بيلاروسيا تلاحق رموز المعارضة قضائياً

موسكو تميل إلى «إدارة الأزمة» كي لا تخسر حليفها الأساسي

محتجون من المعارضة البيلاروسية في مينسك أمس (أ.ف.ب)
محتجون من المعارضة البيلاروسية في مينسك أمس (أ.ف.ب)
TT

بيلاروسيا تلاحق رموز المعارضة قضائياً

محتجون من المعارضة البيلاروسية في مينسك أمس (أ.ف.ب)
محتجون من المعارضة البيلاروسية في مينسك أمس (أ.ف.ب)

أطلقت سلطات بيلاروسيا، أمس، تحقيقاً جنائياً ضد رموز المعارضة، بعد توجيه اتهامات ضدهم بالسعي إلى زعزعة أمن البلاد والاستيلاء على السلطة بالقوة. وعكس تصعيد الأجهزة القضائية ضد المعارضة، رغم تواصل الاحتجاجات في المدن البيلاروسية منذ أسبوعين، اطمئنان الرئيس الكسندر لوكاشينكو إلى إحكام قبضته على البلاد. وتزامن ذلك مع بروز تحليلات في روسيا تؤكد أن الكرملين بدأ تحركاً نشطاً لـ«إدارة الأزمة» في البلد الجار.
وأعلن المدعي العام للبلاد ألكسندر كونيوك فتح القضية الجنائية التي بموجب بند قانوني يتعلق بـ«الإضرار بالأمن القومي للبلاد»، ما يعني أن الاتهام قد يصل إلى درجة الخيانة العظمى التي يعاقب عليها القانون بالسجن مدى الحياة.
وتتجه التحقيقات حول نشاط أعضاء المجلس التنسيقي الذي شكلته المعارضة ويضم نحو سبعين ناشطاً ومتخصصاً في المجالات المختلفة، بينهم زعيمة المعارضة سفيتلانا تيخانوفسكايا التي واجهت لوكاشينكو في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأجبرت على مغادرة مينسك إلى ليتوانيا بعد الإعلان عن فوز لوكاشينكو بولاية رئاسية سادسة، ما أثار موجة الاحتجاجات الواسعة في البلاد.
وضم المجلس ممثلين عن المجتمع المدني وشخصيات ثقافية وأطباء وسياسيين ومحامين واقتصاديين ومعلمين. وقال المدعي العام إن «إنشاء وأنشطة مجلس التنسيق يهدفان إلى الاستيلاء على سلطة الدولة، فضلاً عن الإضرار بالأمن القومي لجمهورية بيلاروسيا».
وتنص العقوبات بموجب هذه المادة على السجن لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، في حال لم يتم تصعيد التهمة لتصل إلى مستوى الخيانة العظمى.
وقال المدعي العام في بيلاروسيا إن العديد من أعضاء مجلس المعارضة غادروه «مدركين عدم شرعية أفعالهم». وأوضح مكسيم زناك، أحد قياديي المجلس، أن بعض الأعضاء غادروا المنظمة بسبب المخاطر المحيطة بهم وبأفراد عائلاتهم.
وزاد زناك لموقع «توت باي» المؤيد للمعارضة في بيلاروسيا: «على العكس من تلك المزاعم قمنا بإجراءات تهدف إلى استعادة سيادة القانون في البلاد. إذا كانت هذه جريمة فلدينا مشاكل كبيرة مع سيادة القانون في بلدنا».
وكان مجلس التنسيق للمعارضة البيلاروسية أعلن في المؤتمر الصحافي الأول في وقت سابق أن هدف نشاطه إجراء انتخابات رئاسية جديدة وتكريس التداول السلمي للسلطة. وأكد في قرار صدر بعد اجتماع أعضائه أن المجلس «لا يسعى للاستيلاء على السلطة».
وأكد نص قرار المجلس أنه «لا يهدف إلى تغيير النظام الدستوري والسياسة الخارجية. بل يسعى لوضع حد للعنف والاضطهاد السياسي من قبل السلطات، وكذلك التحقيق في كل ما حدث خلال أعمال الشغب وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين ودفع تعويضات للضحايا»، فضلا عن طرح مطلب آخر للمحكمة الدستورية هو إبطال نتائج الانتخابات الرئاسية في 9 أغسطس (آب) وإجراء انتخابات جديدة، وفقاً للمعايير الدولية وبتكوين مختلف للجنة الانتخابات المركزية.
لكن لوكاشينكو وصف إنشاء هذه الهيئة بأنها محاولة للاستيلاء على السلطة وهدد أعضاء المجلس بـ«إجراءات مناسبة». كما أشار إلى أن إنشاء هيئات بديلة وموازية وغيرها بهدف الاستيلاء على السلطة يعاقب عليه القانون.
وعلى خلفية السجالات المتواصلة بين السلطة والمعارضة، تواصلت أمس الاحتجاجات في عشرات المدن البيلاروسية. وأكد متظاهرون أنهم لن يتركوا الساحات قبل خضوع لوكاشينكو لمطالبهم. ولفتت وسائل إعلام روسية، أمس، إلى أن بيلاروسيا استعانت بصحافيين روس لمواصلة عمل المؤسسات الإعلامية لديها بعدما أسفر انضمام مئات الصحافيين البيلاروسيين إلى الاحتجاجات عن نقص حاد في نشاط قنوات التلفزة والمؤسسات الإعلامية الأخرى، ما دفع بعضها إلى الاعتماد على نشر مواد أرشيفية.
في الوقت ذاته، لفتت تحليلات إلى أن الكرملين بدأ يتعامل مع الأزمة البيلاروسية على أرضية جديدة بعدما نجح في عرقلة اتخاذ الغرب خطوات حاسمة لدعم المعارضة. وزادت أن موسكو لا ترى أن العقوبات الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي ستسفر عن تغيير جدي للوضع على الأرض.
في هذه الأثناء، رأت أوساط خبراء أنه ربما يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حذر القادة الأوروبيين من «التدخل» في الأزمة السياسية في بيلاروسيا، لكن هذا لا يعني أنه لا يستعد جدياً للدفاع عن نفوذه في الدولة الجارة التي تربطها بروسيا علاقات تحالف وثيقة. وقالت مصادر إن روسيا تشعر بتهديد جدي بسبب تطورات الموقف في بيلاروسيا مع الإشارة إلى أن التطورات في بيلاروسيا تنتقل لتتحول إلى واحدة من ملفات دائمة الحضور في السجالات الروسية الغربية، كما هو الحال مع الوضع في أوكرانيا وجورجيا.
ووفقاً لرئيس مركز كارنيغي في موسكو ديمتري ترينين، فإن الكرملين لا يمكن أن يثق بالمعارضة الحالية في بيلاروسيا لتكون بديلاً عن الرئيس لوكاشينكو، و«أفضل خيار للكرملين الآن ليس الجلوس والانتظار، ولكن التحضير وإدارة نقل السلطة من لوكاشينكو إلى نظام سيعتمد انتخابياً على الأغلبية المؤيدة لروسيا في بيلاروسيا».
وقال أندريه كورتونوف، رئيس مجلس الشؤون الخارجية الروسي، وهو مركز أبحاث مدعوم من الدولة، إن الكرملين سيسعى على الأرجح إلى تكرار سيناريو الثورة الأرمنية لعام 2018. عندما أطاحت رئيساً موالياً للكرملين، ولكن تم استبداله بزعيم الاحتجاجات الذي احتفظ بمواقف قريبة من موسكو.
وقال كورتونوف: «من غير المحتمل أن يكون بوتين سعيداً بالديمقراطية على النمط الغربي في بيلاروسيا، لكن إذا لم يكن لديه خيار آخر، فمن المحتمل أن يكون قادراً على التصالح معها إذا أكدت القيادة الجديدة أنه لا يوجد تغيير في الأولويات الجيوسياسية... ستصبح بيلاروسيا أزمة وجودية خطيرة بالنسبة لروسيا إذا فازت المعارضة فقد تكون هناك حكومة موالية لروسيا لفترة، لكن هذا أمر لا يمكن ضمانه طويلاً».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended