عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

وثّق دخول «داعش» إلى مدينته وتابع تحريرها... وتنقل بين دمشق وإدلب ومسقط رأسه الرقّة

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»
TT

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عبّود حمام... مصوّر مناطق سورية «الساخنة»

عندما كان المصور الصحافي السوري عبّود حمام يدرس المرحلة الإعدادية، وبينما كان والداه يرسمان له مستقبلاً ليصبح محامياً أو موظفاً حكومياً؛ أهداه شقيقه الأكبر آلة تصوير فوتوغرافي (كاميرا) من ماركة «زينيت» الروسية.
آنذاك، لم يخطر في بال الفتى اليافع أنه سيصبح يوماً ما مصوّراً صحافياً بارعاً، يغطّي أسخن الجبهات العسكرية والأحداث التي تتالت على مسقط رأسه مدينة الرقّة، الواقعة أقصى شمال سوريا، وكذلك في العاصمة دمشق ومحافظة إدلب بأقصى شمال غرب البلاد.
في قريته الجرنية، شمال غربي الرقّة المطلة على ضفاف نهر الفرات وحقول القمح مترامية الأطراف، درس حمام سنوات تعليمه الأولى، وانتقل بعدها إلى مدينة الرقّة. وبعد إتمامه دراسة الثانوية العامة، قرر أن يدرس التصوير في جامعة دمشق. وحقاً، التحق بالمعهد العالي للتصوير، وبعد تخرّجه عمل في الوكالة السورية (الحكومية) للأنباء «سانا» مصوّراً صحافياً ومحرّر صور إلى بداية 2013.
عُرف عن حمام نشاطه في دمشق في مجال التصوير ونشر ثقافة الضوء. وشارك بالفعل في معارض كثيرة، وحصل على عدة جوائز، وكان عضواً في اتحاد الصحافيين السوريين. وبعدسة كاميرته غطّى ووثّق الحرب الأهلية الدائرة في بلده منذ قرابة عشر سنوات. وكان قد غطى الحرب العراقية وسافر إلى عاصمتها بغداد عام 2003 إبان فترة عمله مع وكالة «سانا». وعن عمله في الوكالة، يقول عبود حمام: «بحكم عملي وقتها كنت أصوّر المؤتمرات السياسية واللقاءات الرئاسية، وسافرت إلى العراق لتغطية الحرب هناك».

انشقاق... و«داعش»
غير أن مسيرة حياته تغيرت بعد ربيع 2011، حين اندلعت في سوريا انتفاضة احتجاجات مناهضة لنظام الحكم عمّت أرجاء البلاد، دعا المتظاهرون فيها إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد وأركان نظامه. وسرعان ما انضمّ إليها حمام وقرّر الانشقاق عن وكالة «سانا»، وهكذا عاد إلى الرقّة، مسقط رأسه، بنهاية 2013. وعن أسباب اتخاذه هذا القرار يشرح قائلاً: «كنت مع الثورة والحراك المعارض. في النهار كنت أعمل في وظيفتي، وفي المساء كنت أعمل في توثيق المظاهرات ورصدها وإرسال المقاطع والصور للنشر بالإعلام».
لكن حالة الخوف والرعب بقيت تلازم حمام طوال الوقت نظراً لطبيعة عمله في تصوير ورصد ما يجري على الأرض، ونشرها في المؤسسات الإعلامية. وهنا يستدرك فيقول: «آنذاك، أدركت أننا لا نملك حرية ونعيش في دولة يحكمها نظام أمني، فأصبحت أحسب كل شيء، خصوصاً بعد استدعائي من المخابرات الجوية ولقاء رئيسها اللواء جميل حسن».
في البدايات اتّبع عبود حمام سياسة الصمت في عمله وتنقلاته بين العاصمة دمشق الخاضعة للقبضة الحكومية، وريفها الذي خضع لسنوات للمعارضة المسلحة. كان يوثّق الانتهاكات والاعتقالات التي طالت المحتجين السلميين واستخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين. عن هذه الفترة يذكر: «كنت أرى أفكاري ضد النظام الأمني القاتل بمثابة متفجّرات ورصاصة قد تؤدي لقتلي، لأنني كنت أحملها ضمنياً وأخاف حتى من تدوينها أو البوح بها».
لكنّ حدثاً آخر كان بانتظاره. فيوم 29 من يونيو (حزيران) 2014، وبينما كان يتجول وسط السوق التجارية بمدينة الرقّة، دخل رتل من العربات العسكرية رافعة أعلاماً سوداء وحاملة مسلحين ملثمين تغطي وجوههم أقنعة سوداء.
ذلك اليوم شاهد المسلحين الملثمين يرفعون راية تنظيم «داعش» الإرهابي في مركز المدينة وساحتها العامة. وسارع الناس ومن بينهم عبود حمام إلى توجيه الأسئلة لهؤلاء المسلحين عما يحدث؛ ليجيبوا أنهم أعلنوا عن «خلافتهم» المزعومة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم. وبعد 7 أيام، تحديداً في 5 يوليو (تموز) من العام نفسه، ظهر أبو بكر البغدادي للمرة الأولى في تسجيل فيديو نشرته مواقع إلكترونية من جامع الموصل الكبير في العراق، ليعلن تنصيب نفسه خليفة وقيام دويلة «داعش» في كل من سوريا والعراق.
يستعيد المصوّر المحترف تلك الذكريات كأنها حدثٌ وقع قبل لحظات، فيقول: «كنت كحال معظم الموجودين في المدينة، نتساءل بحيرة واستغراب عما يحدث. شبّهت ما أراه بفانتازيا تاريخية». وفي اليوم التالي، طلب عناصر التنظيم منه تصوير عرض عسكري للاحتفال بنصره في الرقّة وتسليمهم نسخة، وفعلاً نُشرت النسخة لتتناقلها كبريات المؤسسات الإعلامية.
وعلى الرغم من المخاطرة الكبيرة بالبقاء في الرقّة، بقي عبود حمام في عمله حتى نهاية 2015، وهنا يشرح فيقول: «كان موقفي التمسك بوجودي في الرقّة كمواطن، لا كصحافي. أضف إلى ذلك، دفعني إلى البقاء، رغم خطورة تلك الحقبة، فضولي الصحافي وشغفي بالمهنة التي أحببت».

كل الصور مؤلمة وقاسية
بعدها، ابتعد حمام عن الشهرة الإعلامية وعمل باسم مستعار طوال سنوات وجوده في الرقّة وفيما بعد في إدلب.
اختار عبود حمام اسم «نور الفرات»، تيمناً بنهر الفرات، الذي يروي مدينته الرقة المتربعة على ضفتيه. وهو يرى اليوم أن الشهرة لها إيجابيات لكن سلبيتها تزيد من صعوبة العمل، على حد رأيه، إذ يقول: «إنها تزيد من صعوبة عملك، وبالذات تزداد الخطورة عليك. وهذا سيدفعك للتقليل من التحرك بالعمل أو مغادرة المكان. كنت مرتاحاً بقلة شهرتي، ولم أكن مهتماً بالظهور لقناعتي أن الظهور سيجبرني على مغادرة سوريا».
حمام يرى أن المراسل الصحافي والمصوّر الصحافي أخطر من المقاتل المسلح، ويعزو السبب إلى أن «سلاحهما الكلمة والصورة اللتان تبقيان في التاريخ أكثر تأثيراً وفاعلية من الرصاص. وأكبر دليل صور قيصر التي حرّكت المجتمع الدولي، بينما لم ينفع السلاح في حسم الأمور». وهو لا يزال يتمسك بسلمية الاحتجاجات، ويميل إلى معركة الكلمة والصورة لكسب الرأي العام نظراً «لأنها لا تريق الدماء أو تحدث دماراً وتترك الخراب والنزوح والتشرد».
بقي عبود يعمل بشكل مستقل وكانت تربطه علاقات طيبة مع شيوخ عرب بارزين وشخصيات مجتمعية من أبناء الرقّة، الأمر الذي دفع عناصر من «داعش» لإخباره بأن حياته في خطر. وعندها قرر بنهاية 2015 الفرار قاصداً مدينة إدلب، التي كانت خاضعة لتنظيم «جبهة النصرة» (الفرع السوري لتنظيم «القاعدة» المحظور دولياً). وعن تجربة العمل في إدلب وصفها حمام بـ«الحرب العالمية الصغرى» موضحاً: «هناك كل الجهات تتصارع، النظام والجيش الحر وجبهة النصرة وفيما بينها. وما زاد الوضع تعقيداً دخول دول كبرى وإقليمية تدعم أطرافاً متناقضة على الأرض. باختصار، باتت حلبة صراع».

تسجيل التحرير
إلا أنه بعد إعلان التحالف الدولي بقيادة واشنطن «معركة تحرير الرقّة» بنهاية 2016، قرر حمام العودة إلى مسقط رأسه وتغطية جبهات المعارك، حاملاً عتاده من كاميرا وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. وحقاً، تنقل من مكان إلى آخر عبر طرق صحراوية وعرة، ونقل صوراً ومقاطع من قلب المعركة المحفوفة بالمخاطر. لكنه تأثر كثيراً بحجم الدمار والخراب الذي حل بمدينته، معلّقاً: «انتهت العمليات العسكرية أكتوبر (تشرين الأول) 2017 وبقيت صامتاً في اليوم الأول، لم أشاهد غير الركام والحطام، وكنت أبكي كلما مررت بشارع أو التقطت صورة منزل هجره سكانه خوفاً على حياتهم».
ويتابع حمام، الشغوف بالتصوير الضوئي بالإضافة إلى عمله الصحافي: «بعد هذه السنوات من الحرب السورية، أنظر بإيجابية إلى كل شيء وصرت مهتماً بكل تفصيل لأي شخصية أصوّرها، وأحولها إلى وثيقة في صورة»، وهو لا يستبعد اليوم العودة إلى العمل باسم مستعار، حسب طبيعة العمل والمكان ودرجة الخطر المتصلة بالمتغيرات على الأرض السياسية منها والعسكرية، يقول: «كأنني ألبس خوذة ودرعاً واقية لحماية نفسي. إذ ينشر المصوّر الكثير من الصور من دون اسم عندما يدرك أن نشرها قد يجلب له الأذى أو معلومة أمنية تتسبب بالخطر على حياته». أما اليوم، وبعد 10 سنوات من التغطية الحربية؛ فقد غزا الشيب رأس عبود حمام ولحيته. وبسبب القتال وتبدل الجهات العسكرية وتنقلاته لم يتزوج، وإن كان ما زال يحلم بتكوين أسرة والزواج بشريكة أحلامه.
أما عن أصعب الصور التي التقطها، ولا يمكن أن ينساها، فروى: «كنت أصوّر عواقب ضربة جوية على الرقّة. بعدها قالوا لي إن ابن عمي كان أحد القتلى، ولدى عودتي من المكان راجعت كارت الذاكرة لأفاجأ بأن جثته كانت أمامي ولم أعرفه». ولقد بقيت صور الأشلاء وجثث الأطفال من أكثر المشاهد التي سيتذكرها بتأثر طوال حياته. واختتم عبود حمام حديثه بالقول: «أفكر وأتساءل كيف يقتل بعضنا بعضاً نحن السوريين... هذه تجاوزات لكل القيم الإنسانية، فالقتل والدمار والنزوح والتشرد صوّرتها على مدار سنوات. حقيقةً، كل الصور مؤلمة وقاسية».



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.