العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

الحلفاء والخصوم والشركاء يعيدون النظر في حساباتهم

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي
TT

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

خلال أسبوع واحد، عقد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي «قمة»، وُصفت بالناجحة، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين «الشريكين»، وفق العرف العراقي، و«الحليفين»، بالمصطلح الأميركي. ومع أن المباحثات تناولت أطر الحوار الاستراتيجي الذي بدأت جولته الثانية، وهو ما يعوِّل عليه الجانبان في رسم ملامح العلاقة المستقبلية بينهما، فإن أطرافاً أخرى - سواء في الداخل من خصوم الكاظمي أو في المنطقة، ولا سيما إيران - لا تنظر بعين الرضا عن هذا الحوار.
خصوم الكاظمي في الداخل ممن كانوا يمطرون «المنطقة الخضراء» والتاجي والمطار بصواريخ «الكاتيوشا» توقفوا عن إطلاق هذه الصواريخ أثناء زيارة الكاظمي إلى واشنطن وبعدها، من دون معرفة الأسباب. وبينما كان الكاظمي يحزم حقائبه للعودة إلى بغداد طلب منه الديمقراطيون، خصوم الجمهوريين في «الكونغرس» الأميركي، تمديد زيارته يوماً واحداً. وحقاً، التقى رئيس الوزراء العراقي رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وإن لم يسمع منها كلاماً يختلف في الإطار العام عما سمعه من خصمها اللدود دونالد ترمب.
في الرحلة من واشنطن إلى بغداد، عاد مصطفى الكاظمي مطمئناً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية «دولة مؤسسات». وبالتالي، لن تتأثر كثيراً بتغيير الإدارة... جمهورية كانت أم ديمقراطية في الملفات الاستراتيجية. وفي أسبوع الزيارة نفسه، وبينما كانت طائرة الكاظمي فوق المحيط الأطلسي سلم الأميركيون معسكر التاجي حيث يتمركزون في جزء من تلك القاعدة إلى العراقيين، كجزء من إثبات حسن النية بشأن جدوَلة الانسحاب الأميركي من العراق، على مدى 3 سنوات، التي بحثها مع ترمب.
- معاناة البصرة
ولكن، قبل أن تحط الطائرة في مطار بغداد من رحلتها الطويلة، كانت البصرة كبرى مدن الجنوب العراقي تحترق، وكانت الطبيبة الشابة رهام يعقوب قد قتلت. من مطار بغداد حيث حطت الطائرة الآتية من واشنطن. لم يتغير شيء سوى أعضاء الوفد المرافق للكاظمي. فالوفد العائد من واشنطن توجّه إلى بغداد، بينما كان وفد آخر ينتظر عند باب الطائرة يضم وزير الداخلية ومستشار جهاز الأمن الوطني ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، من أجل مهمة أخرى لن تستغرق هذه المرة سوى 45 دقيقة، بينما استغرقت الرحلة من واشنطن إلى بغداد 12 ساعة. كانت هذه الرحلة إلى البصرة التي وصل إليها الكاظمي متعهداً بتحقيق الأمن والعدالة معاً.
- القمة الثلاثية في عمّان
في الأسبوع نفسه، كان على الكاظمي أن يحزم حقائبه مرة أخرى، لكن للمشاركة في قمة لفتت الأنظار بقوة هي «قمة عمّان»، في العاصمة الأردنية، التي جمعته مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أما الهدف فهو ما أطلق عليه رئيس الوزراء العراقي مشروع «المشرق الجديد». وبالتزامن، أعلنت إيران عزمها إجراء «حوار استراتيجي» مع العراق. لا أحد يعرف طبيعة هذه الخطوة الإيرانية، وما المقصود بهذا الحوار الاستراتيجي، وما إذا كان على غرار الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. بين كل هذا وذاك وعلى مدى الأسبوع الحاسم المكلل بالقمم واللقاءات والزيارات والتحولات، بقيت جبهة الصواريخ هادئة.
- هدنة «الكاتيوشا»
في أي حال، رغم البيان الشديد اللهجة الذي أصدرته الفصائل المسلحة بشأن النتائج التي انتهت إليها زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، كانت المفارقة اللافتة أن الفصائل التي كانت أعلنت في بيان لها أنها «سترفع مستوى المواجهة مع الأميركيين في العراق» توقفت عن إطلاق الكاتيوشا، وهو ما جعل عملية تسليم الأميركيين لقاعدة التاجي (شمال بغداد) وإنسحابهم الذي أخذ صيغة إعادة الانتشار عملية هادئة تماماً.
بشأن عملية إعادة الإنتشار يقول الخبير الاستراتيجي العراقي الدكتور معتز محيي الدين، رئيس المركز الجمهوري للدراسات السياسية والمتخصص بالشؤون الأمنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربط موضوع انسحاب القوات الأميركية من العراق بموضوع آخر، حين قال إن الحكومة العراقية تصبح قادرة على حماية أمنها الداخلي. وحدد الإعداد لذلك على ضوء هذه الحالة، التي تُعتبر حالةً غير طبيعية في الوقت الحاضر، فضلاً عن وجود (داعش) وما يشكله من مخاطر». وأضاف أن «ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو حين التقيا الكاظمي كانت رؤيتهم متطابقة في موضوع الانسحاب الأميركي، وقد تم تحديده بتوقيتات، حسب رأي الخبراء الأمنيين بقدرة العراق وقدرة الأطراف السنّية التي تطالب بإبقاء الوجود الأميركي لحماية أمن مناطقها حالياً». وأردف أن «أكثر من طرف سياسي أوصل رسالة للجانب الأميركي بضرورة بقائهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير الحماية لمناطقهم بأنفسهم في ضوء قدرة الفصائل المقرّبة من إيران على ضرب وزعزعة المدن السنّية». ثم أوضح الأمور في ضوء هذه الرؤى فإننا حيال وضع جديد، إذ إن الأميركيين يحاولون حالياً إعادة الانتشار مرة ثانية، وهو ما يعني أن القوات الأميركية تناور هنا وهناك، حسب حاجة القوات العراقية في التدريب والتأهيل وإدارة هذه القوات في مرحلة لاحقة طبقاً للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن انسحابهم من التاجي، وقبل شهر من موقع آخر، هو بسماية، يدل أن القوات الأميركية تأخذ أسلوب المناورة والتكتيك بوضع خطط جديدة في هذا المجال.
لكن الفصائل الرافضة أعلنت، في بيانها الذي حمل اسم «فصائل المقاومة الإسلامية»، وهي المصنّفة بقربها من إيران، أنها كانت تنتظر النتائج، مثلما وعد الكاظمي قبيل زيارته بشأن جدولة الانسحاب الأميركي من العراق. وبيّنت أنها كانت تتوقع أن «يجعل على رأس أولوياته تنفيذ قرار الشعب العراقي الذي خرج بتظاهرات مليونية. واتخذ قراره بأن وجود الاحتلال الأميركي وخرابه ودماره وتمويله للإرهاب وصناعة الأزمات، وخلق الفوضى، ليعيث في اقتصاد العراق وأرضه فساداً وينهب خيراته (حسب البيان)، يجب أن ينتهي». وأضاف البيان أن المفاجأة كانت أن «زيارة رئيس الوزراء لم تتضمن تنفيذ قرار إخراج القوات المحتلة الأميركية بشكل كامل، ونعد ذلك التفافاً على سيادة العراق». وعليه، حذّرت هذه الفصائل من أن «عودة رئيس الوزراء من غير تحقيق قرار الشعب والبرلمان والحكومة، وما قطعه من وعد على نفسه بإنهاء الاحتلال» سيجعلها تنتقل «من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق، ومنح فرصة للحوار السياسي إلى مرحلة التصعيد واستهداف كل المصالح الأميركية».
- تأسيس جديد للعلاقات
إيقاع عمل مصطفى الكاظمي المتسارع - بالقياس إلى أسلافه رؤساء الحكومات السابقة في العراق - جعلت الحلفاء والخصوم، وبينهم الشركاء يعيدون النظر بحساباتهم حيال هذه الخطوات، بما في ذلك إعلانه موعداً مبكراً للانتخابات لم تكن تتوقعه القوى السياسية... سواء تلك التي تحمّست لمجيئه إلى السلطة أو التي وجدت نفسها مرغَمة على القبول به. ومع أن الكاظمي رمى الكرة في ملعب القوى السياسية التي لم تتمكن بعد من حسم قانون الانتخابات الجديد، فإنه أخذ على عاتقه صياغة توجهات السياسة الخارجية للعراق على أسس جديدة. فمن لقاءات مكثفة ومثمرة في البيت الأبيض، انتقل فور عودته إلى بغداد إلى الأردن لحضور القمة الثلاثية مع الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طارحاً مشروع «المشرق الجديد»، الذي بدأ يثير مخاوف القوى السياسية التي جاءت به إلى السلطة، وعلى رأسها الكتل الشيعية.
وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الخارجية للعراق، وبالذات زيارة الكاظمي إلى واشنطن، يقول الدكتور ظافر العاني، عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط» إنه «بغضّ النظر عن التهويل غير المبرّر في نتائج زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، أو التهوين المقصود من إنجازاتها، فإن هذه الزيارة تبقى بداية ناجحة بكل المقاييس». وأضاف أن «اكتمال نتائجها يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على إجراء إصلاحات فعالة، ومن دون توقف، لكسب ثقة المجتمع الدولي من جهة، ودعم العراقيين لها من جهة أخرى».
ومن جهته، يرى الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد لـ«الشرق الأوسط» أن «الملف العراقي مهم على صعيد الانتخابات الأميركية التي باتت على الأبواب، خصوصاً أن زيارة الكاظمي جاءت في وقت حساس على صعيد الصراعات الإقليمية الحالية. وبالتالي، فإن ترمب سيسعى إلى استثمار هذه الزيارة، لا سيما بعد حسم الديمقراطيين ترشيح جو بايدن رسمياً للانتخابات الرئاسية». أيضاً يرى الدكتور عبد الإله إن «اختلاف الأولويات والمفاهيم هو الذي يهيمن على الزيارة، سواءً لجهة عدم حسم توصيف العراق أميركياً الآن لجهة كونه صديقاً أم حليفاً أم شريكاً حتى يمكن البناء عليه. والأمر نفسه في بغداد، حيث كل طرف يريد للكاظمي أن يحقق ما يريده هو لا ما يفرضه سياق العلاقات الدولية وجو المفاوضات. وتابع: «هناك أطراف عراقية طالبت الكاظمي بضمانات على صعيد إخراج القوات الأميركية من العراق، بينما أميركا تتحدث عن محاربة داعش». وبشأن أولويات الكاظمي، يقول عبد الإله إن «الكاظمي يسعى إلى الاتفاقيات الثنائية عبر تفعيل بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين لجهة الاقتصاد والطاقة والنفط والاستثمار والكهرباء والمساعدات، ومجمل أبعاد الدعم الذي يحتاج إليه الآن لحكومته». ويضيف أن «توقيع اتفاقية مع شركة أميركية كبرى على صعيد الكهرباء بأكثر من مليار دولار إنما هو مفتاح عودة الشركات الأميركية إلى العراق».
إلى ذلك أكد فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الإستشاري العراقي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن يبقى هو المحور الأهم في هذه الزيارة، رغم أهمية الجوانب الأخرى في جو المباحثات، مثل النفط والاقتصاد وجائحة (كورونا)، وبخاصة أن هذه الزيارة تأتي من أجل استكمال الجولة الثانية من هذا الحوار الذي بدأت جولته الأولى في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والذي يراهن على مخرجاته كثيرون داخل العراق».
وبحسب علاء الدين، فإن «الولايات المتحدة الأميركية شددت كثيراً على الحوار الاستراتيجي، لجهة كون الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة لمواجهة تحدياتها المالية والاقتصادية المستمرة، فضلاً عن المساعدة في محاربة تنظيم داعش». ولفت إلى أن «هذا الدعم لن يأتي من دون شروط، لا سيما بعد قرار إخراج القوات الأميركية من العراق الذي أصدره البرلمان العراقي أوائل هذا العام».
ويرى علاء الدين أن «الكاظمي يخضع في كل حواراته في واشنطن تحت ضغط سياسي هائل من قوى الداخل العراقي الرافضة للعلاقة مع الولايات المتحدة». وبشأن الرؤية التي تحكم سياق العلاقة بين الجانبين، يعتقد علاء الدين أنه «رغم المصلحة المشتركة التي تحققها المشاركة في الحوار، يتضح وجود فجوة بين المطالب والتوقّعات الأميركية والعراقية... مع أن الجهتين تحافظان على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى صفقة يتفق عليها الطرفان». ويمضي علاء الدين قائلاً إنه «رغم أن الأميركيين يركزون باستمرار على أن هدفهم هو تحقيق شراكة ثنائية دائمة ومستدامة سياسياً مع العراق، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل هذه الرؤية؛ إذ تتجاوز المطالب الأميركية هذه النقاط العامة، وتشمل شروطاً محددة قد تجد الحكومة العراقية صعوبة في الوفاء بها».
- قمة «المشرق الجديد»... معانيها وأبعادها
> «قمة عمّان» الأخيرة جاءت امتداداً لقمتين سابقتين بين العراق ومصر والأردن على عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وبالتالي، لا جديد فيها من هذه الزاوية. إلا أن المصطلح الجديد الذي صاغه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وهو «المشرق الجديد» بدا جديداً، بل ومفاجئاً لكل قادة العملية السياسية في العراق.
الخوف من المصطلح حرّك نظريات المؤامرة باتجاهات مختلفة، كونها تتزامن مع الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بعد الخطوة الإماراتية. بيد أن الكاظمي، الذي كان قد أعلن رفضه «سياسة المحاور» يتعيّن عليه خلال الفترة المقبلة خوض جولة صعبة من المفاوضات مع الكتل السياسية حول صياغة مصطلحه الجديد، وكيفية تسويقه، وهذا في ظل الوضع الراهن الذي يمر به العراق. وللتذكير، حكومة الكاظمي «انتقالية» مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابّات المبكرة.
مع ذلك، ثمة مَن يرى أن هذا المشروع يمكن أن يكون دعامة تعزز مفهومي الأمن والسيادة معاً. وهنا يعلق الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني، في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «العراق يتوجه نحو مصر والأردن لبناء محوَر بديل في المنطقة، يتوازى مع مصالح العراق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً عبر ‏مبادرة المشرق الجديد، وهو ما طرحه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في لقائه بصحيفة (واشنطن بوست)». وتابع: «الفكرة جديدة، ومحور في المنطقة يقوم على التعاون الاقتصادي والسياسي من العراق والأردن ومصر، محور فاعل. ونحن نحتاج الآن إلى محور اقتصادي - سياسي لتفكيك تحديات كثيرة في البنى التحتية».
ومن جهته، يرى الدكتور فاضل البدراني، أستاذ الإعلام الدولي، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارة تُعدّ خطوة لدعم حكومة الكاظمي في وجه المعارضين له من اتباع إيران، ولدعم ترمب في الحملة الانتخابية. ولقد جرى إحياء الحوار بإحياء اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا عام 2008». ويضيف البدراني: «على ما يبدو، أرادت واشنطن جرّ العراق إليها وربطه معها ومع حلفائها في المنطقة. وهذا يرمي في النهاية إلى تطويق إيران وعزلها عن العراق».
أما الدكتور إحسان الشمّري، أستاذ العلوم السياسية ورئيس «مركز التفكير السياسي في العراق»، فقال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «زيارة الكاظمي للعواصم الثلاث تمثل زيارة توازن في علاقات العراق الخارجية وتوجهات الكاظمي. فهو يريد أن يوجه رسائل إلى هذه العواصم الثلاث بأن العراق يقف على مسافة واحدة ويمتلك علاقات متوازنة معها». وأضاف أن «الكاظمي سيدفع حسب طبيعة نوع العلاقة مع هذه الدول بملفات مشتركة، لكن يبقى الملف الأبرز الذي سيُطرح عراقياً هو أنه ينبغي أن يكون هناك تفهم لحساسية العراق ووضعه الداخلي، وإمكانية أن يكون هناك نأي بالعراق عن ساحة الصراع الأميركي - الإيراني”. وبيّن الشمّري أن «العراق يحاول فرض المزيد من الاستقرار الداخلي، ومحاولة تحييد هذا الصراع بين واشنطن وطهران عن الداخل العراقي». وأوضح أن «الكاظمي خلال هذه الزيارة يقدم نفسه كوسيط ناجح يمكن أن يلعب دوراً أكثر من ناقل الرسائل، لا سيما أنه يمتلك علاقات إيجابية»، مع عدد من الأطراف الإقليمية.
وبشأن ما يمكن أن تسفر عنه الزيارة من نتائج، يقول الشمّري: «لكل دولة خاصية مختلفة سوف تنعكس على طبيعة النتائج التي ستترتب عليها، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى طبيعة الملفات التي تختلف من دولة إلى أخرى». وأوضح أن «الملف الأهم في واشنطن، مثلاً، هو اتفاقية الإطار الاستراتيجي، واستكمال الحوار بين بغداد وواشنطن، ووجود القوات الأميركية، وإمكانية الدعم الأميركي إلى العراق في مختلف المجالات. وفيما يرتبط مع السعودية فإن التركيز على الجانب الاقتصادي، خصوصاً أن الرياض تعد مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، وبالتالي أتوقع إنه سيخرج باتفاقات مهمة مع المملكة في مختلف الميادين والمجالات، وبالأخص، في ظل انفتاح السعودية على حكومة الكاظمي». وحول النتائج المرتقبة من زيارة المبرمجة إلى إيران يقول الشمّري إن «الكاظمي سيركز على قضية رسائل التطمين. إذ يحاول الكاظمي أن يعطي رسالة لإيران بأنه ليس أميركياً... بل سيقف في المنتصف، وربما يذهب إلى أكثر من ذلك... باتجاه محاولة التهدئة في الداخل العراقي مع تقديم الضمانات الممكنة بشأن ذلك».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.