باتمان الجديد العائد يواصل تقليداً راسخاً

ورد بين مسلسلات اشتهرت بتكاليفها الزهيدة

من «ذا باتمان» الجديد‬
من «ذا باتمان» الجديد‬
TT

باتمان الجديد العائد يواصل تقليداً راسخاً

من «ذا باتمان» الجديد‬
من «ذا باتمان» الجديد‬

تندفع شركة وورنر هذه الأيام لاستكمال العمل على فيلم «ذا باتمان» الجديد الذي سيلعب دور الرجل الوطواط فيه روبرت باتنسون. هذا يعني تحديداً انشغال الأطقم المختلفة في الفيلم بالتحضير لاستكمال التصوير الذي كان توقف في شهر مارس (آذار) الماضي.
وكان من المقرر لهذا الفيلم الذي سيجري تصوير غالب مشاهده في ستديوهات باينوود المعروفة، أن ينطلق لعروضه في يونيو (حزيران) من العام المقبل، لكن الوباء الذي أوقف تصويره وتصوير كل الأفلام الأخرى لأسابيع عديدة، ألغى نافذة العرض في ذلك التاريخ وبات من المنتظر تحديد موعد آخر قد يكون مطلع الخريف من العام المقبل.
كان التصوير دخل أسبوعه السابع في مارس المنصرم عندما صدر الأمر بإيقافه. الممثل روبرت باتنسون اضطر للبقاء في الفندق الذي أقام فيه لعدة أسابيع قبل أن يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة. الآن من المقرر له أن يعود إلى لندن مع مطلع الشهر المقبل الذي هو موعد البدء باستكمال التصوير.

باتمان أول مرّة
لا يبدو أن وباء كورونا خفف من التوقعات الكبيرة التي تحيط بهذه السلسلة من الأفلام. الفيلم الجديد، الذي يقوم بتحقيقه مات ريفز (مخرج «حرب كوكب القردة» قبل سنتين) ويشترك في بطولته أندي سركيس وبيتر سارسغراد وزو كزافيتز، له تاريخ طويل من الإنتاجات الناجحة في السينما والتلفزيون.
وضع حكايته في مجلات DC للكوميكس بوب كاين وبل فينغر منذ سنة 1939 وانتقلت شخصيّته إلى الشاشة لأول مرّة سنة 1943. ذلك الانتقال كان على هيئة فيلم متسلسل من 15 حلقة كل حلقة من نحو 10 دقائق إلى 12 دقيقة (باستثناء الحلقة الأولى التي تبلغ مدتها نحو 20 دقيقة) تعرض جزءاً من الحكاية حتى مشهد مشوّق تتوقف عنده لجلب المشاهدين للعودة إلى صالات السينما في الأسبوع التالي لاستكمال كيف انجلى الموقف الخطر، وما الجديد الذي ستعرضه الحلقة المقبلة.
حينها لم تشترك شركة وورنر في هذه الموجة الكاسحة من المسلسلات المختلفة، بل أنتجته شركة كولمبيا وقام بإخراجه أحد خبراء هذا النوع من الأفلام المسلسلة وهو لامبرت هيليَر.
العام ذاته، كان زاخراً بالمسلسلات الأخرى التي واظبت شركات ريبابلك ويونيفرسال وبالإضافة إلى كولمبيا إنتاجها على نحو سريع. فلجانب «باتمان» المذكور «شياطين الغرب» و«دون وينسلو وحراس الساحل» و«الشبح» و«المخابرات في قلب أفريقيا» (عنوانه الحرفي Secret Service in Darkest Africa).
الحبكات قليلاً ما اختلفت بغض النظر عن الحكايات ذاتها أو عن الشخصيات التي تؤدي أدوار البطولة.
المسلسل الواحد، مثل «آيس دراموند» (1936) أو «راديو بترول» (1937) أو «طبول فومانشو» (1940) أو أي من العشرات التي توفرت في ذلك الحين، كانت تقوم على بطل مغوار إما مقتبس من شخصية كوميكس («الظل»، «فلاش غوردون»، «دك ترايسي» إلخ…) أو مكتوبة خصيصاً للشاشة («شبكة العنكبوت»، «رجال الحكومة الطائرين»، «الكشافة للإنقاذ» إلخ…). البطل هو رجل قوي البنية، وسيم الملامح ولو إلى حد. لديه مساعد يشترك معه في مغامراته ولو عن بعد (إلا إذا نصّ الفيلم على بطلين معاً) أو مساعدة تعنى بشؤون المكتب خصوصاً، لكنها قد تتعرض للاختطاف، مما يجبر البطل على التدخل لإنقاذها.
أحد هذه المعطيات المكررة ترد في فيلم «الظل» (The Shadow) حيث البطل المقنع الذي يخشاه البوليس ورجال العصابات معاً يتدخل لإنقاذ بطلة الفيلم.
في المواجهة، شرير هو أحياناً بوجه مكشوف نتعرف على شخصيته منذ البداية، أو يخفي هويّته تحت قناع أو يبقى خارج الرؤية في حجرة مظلمة يصدر أوامره منها.
رجاله هم مجموعة من المنفّذين. تخالهم خريجي سجون أو قتلة سابقين اجتمعوا لخدمة الشرير الأول ومشروعه الذي يتضمن - عادة - التسبب في كوارث طبيعية أو مصطنعة أو نقل معلومات سرية إلى دولة أجنبية.
الكثير من مشاهد القتال التي تدور بين الجانبين. البطل سيذود عن نفسه وعن بلده مرّة تلو المرّة وفي نهاية كل فصل نجده (أو أحداً من الذين في صفّه) يتعرض لمأزق قد لا ينجو منه، مثل أن يوضع في سيارة مغشياً عليه ويتم دفعها إلى الوادي حيث ستنفجر، أو تقع معركة بينه وبين أحد الأشرار فوق قارب سريع سيصطدم بسفينة أو بصخرة وينفجر. في الأسبوع التالي سنكتشف أن البطل استيقظ من إغمائه في الوقت المناسب لكي يفتح باب السيارة ويلقي بنفسه خارجها قبل أن تنقلب وتشتعل.

أفلام رخيصة ممتعة
لكن في حين أن الحبكات متشابهة إلا أن أنواع هذه المسلسلات تختلف كثيراً.
إلى جانب أن بعضها قام على شخصيات الكوميكس المختلفة، إلا أن هذه المسلسلات انتمت إلى أنواع وشبه أنواع مختلفة.
على سبيل المثال، نجد «آيس دراموند» و«دك ترايسي» و«دكتور ساتان الغامض» هي أفلام جريمة بوليسية. «زورو» و«قافلة أوريغون» و«ذا بلازينغ أوڤرلاند تريل» انتمت إلى سينما الغرب الأميركي.
‫وشهدت الفترة الذهبية للمسلسلات (الثلاثينات والأربعينات) أفلاماً جاسوسية أو تتضمن حكايات حول العدو الذي يحاول نقل أسرار الولايات المتحدة إليه عبر استئجار خدمات أشرار محليين، كما الحال في S.O.S Coast Guard وSecret Agent 9 - X و«طبول فومانشو» وHolt of the Secret Service.‬
الرديف الشائع الآخر هو وضع الأحداث في أدغال أفريقيا (غالباً) كما الحال في «داركست أفريكا» و«أذى الغابة» و«جنكل جيم» و«طارزان» أو «جواهر نيوكا».
هذا المنوال المتشابه من الحبكات والأعمال ذات الأنواع المتعددة من الحكايات كان بدأ في فترة السينما الصامتة. في عام 1912 أنتج إديسون «ما الذي حدث لماري؟». بعد عام مسلسل آخر عنوانه «مغامرات كاثرين» ويمكن ملاحظة أن البداية كانت، في الحالتين، من بطولة نسائية.
فرنسا دخلت على الخط سنة 1913 عندما قام لوي فوِيلاد بتحقيق «فانتوماس» (ولاحقاً، بعد عامين أنجز Les Vaimpires أحد أفضل المسلسلات الصامتة).
في نطاق الإخراج، كان السينمائيون يتناوبون العمل للإسراع في إنجاز تصوير حلقات تزيد مدة كل فيلم منها - بمجموع حلقاته - عن ثلاث ساعات. الأكثر نشاطاً بين هؤلاء كان ويليام وتني وجون إنغليش وفورد بيب وراي تايلور ولامبرت هيليَر وسبنسر بانِت من بين آخرين.
عمل هؤلاء المخرجون في سرعة مذهلة. لم يكن هناك أي وقت (ولا حاجة درامية ملحّة) للتوقف عند الشخصيات وخلفياتها وقراءة دوافعها لما بعد التقديم الأول لها. الإنتاج كان رخيصاً. بعض المشاهد تظهر في أكثر من فيلم. مواقع التصوير محدودة. المدينة يُرمز إليها بشارعين أو ثلاثة. الباقي فوق الطرق الفرعية البعيدة. لا شيء في الأحياء المكتظة ولا على الطرق السريعة.
رخص التكلفة أدّى في كثير من الحالات إلى التقليل من مشاهد القتل. رصاص كثير وإصابات طفيفة والسبب هو أن على المسلسل تعيين ممثلين جدد في كل حلقة أو حلقتين إذا ما تم تصوير مقتل بعض الأشرار على نحو متواصل، مما يرفع التكلفة.
معظم تلك الأفلام المذكورة في هذا التحقيق وسواها متوفر اليوم على الإنترنت. البعض، بطبيعة الحال، سيجدها مغامرات بدائية معهودة، بينما سيجدها الطرف الآخر مدعاة للمتعة الصافية بلا عُقد ولا تكلّف كما عودة إلى ماضٍ كانت صالات السينما هي المحطة الأولى والأكبر في رحلة الإنسان بحثاً عن الترفيه المُصوّر.
عروض ذلك الحين كانت تتضمن المسلسل وفيلماً قصيراً وفيلمين طويلين دفعة واحدة، ويقبل عليها عشرات ملايين الناس كل يوم.



السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).


شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
TT

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

مفيش راجل بيعيط

★★★

* إخراج: محمد مصطفى

* مصر (2026) | عروض مهرجان الجونة

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

المعنيّون بسؤاله هم مجموعة من الرجال الذين يُظهرون المودّة والألفة والمحبّة في مشهد يجمع بينهم. نعم، تلعب الكاميرا دورها. لا أحد يمكن أن ينسى الكاميرا التي تصوّره منفرداً أو بين مجموعة. يدرك أنها هناك وسيتصرّف حسب هذا الإدراك. لذلك السؤال وجيه من حيث محاولة المخرج قراءة حقيقة موازية.

الرجال هم رافعو حديد وبناة أجسام يفاخر كل منهم بعضلاته وتكويناته البدنية؛ نفور العضلات، وصلابة الجسد، وجمال التكوين عموماً، لكن أليس هناك من عوامل داخلية كالغيرة أو الشعور بأن أحدهم أفضل من الباقين؟ هل يبقى عنصر «الأنا» مطموراً؟

إنها أسئلة مُحقّة يوحي بها الفيلم لكنه لا يرصدها كفاية. لا يجيب عنها جميعاً، وربما يعود ذلك إلى أن المخرج لم يُرِد التطرّق إلى هذا الموضوع حتى لا يثير خلافات أو يشعل ناراً تحت القش. من هذه الناحية فإن الفيلم حسناً يفعل بطرح هذه الخواطر من دون الدخول إليها. يهتم بتصوير بيئتها الداخلية وبعض تطلّعاتها وأحوالها. بعضهم يرغب في التمثيل في فيلم روائي، آخر يود الاستقالة من عمله كحارس مرقص ليلي، وآخر يبدأ، عند نهاية الفيلم بالتساؤل حول نبذ كل ذلك والبحث عن حياة جديدة.

هذا الأخير هو عبد الله الذي يُعيره المخرج الاهتمام الأكبر بين أترابه. رجل دخل السجن قبل مدّة وخرج بعد عامين واتصل بالمخرج وقال له إنه مستعد ليكون تحت تصرّفه في مشروع الفيلم.

الفيلم يبقى خاصّاً وليس للعموم. بعض ذلك يعود إلى أن شخصياته مغلقة وهو مُغلق بدوره عليها. لكن العمل بأسره جديد كموضوع لم نرَ مثيلاً له من قبل. تقوم الكاميرا بدور أساسي أكبر من الدور الذي يقوم به المونتاج، بينما كان من الممكن إضافة مشاهد موازية خارج الإطار المحصور برجاله وتمريناتهم وحواراتهم. مشاهد من شأنها توسيع انشغالات الفيلم قليلاً لتتضمن تصوير علاقة هؤلاء بالمجتمع من حولهم. من ناحية أخرى، هناك حرص جيّد من المخرج على أن يجعل من حضوره جزءاً مما يعرضه الفيلم. هو حاضر بنفسه، صورةً وتعليقاً، كما من خلال حواراته.

«كلايفايس» (سينيموندو)

Clayface

★★☆

* إخراج: ‪جيمس ووتكنز‬

* الولايات المتحدة (2026) | رعب | عروض تجارية

شخصية «كلايفايس» من تلك التي ظهرت في الأربعينات، في مجلات الكوميكس. تم تقديمها كشخصية شريرة قادرة على تغيير وجهها بملامح مختلفة. ظهرت في بعض أعداد مجلة «باتمان». مثل شخصية «جوكر» كان «كلايفايس» أحد أعداء ومناوئي شخصية «باتمان». وعلى نحو «جوكر» في فيلمي تود فيليبس، ينطلق الفيلم الجديد ليؤسس للشخصية الجديدة حضوراً تجارياً قد يؤدي إلى سلسلة منفصلة.

في مطلع الفيلم نجد مات هاغن (الذي سيُكنى بكلايفايس ويؤديه توم رايز هاريس) ممثلاً شاباً وطموحاً يتطلع إلى النجاح ومرشّحاً لإحدى جوائز التمثيل. هو إنسان طيّب وسط عالم يشعر بأنه ينتمي إليه ويود النجاح فيه ليتحوّل إلى نجم كبير. لكن ما يحدث له قلَب ذلك الطموح رأساً على عقب وحوّله إلى شخص آخر (أو إلى عدة أشخاص في الواقع). فهو التقى فتاةً جميلةً (جوانا ريبييرو) ليكتشف أنها عشيقة زعيم عصابة (ديڤيد دنسيك) الذي لن يرضى بأن يخسر عشيقته، فيقتحم خلوته ويشوّه وجه هاغن بمادّة سامّة.

هذه هي الأرضية التي سيعمل الفيلم عليها لكي يرينا كيف انهارت أحلام الشاب الوسيم وتحوّل إلى مجرم يستطيع، بسبب تناوله عقاراً كيميائياً يجعله قادراً على تغيير وجهه المشوّه وتقمص ملامح أخرى. لكن كلما عمد إلى حقن نفسه بالمادة الخطرة زاد خطره وعنفه. هو عالق وسط حالات يائسة ووضع تراجيدي، ولو أن الفيلم لا يود التوقف عند هذا البعد بقدر ما يريد استعراضه. ما يُثير اهتمامه هو توفير مشاهد عنف وتشوّهات بدنية وإبر تدخل العين وأشياء أخرى كُتبت وصُورت بغرض جذب المشاهدين لشخصية لا يمكن أن تُثير تعاطفاً ولا حتى تفهّماً كافياً. على ذلك، يعرف المخرج كيف يلعب بأعصاب مشاهدي فيلمه ويضم عمله، ولو بصعوبة، إلى ما يتم إنتاجه من مسلسلات.

هاريس مشروع جيد كممثل لكنه ليس آل باتشينو في فيلم «Dick Tracy»، (إخراج وارن بيتي، 1990) حين لعب دور الشرير «كابريس» في فيلم مستقى بدوره من روايات التحري «دك ترايسي» الشعبية. هنا الرحلة طويلة ما بين إصابة وجه مات هاغن بالتشوّه وبين تحوّله إلى منتقم يستطيع الانتقال ما بين الشخصيات بدافع الانتقام.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.