صلاح أبو سيف يروي مذكراته بعد ربع قرن من رحيله

نقل الصورة السينمائية من ترف القصور إلى بساطة الحياة الشعبية

صلاح أبو سيف يروي مذكراته بعد ربع قرن من رحيله
TT

صلاح أبو سيف يروي مذكراته بعد ربع قرن من رحيله

صلاح أبو سيف يروي مذكراته بعد ربع قرن من رحيله

بعد ربع قرن من رحيله في 22 يوليو (تموز) 1996 عن 81 عاماً، تخرج مذكرات المخرج صلاح أبو سيف المُلقب برائد الواقعية في السينما المصرية إلى النور، التي سجلها على مدار لقاءات عدة معه الكاتب الصحافي عادل حمودة.
تقع المذكرات في 260 صفحة، وصدرت عن دار «ريشة» للنشر بالقاهرة، وتلقي الضوء على جوانب مستترة مهمة في حياة مخرج عبقري قدم عشرات الأفلام، أصبح بعضها علامة في تاريخ السينما في مصر، منها «الزوجة الثانية»، و«شباب امرأة»، و«أنا حرة»، و«القاهرة 30»، و«بداية ونهاية»، و«بين السماء والأرض»، ونقل الصورة السينمائية من حياة القصور المترفة إلى بساطة الحارة الشعبية.
المذكرات تأخر نشرها ما يقرب من ربع قرن بسبب فقدان عادل حمودة لمسودتها الأصلية، حتى عثر عليها لاحقاً، لافتاً في مقدمتها إلى أن أغلب المشاهير في عالمنا العربي يخشون كشف أسرارهم ومحاسبتهم بأثر رجعي، كما يخشون السفر دخل نفوسهم، ويكتفون بالسفر داخل نفوسنا، مؤكداً أن «من يملك الجرأة على مخالفة ذلك يتصور أننا سنسقطه من عيوننا، وهو خطأ شائع». وحول تقييمه لمدى صراحة صلاح أبو سيف في تلك المذكرات، يوضح عادل حمودة أنه للإنصاف كان «صريحاً بسيطاً، كما لو كان يتحدث إلى نفسه بصوت مرتفع، وكان ما قاله أقرب إلى المونولوج لا إلى الحوار، أقرب إلى الاعتراف لا إلى المناقشة».

فقر وحرمان
ترصد المذكرات العديد من الملامح حول طفولة صاحبها، فقد عاش يعاني من جحود الأب الذي كان ثرياً ومزواجاً يملك العديد من الأفدنة الزراعية، ومع ذلك تنكر لابنه، ولم يره مرة واحدة، أو ينفق عليه قرشاً، لأن والدته تلك المرأة الشابة الجميلة صممت أن تعيش في حي بولاق الشعبي بالقاهرة، ولا تنتقل إلى محافظة بني سويف بصعيد مصر، لتكون مجرد رقم جديد في «امبراطورية الحريم» التي بناها الأب الذي كان يغير زوجاته، كما يغير ملابسه، فعاقبها الزوج بالطلاق والإهمال، وحين حصلت على حكم قضائي يلزمه بالإنفاق عليها، استطاع بنفوذه كعمدة قرية وإقطاعي صغير أن يتهرب من تنفيذ الحكم، وهكذا عاش المخرج طفولة عنوانها الفقر والحرمان. ويتوقف صاحب المذكرات عند خاله ناظر المدرسة الشاب الذي تولى الإشراف على تربيته وتعليمه، وكان مثقفاً يهوى القراءة والفن، ويشتغل بالسياسة وكانت ميوله ثورية، يعقد الاجتماعات ويوزع المنشورات المنددة بالاحتلال الإنجليزي للبلاد، وينظم خلايا سرية. ويحكي أنه ذات يوم اقتحم البوليس السياسي منزل العائلة، وقام بتفتيشه بحثاً عن المنشورات، ولكن قبل دخولهم الشقة نجحت خالته في إخفاء المنشورات في سلة الخبز، فلم يعثروا عليها، ولو أنهم نظروا في وجه الطفل الصغير «صلاح» لعرفوا مكانها فقد كانت عيناه ترتكز على السلة. ومع أنهم لم يجدوا منشورات، فإنهم لم يتركوا خاله وأخذوه معهم بعد أن وضعوا الحديد في يديه.
ويحكي أيضاً عن الحارة الشعبية التي نشأ بها، ومن معالمها «الحانوتي» الذي كان لا بد أن يكون خفيف الظل حتى لا ينفر منه الناس، وكان ابن الحانوتي زميلاً له، وابن البقال أيضاً، ويتذكر أن البقال كانوا يسمونه «خضرة»، ويعاملونه كطفلة خوفاً من الحسد، لأن كل إخوته الذكور سبق وأن ماتوا صغاراً.

الحارة الشعبية
يقول أبو سيف إن الحارة بكل تفاصيله كانت عالمه الخاص الذي فرض نفسه على أفلامه عندما أصبح مخرجاً، فلا يوجد فيلم من أفلامه لا يحتوي على تفاصيل هذا العالم الشعبي العجيب الغريب.
ويشرح أبو سيف كيف تحولت طفولته إلى مخزن خبرات وذكريات أفادته في صناعة الأفلام قائلاً: «قدمت على الشاشة الدنيا التي عرفتها لم أكذب، ولم أفتعل ما لا أعرفه، وربما كان ذلك سر انفعال وحماس الجمهور لأفلامي». ويضيف أن أمه كانت «هي المسؤولة عن كل شيء وصاحبة القرار الأول والأخير، فهي الأب والأم معاً، ومن ثم لا تجاوز ولا تدليل، والعقاب لا بد منه مهما كان حجم الذنب صغيراً». ولا جدال أن السبب هي رغبة الأم الدفينة أن تثبت للأب أنها كانت على حق، أو أن اختيارها كان صائباً.
يحكي أبو سيف أيضاً عن بيته الذي نشأ فيه، مشيراً إلى أنه كان على الطراز المملوكي، مدخله من الرخام، ونوافذه مغطاة بمشربيات على شكل نصف دائرة محفورة بالزخرفة الإسلامية أو الأرابيسك، ولعل ذلك ما جعل الكثير من شخصيات أفلامه تخرج من وسط تسيطر عليه الروحانيات والمعتقدات الإسلامية. ويرى حمودة أنها ملاحظة فاتت الكثير من النقاد الذين اهتموا أكثر بالصراع الاجتماعي في أفلامه وفاتهم البعد الروحاني.

سحر السينما
يروي أبو سيف عن طفولته مع السينما، قائلاً إنه ذات يوم وهو يتسكع في شوارع القاهرة وقف أمام شباك التذاكر لدار سينما عليها زحام بحي عابدين، يسأل عن سعر التذكرة، وعرف أنه قرش صاغ، أي مصروف يومين، فقد كان مصروفه اليومي نصف قرش، ومن ثم كان القرش ثروة كبيرة، ولكن لم يتردد في التضحية به. دخل السينما وفي هذا العرض شاهد فيلمين، أحدهما لشارلي شابلن، وكان اسمه «شارلي في البنك»، والآخر كان لممثل إيطالي قديم كان من نجوم السينما الصامتة هو إيلامو لنكولن، وكان أول من قدم دور طرزان على الشاشة.
خرج أبو سيف من السينما مفلساً، ليعود لبيته سيراً على الأقدام، ولكنه لم يشعر بطول المسافة فقد كان منتشياً مسحوراً لا يكاد يصدق ما رآه، ومن شدة انفعاله لم يستطع الكذب، فأخبر أمه وخاله بسر السينما، وتلقى عقاباً قاسياً، فقد ارتكب جريمتين معاً؛ التهرب من المدرسة ودخول السينما، وما كان منه إلا أن تحمل الضرب، ولكن بدون بكاء!

من باريس إلى أم كلثوم
عاش أبو سيف ميلاد استديو مصر، أول محاولة مصرية جادة لتوفير أدوات إنتاج محلية تساهم في نهضة السينما، وهو فكرة طلعت حرب أبو الاقتصاد المصري الحديث، كما شارك كمساعد مخرج في صناعة فيلم «العزيمة» من إخراج كمال سليم، الذي يعد بداية الواقعية في السينما المصرية. وكانت المرة الأولى في الفيلم التي تصور حارة مصرية نرى فيها على الشاشة الحلاق والحانوتي والجزار وبنت البلد والحياة الخلفية الخفية للقاهرة! وتكشف المذكرات عن سر مهم، حيث يروي أبو سيف أنه البطل الحقيقي لفيلم «شباب امرأة» الشهير الذي قامت ببطولته تحية كاريوكا وشكري سرحان، وفيه تقوم سيدة ناضجة تعاني الحرمان باستغلال شاب ساذج يبحث عن مكان للإيواء! يقول: «الفيلم تجربة حية عشتها في باريس، حين سافرت إليها شاباً في مقتبل العمر لأدرس المونتاج والإخراج. الطرف الآخر سيدة تمتلك فندقاً صغيراً، تجاوزت سن الشباب في حاجة إلى علاقة تعيد مصالحتها مع الحياة ومستعدة لأن تفعل أي شيء في سبيل ذلك».

ويشير صاحب المذكرات إلى موقف طريف جمعه بكوكب الشرق أم كلثوم، فقد كانت مطربة شهيرة عندما بدأت السينما تجري وراءها، أو بتعبير أدق وراء صوتها. كان أبو سيف مسؤولاً عن مونتاج فيلم تصوره في استديو مصر، وكانت حريصة على متابعة المونتاج كل يوم بعد الانتهاء من التصوير. ولم يكن يتصور مخرجنا أن هذه المتابعة جزء من وساوس ومخاوف أم كلثوم عند القيام بأي عمل فني، وتصور أن هذا الاهتمام موجه له شخصياً. ضاعف هذا الإحساس أنها كانت دائمة السؤال عنه، وسألت زملاء له عن أخلاقه ومرتبه، وكانت تحرص على إحضار الطعام له من بيتها، وكان من الطبيعي أن يقنعه غرور الشباب بأنها تحبه، بل تسعى للزواج منه!
لكن أبو سيف لم يبتعد عما في نيتها كثيراً، فهي كانت تريده أن يتزوج، ولكن ليس منها، بل من فتاة قريبة لها. وفيما بعد عرفت كوكب الشرق أنه مهتم بفتاة في قسم المونتاج، فاختفى الطعام، على حد تعبيره، وتراجع اهتمامها به حتى نهاية الفيلم!


مقالات ذات صلة

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».