العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

الحلفاء والخصوم والشركاء يعيدون النظر في حساباتهم

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي
TT

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

خلال أسبوع واحد، عقد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي «قمة»، وُصفت بالناجحة، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين «الشريكين»، وفق العرف العراقي، و«الحليفين»، بالمصطلح الأميركي. ومع أن المباحثات تناولت أطر الحوار الاستراتيجي الذي بدأت جولته الثانية، وهو ما يعوِّل عليه الجانبان في رسم ملامح العلاقة المستقبلية بينهما، فإن أطرافاً أخرى - سواء في الداخل من خصوم الكاظمي أو في المنطقة، ولا سيما إيران - لا تنظر بعين الرضا عن هذا الحوار.
خصوم الكاظمي في الداخل ممن كانوا يمطرون «المنطقة الخضراء» والتاجي والمطار بصواريخ «الكاتيوشا» توقفوا عن إطلاق هذه الصواريخ أثناء زيارة الكاظمي إلى واشنطن وبعدها، من دون معرفة الأسباب. وبينما كان الكاظمي يحزم حقائبه للعودة إلى بغداد طلب منه الديمقراطيون، خصوم الجمهوريين في «الكونغرس» الأميركي، تمديد زيارته يوماً واحداً. وحقاً، التقى رئيس الوزراء العراقي رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وإن لم يسمع منها كلاماً يختلف في الإطار العام عما سمعه من خصمها اللدود دونالد ترمب.
في الرحلة من واشنطن إلى بغداد، عاد مصطفى الكاظمي مطمئناً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية «دولة مؤسسات». وبالتالي، لن تتأثر كثيراً بتغيير الإدارة... جمهورية كانت أم ديمقراطية في الملفات الاستراتيجية. وفي أسبوع الزيارة نفسه، وبينما كانت طائرة الكاظمي فوق المحيط الأطلسي سلم الأميركيون معسكر التاجي حيث يتمركزون في جزء من تلك القاعدة إلى العراقيين، كجزء من إثبات حسن النية بشأن جدوَلة الانسحاب الأميركي من العراق، على مدى 3 سنوات، التي بحثها مع ترمب.
- معاناة البصرة
ولكن، قبل أن تحط الطائرة في مطار بغداد من رحلتها الطويلة، كانت البصرة كبرى مدن الجنوب العراقي تحترق، وكانت الطبيبة الشابة رهام يعقوب قد قتلت. من مطار بغداد حيث حطت الطائرة الآتية من واشنطن. لم يتغير شيء سوى أعضاء الوفد المرافق للكاظمي. فالوفد العائد من واشنطن توجّه إلى بغداد، بينما كان وفد آخر ينتظر عند باب الطائرة يضم وزير الداخلية ومستشار جهاز الأمن الوطني ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، من أجل مهمة أخرى لن تستغرق هذه المرة سوى 45 دقيقة، بينما استغرقت الرحلة من واشنطن إلى بغداد 12 ساعة. كانت هذه الرحلة إلى البصرة التي وصل إليها الكاظمي متعهداً بتحقيق الأمن والعدالة معاً.
- القمة الثلاثية في عمّان
في الأسبوع نفسه، كان على الكاظمي أن يحزم حقائبه مرة أخرى، لكن للمشاركة في قمة لفتت الأنظار بقوة هي «قمة عمّان»، في العاصمة الأردنية، التي جمعته مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أما الهدف فهو ما أطلق عليه رئيس الوزراء العراقي مشروع «المشرق الجديد». وبالتزامن، أعلنت إيران عزمها إجراء «حوار استراتيجي» مع العراق. لا أحد يعرف طبيعة هذه الخطوة الإيرانية، وما المقصود بهذا الحوار الاستراتيجي، وما إذا كان على غرار الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. بين كل هذا وذاك وعلى مدى الأسبوع الحاسم المكلل بالقمم واللقاءات والزيارات والتحولات، بقيت جبهة الصواريخ هادئة.
- هدنة «الكاتيوشا»
في أي حال، رغم البيان الشديد اللهجة الذي أصدرته الفصائل المسلحة بشأن النتائج التي انتهت إليها زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، كانت المفارقة اللافتة أن الفصائل التي كانت أعلنت في بيان لها أنها «سترفع مستوى المواجهة مع الأميركيين في العراق» توقفت عن إطلاق الكاتيوشا، وهو ما جعل عملية تسليم الأميركيين لقاعدة التاجي (شمال بغداد) وإنسحابهم الذي أخذ صيغة إعادة الانتشار عملية هادئة تماماً.
بشأن عملية إعادة الإنتشار يقول الخبير الاستراتيجي العراقي الدكتور معتز محيي الدين، رئيس المركز الجمهوري للدراسات السياسية والمتخصص بالشؤون الأمنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربط موضوع انسحاب القوات الأميركية من العراق بموضوع آخر، حين قال إن الحكومة العراقية تصبح قادرة على حماية أمنها الداخلي. وحدد الإعداد لذلك على ضوء هذه الحالة، التي تُعتبر حالةً غير طبيعية في الوقت الحاضر، فضلاً عن وجود (داعش) وما يشكله من مخاطر». وأضاف أن «ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو حين التقيا الكاظمي كانت رؤيتهم متطابقة في موضوع الانسحاب الأميركي، وقد تم تحديده بتوقيتات، حسب رأي الخبراء الأمنيين بقدرة العراق وقدرة الأطراف السنّية التي تطالب بإبقاء الوجود الأميركي لحماية أمن مناطقها حالياً». وأردف أن «أكثر من طرف سياسي أوصل رسالة للجانب الأميركي بضرورة بقائهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير الحماية لمناطقهم بأنفسهم في ضوء قدرة الفصائل المقرّبة من إيران على ضرب وزعزعة المدن السنّية». ثم أوضح الأمور في ضوء هذه الرؤى فإننا حيال وضع جديد، إذ إن الأميركيين يحاولون حالياً إعادة الانتشار مرة ثانية، وهو ما يعني أن القوات الأميركية تناور هنا وهناك، حسب حاجة القوات العراقية في التدريب والتأهيل وإدارة هذه القوات في مرحلة لاحقة طبقاً للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن انسحابهم من التاجي، وقبل شهر من موقع آخر، هو بسماية، يدل أن القوات الأميركية تأخذ أسلوب المناورة والتكتيك بوضع خطط جديدة في هذا المجال.
لكن الفصائل الرافضة أعلنت، في بيانها الذي حمل اسم «فصائل المقاومة الإسلامية»، وهي المصنّفة بقربها من إيران، أنها كانت تنتظر النتائج، مثلما وعد الكاظمي قبيل زيارته بشأن جدولة الانسحاب الأميركي من العراق. وبيّنت أنها كانت تتوقع أن «يجعل على رأس أولوياته تنفيذ قرار الشعب العراقي الذي خرج بتظاهرات مليونية. واتخذ قراره بأن وجود الاحتلال الأميركي وخرابه ودماره وتمويله للإرهاب وصناعة الأزمات، وخلق الفوضى، ليعيث في اقتصاد العراق وأرضه فساداً وينهب خيراته (حسب البيان)، يجب أن ينتهي». وأضاف البيان أن المفاجأة كانت أن «زيارة رئيس الوزراء لم تتضمن تنفيذ قرار إخراج القوات المحتلة الأميركية بشكل كامل، ونعد ذلك التفافاً على سيادة العراق». وعليه، حذّرت هذه الفصائل من أن «عودة رئيس الوزراء من غير تحقيق قرار الشعب والبرلمان والحكومة، وما قطعه من وعد على نفسه بإنهاء الاحتلال» سيجعلها تنتقل «من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق، ومنح فرصة للحوار السياسي إلى مرحلة التصعيد واستهداف كل المصالح الأميركية».
- تأسيس جديد للعلاقات
إيقاع عمل مصطفى الكاظمي المتسارع - بالقياس إلى أسلافه رؤساء الحكومات السابقة في العراق - جعلت الحلفاء والخصوم، وبينهم الشركاء يعيدون النظر بحساباتهم حيال هذه الخطوات، بما في ذلك إعلانه موعداً مبكراً للانتخابات لم تكن تتوقعه القوى السياسية... سواء تلك التي تحمّست لمجيئه إلى السلطة أو التي وجدت نفسها مرغَمة على القبول به. ومع أن الكاظمي رمى الكرة في ملعب القوى السياسية التي لم تتمكن بعد من حسم قانون الانتخابات الجديد، فإنه أخذ على عاتقه صياغة توجهات السياسة الخارجية للعراق على أسس جديدة. فمن لقاءات مكثفة ومثمرة في البيت الأبيض، انتقل فور عودته إلى بغداد إلى الأردن لحضور القمة الثلاثية مع الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طارحاً مشروع «المشرق الجديد»، الذي بدأ يثير مخاوف القوى السياسية التي جاءت به إلى السلطة، وعلى رأسها الكتل الشيعية.
وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الخارجية للعراق، وبالذات زيارة الكاظمي إلى واشنطن، يقول الدكتور ظافر العاني، عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط» إنه «بغضّ النظر عن التهويل غير المبرّر في نتائج زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، أو التهوين المقصود من إنجازاتها، فإن هذه الزيارة تبقى بداية ناجحة بكل المقاييس». وأضاف أن «اكتمال نتائجها يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على إجراء إصلاحات فعالة، ومن دون توقف، لكسب ثقة المجتمع الدولي من جهة، ودعم العراقيين لها من جهة أخرى».
ومن جهته، يرى الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد لـ«الشرق الأوسط» أن «الملف العراقي مهم على صعيد الانتخابات الأميركية التي باتت على الأبواب، خصوصاً أن زيارة الكاظمي جاءت في وقت حساس على صعيد الصراعات الإقليمية الحالية. وبالتالي، فإن ترمب سيسعى إلى استثمار هذه الزيارة، لا سيما بعد حسم الديمقراطيين ترشيح جو بايدن رسمياً للانتخابات الرئاسية». أيضاً يرى الدكتور عبد الإله إن «اختلاف الأولويات والمفاهيم هو الذي يهيمن على الزيارة، سواءً لجهة عدم حسم توصيف العراق أميركياً الآن لجهة كونه صديقاً أم حليفاً أم شريكاً حتى يمكن البناء عليه. والأمر نفسه في بغداد، حيث كل طرف يريد للكاظمي أن يحقق ما يريده هو لا ما يفرضه سياق العلاقات الدولية وجو المفاوضات. وتابع: «هناك أطراف عراقية طالبت الكاظمي بضمانات على صعيد إخراج القوات الأميركية من العراق، بينما أميركا تتحدث عن محاربة داعش». وبشأن أولويات الكاظمي، يقول عبد الإله إن «الكاظمي يسعى إلى الاتفاقيات الثنائية عبر تفعيل بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين لجهة الاقتصاد والطاقة والنفط والاستثمار والكهرباء والمساعدات، ومجمل أبعاد الدعم الذي يحتاج إليه الآن لحكومته». ويضيف أن «توقيع اتفاقية مع شركة أميركية كبرى على صعيد الكهرباء بأكثر من مليار دولار إنما هو مفتاح عودة الشركات الأميركية إلى العراق».
إلى ذلك أكد فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الإستشاري العراقي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن يبقى هو المحور الأهم في هذه الزيارة، رغم أهمية الجوانب الأخرى في جو المباحثات، مثل النفط والاقتصاد وجائحة (كورونا)، وبخاصة أن هذه الزيارة تأتي من أجل استكمال الجولة الثانية من هذا الحوار الذي بدأت جولته الأولى في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والذي يراهن على مخرجاته كثيرون داخل العراق».
وبحسب علاء الدين، فإن «الولايات المتحدة الأميركية شددت كثيراً على الحوار الاستراتيجي، لجهة كون الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة لمواجهة تحدياتها المالية والاقتصادية المستمرة، فضلاً عن المساعدة في محاربة تنظيم داعش». ولفت إلى أن «هذا الدعم لن يأتي من دون شروط، لا سيما بعد قرار إخراج القوات الأميركية من العراق الذي أصدره البرلمان العراقي أوائل هذا العام».
ويرى علاء الدين أن «الكاظمي يخضع في كل حواراته في واشنطن تحت ضغط سياسي هائل من قوى الداخل العراقي الرافضة للعلاقة مع الولايات المتحدة». وبشأن الرؤية التي تحكم سياق العلاقة بين الجانبين، يعتقد علاء الدين أنه «رغم المصلحة المشتركة التي تحققها المشاركة في الحوار، يتضح وجود فجوة بين المطالب والتوقّعات الأميركية والعراقية... مع أن الجهتين تحافظان على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى صفقة يتفق عليها الطرفان». ويمضي علاء الدين قائلاً إنه «رغم أن الأميركيين يركزون باستمرار على أن هدفهم هو تحقيق شراكة ثنائية دائمة ومستدامة سياسياً مع العراق، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل هذه الرؤية؛ إذ تتجاوز المطالب الأميركية هذه النقاط العامة، وتشمل شروطاً محددة قد تجد الحكومة العراقية صعوبة في الوفاء بها».
- قمة «المشرق الجديد»... معانيها وأبعادها
> «قمة عمّان» الأخيرة جاءت امتداداً لقمتين سابقتين بين العراق ومصر والأردن على عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وبالتالي، لا جديد فيها من هذه الزاوية. إلا أن المصطلح الجديد الذي صاغه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وهو «المشرق الجديد» بدا جديداً، بل ومفاجئاً لكل قادة العملية السياسية في العراق.
الخوف من المصطلح حرّك نظريات المؤامرة باتجاهات مختلفة، كونها تتزامن مع الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بعد الخطوة الإماراتية. بيد أن الكاظمي، الذي كان قد أعلن رفضه «سياسة المحاور» يتعيّن عليه خلال الفترة المقبلة خوض جولة صعبة من المفاوضات مع الكتل السياسية حول صياغة مصطلحه الجديد، وكيفية تسويقه، وهذا في ظل الوضع الراهن الذي يمر به العراق. وللتذكير، حكومة الكاظمي «انتقالية» مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابّات المبكرة.
مع ذلك، ثمة مَن يرى أن هذا المشروع يمكن أن يكون دعامة تعزز مفهومي الأمن والسيادة معاً. وهنا يعلق الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني، في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «العراق يتوجه نحو مصر والأردن لبناء محوَر بديل في المنطقة، يتوازى مع مصالح العراق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً عبر ‏مبادرة المشرق الجديد، وهو ما طرحه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في لقائه بصحيفة (واشنطن بوست)». وتابع: «الفكرة جديدة، ومحور في المنطقة يقوم على التعاون الاقتصادي والسياسي من العراق والأردن ومصر، محور فاعل. ونحن نحتاج الآن إلى محور اقتصادي - سياسي لتفكيك تحديات كثيرة في البنى التحتية».
ومن جهته، يرى الدكتور فاضل البدراني، أستاذ الإعلام الدولي، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارة تُعدّ خطوة لدعم حكومة الكاظمي في وجه المعارضين له من اتباع إيران، ولدعم ترمب في الحملة الانتخابية. ولقد جرى إحياء الحوار بإحياء اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا عام 2008». ويضيف البدراني: «على ما يبدو، أرادت واشنطن جرّ العراق إليها وربطه معها ومع حلفائها في المنطقة. وهذا يرمي في النهاية إلى تطويق إيران وعزلها عن العراق».
أما الدكتور إحسان الشمّري، أستاذ العلوم السياسية ورئيس «مركز التفكير السياسي في العراق»، فقال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «زيارة الكاظمي للعواصم الثلاث تمثل زيارة توازن في علاقات العراق الخارجية وتوجهات الكاظمي. فهو يريد أن يوجه رسائل إلى هذه العواصم الثلاث بأن العراق يقف على مسافة واحدة ويمتلك علاقات متوازنة معها». وأضاف أن «الكاظمي سيدفع حسب طبيعة نوع العلاقة مع هذه الدول بملفات مشتركة، لكن يبقى الملف الأبرز الذي سيُطرح عراقياً هو أنه ينبغي أن يكون هناك تفهم لحساسية العراق ووضعه الداخلي، وإمكانية أن يكون هناك نأي بالعراق عن ساحة الصراع الأميركي - الإيراني”. وبيّن الشمّري أن «العراق يحاول فرض المزيد من الاستقرار الداخلي، ومحاولة تحييد هذا الصراع بين واشنطن وطهران عن الداخل العراقي». وأوضح أن «الكاظمي خلال هذه الزيارة يقدم نفسه كوسيط ناجح يمكن أن يلعب دوراً أكثر من ناقل الرسائل، لا سيما أنه يمتلك علاقات إيجابية»، مع عدد من الأطراف الإقليمية.
وبشأن ما يمكن أن تسفر عنه الزيارة من نتائج، يقول الشمّري: «لكل دولة خاصية مختلفة سوف تنعكس على طبيعة النتائج التي ستترتب عليها، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى طبيعة الملفات التي تختلف من دولة إلى أخرى». وأوضح أن «الملف الأهم في واشنطن، مثلاً، هو اتفاقية الإطار الاستراتيجي، واستكمال الحوار بين بغداد وواشنطن، ووجود القوات الأميركية، وإمكانية الدعم الأميركي إلى العراق في مختلف المجالات. وفيما يرتبط مع السعودية فإن التركيز على الجانب الاقتصادي، خصوصاً أن الرياض تعد مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، وبالتالي أتوقع إنه سيخرج باتفاقات مهمة مع المملكة في مختلف الميادين والمجالات، وبالأخص، في ظل انفتاح السعودية على حكومة الكاظمي». وحول النتائج المرتقبة من زيارة المبرمجة إلى إيران يقول الشمّري إن «الكاظمي سيركز على قضية رسائل التطمين. إذ يحاول الكاظمي أن يعطي رسالة لإيران بأنه ليس أميركياً... بل سيقف في المنتصف، وربما يذهب إلى أكثر من ذلك... باتجاه محاولة التهدئة في الداخل العراقي مع تقديم الضمانات الممكنة بشأن ذلك».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.