قلقها من «التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة، وما ينطوي عليه من مخاطر توسيع رقعة الصراع وانزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة والتي ستكون لها بدون شك، تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي».

وجددت مصر «التأكيد على الأهمية البالغة للحلول السياسية والسلمية»، مشيرة إلى «أن الحلول العسكرية لن تفضي إلا إلى المزيد من العنف وإراقة الدماء، وأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار يكمن في الالتزام بخيار الدبلوماسية والحوار».

وأدانت القاهرة، بشدة، «استهداف إيران لوحدة وسلامة أراضي دول عربية شقيقة وانتهاك سيادتها، بما في ذلك قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن، وما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمتها».

وأكدت «ضرورة احترام سيادة هذه الدول ووحدة وسلامة أراضيها واحترام مبدأ حسن الجوار والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ المنطقة، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، تفادياً لتوسيع نطاق الصراع وانزلاق المنطقة إلى دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها، وبما يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين».