مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
TT

مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920

تُرافق صورة الجنرال هنري غورو في قصر الصنوبر البيروتي، في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، كل مقال وكتاب تاريخ وفيلم وثائقي عن تأسيس «لبنان الكبير»: المندوب السامي الفرنسي الأول جالساً ببذلته البيضاء بين بطريرك الموارنة إلياس الحويك ومفتي المسلمين الشيخ مصطفى نجا. وفي لقطات أخرى، يظهر الجنرال واقفاً رافعاً يده، كمن يقسم أو كمن أخذته حماسة الخطاب، بين البطريرك والمفتي.
كان الحفل ختاماً لمسار طويل من الشق الماروني «للمسألة الشرقية» التي شغلت الغرب طوال القرن التاسع عشر، ومثلت الجماعات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية واحداً من فصولها. قضت الواقعية السياسية للبطريرك الحويك، الزعيم الأبرز للطائفة في تلك الفترة، القبول بألا يقتصر الكيان الوليد على الموارنة وحدهم، أو على المناطق التي يشكلون فيها أكثرية سكانية واضحة.
وتبدو اليوم رواية إنشاء لبنان الكبير وكأنها تنتمي إلى عالم آخر لم تحفظ الأيام منه شيئاً، إذ إن كيفية رسم خريطة لبنان وضم أقضية (ورفض أخرى نظراً إلى كثرة أبناء طوائف بعينها بين السكان، بحسب الروايات الشائعة) لم تعد تعني الشيء الكثير. كذلك الأمر في ما خص نشاطات المنفيين اللبنانيين في فرنسا ومصر (ومن بينهم بشارة الخوري وميشال شيحا ويوسف السودا) الذين عملوا على تحصيل أكبر نسبة من الاستقلال من الفرنسيين ومن البريطانيين في آن، وإبعاد الكيان الذي كان بعد جنيناً عن حكومة الأمير فيصل في دمشق. ومراقبة أعمال مؤتمرات الصلح ومعاهدات السلام المتعددة التي كانت ترمي إلى تقاسم التركة العثمانية، وصولاً إلى تفضيل الانتداب الفرنسي على الحكم الفيصلي، لا تحضر سوى في كتب التاريخ، بصفتها مواضيع خلافية لم يتوصل اللبنانيون الحاليون إلى اتفاق حولها بعد. وترتفع الأصوات الداعية إلى التفكير في الإمكانات البديلة التي كانت متاحة في ذلك الزمن عن لبنان الكبير، من مثل البقاء ضمن المملكة العربية التي حاول فيصل إقامتها في سوريا، بصفتها مؤشرات إلى الخلاف القائم اليوم، وليس إلى ما اتفق اللبنانيون في سنة الاستقلال عن فرنسا في 1943، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتداب، على طي صفحته، وتوجيه أنظارهم إلى المستقبل.

فرضت الضرورة على البطريرك الحويك، إذن، القبول بضم أقضية وأقاليم جديدة إلى لبنان - المتصرفية. ويقال إن الخوف من تكرار مجاعة 1915 التي افتعلها الأتراك، بحسب الرواية الرسمية اللبنانية، والتي يتحمل مسؤوليتها الحلفاء الذين فرضوا حصاراً على موانئ السلطنة، وفق الرواية التركية، هو الدافع إلى ضم سهل البقاع الذي كان يفترض به أن يؤدي دور سلة الخبز للدولة الجديدة. وضم الجنوب له قصة مختلفة، وكذلك الشمال الذي ظلت عاصمته طرابلس على عصيانها لانتمائها الجديد حتى الاستقلال.
- التاريخ بعد الجغرافيا
بعد إنجاز جغرافيته، احتاج لبنان الكبير إلى وظائف اقتصادية، وتاريخ مستقل مميز عن تواريخ باقي الولايات العثمانية. ولا عجب أن يكون القسم الأكبر من التاريخ الفينيقي قد «اكتشفه» كتاب لبنانيون مسيحيون في أثناء الانتداب الفرنسي. فالاستناد إلى القوة والثقافة الفرنسيين في بلد يسير نحو الاستقلال لم يكن مقنعاً أو مقبولاً. فكان من الملح «اقتراح» تاريخ بديل للولاية العثمانية السابقة، تاريخ يمتد إلى آلاف السنين، ويسبق المسيحية والإسلام، ويضع لأهالي تلك الحقبة خصائص مشابهة لأهالي البلد الحالي، ويبعدهم قدر المستطاع في الآن ذاته عن المجموعات العرقية التي تحيط بهم. ولا يخفى على قارئ التاريخ اللبناني، إذا قاربه من زاوية المقارنة والنظر في الوثائق والدلائل الأركيولوجية، أن يطرح كثيراً من الأسئلة لا يجد جلها إجابات مقنعة.
ليس معنى الكلمات هذه تأييد الزعم الذي حمله القوميون العرب والبعثيون من أن لبنان «كيان مصطنع» و«خطأ تاريخي» مصيره العودة إلى حضنه الطبيعي في سوريا كبرى متخيلة. وعلى جاري ما بات عادة في تناول تاريخ لبنان، ينبغي التذكير بأن كل بلدان المشرق العربي رسم خرائطها صغار ضباط القوتين الاستعماريتين، الفرنسية والبريطانية. ولا يختلف في ذلك لبنان عن سوريا أو العراق أو الأردن. وما الأزمات الحالية في المشرق، وتآكل بنى دوله، غير تأكيد متأخر على السمة الاصطناعية الجامعة لدوله كلها، واضطراب روابطها الداخلية، وبقاء «نظام الملل العثماني» من دون بديل ما كان ليتوفر أصلاً في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية، أو ذي ديمقراطية منقوصة على غرار النظام اللبناني. وإذا كان إنشاء «لبنان الكبير» قد تزامن مع إعلان الاحتلال الفرنسي قيام دول طائفية في سوريا، ثم تخليه عن هذا المشروع أواخر الثلاثينات، فإن في استمرار الكيان اللبناني ما يبرره، ويخرجه من فئة دول الطوائف المذكورة.
القدرة على الاستمرار استندت أولاً إلى تاريخ من العلاقات مع الغرب، منها الثقافي والديني، ومنها الاقتصادي، ومن حروب أهلية وطائفية بدأت أواسط القرن التاسع عشر، مع تحول مسيحيي الشوف الذين خرجوا من ولاءات قبلية عشائرية ظلت راسخة في الجبال الشمالية، وتحولوا إلى جماعة واعية لذاتها تحت رعاية البطريركية المارونية. ومن دون العودة إلى سجال لا ينتهي حول «التميز» المسيحي، وقدرة المسيحيين على التفوق سياسياً وثقافياً على جيرانهم الدروز، وغيرهم من المسلمين، يتعين القول إن المسألة المسيحية وجدت طريقها إلى اهتمام القوى الغربية التي لم تتردد في الاستفادة منها في سياق سعيها إلى تقاسم إرث «الرجل المريض».
لكن هذه الرواية لا تكفي لتبرير هيمنة الموارنة السياسية والاقتصادية والثقافية على الكيان الجديد. فهذه تحتاج إلى نسيج موحد يجمع سكانه حول قضايا وقيم، وإن لم ينضووا في هوية عرقية أو دينية وثقافية واحدة. وبدلاً من تواريخ المناطق والطوائف والولايات العثمانية، بدأت محاولات كتابة تاريخ وطني. وظهر في حيز التداول الفينيقيون، بصفتهم بناة حضارة بحرية عظيمة وصلت إلى قرطاج، وأقامت المستعمرات التجارية على شواطئ أيبيريا وأفريقيا. ومع هؤلاء، بدأت الألفباء التي أخذها العالم عنهم. لكن حال الساحل في بدايات القرن العشرين لا يساند تماماً هذه الرواية. فبدأت هنا القصص عن الاعتصام بالجبال، والتطبع بطبيعتها الصخرية الصلبة، ومقاومة الغزاة والتصدي للمستبدين والطغاة. وفي هذه الرواية، تجوز شراكة المسيحيين والدروز.
غني عن البيان أن الانتقال إلى الجبل، والعودة إلى الساحل مجدداً مع مجيء الانتداب، بصفته مركزاً للكيان اللبناني، أملته الحاجة إلى تماسك في تصور اللبنانيين عن أنفسهم. فهم تجار مسالمون، بحسب توصيف شارل قرم في إحدى محاضرات «الندوة اللبنانية»، أواخر أربعينيات القرن الماضي، تمركزوا على الساحل. لكنهم لجأوا إلى الجبال هرباً من الاضطهاد في أدبيات أخرى، ثم نزلوا منها، ليس هرباً من مذابح حروب الجبل الطائفية، لكن لاستئناف مهمتهم التاريخية بصفتهم تجاراً عالميين.
وبعد الاستقلال، كان لا بد من توسيع إطار الرواية التاريخية، لتشمل لبنانيين آخرين لم يتركوا السواحل، ولم يهبطوا من الجبال. وقد أدى مؤرخون مثل فؤاد أفرام البستاني وفنانون ومثقفون من كل المجالات أدواراً كبيرة في تعميم رواية جديدة عن لبنان المنفتح على العالم، وعلى محيطه، الملتف حول قيادة سياسية معتدلة حكيمة لا تذهب بعيداً في العداء لأي قوة خارجية إلا في حال الدفاع عن الوطن. ومفهوم أن القيادة هذه يجب أن تبقى للمسيحيين لأنهم الأكثر رقياً والتصاقاً بثقافة الغرب، وضمانة لهم بصفتهم أقلية مهددة بالفناء في بحر من المسلمين الذين لم يتخلوا -وفق السردية الرسمية- عن مخططهم المضمر بالوحدة العربية. ويمكن هنا زج عدد من الأحداث تثبت أو تنقض صحة هذه المقاربة، من حرب 1958 الأهلية الصغيرة إلى أحداث عام 1969 وصولاً إلى اشتباكات 1973 بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين التي انحاز فيها المسلمون واليسار اللبناني إلى جانب الفلسطينيين. وصولاً، بطبيعة الحال، إلى حرب 1975-1990 التي دمرت الدولة اللبنانية القديمة، ولم تنتهِ إلا بـ«اتفاق الطائف» الذي أسس لعقد جديد بين اللبنانيين.
- الاقتصاد يسير في ركب التاريخ
سار النموذج الاقتصادي الذي بُني ليتفق مع توجهات المجموعة السياسية التي برزت في ظل الانتداب، وبعد رحيله، يداً بيد مع التصور التاريخي للبنان: تقديم التجارة، وترجمتها الحديثة العمل المصرفي، على باقي القطاعات الاقتصادية. وتسهيل الخدمات التي تشمل نواح تمتد من السياحة إلى التعليم العالي. وجنى النموذج هذا فوائد ضخمة عند احتدام الصراعات العربية الداخلية، وفي أتون الصراع العربي - الإسرائيلي، كما هو معروف. لكن نقطة ضعفه لم تكن في إفقار المجتمع اللبناني، ولا في تعميق الانقسام الطبقي، بل خصوصاً في محاولة السياسيين اللبنانيين إمساك عصا التناقضات الإقليمية من الوسط. السياسيون هؤلاء يريدون التربح من التأميمات في الدول العربية، وفرار رؤوس الأموال من هناك إليهم، إضافة إلى جذب أموال النفط العربية التي بدأت بالتدفق في الخمسينيات، لكنهم لا يرغبون في الشراكة في الصراع العربي - الإسرائيلي، ويفضلون حياداً غير معلن عليه. وقد وافق النظام العربي الرسمي على استثناء لبنان من تصنيف «دول المواجهة»، وضم العراق بدلاً منه.
بيد أن النهج اللبناني هذا غفل عن أن الحدود ليست مقفلة على رياح الأزمات وعواصف التناقضات الإقليمية والدولية. والتسوية التي أنهت «ثورة 1958» ما كان لها لتصمد أمام زلزال بحجم حرب 1967 التي غيرت صورة المنطقة تغييراً جذرياً، وأدخلت المعطى الفلسطيني بمقاومته المسلحة وتعقيداتها، واستغلال الأنظمة العربية لها، إلى المعادلة اللبنانية الهشة منذ 1969. وقد سرع العامل الفلسطيني انهيار صيغة 1943 التي كانت صدوعها تتسع في العقود السابقة، حيث لم يعد يكفي النظامان السياسي والاقتصادي لتلبية حاجات وتطلبات شرائح جديدة من اللبنانيين الذين يكتشفون الدولة، ويكتشفون خصوصاً حرمانهم مما يفترض أن تقدمه لهم الدولة، ليس من مدارس ومستشفيات فحسب، بل أيضاً من أمن وسلام بعد تفاقم الاعتداءات الإسرائيلية أواخر الستينيات ارتباطاً بالعمل الفلسطيني المسلح.
وطرحت هنا إشكالية ثانية أشار إليها كتاب شباب أواخر الستينيات: إذا صعّد لبنان مشاركته في الصراع العربي - الإسرائيلي سيكون الحلقة الأضعف بين الدول العربية، وسيتعرض للدمار. في المقابل، إذا رفعت قوى اليسار المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، سترتفع أخطار الحرب الأهلية التي لن تكون إلا طائفية، وسيُطمس البعد الاجتماعي فيها؛ لم ينتهِ هذا التناقض إلى اليوم.
- الانهيار وسؤال النهوض
العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحروب الأهلية في 1990 يجوز وصفها بتكرار محاولات البناء الأولى في عشرينيات القرن الماضي، واعتماد صيغ الاقتصاد والثقافة ذاتها، في ظل صيغة سياسية معدلة فرضتها الوقائع الإقليمية والديمغرافية. لم يعد المسيحيون «أولاً بين متساوين»، بل فرضت وصاية النظام السوري عليهم، وعوملوا معاملة مجتمع واقع تحت الاحتلال، واقتيدوا إلى مواقع التبعية والتهميش. ولم يغفر المسيحيون بعد رفع ربقة القيد السوري للمسلمين أنهم شاركوا في إذلالهم، وفي احتلال مواقع سياسية واقتصادية وثقافية كانت لهم قبل الحرب.
لكن انهيار العالم الذي اعتاد المسيحيون عليه، وتغير أولويات الغرب، وخروجهم من اهتماماته، وتفضيله التحالف مع من يستطيع تحقيق مصالحه المباشرة بعد نهاية خدمة غلالة «مسيحيي الشرق»، ناهيك من انقراض ثقافة اليمين التقليدي التي كان المسيحيون اللبنانيون يعتمدون عليها في إبراز تفوقهم الثقافي، جعلت محاولة التيار الأكبر منهم استعادة المواقع السابقة تصطدم بصخرة الواقع الجديد. فآثر بعضهم التحالف مع قوى كانت في صميم التحالف الذي هزمهم، في نوع من الانحياز إلى الطرف الأقوى في المعادلة التي حكمت لبنان بعد خروج القوات السورية في 2005.
هذه العودة سرّعت عملية التفكك الناجم عن نهاية الوظيفة الاقتصادية للبنان في محيط بات كثير من دوله متفوقاً عليه في المجالات التي أتقنها. لم يعد لبنان مرفأً ومصرفاً وجامعة وملهى ليلاً. وبعد اندلاع الثورات العربية والحروب التي أعقبتها، لم يعد حتى صندوق بريد لمراسلات الأطراف المتقاتلة، ومكاناً لتنفيس الاحتقانات التي وجدت ساحات أرحب للصراع المكشوف. وما تفشي الفساد الذي أصبح سمة مرافقة لكل ما له علاقة بالسياسة والإدارة اللبنانيتين سوى علامة على اضمحلال المكانة التي كان لبنان يحتلها ذات يوم، واضطرار عرابي الطوائف إلى تمويل زعاماتهم وتأبيدها من خلال السطو على المال العام على مستويات وصعد أوسع كثيراً مما كان سائداً قبل الحرب وفي أثنائها.
تضافر النهايات والممارسات هذه أفضى إلى سقوط الدولة اللبنانية في 2019-2020، وانقلابها دولة فاشلة لم يصمد من هياكلها سوى أدوات العنف والقمع الداخلي التي تتشارك فيها أدوات الدولة مع تلك التي أفرزتها الطوائف المسلحة، ويقتصر عملها على الحفاظ على الذات خشية أي تغيير في تركيبة البلد السياسية يطيح «بالإنجازات والانتصارات» و«باستعادة حقوق المسيحيين» التي يتغنى بها طرفا الحلف الجديد.
كل هذا بات من بداهات الخطاب اليومي اللبناني. وها هو هذا البلد يختتم مئويته الأولى في حضيض لم يصله في يوم من هذا القرن الحافل بالحروب والاضطرابات والمحن. لكن هل هذه هي نهاية هذا الكيان فعلاً؟
الرومانسية القاتمة المستوحاة -ربما- من مرضى السل في القرن التاسع عشر التي يحلو لبعض الكتاب استخدامها في وصفهم لحال لبنان اليوم، وذلك التشاؤم الكلي الأسود، لا يضيفان في واقع الأمر شيئاً إلى محاولات اكتشاف مخارج وحلول للوضع القائم. ذلك أن ملايين من اللبنانيين ما زالوا على هذه البقعة من الأرض، ويبحثون كل على طريقته عن خلاص، فردي أو جماعي. لن يصيب الفناء هؤلاء، وربما لن يكون مستقبلهم زاهراً في المستقبل المنظور، من دون حل المعضلات السياسية الطائفية، وآليات التمثيل في السلطة والمشاركة فيها، وبناء اقتصاد جديد قائم على الإمكانات المتوفرة لدى اللبنانيين من جهة، المتلائمة مع متطلبات الجوار والعالم من جهة ثانية. السؤال الذي ينهض هنا هو: من هي القوى الاجتماعية التي تملك مصلحة في الخروج من الاستعصاء الطائفي الذي وفر لقسم كبير من اللبنانيين، وعلى امتداد عقود طويلة، قدراً من الحماية من أخطار، حقيقية أو وهمية، شكلتها الطوائف الأخرى؟
انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لم تأتِ بالجواب الشافي. التحركات التي تبعت انفجار بيروت، في الرابع من أغسطس (آب)، لم تؤدِ إلى نتيجة أمام تصلب سلطة ما زالت قادرة على تحريك الغرائز والرعاع في وقت واحد.
لكن هل يعني كل هذا أن «قصة» لبنان قد طويت؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما الكيان الذي يعيش فيه من يسمون أنفسهم باللبنانيين؟ عليه، مهمة إعادة اختراع لبنان آخر توضع فيه آمال اللبنانيين وطموحاتهم، وبعض الدروس المريرة، تبدو ضرورية، ليس للعالم غير المبالي، ولا من أجل رسالة لن تصل إلى أي مكان، بل من أجل اللبنانيين وحقهم في الحياة مثل شعوب العالم، لا غير.



مشهد دهس بسيارة تحمل «علم إسرائيل» يصدم المصريين

وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
TT

مشهد دهس بسيارة تحمل «علم إسرائيل» يصدم المصريين

وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)

صُدم مصريون، في الساعات الأولى من صباح الجمعة، بفيديو متداول على نطاق واسع يُظهر سيارة تحمل ملصقاً لعلم إسرائيل وهي تحاول الفرار من مواطنين سعوا إلى إيقافها، قبل أن تصدم عدداً منهم. ولاحقاً ظهر سائق السيارة غارقاً في دمائه، بينما بدأت تفاصيل الواقعة تتكشف عقب إلقاء القبض عليه.

وأثارت الحادثة جدلاً واسعاً، عده البعض تجسيداً لحالة الرفض الشعبي لفكرة «التطبيع» مع إسرائيل، في ظل توتر سياسي بين البلدين آخذ في التصاعد منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وكشفت وزارة الداخلية عن تفاصيل الحادث، فقالت في بيان: «خلال وجود قائد السيارة الملاكي الظاهرة بمقطع الفيديو والمقيم بدائرة مركز شرطة كرداسة بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة) حدثت مشادة كلامية بينه وبين مالك محل تجاري لاعتراض الأخير على توقفه بالسيارة أمام المحل الخاص به».

أضافت الوزارة: «ولدى مشاهدة المارة للمشاجرة والعلم المثبت على السيارة قاموا بالتعدي عليه بالضرب وعند محاولته الإفلات اصطدم بعدد من المواطنين والمركبات تصادف مرورهم بالمنطقة؛ ما أسفر عن إصابة 6 أشخاص بكسور وكدمات متفرقة، وتم نقلهم لعدد من المستشفيات لتلقى العلاج اللازم».

وتابعت: «تم ضبط السيارة الظاهرة بمقطع الفيديو وقائدها، وأفادت أسرته بأنه يعاني من مرض نفسي منذ عدة سنوات، ويتم علاجه لدى عدد من الأطباء النفسيين، وقدموا الأوراق والشهادات الطبية التي تفيد ذلك».

«وباستكمال تحريات أجهزة الأمن المصرية تبين أن السائق تردد على أحد محلات كماليات السيارات بذات المنطقة، وطلب من ابنة مالك المحل طباعة الملصق المشار إليه (العلم الإسرائيلي)، فقامت المذكورة بطباعة نسختين وتسليمهما له خوفاً منه لكونه معروف بمحيط المنطقة محل سكنه بعدم اتزانه النفسي، وتولت النيابة العامة التحقيق»، وفقاً لما جاء في بيان «الداخلية المصرية».

«الداخلية المصرية» تلقي القبض على سائق سيارة تحمل ملصقاً لعلم إسرائيل (الداخلية المصرية)

ونقلت وسائل إعلام محلية بعض تفاصيل تحقيقات النيابة مع السائق، مشيرة إلى أن «والده أقر في التحقيقات بأن نجله مضطرب نفسياً، ويخضع لعلاج طبي، وقدم مستندات تؤكد ذلك، بينما قررت سلطات التحقيق عرض الشاب المذكور على لجنة طبية لبيان مدى سلامته العقلية وإدراكه لأفعاله».

وتباينت رؤى المواطنين الذين أعادوا نشر فيديو الواقعة بين من عبَّر عن صدمته من رؤية سيارة تحمل العلم الإسرائيلي في شوارع إحدى القرى المصرية، وعدوها لافتة وبين من وصف الحادث بأنه «أغرب من الخيال»، بينما رأى آخرون أن «الحادث ليس مجرد لقطة عابرة أو تصرف عشوائي، لكنه يتعلق برمز سياسي يرتبط في وجدان المصريين بالدم وبصراع مفتوح حتى الآن».

خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، رأى أن «ما فعله الأهالي مع الشخص الذي وضع علم إسرائيل على سيارته، هو رسالة رمزية مهمة وصريحة وقوية على الرفض الشعبي المصري لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، وعدم التهاون أو التغاضي عن أي فعل في هذا السياق مهما بدا صغيراً».

وقال عبد الواحد لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث دليل قوي على عدم نجاح المحاولات والحملات التي قادها البعض على مدى سنوات طويلة لجعل المصريين يتعاملون مع إسرائيل بوصفها دولة عادية»، مشيراً إلى أن «ما زاد حدة الغضب الشعبي أفعال إسرائيل الأخيرة في حرب غزة، وقتل الأطفال والكبار دون هوادة».

ومنذ «اتفاق السلام» بين مصر وإسرائيل في عام 1979، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما حدث منذ اندلاع حرب غزة، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ومحاولاتها المستمرة لتهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، وتصاعدت المناوشات الإعلامية بين الطرفين من حين لآخر خلال المدة الماضية.

ولم تعتمد القاهرة أوراق سفير جديد لإسرائيل منذ انتهاء مدة السفيرة الإسرائيلية السابقة في الربع الأول من عام 2024؛ كما استدعت مصر سفيرها من إسرائيل قبل عدة أشهر، ولم يعد إلى هناك حتى الآن.

الصحافي المتخصص في الشؤون الفلسطينية الإسرائيلية، أشرف العشري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما فعله المصريون مع سائق السيارة أمر متوقع وطبيعي في العرف الثقافي والشعبي المصري، حيث إن هناك كراهية متأصلة في نظرة المصريين ضد إسرائيل منذ عام 1948، وتسارعت مع حروب يونيو (حزيران) عام 1967 وأكتوبر عام 1973 بسبب وجود ضحايا مصريين في هذه الحروب قامت إسرائيل بقتلهم».

لكن في المقابل، فإن المحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية والإقليمية، محمد أبو الفضل فقال إنه «مهما كانت هوية أو أفكار سائق السيارة الذي فعل ذلك فهناك جريمة مزدوجة وقعت، وهي تعريض حياة مواطنين مصريين للخطر، واستفزاز مشاعر المواطنين، وكلتاهما تستحق العقوبة، وإذا كانت الأولى منطقية بحكم وقوع العديد من حوادث السير يومياً، فإن الثانية مثيرة للانتباه من حيث جرأتها وتوقيتها».

أضاف أبو الفضل لـ«الشرق الأوسط» أنه «ربما تكون هذه المرة الأولى التي يجرؤ فيها مواطن مصري على السير بسيارة تضع علم إسرائيل، بخلاف ما نراه مع علم فلسطين الذي يضعه كثيرون على ظهر سياراتهم في مصر. وتابع أنه «يصعب تقبل هذا التصرف على المستوى الشعبي في وقت يتم فيه عرض مسلسل (صحاب الأرض) الذي يوجه إلى إسرائيل انتقادات لاذعة لما قامت به من جرائم في قطاع غزة، واعترضت عليه وسائل إعلام إسرائيلية، وعدته دليلاً عن أن السلام مع القاهرة ما زال بارداً».


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.