ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

روجيه دروا يسعى لتسهيل الفلسفة للجمهور العريض

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟
TT

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

تعجبني كتابات المفكر الفرنسي المعاصر روجيه بول دروا. وهو بالمناسبة أستاذ جامعي وباحث كبير وصحافي في جريدة «اللوموند» في آن معاً. فقد كان المسؤول عن القسم الثقافي فيها (أو قسم مراجعة الكتب) لسنوات طويلة. ويقال إنه نشر فيها أكثر من ألف مقال على مدار السنوات الماضية. ولا يزال يدبج مقالاته فيها بشكل منتظم عن القراءات والشخصيات والإصدارات الجديدة التي تعجبه. ومن أهم كتبه نذكر العناوين التالية: «صحبة الفلاسفة» و«الفلاسفة الكبار: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» و«الغرب مشروحاً للجميع» و«كيف يمشي الفلاسفة»... إلخ. وأخيراً «تاريخ مختصر للفلسفة»، وهو الذي سنتوقف عنده هنا.
ولكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعونا نطرح هذا السؤال: مَن الفيلسوف؟ هل هو شخص عبقري أم مجنون أم الاثنان معاً؟ هل هو شخص منخرط في الحياة العامة أم معتكف في برجه العاجي؟ على أي حال، إنه ليس أستاذ الفلسفة، على عكس ما نتوهم. فهناك الفيلسوف وهناك أستاذ الفلسفة، وشتان ما بينهما. فقد تكون أستاذاً للفلسفة لمدة ثلاثين أو أربعين سنة دون أن تصبح فيلسوفاً. فالسوربون مثلاً تعاقب عليها عشرات، بل مئات، من أساتذة الفلسفة المحترمين، ولكن لم يبقَ لهم ذكر على صفحة التاريخ، اللهم باستثناء قلة قليلة من أمثال بيرغسون. أما جان بول سارتر فلم يدرس في أي جامعة، ومع ذلك فهو معدود من كبار الفلاسفة. منذ البداية، يقول لنا المؤلف إنه دبج هذا الكتاب بغية تسهيل الفلسفة على الجمهور العريض الذي يخشاها، ويعتقد أنها غامضة بطبيعتها عصية على الفهم. ولكنه يقول لنا إن هذه الفكرة خاطئة، وإن أعظم الفلاسفة وأكثرهم تعقيداً يمكن شرحهم بكلمات بسيطة واضحة، ثم إن الفلاسفة ليسوا كائنات شبحية من خارج الكرة الأرضية! وإنما هم بشر مثلنا من لحم ودم، يفرحون ويتألمون ويعيشون المشاعر والكوابيس نفسها مثلنا تماماً، ويسكنون الكوكب الأرضي ذاته الذي نسكنه. ثم ينبغي أن نتذكر عندما نستعرض تاريخ الفلسفة أن عالم الأفكار ليس منقطعاً عن عالم الحياة أبداً. فالأفكار الفلسفية أياً تكن عبقريتها هي بنت عصرها وظروفه ومشكلاته وهمومه وقضاياه، ولا يمكن فصلها عن كل ذلك. باختصار شديد: الفلسفة بنت عصرها. وحتماً لو ظهر فولتير الآن لكتب بلغة أخرى، ولدافع عن طروحات أخرى غير التي دافع عنها في عصره. فالظروف تغيرت، والأحوال تطورت، وما كان صالحاً للقرن الثامن عشر لم يعد صالحاً للقرن الحادي والعشرين. نقول ذلك خصوصاً لأن الأصولية المسيحية اختفت من أوروبا، ولم يعد لها من وجود، فهل يحارب طواحين الهواء؟ ولكنها في عصره كانت جبروتية قادرة على القمع والضرب والتخويف. ولكن ما الفرق بين الفيلسوف والإنسان العادي غير الفيلسوف؟ الفرق هو التالي: الإنسان العادي يتعايش مع الأفكار التي تلقاها عن عائلته وبيئته وطائفته بصفتها حقائق مطلقة، بل ويتشربها ويعتنقها، ولا يخطر على باله لحظة واحدة أن يتعارك معها. أما الفيلسوف فيفعل العكس: إنه يراجع كل الأفكار التي تلقاها من الأسرة والطفولة والكنيسة والجامع... إلخ، ويتفحصها واحدة بعد الأخرى. فما ثبت أنه صالح يحافظ عليه، وما تبين له أنه خاطئ يرفضه ويتخلى عنه، حتى لو كلفه ذلك غالياً لأنه رضعه مع حليب الطفولة أو تلقاه بصفته مقدسات في بيوت العبادة. هذا ما علمنا إياه ديكارت بشكل خاص: لا تقبلوا شيئاً إلا بعد غربلته وتمحيصه ووضعه على محك الشك والدراسة. ولكن جميع الفلاسفة الكبار يفعلون ذلك، وليس فقط ديكارت؛ كلهم راجعوا أفكار عصرهم وانتقدوها وفككوها، قبل أن يضيفوا أفكارهم وأطروحاتهم الجديدة التي غيرت وجه العالم. وبالتالي، فالفيلسوف شخص منشق على عصره وطائفته وجماعته، شخص منشق على نفسه! لماذا نقول ذلك؟ لأنه يدخل في صراع داخلي عنيف مع الأب - التراث. وبالتالي، فهو يختلف كلياً ليس فقط عن الإنسان العادي، وإنما عن أشباه المثقفين أيضاً! فهؤلاء حتى لو كانوا يحملون شهادات أكاديمية عليا من جامعات الغرب، وحتى لو عاشوا في باريس أو جنيف أو لندن أو نيويورك... إلخ عشرات السنوات، فإنهم يظلون مرتبطين عضوياً بعقائد جماعتهم أو طائفتهم، ولا يخطر على بالهم إطلاقاً أن يراجعوها أو ينتقدوها. هنا بالضبط يكمن الفرق بين المثقف الحقيقي وأشباه المثقفين. لنضرب على ذلك مثلاً توضيحياً سريعاً: كان فولتير ينتمي إلى طائفة الأغلبية في فرنسا، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الذي كان يشكل ثمانين في المائة من عدد سكان فرنسا آنذاك. ومع ذلك، فقد أمضى حياته في محاربته، ومحاربة طائفته وجماعته، لأنهم كانوا الأكثرية الطاغية، ولأنهم كانوا يضطهدون أبناء الأقلية البروتستانتية التي كانت تشكل عشرين في المائة من عدد السكان. ومعلوم أن الكاثوليك البابويين، على غرار الأكثريات عادة، كانوا هم الأكثر محافظة وتشبثاً بالمواقف التقليدية الظلامية للدين والتدين. ولهذا السبب، كرس له المؤلف فصلاً كاملاً بعنوان: «فولتير يدشن معركة المثقف من أجل الحقيقة». فالحقيقة بالنسبة له أهم من الطائفة والعشيرة، وحتى العائلة. هنا تكمن خصوصية الفيلسوف أو المثقف الحقيقي، وهنا يتمايز كلياً عن أشباه المثقفين الغوغائيين الذين يمشون وراء القطيع بشكل أتوماتيكي. ونضرب على ذلك مثلاً آخر، هو سارتر. فقد اتخذ في الخمسينيات والستينيات موقفاً صارماً ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان موقفه من الراديكالية إبان حرب الجزائر إلى درجة أن الأعين احمرت عليه من قبل قادة اليمين الفرنسي الذين طالبوا ديغول بإخراسه على الفور أو اعتقاله. ولكن ديغول رد عليهم قائلاً: لا أحد يسجن فولتير! فذهبت مثلاً. وهي عبارة تدل على عظمة ديغول بقدر ما تدل على عظمة سارتر. هكذا، نلاحظ أن الفيلسوف الحقيقي لا يتردد لحظة واحدة عن الوقوف ضد جماعته إذا كانت ظالمة أو جائرة أو طاغية. ومعلوم أن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الجزائر فرنسية، وأن أي شخص يتخلى عنها خائن أو عميل. ومع ذلك، فقد تصدى لهم سارتر، وسار ضد عاطفة الشعب، بل انضم إلى خندق العدو: أي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وهنا تكمن إحدى سمات المثقف الحقيقي الذي يخاطر بنفسه، ويضعها على حد السكين من أجل الحقيقة والعدالة. يحصل ذلك إلى درجة أن الآخرين يعدون ذلك تهوراً، بل جنوناً. ومن هنا الاعتقاد بوجود علاقة بين الفيلسوف والمجنون. والحق أنه لو لم تكن فيه «حبة جنون» لما تجرأ على مواجهة الإجماع الجبار للشعب الفرنسي.
ومعلوم أن مؤسس الفلسفة سقراط كان أيضاً «ضد الشعب»، بالمعنى الغوغائي للكلمة، أو ضد الجمهور والقطيع. وقد اتهمته السلطة بأنه يشكك في الآلهة والمقدسات التي يؤمن بها الشعب، وأجبروه على تجرع السم الزعاف بسبب جدة أفكاره وخطورتها على الشبيبة في نظرهم. وقل الأمر ذاته عن بقية الفلاسفة الكبار؛ كلهم اصطدموا بشكل أو بآخر بسلطات عصرهم السياسية والدينية، وكلهم اصطدموا بشكل خاص بالجمهور الغفير أو بالمعتقدات الجبارة الكبرى المهيمنة على عصرهم بصفتها حقائق مطلقة أو مقدسات، في حين أنها أفكار خاطئة أو تقليدية متحنطة لم تعد صالحة. ولكن وحده الفيلسوف يرى أنها خاطئة. أما الآخرون، فلا يكتشفون ذلك إلا بعد سنوات طويلة. وهذا يعني أن الفيلسوف شخص يستيقظ قبل الآخرين، ويرى ما لا يُرى بالعين المجردة؛ إنه شخص يأتي قبل الأوان لكي يوقظ الناس، لكنهم أحياناً يقتلونه لأنهم لا يريدون أن يستيقظوا، وإنما يفضلون أن يظلوا نائمين نومة أهل الكهف، ثم إنهم لا يستطيعون تحمل التشكيك بمعتقداتهم العظمى التي جبلوا بها جبلاً، وتربوا عليها، وتشربوها مع حليب الطفولة. فسقراط لم يكن الوحيد الذي لقي هذا المصير، وإن كان أول شهيد في تاريخ الفلسفة، وإنما أرسطو أيضاً كاد أن يُقتل لولا أنه هرب في جنح الظلام من أثينا، قائلاً عبارته الشهيرة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة ثانية ضد الفلسفة؛ يكفي أنهم قتلوا سقراط»! وجيوردانو برينو قتلوه في القرن السادس عشر لأنه أنكر بعض العقائد الدينية الأكثر رسوخاً. لقد قتلته محاكم التفتيش بشكل فظيع مرعب بعد أن قطعوا لسانه الذي جدف به الكفر، وألقوه بعدئذ طعمة للنيران في أقبية الفاتيكان. ومؤخراً، اكتشفنا أن ديكارت نفسه مات قتلاً، وليس بشكل طبيعي، كما كنا نتوهم. لقد دسوا له السم الذي حرق أحشاءه حرقاً. وهكذا وقع في المصيدة وهو الذي كان حذراً جداً، ويتخذ كافة الاحتياطات، بل ويغير منزله باستمرار، ويعيش مختفياً عن الأنظار تقريباً؛ كل ذلك لم ينفعه في شيء، فقد وصلوا إليه في نهاية المطاف. كان يعرف أنه ملاحق مهدد لأنه فجر قنبلة فلسفية موقوتة أطاحت بالعصور القديمة كلها، ودشنت العصور الحديثة، إلى درجة أن هيغل عده البطل المقدام للفكر. وبالتالي، فقد دفعه الرجعيون الأصوليون ثمن جرأته الفكرية باهظاً. وجان جاك روسو دفع أيضاً ثمن مؤلفاته العبقرية غالياً. فقد لاحقوه ملاحقات ضارية حتى جننوه. وهي المؤلفات التي كانت تُحرق في وقت واحد في باريس وجنيف وأمستردام وغيرها من العواصم الأوروبية، ولكنها أصبحت بعد ثلاثين سنة فقط الإنجيل المبجل للثورة الفرنسية!



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.