لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

بعدما بات في قلب المواجهة الأميركية ـ الإيرانية

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل
TT

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق، حيث من المفترض أن يحدد خياره مصيره ككل بعدما وصل إلى «نقطة اللا عودة» على المستويات كافة، سواءً على: الصعيد السياسي بعدما فقد قسم كبير من اللبنانيين الثقة بالطبقة الحاكمة منذ 30 سنة، وخرجوا في انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. أو الصعيد الاقتصادي - المالي، بعدما انهارت عملته الوطنية، وتراجعت الموجودات بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي إلى حدودها الدنيا، ما بات يهدد الانهيار المالي بوقف دعم القمح والوقود والدواء. أو على الصعيد الأمني بعد انفجار مرفأ بيروت من دون تحديد أسبابه المباشرة حتى الساعة، وربط الملف بعجز واضح من الدولة على ضبط مرافقها الشرعية وغير الشرعية على حد سواء.
نجح لبنان، بل على الأصح الدولة اللبنانية، في تخطي «مطب» حكم المحكمة الدولية الخاصة المولجة بالنظر في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري ورفاقه. وبعدما كانت المخاوف كبيرة من ردّات فعل سلبية في الشارع في أعقاب إدانة أحد عناصر «حزب الله» بارتكاب الجريمة، مرّ هذا التحدّي المفصلي «على خير». وحصل هذا الأمر في ظل ترقّب قسم كبير من اللبنانيين ما إذا كانت السلطات المحلية ستتحرك فتحاول إلقاء القبض على سليم عيّاش، الشخص الذي أدانته المحكمة، خصوصاً، أن «حزب الله» يصرّ على رفض التعليق على الحكم واعتبار أنه - أي الحزب - غير معني بالمحكمة ككل.
جدير بالذكر أن عيّاش، أدانته المحكمة وحيداً، في حين برّأت 3 عناصر آخرين تابعين للحزب لنقص الأدلة الكافية للإدانة. وفي حين تؤكد مصادر مطلعة على أجواء «حزب الله» أن تسليم عيّاش لا يمكن أن يحصل، بل ولا مجال للنقاش به، تتساءل المصادر ذاتها في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، حيال كيف يمكن تسليم عيّاش بينما الحزب أصلاً لم يعترف ولا يعترف بالمحكمة ولا بأحكامها؟

فجوتان في حكم المحكمة الدولية
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يتحدث الدكتور شفيق المصري، الاختصاصي في القانون الدولي والمرجع القانوني والدستوري اللبناني، عن «فجوتين أساسيتين في قرار المحكمة الدولية، أولهما عدم تحديد مسؤوليات القيادي في (حزب الله) مصطفى بدر الدين في الجريمة، حتى ولو كان قد أعلن عن اغتياله في وقت سابق. أما الفجوة الثانية فهي تبرئة المتهمين الثلاثة أسد صبرا وحسين عنيسي وحسن مرعي، مع العلم أن نص الحكم كان قد أشار إلى أدوار لهم في موضوع الاتصالات. وبالتالي، فمجرد الاشتراك في جزء من العملية، حتى وإن كانوا لا يعلمون بالهدف النهائي، يحمّلهم مسؤولية، ولو لم تكن على مستوى مسؤولية الطرف أو الشخص الذي نفّذها».
ويشّدد الدكتور المصري على «وجوب قراءة الحكم بكامل حيثياته وليس حصراً بالفقرات الحُكمية، لأنه بذلك يرد بوضوح أن هدف الجريمة كان سياسياً، ويخصّ سوريا، خاصة أنه ورد في متن الحكم أن قرار اغتيال الحريري اتخذ بعد حدثين: الحدث الأول (مؤتمر البريستول الثالث) الذي شارك فيه رفيق الحريري وتقرر خلاله وجوب إخراج سوريا من لبنان. أما الحدث الثاني فلقاء الحريري بوزير الخارجية السوري وليد المعلّم وما تخلله من شكاوى على الوضع السوري في لبنان». ويضيف المصري: «يتحدث البعض عن مآخذ على المحكمة كونها لم تذكر بوضوح مَن قرر تنفيذ عملية الاغتيال، إلا أن المحاكم الدولية لا تستطيع إصدار أحكام بحق مؤسسة أو دولة باعتبارها تختص بمقاضاة الأفراد»، معتبراً أن الإشارة الواضحة إلى سوريا في الحكم بمثابة إدانة لها.
من ناحية ثانية، وفيما يترقب لبنان العقوبة التي ستعلنها المحكمة بحق المتهم الوحيد سليم عيّاش في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، يبدو أن إلقاء القبض عليه غير متاح، باعتبار أنه ومنذ صدور القرار الاتهامي لم يكن هناك محاولات جدية من قبل السلطات المحلية لتوقيفه. وفي هذا الإطار يقول المصري إن الأمر منوط حالياً بالحكومة التي سيصار إلى تشكيلها، وما إذا كانت حقاً تريد أن تُظهر للرأي العام المحلي والدولي أنها تقوم بمساعٍ جدية في هذا المجال. ويتابع: «كما أن المحكمة قد تحيل الموضوع بعد الإعلان على العقوبة إلى الإنتربول (البوليس الدولي) ليقوم بتعقبه واعتقاله. وهناك سوابق في هذا المجال بحيث تم إلقاء القبض على مدان من قبل إحدى المحاكم الدولية من خلال الإنتربول».

المرفأ: تخوف من إسقاط المسؤوليات السياسية
على صعيد آخر، لئن كان لبنان قد تخطى إلى حد بعيد تداعيات حكم المحكمة الدولية، بعد مخاوف من فتنة سنية - شيعية، فهو لا شك لن يتخطى قريباً آثار وتداعيات انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) الحالي الذي ذهب ضحيته عشرات القتلى وآلاف الجرحى.
إذ تتواصل التحقيقات، التي لا تزال تكاد تكون محصورة بالمسؤولين الأمنيين في المرفأ وبإدارته المدنية. وهذا، في ظل إعلان أكثر من طرف سياسي أساسي في لبنان انعدام ثقته في أي تحقيق محلي، والمطالبة بتحقيق دولي لا تبدو طريقه معبّدة في ظل إعلان رئيس الجمهورية ميشال عون، وحليفه أمين عام «حزب الله»، السيد حسن نصر الله، عدم موافقتهما عليه.
ما يُذكر، أنه حتى الساعة أصدر فادي صوّان، المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، عدداً من مذكرات التوقيف الوجاهية، أبرزها بحق مدير عام الجمارك بدري ضاهر، ومدير استثمار المرفأ حسن قريطم. ولا يزال صوّان يركّز في تحقيقاته على جانب التقصير والإهمال الذي أدى إلى بقاء مادة «نيترات الأمونيوم» موضوعة طيلة 7 سنوات داخل العنبر رقم 12 إلى حين انفجارها. أما النظر في أسباب الانفجار، فيؤجله صوّان إلى حين تسلمه تقارير خبراء المتفجرات، خصوصاً الخبراء الفرنسيين وفريق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) اللذين يساعدان لجنة التحقيق اللبنانية.
في أي حال، يخشى كثيرون من حصر المسؤوليات بملف انفجار المرفأ بالمسؤولين الأمنيين، وألا تطال القضاة الذين كانوا على علم بالموضوع، وكذلك الوزراء المعنيين. وهنا يوضح العميد المتقاعد الدكتور محمد رمّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هناك «أكثر من جهاز أمني يتولى أمن المرفأ، إضافة لسلطة مدنية تقوم بإدارته، إلا أنه تبين أن هناك مراسلات بين الأمنيين والإدارة المدنية، كما السلطات القضائية، ما يستدعي التحقيق مع عدد من القضاة، وبخاصة قضاة الأمور المستعجلة، لأنه في نهاية المطاف فلا سلطة للأمنيين للتصرف بالموجودات في المرفأ. وهم لا يقومون بأي شيء في هذا المجال إلا بإشراف وبقرار من القضاء المختص». ومن ثم، يشير الدكتور رمّال إلى «الخشية من حصر المسؤوليات بإدارة المرفأ والأمنيين تجنباً لتوسيعها... فتطال السلطة السياسية والوزراء المعنيين، وهنا نتحدث عن وزراء الأشغال والنقل ووزراء المال. وعلى سبيل المثال، مع قرار توقيف مدير عام الجمارك يجب أن يكون هناك تحقيق فوري مع وزراء المال باعتبار المديرية العامة للجمارك تتبع في نهاية المطاف وزارة المال».
ولكن يبدو أن السلطة السياسية لن تتمكن من التهرب من مسؤولياتها في كارثة المرفأ، نتيجة الضغط الشعبي الكبير؛ إذ يُتوقع أن يدلي عدد من الوزراء بإفاداتهم على سبيل المعلومات أمام المحقق العدلي، على أن يُصار، في حال توافرت خلال التحقيق أدلة على ارتكاب أي منهم جرماً متلازماً للقضية، إلى تحويل الوزير المستجوَب إلى مُدَّعى عليه. أما إذا كان الجرم غير متلازم، فيحيل الأوراق إذ ذاك إلى النيابة العامة التمييزية للنظر بأمر الادعاء وإحالته إلى المرجع المختص.

الحكومة المقبلة مؤجلة حتى الانتخابات الأميركية؟
في هذه الأثناء، تجري التحقيقات في ملف مرفأ بيروت بغياب حكومة فاعلة قادرة على الضغط باتجاه تسريع الإجراءات والتدابير الواجب اتخاذها.
إذ إن الكارثة التي أطاحت بحكومة الدكتور حسان دياب وحوّلتها إلى «حكومة تصريف أعمال» لا يبدو أنها ستشكل حافزاً كافياً للقوى السياسية لترحيل خلافاتها والترفع عن مطالبها، وبالتالي، السير بخطى سريعة في عملية تشكيل حكومة تضغط القوى الدولية لتكون حيادية وتلتزم بالإصلاحات السياسية والاقتصادية.
وراهناً ترفض «قوى الثامن من آذار»، بقيادة «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«حركة أمل») وحليفها رئيس الجمهورية، السير بحكومة من المستقلين، وتصرّ في المقابل على «حكومة وحدة وطنية» من السياسيين. وهذا هو ما ترفضه قوى المعارضة، خصوصاً رئيس تيار «المستقبل» بزعامة الرئيس سعد الحريري، الذي يُعدّ المرشح الأوفر حظاً لتولي الدفة الحكومية. وهذا الوضع، يعني فعلياً أن عملية التشكيل لن تكون ميسّرة رغم كل ما جرى ويجري تداوله عن «طبخ» تسوية إقليمية - دولية ستمكّن من إنجاز التشكيلة الحكومية قبل الزيارة الثانية المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.
الدكتور سامي نادر، مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية» في بيروت، يبدو متشائماً بخصوص ولادة حكومية قريبة. إذ رجّح نادر خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «تواصل حكومة دياب (تصريف الأعمال)، أقله حتى موعد الانتخابات الأميركية المقبلة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل». ويعتبر نادر أن قرار تشكيل الحكومة «بات في ملعب إيران والولايات المتحدة الأميركية، فواشنطن تنتظر من طهران أن تأتي إلى طاولة المفاوضات للبت في كل الملفات العالقة ومن بينها الملف اللبناني، إلا أن الأخيرة لن تأتي إليها قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا سيما في ضوء استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع حظوظ الرئيس دونالد ترمب بعد تفشي جائحة (كوفيد - 19)».
ويلفت الدكتور نادر في تصريحه إلى أن ما يُحكى عن مبادرة فرنسية وعن تسوية إيرانية - فرنسية ستؤدي لولادة قريبة للحكومة أمر غير دقيق؛ إذ إن الطرف الأميركي هو الممسك بالملف اللبناني، في حين أن الدور الفرنسي مجرّد مُسهِّل ودور واسطة حصراً. ويشدد الخبير الاستراتيجي اللبناني على القول إنه لا إمكانية لنهوض لبنان إلا من خلال حكومة مستقلة عن الطبقة السياسية، تواكب الكارثة الإنسانية التي نتجت بعد انفجار المرفأ وعملية إعادة إعمار بيروت، وتنكبّ جديّاً على وقف الانهيار الاقتصادي وهو ما لا يمكن أن يحصل من دون مساعدة دولية، ونجاح المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي». ويختتم ملاحظاته بالقول: «أما حكومات الوحدة وطنية أو حكومة الخديعة، أي حكومات التكنوقراط التي تمسك بها المنظومة السياسية من الخلف، فلن يُكتب لها النجاح، وأصلاً يرفضها المجتمع الدولي».

الانهيار المالي يهدد فرص حصول اللبنانيين على القمح والدواء
> في خضم المجابهة الإيرانية - الأميركية وانصراف القوى السياسية الداخلية في لبنان إلى محاولة تحسين شروطها، يتواصل الانهيار المالي في البلاد... ولقد بلغ فعلاً مستويات غير مسبوقة مقابل ارتفاع جنوني في معدلات الفقر والبطالة.
الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان بشير في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن «أي فراغ في إحدى المؤسسات الدستورية، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تدهور الأوضاع، فكيف الحال إذا كانت المؤسسة التنفيذية هي التي تشهد الشلل وهي المسؤولة عن إدارة المفاوضات مع (صندوق النقد الدولي)؟!».
ويتابع أبو سليمان قائلاً: «لبنان اليوم بأمسّ الحاجة لنجاح هذه المفاوضات، وبأسرع وقت، من أجل وضع البلد على سكة الإصلاحات والنهوض وإعادة هيكلة الدين». ويلفت إلى أن «نجاح هذه المفاوضات لا يعني حصراً الحصول على دعم الصندوق البالغ نحو 8 مليارات دولار أميركي، وإنما يعني أيضاً فتح الأبواب أمام مؤسسات دولية أخرى قد تقدم الدعم أو القروض للدولة اللبنانية. وهذا، من دون أن ننسى أن الصندوق طرف ذو صدقية للسير في المفاوضات مع الدائنين بعدما تخلف لبنان عن سداد دينه الخارجي. وبناءً عليه، فإن تحوّل الحكومة إلى مجرد (حكومة تصريف أعمال) سيضع الدولة في حالة شلل تام، وكلما امتدت في الزمن، تكبدنا خسائر أكثر».
الخبير أبو سليمان يعتبر أنه رغم أهمية الإجراءات والقرارات التقنية «فإنها لم تعد ذات جدوى، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم سياسي جذري من شأنه أن يساعد على الإنقاذ، من خلال تأليف حكومة قادرة على ترميم الثقة مع الداخل ومع الخارج. للعلم هذا الخارج بات معنياً بالملف اللبناني بكل تفاصيله، ولا سيما في ظل ما يحكى عن عقوبات قد تطال بعض الشخصيات اللبنانية». ثم يستطرد: «لا يمكن للحكومة الجديدة أن تكون امتداداً للسياسات السابقة، خصوصاً إذا كان هناك من نية جدية لمخاطبة الخارج. وبالتالي فإن الحل السياسي هو انطلاقة الألف ميل».
وأخيراً، رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كان لبنان على موعد مع مزيد من الانهيار في سعر صرف الليرة، جزم أبو سليمان بذلك «ما دامت الإصلاحات لم تُقرّ، وما دام دخول الدولار إلى السوق اللبنانية مقنّناً، حيث صارت الاستثمارات الخارجية وكذلك تحويلات المغتربين شبه معدومة، في حين يعاني التصدير من إشكالات بنيوية، منها تعطيل المرفأ وامتناع الصناعيين عن إدخال دولاراتهم إلى السوق اللبنانية بسبب انعدام الثقة». ثم أردف قائلاً إنه «إذا لم تحصل إعادة نظر لميزان المدفوعات، فمن الطبيعي أن يتدهور سعر صرف الليرة. وهذا ما نلاحظه عبر بعض التلميحات والتسريبات التي تفيد بأن (مصرف لبنان) لن يستطيع الإبقاء على دعم المواد الأساسية، أي النفط والأدوية والقمح لأكثر من ثلاثة أشهر إضافية. وبالتالي ما لم يُتخذ أي قرار بشأن الأسر الأكثر فقراً في لبنان، فالخشية الحقيقية أن تزداد حالة الفقر بنسب ملحوظة قد تصل إلى أكثر من 70 في المائة... وكذلك سيرتفع التضخم بنسبة 50 في المائة كل شهر، وبالأخص أن هناك كثيرين من اللبنانيين الذين يستفيدون من الدعم الذي يؤمنه (مصرف لبنان)، ولا ننسى أن الاحتياطي بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان ينخفض بوتيرة سريعة جداً ومخيفة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.