لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

بعدما بات في قلب المواجهة الأميركية ـ الإيرانية

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل
TT

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

لبنان... سباق مفتوح مع الانهيار الشامل

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق، حيث من المفترض أن يحدد خياره مصيره ككل بعدما وصل إلى «نقطة اللا عودة» على المستويات كافة، سواءً على: الصعيد السياسي بعدما فقد قسم كبير من اللبنانيين الثقة بالطبقة الحاكمة منذ 30 سنة، وخرجوا في انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. أو الصعيد الاقتصادي - المالي، بعدما انهارت عملته الوطنية، وتراجعت الموجودات بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي إلى حدودها الدنيا، ما بات يهدد الانهيار المالي بوقف دعم القمح والوقود والدواء. أو على الصعيد الأمني بعد انفجار مرفأ بيروت من دون تحديد أسبابه المباشرة حتى الساعة، وربط الملف بعجز واضح من الدولة على ضبط مرافقها الشرعية وغير الشرعية على حد سواء.
نجح لبنان، بل على الأصح الدولة اللبنانية، في تخطي «مطب» حكم المحكمة الدولية الخاصة المولجة بالنظر في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري ورفاقه. وبعدما كانت المخاوف كبيرة من ردّات فعل سلبية في الشارع في أعقاب إدانة أحد عناصر «حزب الله» بارتكاب الجريمة، مرّ هذا التحدّي المفصلي «على خير». وحصل هذا الأمر في ظل ترقّب قسم كبير من اللبنانيين ما إذا كانت السلطات المحلية ستتحرك فتحاول إلقاء القبض على سليم عيّاش، الشخص الذي أدانته المحكمة، خصوصاً، أن «حزب الله» يصرّ على رفض التعليق على الحكم واعتبار أنه - أي الحزب - غير معني بالمحكمة ككل.
جدير بالذكر أن عيّاش، أدانته المحكمة وحيداً، في حين برّأت 3 عناصر آخرين تابعين للحزب لنقص الأدلة الكافية للإدانة. وفي حين تؤكد مصادر مطلعة على أجواء «حزب الله» أن تسليم عيّاش لا يمكن أن يحصل، بل ولا مجال للنقاش به، تتساءل المصادر ذاتها في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، حيال كيف يمكن تسليم عيّاش بينما الحزب أصلاً لم يعترف ولا يعترف بالمحكمة ولا بأحكامها؟

فجوتان في حكم المحكمة الدولية
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يتحدث الدكتور شفيق المصري، الاختصاصي في القانون الدولي والمرجع القانوني والدستوري اللبناني، عن «فجوتين أساسيتين في قرار المحكمة الدولية، أولهما عدم تحديد مسؤوليات القيادي في (حزب الله) مصطفى بدر الدين في الجريمة، حتى ولو كان قد أعلن عن اغتياله في وقت سابق. أما الفجوة الثانية فهي تبرئة المتهمين الثلاثة أسد صبرا وحسين عنيسي وحسن مرعي، مع العلم أن نص الحكم كان قد أشار إلى أدوار لهم في موضوع الاتصالات. وبالتالي، فمجرد الاشتراك في جزء من العملية، حتى وإن كانوا لا يعلمون بالهدف النهائي، يحمّلهم مسؤولية، ولو لم تكن على مستوى مسؤولية الطرف أو الشخص الذي نفّذها».
ويشّدد الدكتور المصري على «وجوب قراءة الحكم بكامل حيثياته وليس حصراً بالفقرات الحُكمية، لأنه بذلك يرد بوضوح أن هدف الجريمة كان سياسياً، ويخصّ سوريا، خاصة أنه ورد في متن الحكم أن قرار اغتيال الحريري اتخذ بعد حدثين: الحدث الأول (مؤتمر البريستول الثالث) الذي شارك فيه رفيق الحريري وتقرر خلاله وجوب إخراج سوريا من لبنان. أما الحدث الثاني فلقاء الحريري بوزير الخارجية السوري وليد المعلّم وما تخلله من شكاوى على الوضع السوري في لبنان». ويضيف المصري: «يتحدث البعض عن مآخذ على المحكمة كونها لم تذكر بوضوح مَن قرر تنفيذ عملية الاغتيال، إلا أن المحاكم الدولية لا تستطيع إصدار أحكام بحق مؤسسة أو دولة باعتبارها تختص بمقاضاة الأفراد»، معتبراً أن الإشارة الواضحة إلى سوريا في الحكم بمثابة إدانة لها.
من ناحية ثانية، وفيما يترقب لبنان العقوبة التي ستعلنها المحكمة بحق المتهم الوحيد سليم عيّاش في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، يبدو أن إلقاء القبض عليه غير متاح، باعتبار أنه ومنذ صدور القرار الاتهامي لم يكن هناك محاولات جدية من قبل السلطات المحلية لتوقيفه. وفي هذا الإطار يقول المصري إن الأمر منوط حالياً بالحكومة التي سيصار إلى تشكيلها، وما إذا كانت حقاً تريد أن تُظهر للرأي العام المحلي والدولي أنها تقوم بمساعٍ جدية في هذا المجال. ويتابع: «كما أن المحكمة قد تحيل الموضوع بعد الإعلان على العقوبة إلى الإنتربول (البوليس الدولي) ليقوم بتعقبه واعتقاله. وهناك سوابق في هذا المجال بحيث تم إلقاء القبض على مدان من قبل إحدى المحاكم الدولية من خلال الإنتربول».

المرفأ: تخوف من إسقاط المسؤوليات السياسية
على صعيد آخر، لئن كان لبنان قد تخطى إلى حد بعيد تداعيات حكم المحكمة الدولية، بعد مخاوف من فتنة سنية - شيعية، فهو لا شك لن يتخطى قريباً آثار وتداعيات انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) الحالي الذي ذهب ضحيته عشرات القتلى وآلاف الجرحى.
إذ تتواصل التحقيقات، التي لا تزال تكاد تكون محصورة بالمسؤولين الأمنيين في المرفأ وبإدارته المدنية. وهذا، في ظل إعلان أكثر من طرف سياسي أساسي في لبنان انعدام ثقته في أي تحقيق محلي، والمطالبة بتحقيق دولي لا تبدو طريقه معبّدة في ظل إعلان رئيس الجمهورية ميشال عون، وحليفه أمين عام «حزب الله»، السيد حسن نصر الله، عدم موافقتهما عليه.
ما يُذكر، أنه حتى الساعة أصدر فادي صوّان، المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، عدداً من مذكرات التوقيف الوجاهية، أبرزها بحق مدير عام الجمارك بدري ضاهر، ومدير استثمار المرفأ حسن قريطم. ولا يزال صوّان يركّز في تحقيقاته على جانب التقصير والإهمال الذي أدى إلى بقاء مادة «نيترات الأمونيوم» موضوعة طيلة 7 سنوات داخل العنبر رقم 12 إلى حين انفجارها. أما النظر في أسباب الانفجار، فيؤجله صوّان إلى حين تسلمه تقارير خبراء المتفجرات، خصوصاً الخبراء الفرنسيين وفريق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) اللذين يساعدان لجنة التحقيق اللبنانية.
في أي حال، يخشى كثيرون من حصر المسؤوليات بملف انفجار المرفأ بالمسؤولين الأمنيين، وألا تطال القضاة الذين كانوا على علم بالموضوع، وكذلك الوزراء المعنيين. وهنا يوضح العميد المتقاعد الدكتور محمد رمّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هناك «أكثر من جهاز أمني يتولى أمن المرفأ، إضافة لسلطة مدنية تقوم بإدارته، إلا أنه تبين أن هناك مراسلات بين الأمنيين والإدارة المدنية، كما السلطات القضائية، ما يستدعي التحقيق مع عدد من القضاة، وبخاصة قضاة الأمور المستعجلة، لأنه في نهاية المطاف فلا سلطة للأمنيين للتصرف بالموجودات في المرفأ. وهم لا يقومون بأي شيء في هذا المجال إلا بإشراف وبقرار من القضاء المختص». ومن ثم، يشير الدكتور رمّال إلى «الخشية من حصر المسؤوليات بإدارة المرفأ والأمنيين تجنباً لتوسيعها... فتطال السلطة السياسية والوزراء المعنيين، وهنا نتحدث عن وزراء الأشغال والنقل ووزراء المال. وعلى سبيل المثال، مع قرار توقيف مدير عام الجمارك يجب أن يكون هناك تحقيق فوري مع وزراء المال باعتبار المديرية العامة للجمارك تتبع في نهاية المطاف وزارة المال».
ولكن يبدو أن السلطة السياسية لن تتمكن من التهرب من مسؤولياتها في كارثة المرفأ، نتيجة الضغط الشعبي الكبير؛ إذ يُتوقع أن يدلي عدد من الوزراء بإفاداتهم على سبيل المعلومات أمام المحقق العدلي، على أن يُصار، في حال توافرت خلال التحقيق أدلة على ارتكاب أي منهم جرماً متلازماً للقضية، إلى تحويل الوزير المستجوَب إلى مُدَّعى عليه. أما إذا كان الجرم غير متلازم، فيحيل الأوراق إذ ذاك إلى النيابة العامة التمييزية للنظر بأمر الادعاء وإحالته إلى المرجع المختص.

الحكومة المقبلة مؤجلة حتى الانتخابات الأميركية؟
في هذه الأثناء، تجري التحقيقات في ملف مرفأ بيروت بغياب حكومة فاعلة قادرة على الضغط باتجاه تسريع الإجراءات والتدابير الواجب اتخاذها.
إذ إن الكارثة التي أطاحت بحكومة الدكتور حسان دياب وحوّلتها إلى «حكومة تصريف أعمال» لا يبدو أنها ستشكل حافزاً كافياً للقوى السياسية لترحيل خلافاتها والترفع عن مطالبها، وبالتالي، السير بخطى سريعة في عملية تشكيل حكومة تضغط القوى الدولية لتكون حيادية وتلتزم بالإصلاحات السياسية والاقتصادية.
وراهناً ترفض «قوى الثامن من آذار»، بقيادة «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«حركة أمل») وحليفها رئيس الجمهورية، السير بحكومة من المستقلين، وتصرّ في المقابل على «حكومة وحدة وطنية» من السياسيين. وهذا هو ما ترفضه قوى المعارضة، خصوصاً رئيس تيار «المستقبل» بزعامة الرئيس سعد الحريري، الذي يُعدّ المرشح الأوفر حظاً لتولي الدفة الحكومية. وهذا الوضع، يعني فعلياً أن عملية التشكيل لن تكون ميسّرة رغم كل ما جرى ويجري تداوله عن «طبخ» تسوية إقليمية - دولية ستمكّن من إنجاز التشكيلة الحكومية قبل الزيارة الثانية المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.
الدكتور سامي نادر، مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية» في بيروت، يبدو متشائماً بخصوص ولادة حكومية قريبة. إذ رجّح نادر خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «تواصل حكومة دياب (تصريف الأعمال)، أقله حتى موعد الانتخابات الأميركية المقبلة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل». ويعتبر نادر أن قرار تشكيل الحكومة «بات في ملعب إيران والولايات المتحدة الأميركية، فواشنطن تنتظر من طهران أن تأتي إلى طاولة المفاوضات للبت في كل الملفات العالقة ومن بينها الملف اللبناني، إلا أن الأخيرة لن تأتي إليها قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا سيما في ضوء استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع حظوظ الرئيس دونالد ترمب بعد تفشي جائحة (كوفيد - 19)».
ويلفت الدكتور نادر في تصريحه إلى أن ما يُحكى عن مبادرة فرنسية وعن تسوية إيرانية - فرنسية ستؤدي لولادة قريبة للحكومة أمر غير دقيق؛ إذ إن الطرف الأميركي هو الممسك بالملف اللبناني، في حين أن الدور الفرنسي مجرّد مُسهِّل ودور واسطة حصراً. ويشدد الخبير الاستراتيجي اللبناني على القول إنه لا إمكانية لنهوض لبنان إلا من خلال حكومة مستقلة عن الطبقة السياسية، تواكب الكارثة الإنسانية التي نتجت بعد انفجار المرفأ وعملية إعادة إعمار بيروت، وتنكبّ جديّاً على وقف الانهيار الاقتصادي وهو ما لا يمكن أن يحصل من دون مساعدة دولية، ونجاح المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي». ويختتم ملاحظاته بالقول: «أما حكومات الوحدة وطنية أو حكومة الخديعة، أي حكومات التكنوقراط التي تمسك بها المنظومة السياسية من الخلف، فلن يُكتب لها النجاح، وأصلاً يرفضها المجتمع الدولي».

الانهيار المالي يهدد فرص حصول اللبنانيين على القمح والدواء
> في خضم المجابهة الإيرانية - الأميركية وانصراف القوى السياسية الداخلية في لبنان إلى محاولة تحسين شروطها، يتواصل الانهيار المالي في البلاد... ولقد بلغ فعلاً مستويات غير مسبوقة مقابل ارتفاع جنوني في معدلات الفقر والبطالة.
الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان بشير في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن «أي فراغ في إحدى المؤسسات الدستورية، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تدهور الأوضاع، فكيف الحال إذا كانت المؤسسة التنفيذية هي التي تشهد الشلل وهي المسؤولة عن إدارة المفاوضات مع (صندوق النقد الدولي)؟!».
ويتابع أبو سليمان قائلاً: «لبنان اليوم بأمسّ الحاجة لنجاح هذه المفاوضات، وبأسرع وقت، من أجل وضع البلد على سكة الإصلاحات والنهوض وإعادة هيكلة الدين». ويلفت إلى أن «نجاح هذه المفاوضات لا يعني حصراً الحصول على دعم الصندوق البالغ نحو 8 مليارات دولار أميركي، وإنما يعني أيضاً فتح الأبواب أمام مؤسسات دولية أخرى قد تقدم الدعم أو القروض للدولة اللبنانية. وهذا، من دون أن ننسى أن الصندوق طرف ذو صدقية للسير في المفاوضات مع الدائنين بعدما تخلف لبنان عن سداد دينه الخارجي. وبناءً عليه، فإن تحوّل الحكومة إلى مجرد (حكومة تصريف أعمال) سيضع الدولة في حالة شلل تام، وكلما امتدت في الزمن، تكبدنا خسائر أكثر».
الخبير أبو سليمان يعتبر أنه رغم أهمية الإجراءات والقرارات التقنية «فإنها لم تعد ذات جدوى، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم سياسي جذري من شأنه أن يساعد على الإنقاذ، من خلال تأليف حكومة قادرة على ترميم الثقة مع الداخل ومع الخارج. للعلم هذا الخارج بات معنياً بالملف اللبناني بكل تفاصيله، ولا سيما في ظل ما يحكى عن عقوبات قد تطال بعض الشخصيات اللبنانية». ثم يستطرد: «لا يمكن للحكومة الجديدة أن تكون امتداداً للسياسات السابقة، خصوصاً إذا كان هناك من نية جدية لمخاطبة الخارج. وبالتالي فإن الحل السياسي هو انطلاقة الألف ميل».
وأخيراً، رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كان لبنان على موعد مع مزيد من الانهيار في سعر صرف الليرة، جزم أبو سليمان بذلك «ما دامت الإصلاحات لم تُقرّ، وما دام دخول الدولار إلى السوق اللبنانية مقنّناً، حيث صارت الاستثمارات الخارجية وكذلك تحويلات المغتربين شبه معدومة، في حين يعاني التصدير من إشكالات بنيوية، منها تعطيل المرفأ وامتناع الصناعيين عن إدخال دولاراتهم إلى السوق اللبنانية بسبب انعدام الثقة». ثم أردف قائلاً إنه «إذا لم تحصل إعادة نظر لميزان المدفوعات، فمن الطبيعي أن يتدهور سعر صرف الليرة. وهذا ما نلاحظه عبر بعض التلميحات والتسريبات التي تفيد بأن (مصرف لبنان) لن يستطيع الإبقاء على دعم المواد الأساسية، أي النفط والأدوية والقمح لأكثر من ثلاثة أشهر إضافية. وبالتالي ما لم يُتخذ أي قرار بشأن الأسر الأكثر فقراً في لبنان، فالخشية الحقيقية أن تزداد حالة الفقر بنسب ملحوظة قد تصل إلى أكثر من 70 في المائة... وكذلك سيرتفع التضخم بنسبة 50 في المائة كل شهر، وبالأخص أن هناك كثيرين من اللبنانيين الذين يستفيدون من الدعم الذي يؤمنه (مصرف لبنان)، ولا ننسى أن الاحتياطي بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان ينخفض بوتيرة سريعة جداً ومخيفة».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.