العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

الحلفاء والخصوم والشركاء يعيدون النظر في حساباتهم

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي
TT

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

العراق على إيقاع خطوات الكاظمي

خلال أسبوع واحد، عقد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي «قمة»، وُصفت بالناجحة، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين «الشريكين»، وفق العرف العراقي، و«الحليفين»، بالمصطلح الأميركي. ومع أن المباحثات تناولت أطر الحوار الاستراتيجي الذي بدأت جولته الثانية، وهو ما يعوِّل عليه الجانبان في رسم ملامح العلاقة المستقبلية بينهما، فإن أطرافاً أخرى - سواء في الداخل من خصوم الكاظمي أو في المنطقة، ولا سيما إيران - لا تنظر بعين الرضا عن هذا الحوار.
خصوم الكاظمي في الداخل ممن كانوا يمطرون «المنطقة الخضراء» والتاجي والمطار بصواريخ «الكاتيوشا» توقفوا عن إطلاق هذه الصواريخ أثناء زيارة الكاظمي إلى واشنطن وبعدها، من دون معرفة الأسباب. وبينما كان الكاظمي يحزم حقائبه للعودة إلى بغداد طلب منه الديمقراطيون، خصوم الجمهوريين في «الكونغرس» الأميركي، تمديد زيارته يوماً واحداً. وحقاً، التقى رئيس الوزراء العراقي رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وإن لم يسمع منها كلاماً يختلف في الإطار العام عما سمعه من خصمها اللدود دونالد ترمب.
في الرحلة من واشنطن إلى بغداد، عاد مصطفى الكاظمي مطمئناً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية «دولة مؤسسات». وبالتالي، لن تتأثر كثيراً بتغيير الإدارة... جمهورية كانت أم ديمقراطية في الملفات الاستراتيجية. وفي أسبوع الزيارة نفسه، وبينما كانت طائرة الكاظمي فوق المحيط الأطلسي سلم الأميركيون معسكر التاجي حيث يتمركزون في جزء من تلك القاعدة إلى العراقيين، كجزء من إثبات حسن النية بشأن جدوَلة الانسحاب الأميركي من العراق، على مدى 3 سنوات، التي بحثها مع ترمب.
- معاناة البصرة
ولكن، قبل أن تحط الطائرة في مطار بغداد من رحلتها الطويلة، كانت البصرة كبرى مدن الجنوب العراقي تحترق، وكانت الطبيبة الشابة رهام يعقوب قد قتلت. من مطار بغداد حيث حطت الطائرة الآتية من واشنطن. لم يتغير شيء سوى أعضاء الوفد المرافق للكاظمي. فالوفد العائد من واشنطن توجّه إلى بغداد، بينما كان وفد آخر ينتظر عند باب الطائرة يضم وزير الداخلية ومستشار جهاز الأمن الوطني ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، من أجل مهمة أخرى لن تستغرق هذه المرة سوى 45 دقيقة، بينما استغرقت الرحلة من واشنطن إلى بغداد 12 ساعة. كانت هذه الرحلة إلى البصرة التي وصل إليها الكاظمي متعهداً بتحقيق الأمن والعدالة معاً.
- القمة الثلاثية في عمّان
في الأسبوع نفسه، كان على الكاظمي أن يحزم حقائبه مرة أخرى، لكن للمشاركة في قمة لفتت الأنظار بقوة هي «قمة عمّان»، في العاصمة الأردنية، التي جمعته مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. أما الهدف فهو ما أطلق عليه رئيس الوزراء العراقي مشروع «المشرق الجديد». وبالتزامن، أعلنت إيران عزمها إجراء «حوار استراتيجي» مع العراق. لا أحد يعرف طبيعة هذه الخطوة الإيرانية، وما المقصود بهذا الحوار الاستراتيجي، وما إذا كان على غرار الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. بين كل هذا وذاك وعلى مدى الأسبوع الحاسم المكلل بالقمم واللقاءات والزيارات والتحولات، بقيت جبهة الصواريخ هادئة.
- هدنة «الكاتيوشا»
في أي حال، رغم البيان الشديد اللهجة الذي أصدرته الفصائل المسلحة بشأن النتائج التي انتهت إليها زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، كانت المفارقة اللافتة أن الفصائل التي كانت أعلنت في بيان لها أنها «سترفع مستوى المواجهة مع الأميركيين في العراق» توقفت عن إطلاق الكاتيوشا، وهو ما جعل عملية تسليم الأميركيين لقاعدة التاجي (شمال بغداد) وإنسحابهم الذي أخذ صيغة إعادة الانتشار عملية هادئة تماماً.
بشأن عملية إعادة الإنتشار يقول الخبير الاستراتيجي العراقي الدكتور معتز محيي الدين، رئيس المركز الجمهوري للدراسات السياسية والمتخصص بالشؤون الأمنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربط موضوع انسحاب القوات الأميركية من العراق بموضوع آخر، حين قال إن الحكومة العراقية تصبح قادرة على حماية أمنها الداخلي. وحدد الإعداد لذلك على ضوء هذه الحالة، التي تُعتبر حالةً غير طبيعية في الوقت الحاضر، فضلاً عن وجود (داعش) وما يشكله من مخاطر». وأضاف أن «ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو حين التقيا الكاظمي كانت رؤيتهم متطابقة في موضوع الانسحاب الأميركي، وقد تم تحديده بتوقيتات، حسب رأي الخبراء الأمنيين بقدرة العراق وقدرة الأطراف السنّية التي تطالب بإبقاء الوجود الأميركي لحماية أمن مناطقها حالياً». وأردف أن «أكثر من طرف سياسي أوصل رسالة للجانب الأميركي بضرورة بقائهم؛ لأنهم لا يستطيعون توفير الحماية لمناطقهم بأنفسهم في ضوء قدرة الفصائل المقرّبة من إيران على ضرب وزعزعة المدن السنّية». ثم أوضح الأمور في ضوء هذه الرؤى فإننا حيال وضع جديد، إذ إن الأميركيين يحاولون حالياً إعادة الانتشار مرة ثانية، وهو ما يعني أن القوات الأميركية تناور هنا وهناك، حسب حاجة القوات العراقية في التدريب والتأهيل وإدارة هذه القوات في مرحلة لاحقة طبقاً للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن انسحابهم من التاجي، وقبل شهر من موقع آخر، هو بسماية، يدل أن القوات الأميركية تأخذ أسلوب المناورة والتكتيك بوضع خطط جديدة في هذا المجال.
لكن الفصائل الرافضة أعلنت، في بيانها الذي حمل اسم «فصائل المقاومة الإسلامية»، وهي المصنّفة بقربها من إيران، أنها كانت تنتظر النتائج، مثلما وعد الكاظمي قبيل زيارته بشأن جدولة الانسحاب الأميركي من العراق. وبيّنت أنها كانت تتوقع أن «يجعل على رأس أولوياته تنفيذ قرار الشعب العراقي الذي خرج بتظاهرات مليونية. واتخذ قراره بأن وجود الاحتلال الأميركي وخرابه ودماره وتمويله للإرهاب وصناعة الأزمات، وخلق الفوضى، ليعيث في اقتصاد العراق وأرضه فساداً وينهب خيراته (حسب البيان)، يجب أن ينتهي». وأضاف البيان أن المفاجأة كانت أن «زيارة رئيس الوزراء لم تتضمن تنفيذ قرار إخراج القوات المحتلة الأميركية بشكل كامل، ونعد ذلك التفافاً على سيادة العراق». وعليه، حذّرت هذه الفصائل من أن «عودة رئيس الوزراء من غير تحقيق قرار الشعب والبرلمان والحكومة، وما قطعه من وعد على نفسه بإنهاء الاحتلال» سيجعلها تنتقل «من مرحلة العمل المقاوم التدريجي السابق، ومنح فرصة للحوار السياسي إلى مرحلة التصعيد واستهداف كل المصالح الأميركية».
- تأسيس جديد للعلاقات
إيقاع عمل مصطفى الكاظمي المتسارع - بالقياس إلى أسلافه رؤساء الحكومات السابقة في العراق - جعلت الحلفاء والخصوم، وبينهم الشركاء يعيدون النظر بحساباتهم حيال هذه الخطوات، بما في ذلك إعلانه موعداً مبكراً للانتخابات لم تكن تتوقعه القوى السياسية... سواء تلك التي تحمّست لمجيئه إلى السلطة أو التي وجدت نفسها مرغَمة على القبول به. ومع أن الكاظمي رمى الكرة في ملعب القوى السياسية التي لم تتمكن بعد من حسم قانون الانتخابات الجديد، فإنه أخذ على عاتقه صياغة توجهات السياسة الخارجية للعراق على أسس جديدة. فمن لقاءات مكثفة ومثمرة في البيت الأبيض، انتقل فور عودته إلى بغداد إلى الأردن لحضور القمة الثلاثية مع الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي طارحاً مشروع «المشرق الجديد»، الذي بدأ يثير مخاوف القوى السياسية التي جاءت به إلى السلطة، وعلى رأسها الكتل الشيعية.
وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الخارجية للعراق، وبالذات زيارة الكاظمي إلى واشنطن، يقول الدكتور ظافر العاني، عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط» إنه «بغضّ النظر عن التهويل غير المبرّر في نتائج زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، أو التهوين المقصود من إنجازاتها، فإن هذه الزيارة تبقى بداية ناجحة بكل المقاييس». وأضاف أن «اكتمال نتائجها يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على إجراء إصلاحات فعالة، ومن دون توقف، لكسب ثقة المجتمع الدولي من جهة، ودعم العراقيين لها من جهة أخرى».
ومن جهته، يرى الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد لـ«الشرق الأوسط» أن «الملف العراقي مهم على صعيد الانتخابات الأميركية التي باتت على الأبواب، خصوصاً أن زيارة الكاظمي جاءت في وقت حساس على صعيد الصراعات الإقليمية الحالية. وبالتالي، فإن ترمب سيسعى إلى استثمار هذه الزيارة، لا سيما بعد حسم الديمقراطيين ترشيح جو بايدن رسمياً للانتخابات الرئاسية». أيضاً يرى الدكتور عبد الإله إن «اختلاف الأولويات والمفاهيم هو الذي يهيمن على الزيارة، سواءً لجهة عدم حسم توصيف العراق أميركياً الآن لجهة كونه صديقاً أم حليفاً أم شريكاً حتى يمكن البناء عليه. والأمر نفسه في بغداد، حيث كل طرف يريد للكاظمي أن يحقق ما يريده هو لا ما يفرضه سياق العلاقات الدولية وجو المفاوضات. وتابع: «هناك أطراف عراقية طالبت الكاظمي بضمانات على صعيد إخراج القوات الأميركية من العراق، بينما أميركا تتحدث عن محاربة داعش». وبشأن أولويات الكاظمي، يقول عبد الإله إن «الكاظمي يسعى إلى الاتفاقيات الثنائية عبر تفعيل بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين لجهة الاقتصاد والطاقة والنفط والاستثمار والكهرباء والمساعدات، ومجمل أبعاد الدعم الذي يحتاج إليه الآن لحكومته». ويضيف أن «توقيع اتفاقية مع شركة أميركية كبرى على صعيد الكهرباء بأكثر من مليار دولار إنما هو مفتاح عودة الشركات الأميركية إلى العراق».
إلى ذلك أكد فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الإستشاري العراقي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن يبقى هو المحور الأهم في هذه الزيارة، رغم أهمية الجوانب الأخرى في جو المباحثات، مثل النفط والاقتصاد وجائحة (كورونا)، وبخاصة أن هذه الزيارة تأتي من أجل استكمال الجولة الثانية من هذا الحوار الذي بدأت جولته الأولى في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والذي يراهن على مخرجاته كثيرون داخل العراق».
وبحسب علاء الدين، فإن «الولايات المتحدة الأميركية شددت كثيراً على الحوار الاستراتيجي، لجهة كون الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة لمواجهة تحدياتها المالية والاقتصادية المستمرة، فضلاً عن المساعدة في محاربة تنظيم داعش». ولفت إلى أن «هذا الدعم لن يأتي من دون شروط، لا سيما بعد قرار إخراج القوات الأميركية من العراق الذي أصدره البرلمان العراقي أوائل هذا العام».
ويرى علاء الدين أن «الكاظمي يخضع في كل حواراته في واشنطن تحت ضغط سياسي هائل من قوى الداخل العراقي الرافضة للعلاقة مع الولايات المتحدة». وبشأن الرؤية التي تحكم سياق العلاقة بين الجانبين، يعتقد علاء الدين أنه «رغم المصلحة المشتركة التي تحققها المشاركة في الحوار، يتضح وجود فجوة بين المطالب والتوقّعات الأميركية والعراقية... مع أن الجهتين تحافظان على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى صفقة يتفق عليها الطرفان». ويمضي علاء الدين قائلاً إنه «رغم أن الأميركيين يركزون باستمرار على أن هدفهم هو تحقيق شراكة ثنائية دائمة ومستدامة سياسياً مع العراق، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل هذه الرؤية؛ إذ تتجاوز المطالب الأميركية هذه النقاط العامة، وتشمل شروطاً محددة قد تجد الحكومة العراقية صعوبة في الوفاء بها».
- قمة «المشرق الجديد»... معانيها وأبعادها
> «قمة عمّان» الأخيرة جاءت امتداداً لقمتين سابقتين بين العراق ومصر والأردن على عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، وبالتالي، لا جديد فيها من هذه الزاوية. إلا أن المصطلح الجديد الذي صاغه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وهو «المشرق الجديد» بدا جديداً، بل ومفاجئاً لكل قادة العملية السياسية في العراق.
الخوف من المصطلح حرّك نظريات المؤامرة باتجاهات مختلفة، كونها تتزامن مع الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بعد الخطوة الإماراتية. بيد أن الكاظمي، الذي كان قد أعلن رفضه «سياسة المحاور» يتعيّن عليه خلال الفترة المقبلة خوض جولة صعبة من المفاوضات مع الكتل السياسية حول صياغة مصطلحه الجديد، وكيفية تسويقه، وهذا في ظل الوضع الراهن الذي يمر به العراق. وللتذكير، حكومة الكاظمي «انتقالية» مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابّات المبكرة.
مع ذلك، ثمة مَن يرى أن هذا المشروع يمكن أن يكون دعامة تعزز مفهومي الأمن والسيادة معاً. وهنا يعلق الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني، في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «العراق يتوجه نحو مصر والأردن لبناء محوَر بديل في المنطقة، يتوازى مع مصالح العراق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً عبر ‏مبادرة المشرق الجديد، وهو ما طرحه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في لقائه بصحيفة (واشنطن بوست)». وتابع: «الفكرة جديدة، ومحور في المنطقة يقوم على التعاون الاقتصادي والسياسي من العراق والأردن ومصر، محور فاعل. ونحن نحتاج الآن إلى محور اقتصادي - سياسي لتفكيك تحديات كثيرة في البنى التحتية».
ومن جهته، يرى الدكتور فاضل البدراني، أستاذ الإعلام الدولي، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارة تُعدّ خطوة لدعم حكومة الكاظمي في وجه المعارضين له من اتباع إيران، ولدعم ترمب في الحملة الانتخابية. ولقد جرى إحياء الحوار بإحياء اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا عام 2008». ويضيف البدراني: «على ما يبدو، أرادت واشنطن جرّ العراق إليها وربطه معها ومع حلفائها في المنطقة. وهذا يرمي في النهاية إلى تطويق إيران وعزلها عن العراق».
أما الدكتور إحسان الشمّري، أستاذ العلوم السياسية ورئيس «مركز التفكير السياسي في العراق»، فقال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «زيارة الكاظمي للعواصم الثلاث تمثل زيارة توازن في علاقات العراق الخارجية وتوجهات الكاظمي. فهو يريد أن يوجه رسائل إلى هذه العواصم الثلاث بأن العراق يقف على مسافة واحدة ويمتلك علاقات متوازنة معها». وأضاف أن «الكاظمي سيدفع حسب طبيعة نوع العلاقة مع هذه الدول بملفات مشتركة، لكن يبقى الملف الأبرز الذي سيُطرح عراقياً هو أنه ينبغي أن يكون هناك تفهم لحساسية العراق ووضعه الداخلي، وإمكانية أن يكون هناك نأي بالعراق عن ساحة الصراع الأميركي - الإيراني”. وبيّن الشمّري أن «العراق يحاول فرض المزيد من الاستقرار الداخلي، ومحاولة تحييد هذا الصراع بين واشنطن وطهران عن الداخل العراقي». وأوضح أن «الكاظمي خلال هذه الزيارة يقدم نفسه كوسيط ناجح يمكن أن يلعب دوراً أكثر من ناقل الرسائل، لا سيما أنه يمتلك علاقات إيجابية»، مع عدد من الأطراف الإقليمية.
وبشأن ما يمكن أن تسفر عنه الزيارة من نتائج، يقول الشمّري: «لكل دولة خاصية مختلفة سوف تنعكس على طبيعة النتائج التي ستترتب عليها، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى طبيعة الملفات التي تختلف من دولة إلى أخرى». وأوضح أن «الملف الأهم في واشنطن، مثلاً، هو اتفاقية الإطار الاستراتيجي، واستكمال الحوار بين بغداد وواشنطن، ووجود القوات الأميركية، وإمكانية الدعم الأميركي إلى العراق في مختلف المجالات. وفيما يرتبط مع السعودية فإن التركيز على الجانب الاقتصادي، خصوصاً أن الرياض تعد مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، وبالتالي أتوقع إنه سيخرج باتفاقات مهمة مع المملكة في مختلف الميادين والمجالات، وبالأخص، في ظل انفتاح السعودية على حكومة الكاظمي». وحول النتائج المرتقبة من زيارة المبرمجة إلى إيران يقول الشمّري إن «الكاظمي سيركز على قضية رسائل التطمين. إذ يحاول الكاظمي أن يعطي رسالة لإيران بأنه ليس أميركياً... بل سيقف في المنتصف، وربما يذهب إلى أكثر من ذلك... باتجاه محاولة التهدئة في الداخل العراقي مع تقديم الضمانات الممكنة بشأن ذلك».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟