عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

وثّق دخول «داعش» إلى مدينته وتابع تحريرها... وتنقل بين دمشق وإدلب ومسقط رأسه الرقّة

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»
TT

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عندما كان المصور الصحافي السوري عبّود حمام يدرس المرحلة الإعدادية، وبينما كان والداه يرسمان له مستقبلاً ليصبح محامياً أو موظفاً حكومياً؛ أهداه شقيقه الأكبر آلة تصوير فوتوغرافي (كاميرا) من ماركة «زينيت» الروسية.
آنذاك، لم يخطر في بال الفتى اليافع أنه سيصبح يوماً ما مصوّراً صحافياً بارعاً، يغطّي أسخن الجبهات العسكرية والأحداث التي تتالت على مسقط رأسه مدينة الرقّة، الواقعة أقصى شمال سوريا، وكذلك في العاصمة دمشق ومحافظة إدلب بأقصى شمال غرب البلاد.
في قريته الجرنية، شمال غربي الرقّة المطلة على ضفاف نهر الفرات وحقول القمح مترامية الأطراف، درس حمام سنوات تعليمه الأولى، وانتقل بعدها إلى مدينة الرقّة. وبعد إتمامه دراسة الثانوية العامة، قرر أن يدرس التصوير في جامعة دمشق. وحقاً، التحق بالمعهد العالي للتصوير، وبعد تخرّجه عمل في الوكالة السورية (الحكومية) للأنباء «سانا» مصوّراً صحافياً ومحرّر صور إلى بداية 2013.
عُرف عن حمام نشاطه في دمشق في مجال التصوير ونشر ثقافة الضوء. وشارك بالفعل في معارض كثيرة، وحصل على عدة جوائز، وكان عضواً في اتحاد الصحافيين السوريين. وبعدسة كاميرته غطّى ووثّق الحرب الأهلية الدائرة في بلده منذ قرابة عشر سنوات. وكان قد غطى الحرب العراقية وسافر إلى عاصمتها بغداد عام 2003 إبان فترة عمله مع وكالة «سانا». وعن عمله في الوكالة، يقول عبود حمام: «بحكم عملي وقتها كنت أصوّر المؤتمرات السياسية واللقاءات الرئاسية، وسافرت إلى العراق لتغطية الحرب هناك».

انشقاق... و«داعش»
غير أن مسيرة حياته تغيرت بعد ربيع 2011، حين اندلعت في سوريا انتفاضة احتجاجات مناهضة لنظام الحكم عمّت أرجاء البلاد، دعا المتظاهرون فيها إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد وأركان نظامه. وسرعان ما انضمّ إليها حمام وقرّر الانشقاق عن وكالة «سانا»، وهكذا عاد إلى الرقّة، مسقط رأسه، بنهاية 2013. وعن أسباب اتخاذه هذا القرار يشرح قائلاً: «كنت مع الثورة والحراك المعارض. في النهار كنت أعمل في وظيفتي، وفي المساء كنت أعمل في توثيق المظاهرات ورصدها وإرسال المقاطع والصور للنشر بالإعلام».
لكن حالة الخوف والرعب بقيت تلازم حمام طوال الوقت نظراً لطبيعة عمله في تصوير ورصد ما يجري على الأرض، ونشرها في المؤسسات الإعلامية. وهنا يستدرك فيقول: «آنذاك، أدركت أننا لا نملك حرية ونعيش في دولة يحكمها نظام أمني، فأصبحت أحسب كل شيء، خصوصاً بعد استدعائي من المخابرات الجوية ولقاء رئيسها اللواء جميل حسن».
في البدايات اتّبع عبود حمام سياسة الصمت في عمله وتنقلاته بين العاصمة دمشق الخاضعة للقبضة الحكومية، وريفها الذي خضع لسنوات للمعارضة المسلحة. كان يوثّق الانتهاكات والاعتقالات التي طالت المحتجين السلميين واستخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين. عن هذه الفترة يذكر: «كنت أرى أفكاري ضد النظام الأمني القاتل بمثابة متفجّرات ورصاصة قد تؤدي لقتلي، لأنني كنت أحملها ضمنياً وأخاف حتى من تدوينها أو البوح بها».
لكنّ حدثاً آخر كان بانتظاره. فيوم 29 من يونيو (حزيران) 2014، وبينما كان يتجول وسط السوق التجارية بمدينة الرقّة، دخل رتل من العربات العسكرية رافعة أعلاماً سوداء وحاملة مسلحين ملثمين تغطي وجوههم أقنعة سوداء.
ذلك اليوم شاهد المسلحين الملثمين يرفعون راية تنظيم «داعش» الإرهابي في مركز المدينة وساحتها العامة. وسارع الناس ومن بينهم عبود حمام إلى توجيه الأسئلة لهؤلاء المسلحين عما يحدث؛ ليجيبوا أنهم أعلنوا عن «خلافتهم» المزعومة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم. وبعد 7 أيام، تحديداً في 5 يوليو (تموز) من العام نفسه، ظهر أبو بكر البغدادي للمرة الأولى في تسجيل فيديو نشرته مواقع إلكترونية من جامع الموصل الكبير في العراق، ليعلن تنصيب نفسه خليفة وقيام دويلة «داعش» في كل من سوريا والعراق.
يستعيد المصوّر المحترف تلك الذكريات كأنها حدثٌ وقع قبل لحظات، فيقول: «كنت كحال معظم الموجودين في المدينة، نتساءل بحيرة واستغراب عما يحدث. شبّهت ما أراه بفانتازيا تاريخية». وفي اليوم التالي، طلب عناصر التنظيم منه تصوير عرض عسكري للاحتفال بنصره في الرقّة وتسليمهم نسخة، وفعلاً نُشرت النسخة لتتناقلها كبريات المؤسسات الإعلامية.
وعلى الرغم من المخاطرة الكبيرة بالبقاء في الرقّة، بقي عبود حمام في عمله حتى نهاية 2015، وهنا يشرح فيقول: «كان موقفي التمسك بوجودي في الرقّة كمواطن، لا كصحافي. أضف إلى ذلك، دفعني إلى البقاء، رغم خطورة تلك الحقبة، فضولي الصحافي وشغفي بالمهنة التي أحببت».

كل الصور مؤلمة وقاسية
بعدها، ابتعد حمام عن الشهرة الإعلامية وعمل باسم مستعار طوال سنوات وجوده في الرقّة وفيما بعد في إدلب.
اختار عبود حمام اسم «نور الفرات»، تيمناً بنهر الفرات، الذي يروي مدينته الرقة المتربعة على ضفتيه. وهو يرى اليوم أن الشهرة لها إيجابيات لكن سلبيتها تزيد من صعوبة العمل، على حد رأيه، إذ يقول: «إنها تزيد من صعوبة عملك، وبالذات تزداد الخطورة عليك. وهذا سيدفعك للتقليل من التحرك بالعمل أو مغادرة المكان. كنت مرتاحاً بقلة شهرتي، ولم أكن مهتماً بالظهور لقناعتي أن الظهور سيجبرني على مغادرة سوريا».
حمام يرى أن المراسل الصحافي والمصوّر الصحافي أخطر من المقاتل المسلح، ويعزو السبب إلى أن «سلاحهما الكلمة والصورة اللتان تبقيان في التاريخ أكثر تأثيراً وفاعلية من الرصاص. وأكبر دليل صور قيصر التي حرّكت المجتمع الدولي، بينما لم ينفع السلاح في حسم الأمور». وهو لا يزال يتمسك بسلمية الاحتجاجات، ويميل إلى معركة الكلمة والصورة لكسب الرأي العام نظراً «لأنها لا تريق الدماء أو تحدث دماراً وتترك الخراب والنزوح والتشرد».
بقي عبود يعمل بشكل مستقل وكانت تربطه علاقات طيبة مع شيوخ عرب بارزين وشخصيات مجتمعية من أبناء الرقّة، الأمر الذي دفع عناصر من «داعش» لإخباره بأن حياته في خطر. وعندها قرر بنهاية 2015 الفرار قاصداً مدينة إدلب، التي كانت خاضعة لتنظيم «جبهة النصرة» (الفرع السوري لتنظيم «القاعدة» المحظور دولياً). وعن تجربة العمل في إدلب وصفها حمام بـ«الحرب العالمية الصغرى» موضحاً: «هناك كل الجهات تتصارع، النظام والجيش الحر وجبهة النصرة وفيما بينها. وما زاد الوضع تعقيداً دخول دول كبرى وإقليمية تدعم أطرافاً متناقضة على الأرض. باختصار، باتت حلبة صراع».

تسجيل التحرير
إلا أنه بعد إعلان التحالف الدولي بقيادة واشنطن «معركة تحرير الرقّة» بنهاية 2016، قرر حمام العودة إلى مسقط رأسه وتغطية جبهات المعارك، حاملاً عتاده من كاميرا وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. وحقاً، تنقل من مكان إلى آخر عبر طرق صحراوية وعرة، ونقل صوراً ومقاطع من قلب المعركة المحفوفة بالمخاطر. لكنه تأثر كثيراً بحجم الدمار والخراب الذي حل بمدينته، معلّقاً: «انتهت العمليات العسكرية أكتوبر (تشرين الأول) 2017 وبقيت صامتاً في اليوم الأول، لم أشاهد غير الركام والحطام، وكنت أبكي كلما مررت بشارع أو التقطت صورة منزل هجره سكانه خوفاً على حياتهم».
ويتابع حمام، الشغوف بالتصوير الضوئي بالإضافة إلى عمله الصحافي: «بعد هذه السنوات من الحرب السورية، أنظر بإيجابية إلى كل شيء وصرت مهتماً بكل تفصيل لأي شخصية أصوّرها، وأحولها إلى وثيقة في صورة»، وهو لا يستبعد اليوم العودة إلى العمل باسم مستعار، حسب طبيعة العمل والمكان ودرجة الخطر المتصلة بالمتغيرات على الأرض السياسية منها والعسكرية، يقول: «كأنني ألبس خوذة ودرعاً واقية لحماية نفسي. إذ ينشر المصوّر الكثير من الصور من دون اسم عندما يدرك أن نشرها قد يجلب له الأذى أو معلومة أمنية تتسبب بالخطر على حياته». أما اليوم، وبعد 10 سنوات من التغطية الحربية؛ فقد غزا الشيب رأس عبود حمام ولحيته. وبسبب القتال وتبدل الجهات العسكرية وتنقلاته لم يتزوج، وإن كان ما زال يحلم بتكوين أسرة والزواج بشريكة أحلامه.
أما عن أصعب الصور التي التقطها، ولا يمكن أن ينساها، فروى: «كنت أصوّر عواقب ضربة جوية على الرقّة. بعدها قالوا لي إن ابن عمي كان أحد القتلى، ولدى عودتي من المكان راجعت كارت الذاكرة لأفاجأ بأن جثته كانت أمامي ولم أعرفه». ولقد بقيت صور الأشلاء وجثث الأطفال من أكثر المشاهد التي سيتذكرها بتأثر طوال حياته. واختتم عبود حمام حديثه بالقول: «أفكر وأتساءل كيف يقتل بعضنا بعضاً نحن السوريين... هذه تجاوزات لكل القيم الإنسانية، فالقتل والدمار والنزوح والتشرد صوّرتها على مدار سنوات. حقيقةً، كل الصور مؤلمة وقاسية».



كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟