«قلق المساء»... صدمت لجنة المحكمين و«تركتهم مشدوهين»

رينفيلد «الأجيرة في مزرعة أبقار» أصغر الفائزين عمراً بـ«بوكر» الدوليّة

ماريكه لوكاس رينفيلد
ماريكه لوكاس رينفيلد
TT

«قلق المساء»... صدمت لجنة المحكمين و«تركتهم مشدوهين»

ماريكه لوكاس رينفيلد
ماريكه لوكاس رينفيلد

بعد تأخير استمر ثلاثة أشهر عن الموعد الرسمي التقليدي لمنح النسخة الدّولية من جائزة «بوكر» للرّواية (مايو/ أيار من كل عام) بسبب مضاعفات الإغلاق المرتبط بوباء «كوفيد - 19»، وإغلاق متاجر بيع الكتب، أعلن في لندن يوم الأربعاء الماضي عن فوز رواية «مشقّة المساء» (المترجمة من الهولنديّة) بجائزة عام 2020، وهي رواية أولى سوداويّة المزاج عن الفقدان والحزن لكاتبة شابّة ملتبسة الهوية الجندرية في التاسعة والعشرين من عمرها. ماريكه/ لوكاس رينفيلد التي تكتب الشعر أيضاً وتعمل مساء في مزرعة للأبقار بقرية صغيرة جنوب العاصمة الهولنديّة أمستردام. وسوف تحصل رينفليد على نصف المكافأة التي يبلغ مجموع قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني (حوالي 66 ألف دولار أميركي) - بالتّشارك مع مترجمة العمل إلى الإنجليزيّة البريطانيّة ميشيل هاتشيسون. لكن القيمة المعنويّة وفرص الدخول إلى عالم الشهرية الأدبية التي تمنحها الجائزة المرموقة للكتاب الأجانب لناحية عبور الفضاء الثقافي الأنغلوفوني لا تقدّر بثمن. وقد صدرت الطبعة البريطانيّة من «مشقّة المساء» بداية العام، وستلحق بها طبعة أميركيّة خلال أيّام، إضافة إلى ترجمات ألمانية وفرنسية وإسبانية وكورية وعربية ستظهر تباعاً خلال الشهور القليلة المقبلة.
تُمنح «بوكر» الدوليّة سنوياً من قبل لجنة محكمين تختارهم وقفيّتها لرواية أو مجموعة قصص قصيرة ترجمت إلى الإنجليزيّة، وصدرت مطبوعة خلال العام السابق. وكانت الكاتبة العمانيّة جوخة الحارثي قد فازت بها 2019 عن روايتها «سيّدات القمر»، فكانت بذلك أول عربيّة تحظى بهذا التكريم.
رينفيلد التي أصبحت أصغر الفائزين بـ«بوكر» الدوليّة عمراً إلى الآن، لم يكن أحد تقريباً قد سمع باسمها خارج بلادها قبل الأربعاء الماضي - رغم أن الطبعة المحليّة من روايتها الأولى وصلت إلى مرتبة الأكثر مبيعاً في هولندا لدى نشرها 2018، وأثارت حينها عاصفة غير مسبوقة من الجدل هناك. ولم تبع الترجمة الإنجليزيّة أكثر من ألف نسخة في السوق البريطانيّة الضخمة قبل ترشيحها للقائمة القصيرة لـ«بوكر» الدوليّة، لكن موهبة كاتبتها النثرية الطازجة، وقدرتها على إثقال قلب القارئ بالظلمة عبر صور مشغولة بإحكام مثير أسرت قلوب النّقاد البريطانيين فيما يبدو. ونقلت صحف لندن عن السيّدة هاتشيسون مترجمة الرواية - والشريكة مناصفة بالجائزة - قولها إنّها «كانت تتجنب ترجمة بعض المقاطع السوداويّة الصعبة من النصّ عند حلول المساء كي لا تلاحقها الكوابيس طوال الليل». فيما تحدّث تيد هوجكينسون رئيس لجنة التحكيم للدورة الحاليّة عن «توافق جماعيّ» بين أعضائها على أحقيّة «مشقّة المساء» بالفوز «رغم الصعوبة الفائقة لانتقاء عمل واحد فحسب من بين ستّ روايات استثنائيّة بالفعل وصلت إلى القائمة القصيرة». وكانت 124 رواية ترجمت من 30 لغة قد تنافست في هذه الدورة، منها «بوليس الذاكرة» للكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا التي كانت مرشّحة للظفر بأهم جائزة للروايات الأجنبية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة، وحصلت على شعبيّة كبيرة في بريطانيا أيضاً. وضمت لجنة التحكيم إلى رئيسها مترجمة وكاتبة وموسيقاراً ومديرة لمركز فرنسي متخصص بترجمة النصوص من الأدب العالمي.
وفي خطاب منح الجائزة، وصف هوجكينسون الرّواية الفائزة بـ«أنها تأسر انتباه قارئها من الصفحة الأولى»، وأن فيها ثمة «شيئاً من تكثيف بالصور المبدعة يتقاطع مع نظرة قاتمة للعالم بعيون طفلة في العاشرة على نحو لا يمكن للقارئ تجاوزه بسهولة». لقد أصابت «مشقّة المساء» المحكمين «بالصدمة» - على حد تعبير هوجكينسون -، و«تركتهم مشدوهين من قوّة موهبة كاتبتها».
تجري أحداث الرواية في مزرعة للأبقار بهولندا بداية القرن الحالي، وتسرد حكاية جاس - طفلة العاشرة - التي تغرق في لجة حزن دامغ تلفّ عالمها الصغير بعد أن تفقد عائلتها شديدة التديّن ابنها البكر في حادثة أثناء التزلج على الجليد. وتشهد جاس بعيونها الفضوليّة على التصدّع التدريجي للعائلة برمتها: والدها يسقط في وهدة الخسارة والفقدان، وينسحب متقوقعاً إلى عالمه الخاص بعيداً عن الجميع، ووالدتها تصبح ضحية نوبات ذهان عصبي متكررة، فيما يترك الصغار وحيدين للتيه في مصاعب المراهقة والتجارب المنحرفة لاكتشاف الجنس، والعبث مع الحيوانات في المزرعة. وتكاد الرّواية تكون سيرة ذاتيّة بتصرّف لنشأة الكاتبة التي ولدت بالفعل لعائلة شديدة التديّن تدير مزرعة تقليديّة للأبقار بقرية صغيرة، وقد كانت في الثالثة من عمرها عندما فقدت أخاها الكبير بعد أن داسته حافلة نقل جماعي وهو يسير نحو مدرسته صباح أحد الأيّام الشتوية الكئيبة. «العائلات عندما تصاب بخسارة فادحة مثل تلك» تقول رينفيلد، «فإنها لا بدّ وأن تجد نفسها أمام أحد احتمالين: إمّا أنها تتقارب أو تتفكك. كطفلة رأيت بأم العين كيف شرعت عائلتنا بالتفكك». وهذا التطابق الكبير بين العمل الروائي والواقع أثار كثيراً من اللّغط في القرية، حيث تقيم رينفيلد، وواجهت صعوبات مع والديها غير المعتادين على قراءة شيء سوى الكتب المقدسّة، الذين عجزا - وفق الكاتبة - عن استيعاب فكرة أن بوسع الكتب البوح بأشياء من نسج الخيال. وحسب أصدقائها، فإن علاقتها انقطعت مع والديها بسبب الرّواية، وأنها تعمل الآن أجيرة في مزرعة أبقار غير تلك التي تمتلكها عائلتها. «لقد منحت والدي كلمات لا يمتلكانها للتعبير عن حزنهما الجارف. ربمّا لم يكونا ليختارا الكلمات ذاتها لو تسنى لهما ذلك، لكني قلت ما ظننت أنهما عجزا عن قوله» تقول رينفيلد، «وأنا متيقنة أنهما لن يتفهما أبداً أنني لم أعد تلك الفتاة الغرّة التي ربياها».
وفي «مشقّة المساء» جانب مهم حول تأثير التنشئة الدينيّة على الصغار، حيث تصف دور الممارسة الدينية في منح حياتها طفلة نوعاً من هيكليّة ومعنى، وكيف انحسر كل ذلك سويّة بالتدريج مع تقدّمها في العمر سنة بعد سنة. تقول «لقد نشأنا صغاراً مع الربّ، وتعلمنا أن نلجأ إليه لنبوح بمكنونات قلوبنا ومصاعب حياتنا، وكل ما أفعله بالكتابة اليوم هو تماماً ما يفعله طفل يصلّي للربّ فيسأله أن ينيله رغباته، ويحقق أمنياته، ويخفف عنه من وطء الأيّام ليقر قلبه الصغير».
لقد كانت رينفيلد انتقلت في عمر التاسعة عشرة إلى مدرسة لإعداد المعلمين، وشرعت بقراءة أعمال أدبيّة متنوعة قبل أن يسحرها أسلوب أديب هولندي يدعى جان وولكرز، ويصبح مصدر إلهامها، وهو الذي أثار جدلاً في الصحافة خلال ستينيات القرن الماضي لفجاجة نصوصه وخلاعتها. لكنّها برغم موهبتها الأدبيّة الشاهقة شعراً ونثراً، لم تتعاف مطلقاً من انعكاسات وترددات تجربة طفولتها ومراهقتها، وإن كانت لا تعتبر نفسها متحولة جندريّاً، لكنها تقرّ بالتباس جنسي يدفعها لتصور نفسها في منزلة بين المنزلتين، ما دفعها لإضافة اسم ذكر (لوكاس) إلى اسمها المؤنث (ماريكه) وأصبحت تصف ذاتها بضمير الجمع - نحن بدلاً من أنا -. وهذه أمور إن لم يتفهمها مجتمع قريتها المحافظ والمتزمت دينياً، فإنها لا تثير كبير استهجان من قبل مجتمعها الكبير والمشهور أوروبياً بتساهله في مسائل الجندر والجنس والعلاقات، وتجد تقبلاً متزايداً في أوساط النخب المثقفة في بريطانيا وأوروبا عموماً.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.