«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

أول تشكيلة وزارية من دون أحزاب أو «ثوريين»

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس
TT

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

«حكومة الرئيس» تعيد رسم الحسابات في تونس

نجح الرئيس التونسي قيس سعيّد والمقربون منه في خلط المشهد السياسي والمساهمة في تغييره بقوة لصالحهم، وكذلك استبعاد كل الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية و«الثوريين»، عند اختيار رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي وفريقه. وفي حين اعتبرت بعض قيادات الأحزاب هذه الخطوة «انقلاباً على البرلمان (مجلس النواب) والشرعية الانتخابية»، اعتبر كثير من المراقبين أن حكومة «الكفاءات المستقلة»، برئاسة وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة، ستكون حقاً «حكومة الرئيس»، رغم أنه لا وجود هذه التسمية في الدستور والقانون.
وإذ تباينت ردود الفعل على التشكيلة الوزارية المعلنة، التي ضمّت شخصيات من المقرّبين من الرئيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج، فإن كل المؤشرات ترجح أن يمنحها البرلمان الثقة كي يتجنب «سيناريو» حلّه، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة.
ويبقى أن التحدي الكبير اليوم هو: هل ستنجح هذه الحكومة في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقلاع الاقتصادي... أم يحصل العكس فتفشل بسبب افتقارها لحزام برلماني وحزبي يدعمها واستفحال الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية؟
كشفت تصريحات غالبية قيادات الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية التونسية ورود فعلها الأولية انتقادات بالجملة لتشكيلة حكومة هشام المشيشي الجديدة. واعتبرت غالبية هذه القيادات الحكومة «تابعة لقيس سعيّد ومستشاريه»، وانتقدت ما وصفته بـ«تضخّم دور قصر قرطاج (الرئاسي)»، في بلد اختار منذ المصادقة على دستور يناير (كانون الثاني) 2014 «النظام البرلماني المعدل». أيضاً رأت هذه القيادات أن «النظام الرئاسي» سيؤدي بالضرورة إلى الحكم الفردي والاستبداد والقمع، على غرار ما حصل في تونس إبان عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بين 1957 ونهاية 2010.
- حملة ضد قصري قرطاج والقصبة
في سياق متصل، شنّ العديد من مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً حملة إعلامية عنيفة ضد سعيّد والمشيشي بسبب «إصرارهما على استبعاد» مرشحي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية من التشكيلة الجديدة، ومسايرة التقييمات السائدة عن اتهام قيادات بعض الأحزاب بالفساد ونقص الخبرة والكفاءة. فقد اتهم قياديون من أحزاب «التيار الديمقراطي» و«الشعب» و«حركة النهضة» و«ائتلاف الكرامة» مقرّبين من قيس سعيد بـ«تجاهل نتائج الانتخابات البرلمانية» و«الانقلاب على إرادة ملايين الناخبين».
وتوقّع الكاتب عبد اللطيف العلوي، النائب عن «ائتلاف الكرامة»، الفشل لهذه التشكيلة الحكومية في حال فوزها بالثقة «مؤقتاً». في حين وصف زعيم حزب «الشعب» القومي زهير المغزاوي التشكيلة التي أقصت الأحزاب بـ«حكومة الخوف»، قاصداً أنها الحكومة التي سيصادق عليها النواب «خوفاً من حل البرلمان وإحداث فراغ سياسي كبير على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية».
كذلك، أخذ نواب وساسة آخرون على التشكيلة تأكيدها تجاهل كل من سعيّد والمشيشي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية التي عُقدت معها عدة «جلسات تشاور صورية» طوال الأسابيع الماضية. وهو ما قاله هشام العجبوني رئيس كتلة حزب «التيار الديمقراطي» اليساري في البرلمان، والصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس»، ومحمد القوماني البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب «حركة النهضة».
أيضاً اتهم بعض الساسة، بينهم سيد الفرجاني، عضو البرلمان عن «حركة النهضة»، الرئيس قيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج بتعيين مزيد من زملائهم السابقين في الجامعة وفي كليات الحقوق على رأس عدة وزارات، فكانت الحصيلة الأولية «انقلاباً على البرلمان وعلى الحياة الحزبية، وإسناد نحو ثلث الحقائب الحكومية إلى خبراء قانون وشخصيات، بعضهم كانوا من بين طلبة سعيّد وزملائه في أسرة التدريس والبحث في الجامعة».
- احترام الدستور
غير أن مقرّبين من الرئيس قيس سعيّد ومناصرين لتشكيلة حكومة هشام المشيشي، رفضوا هذه الاتهامات، ونوّهوا بكفاءة جلّ أعضائها وبـ«حرص رئيس الجمهورية على احترام نص الدستور، في الوقت الذي أراد فيه تدارك الثغرات التي برزت العام الماضي بسبب الصراعات الهامشية بين الأحزاب داخل البرلمان والحكومة»، على حد تعبير نوفل سعيّد المحامي والخبير الدولي في القانون الدستوري وشقيق الرئيس التونسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
أيضاً، أثنى أمين محفوظ، أستاذ القانون الدستوري، على اختيار المشيشي غالبية الوزراء من بين المستقلين عن كل الأحزاب، وبممارسة رئيس الجمهورية حقه في اختيار وزيري الخارجية والدفاع، وفي إعطاء رأي بكامل التشكيلة، قبل توجيه مراسلته إلى البرلمان للمصادقة عليها.
ورفض الأميرال المتقاعد محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يعني تعيين «كفاءات مستقلة في الحكومة الجديدة ترذيلاً للأحزاب وللانتخابات». وتابع المؤدب أن البلاد في حاجة فورية إلى «هدنة سياسية وأمنية واجتماعية، لإعادة هيبة الدولة، وفرض تطبيق القانون في كامل البلاد، ومنع تعطيل إنتاج (الفوسفاط) والمحروقات والسير العادي لمؤسسات الإنتاج والتصدير والخدمات العمومية».
وفي الاتجاه نفسه، نوه الأميرال كمال العكروت، المستشار العسكري والأمني السابق للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بـ«انحياز» سعيّد والمشيشي «إلى الكفاءات المستقلة بعدما فشلت الأحزاب والنخب السياسية التقليدية في إنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة منذ 10 سنوات».
- حكومة الفرصة الأخيرة؟
من جهة ثانية، رأى عدد من المراقبين والخبراء عن أن الحكومة الجديدة قد تكون «حكومة الفرصة الأخيرة»، لأن رئيسها وعدداً كبيراً من أعضائها من خريجي كليات القانون والمدرسة العليا للإدارة، ولديهم خبرة في الوظيفة العمومية. وحول هذه النقطة رحب الأكاديمي والديلوماسي سعيد بحيرة باختيار «شخصيات لها وزنها ورصيدها في الإدارة والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية الوطنية والدولية»، بينهم فتحي السلاوتي الذي أُسندت له حقيبة التربية، وألفة بن عودة التي أسندت إليها حقيبة التعليم العالي، ومعزّ شقشوق الذي أُسندت إليه حقيبة النقل واللوجيستيات، والحبيب عمار الذي أسندت إليه حقيبة السياحة.
كذلك، رحب الكاتب والإعلامي أحمد القابسي بإرجاع الزعيم النقابي محمد الطرابلسي إلى حقيبة الشؤون الاجتماعية «التي سيّرها بنجاح طوال 3 سنوات ونصف السنة»، واستفاد من رصيده النقابي ومن علاقاته مع أعضاء المركزية النقابية العمالية، التي كان عضواً فيها قبل «ثورة 2011»، ومع قيادات نقابات رجال الأعمال الصناعيين والتجار والفلاحين. ولقد كشف قرار إرجاع النقابي الطرابلسي إلى الحكومة - التي غادرها في مارس (آذار) الماضي عند تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ - رهاناً جديداً من سعيّد والمشيشي على «التحالف بين بين المركزية النقابية العمالية ورئيس الجمهورية والمقرّبين منه في قصري قرطاج والقصبة، رداً على الانتقادات التي وجهها إليه قياديون في (النهضة) والبرلمان».
- نَفَس جديد للعلاقات الدولية
أما على صعيد العلاقات الخارجية، فقد رحّب عدد من المراقبين والدبلوماسيين بالشخصيات التي اختيرت على رأس وزارات السيادة في الحكومة الجديدة، وبالأخص، تعيين عثمان الجارندي، المستشار الدبلوماسي في قصر قرطاج ووزير الخارجية المستقل عن كل الأحزاب مجدداً على رأس الديلوماسية التونسية، وهو الذي سبق له أن أشرف عليها في 2013 بعد خبرة طويلة في عدد من سفارات تونس في الخارج. وكذلك تعيين محمد علي النفطي كاتب دولة للخارجية - وكيل وزير - وهو سفير ودبلوماسي له خبرة في عدة عواصم عربية وآسيوية وأوروبية، وسبق أن أشرف على عدة إدارات عامة في الخارجية من بينها الشؤون القنصلية والعلاقات الدولية.
وتوقع وزير الخارجية السابق أحمد ونيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يثمر هذان التعيينان وبحقّ للحكومة الجديدة نقلة نوعية في علاقات تونس الخارجية، لأن الوزير ونائبه دبلوماسيان ناجحان معروفان. ولأنه سبق لوزير الخارجية الجديد تولي منصب المستشار الدبلوماسي للرئيس سعيّد خلال الأشهر الماضية. أي أنه يحظى بثقته خلافاً لوزير الخارجية السابق، وهو ما يمكنه من «التحرك بسرعة لتدارك بعض الثغرات، وبينها توظيف علاقات تونس الخارجية في خدمة مصالح البلاد الاقتصادية، والتعجيل بتسمية سفراء جدد في عواصم عدة مهمة لم يُعيَّن فيها سفير منذ مدة، من بينها باريس وبروكسل والرياض».
- ماذا عن الاستقلالية؟
في هذه الأثناء، يطرح مراقبون، منهم زياد كريشان رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية، علامات استفهام على «استقلالية بعض الوزراء»، ومن ثم، فرص نجاحهم في مهماتهم، ومن هؤلاء الوزراء المحامي توفيق شرف الدين الذي عُيّن وزيراً للداخلية، والقاضي محمد بوستة الذي عُيّن وزيراً للعدل، وأستاذ القانون إبراهيم البرتاجي الذي عُيّن وزيراً للدفاع. وتساءل البعض، بصفة خاصة، عن مدى استقلالية وزير الداخلية الجديد توفيق شرف الدين «بسبب تزعمه فريق حملة مساندة قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية الماضية في محافظة سوسة على الساحل التونسي»، كما جاء على لسان الإعلامية منية العرفاوي.
كما انتقد معارضون سياسيون مثل المنذر ثابت «تسمية مزيد من خبراء القانون وخريجي كليات الحقوق في الحكومة الجديدة، ما قد يجعل من رئيس الحكومة مجرّد وزير أول لدى رئيس الدولة، بينما يُفترض أنه يتمتع بـ90 في المائة من صلاحيات السلطة التنفيذية».
أما محسن مرزوق، رئيس حزب «مشروع تونس» اليساري والوزير المستشار سابقاً في عهد الرئيس الباجي قائد السبسي، فانتقد ما وصفه بـ«غياب الاستقرار في قمة وزارات السيادة، وخاصة في حقيبتي الخارجية والدفاع، رغم أن رئيس الجمهورية كان قد اختار الوزراء السابقين في حكومة إلياس الفخفاح مطلع العام الحالي».
- أقطاب وأقليات؟
مع كل ما سبق ذكره، ثمة مَن هو مقتنع بأن نقطة «القوة الأساسية في حكومة الرئيس الجديدة» أن رئيسها هشام المشيشي وغالبية وزرائها اختارهم الرئيس سعيّد والمقرّبون منه، خلافاً لحكومة الفخفاح الذي اختاره رئيس الجمهورية، لكنه سمح له بأن يعين الوزراء بالتشاور مع قيادات الأحزاب والبرلمان. في الاتجاه المقابل، يرى متابعون وذوو علاقة، مثل وزير الشؤون الاجتماعية العائد محمد الطرابلسي أن «من بين نقاط القوة في الحكومة الجديدة اعتماد سياسة الأقطاب الحكومية، وذلك عبر تجميع عدة وزارات في وزارة واحدة من بينها وزارة تشرف على أبرز الوزارات الاقتصادية والمالية، ولقد أسندت إلى رجل الأعمال والمسؤول البنكي الدولي علي الكعلي، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس بنوك عربية ودولية في الخليج».
- السند السياسي والبرلماني
في مطلق الأحوال، وبصرف النظر عن المتفائلين بـ«حكومة الرئيس الثانية» والمتحفّظين عن «تضخّم دور مؤسسة رئاسة الجمهورية على حساب دور البرلمان والأحزاب» يُتوقع أن تواجه حكومة هشام المشيشي تحديات بالجملة، لعل أهمها حاجتها إلى دعم سياسي برلماني لضمان تمرير مشاريع القوانين والموازنة.
البعض يقلل من أهمية هذه التحديات، ويتوقع أن يستخدم الرئيس سعيّد صلاحيات منحها له الدستور، من بينها تفعيل «الفصل 80»، الذي يوسّع صلاحياته على حساب رئيس الحكومة ويسمح له باستصدار مراسيم لا توحد ضرورة لعرض على البرلمان في وقت لاحق بحجة «وجود البلاد أمام خطر داهم وفي حالة طوارئ».
وعلى الضفة الأخرى، لا يستبعد نفر من المعارضين، مثل عياض اللومي، رئيس لجنة المالية في البرلمان والقيادي في حزب «قلب تونس»، أن يمنح البرلمان الثقة للحكومة الجديدة ثم يسقطها بعد مدة وجيزة، عبر «لائحة سحب ثقة يوقعها 109 نواب أو أكثر، مع تعيين خليفة له من قبل البرلمان في اليوم نفسه». وبالتالي، فإن كل السيناريوهات واردة.
- مبادرات سياسية لإنقاذ «حكومة الخوف»؟
> حذّرت غالبية الأحزاب والكتل البرلمانية التونسية مبدئياً من إقصائها، ومن عواقب جعل البرلمان مجبراً على أن يصادق على «حكومة الخوف»، أي على تشكيلة وزارية لا يرحب بها ولا يوافق عليها، ليرى أنه سيُضطَر إلى تمريرها بسبب تخوف غالبية النواب والأحزاب على مواقعها، إذا ما قرر رئيس الجمهورية حل البرلمان.
مع هذا، انطلق ساسة بارزون من معظم الأحزاب في الدعوة إلى «مبادرات سياسية» تهدف إلى المصادقة على «حكومة الخوف» بشروط، مع اقتراح عدة آليات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتأزمة في تونس. وفي هذا السياق، رحّب عدد من قادة الأحزاب السياسية بينهم وزير الصحة السابق والقيادي في حزب «حركة النهضة»، عبد اللطيف المكّي، بمبادرة سياسية أطلقها زهير المغزاوي، الأمين العام لحزب «الشعب»، الذي أعلن أن نواب حزبه سيمنحون الثقة لحكومة المشيشي الجديدة، رغم انتقاداتهم السابقة له.
ومن بين ما جاء في وثيقة المبادرة التي تقدم بها حزب «الشعب» في تشخيص الوضع العام:
* أولاً، يوجد تباين واضح بين الفاعلين السياسيين بشأن الموقف من حكومة هشام المشيشي، مع التأكيد على وجاهة الحجج التي تقدّمها الأطراف المتباينة ومعقوليتها، فضلاً عن كون هذه الأطراف على اختلاف مقارباتها غير مطمئنة لمآلات الأوضاع، سواء حازت الحكومة ثقة البرلمان أم لم تحز:
- الداعمون: ليست لديهم ضمانات لاستمرار الحكومة أو نجاحها في إنجاز المهام المنتظرة منها أو تمرير مشاريع القوانين التي ستقترحها، إضافة إلى الخِشية من عدم التزام هشام المشيشي بتعهداته والتمسّك بالسلطة دون تحقيق أي إنجاز.
- الرافضون: ليست لديهم ضمانات حول مصير الوضع السياسي ومستقبل مجلس النواب في حال سقوط حكومة السيّد المشيشي.
* ثانياً: هناك أزمة اقتصاديّة وماليّة تزداد عمقاً وتشعّباً، وتُنذِر بالتحوّل إلى أزمة اجتماعية وأمنية لا قِبل لأحدٍ بمواجهتها، فضلاً عن التعقيدات والصعوبات الناجمة عن عودة انتشار فيروس «كورونا».
وعلى هذا الأساس اقترحت وثيقة المبادرة السياسية، بالخصوص:
* دعوة الفاعلين السياسيين إلى التوافق على منح الثِّقة للحكومة وفق الضّوابط التّالية:
- التزام رئيس الحكومة المـُكَلَّف بتقديم تصوّر واضح يضبط الإجراءات الكفيلة بوقف النّزيف الاقتصادي والمالي والاجتماعي، والتزامه كذلك بتسقيف عمل حكومته في أجل أقصاه سنة ونصف السنة يُصَار خلالها إلى التوافق بين الكتل البرلمانية على تركيز المحكمة الدستورية وتعديل النظام الانتخابي، لأن التقليد المعمول به في كل دول العالم أن حكومات الكفاءات تُشَكَّل استثناءً ضمن النّظم الديمقراطية التي تكون فيها الأحزاب السياسيّة هي رافعة الحكومات، ولا يحدث الاستثناء إلاّ في حالات الأزمات السياسيّة والاقتصادية، وتزول الحاجة لمثل هذه الحكومة مع بداية التعافي من الأزمة.
- التزام كل الأطراف بتنفيذ هدنة سياسيّة واجتماعيّة ومجتمعيّة إذا تم القبول بالإجراءات المـُعلَنة. وفي نهاية هذه الفترة يتم التوافق بين الأطراف السياسية على أحد الخيارات التالية:
1 - استمرار حكومة السيد المشيشي إلى نهاية العهدة البرلمانية، وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها الدستوري خريف 2024.
2 - في صورة تعثر حكومة المشيشي يمكن تكوين أغلبية برلمانية تتولى تشكيل حكومة سياسية، والذهاب مباشرة إلى تنظيم انتخاباتٍ تشريعيّة سابقة لأوانها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.