باتمان الجديد العائد يواصل تقليداً راسخاً

ورد بين مسلسلات اشتهرت بتكاليفها الزهيدة

من «ذا باتمان» الجديد‬
من «ذا باتمان» الجديد‬
TT

باتمان الجديد العائد يواصل تقليداً راسخاً

من «ذا باتمان» الجديد‬
من «ذا باتمان» الجديد‬

تندفع شركة وورنر هذه الأيام لاستكمال العمل على فيلم «ذا باتمان» الجديد الذي سيلعب دور الرجل الوطواط فيه روبرت باتنسون. هذا يعني تحديداً انشغال الأطقم المختلفة في الفيلم بالتحضير لاستكمال التصوير الذي كان توقف في شهر مارس (آذار) الماضي.
وكان من المقرر لهذا الفيلم الذي سيجري تصوير غالب مشاهده في ستديوهات باينوود المعروفة، أن ينطلق لعروضه في يونيو (حزيران) من العام المقبل، لكن الوباء الذي أوقف تصويره وتصوير كل الأفلام الأخرى لأسابيع عديدة، ألغى نافذة العرض في ذلك التاريخ وبات من المنتظر تحديد موعد آخر قد يكون مطلع الخريف من العام المقبل.
كان التصوير دخل أسبوعه السابع في مارس المنصرم عندما صدر الأمر بإيقافه. الممثل روبرت باتنسون اضطر للبقاء في الفندق الذي أقام فيه لعدة أسابيع قبل أن يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة. الآن من المقرر له أن يعود إلى لندن مع مطلع الشهر المقبل الذي هو موعد البدء باستكمال التصوير.

باتمان أول مرّة
لا يبدو أن وباء كورونا خفف من التوقعات الكبيرة التي تحيط بهذه السلسلة من الأفلام. الفيلم الجديد، الذي يقوم بتحقيقه مات ريفز (مخرج «حرب كوكب القردة» قبل سنتين) ويشترك في بطولته أندي سركيس وبيتر سارسغراد وزو كزافيتز، له تاريخ طويل من الإنتاجات الناجحة في السينما والتلفزيون.
وضع حكايته في مجلات DC للكوميكس بوب كاين وبل فينغر منذ سنة 1939 وانتقلت شخصيّته إلى الشاشة لأول مرّة سنة 1943. ذلك الانتقال كان على هيئة فيلم متسلسل من 15 حلقة كل حلقة من نحو 10 دقائق إلى 12 دقيقة (باستثناء الحلقة الأولى التي تبلغ مدتها نحو 20 دقيقة) تعرض جزءاً من الحكاية حتى مشهد مشوّق تتوقف عنده لجلب المشاهدين للعودة إلى صالات السينما في الأسبوع التالي لاستكمال كيف انجلى الموقف الخطر، وما الجديد الذي ستعرضه الحلقة المقبلة.
حينها لم تشترك شركة وورنر في هذه الموجة الكاسحة من المسلسلات المختلفة، بل أنتجته شركة كولمبيا وقام بإخراجه أحد خبراء هذا النوع من الأفلام المسلسلة وهو لامبرت هيليَر.
العام ذاته، كان زاخراً بالمسلسلات الأخرى التي واظبت شركات ريبابلك ويونيفرسال وبالإضافة إلى كولمبيا إنتاجها على نحو سريع. فلجانب «باتمان» المذكور «شياطين الغرب» و«دون وينسلو وحراس الساحل» و«الشبح» و«المخابرات في قلب أفريقيا» (عنوانه الحرفي Secret Service in Darkest Africa).
الحبكات قليلاً ما اختلفت بغض النظر عن الحكايات ذاتها أو عن الشخصيات التي تؤدي أدوار البطولة.
المسلسل الواحد، مثل «آيس دراموند» (1936) أو «راديو بترول» (1937) أو «طبول فومانشو» (1940) أو أي من العشرات التي توفرت في ذلك الحين، كانت تقوم على بطل مغوار إما مقتبس من شخصية كوميكس («الظل»، «فلاش غوردون»، «دك ترايسي» إلخ…) أو مكتوبة خصيصاً للشاشة («شبكة العنكبوت»، «رجال الحكومة الطائرين»، «الكشافة للإنقاذ» إلخ…). البطل هو رجل قوي البنية، وسيم الملامح ولو إلى حد. لديه مساعد يشترك معه في مغامراته ولو عن بعد (إلا إذا نصّ الفيلم على بطلين معاً) أو مساعدة تعنى بشؤون المكتب خصوصاً، لكنها قد تتعرض للاختطاف، مما يجبر البطل على التدخل لإنقاذها.
أحد هذه المعطيات المكررة ترد في فيلم «الظل» (The Shadow) حيث البطل المقنع الذي يخشاه البوليس ورجال العصابات معاً يتدخل لإنقاذ بطلة الفيلم.
في المواجهة، شرير هو أحياناً بوجه مكشوف نتعرف على شخصيته منذ البداية، أو يخفي هويّته تحت قناع أو يبقى خارج الرؤية في حجرة مظلمة يصدر أوامره منها.
رجاله هم مجموعة من المنفّذين. تخالهم خريجي سجون أو قتلة سابقين اجتمعوا لخدمة الشرير الأول ومشروعه الذي يتضمن - عادة - التسبب في كوارث طبيعية أو مصطنعة أو نقل معلومات سرية إلى دولة أجنبية.
الكثير من مشاهد القتال التي تدور بين الجانبين. البطل سيذود عن نفسه وعن بلده مرّة تلو المرّة وفي نهاية كل فصل نجده (أو أحداً من الذين في صفّه) يتعرض لمأزق قد لا ينجو منه، مثل أن يوضع في سيارة مغشياً عليه ويتم دفعها إلى الوادي حيث ستنفجر، أو تقع معركة بينه وبين أحد الأشرار فوق قارب سريع سيصطدم بسفينة أو بصخرة وينفجر. في الأسبوع التالي سنكتشف أن البطل استيقظ من إغمائه في الوقت المناسب لكي يفتح باب السيارة ويلقي بنفسه خارجها قبل أن تنقلب وتشتعل.

أفلام رخيصة ممتعة
لكن في حين أن الحبكات متشابهة إلا أن أنواع هذه المسلسلات تختلف كثيراً.
إلى جانب أن بعضها قام على شخصيات الكوميكس المختلفة، إلا أن هذه المسلسلات انتمت إلى أنواع وشبه أنواع مختلفة.
على سبيل المثال، نجد «آيس دراموند» و«دك ترايسي» و«دكتور ساتان الغامض» هي أفلام جريمة بوليسية. «زورو» و«قافلة أوريغون» و«ذا بلازينغ أوڤرلاند تريل» انتمت إلى سينما الغرب الأميركي.
‫وشهدت الفترة الذهبية للمسلسلات (الثلاثينات والأربعينات) أفلاماً جاسوسية أو تتضمن حكايات حول العدو الذي يحاول نقل أسرار الولايات المتحدة إليه عبر استئجار خدمات أشرار محليين، كما الحال في S.O.S Coast Guard وSecret Agent 9 - X و«طبول فومانشو» وHolt of the Secret Service.‬
الرديف الشائع الآخر هو وضع الأحداث في أدغال أفريقيا (غالباً) كما الحال في «داركست أفريكا» و«أذى الغابة» و«جنكل جيم» و«طارزان» أو «جواهر نيوكا».
هذا المنوال المتشابه من الحبكات والأعمال ذات الأنواع المتعددة من الحكايات كان بدأ في فترة السينما الصامتة. في عام 1912 أنتج إديسون «ما الذي حدث لماري؟». بعد عام مسلسل آخر عنوانه «مغامرات كاثرين» ويمكن ملاحظة أن البداية كانت، في الحالتين، من بطولة نسائية.
فرنسا دخلت على الخط سنة 1913 عندما قام لوي فوِيلاد بتحقيق «فانتوماس» (ولاحقاً، بعد عامين أنجز Les Vaimpires أحد أفضل المسلسلات الصامتة).
في نطاق الإخراج، كان السينمائيون يتناوبون العمل للإسراع في إنجاز تصوير حلقات تزيد مدة كل فيلم منها - بمجموع حلقاته - عن ثلاث ساعات. الأكثر نشاطاً بين هؤلاء كان ويليام وتني وجون إنغليش وفورد بيب وراي تايلور ولامبرت هيليَر وسبنسر بانِت من بين آخرين.
عمل هؤلاء المخرجون في سرعة مذهلة. لم يكن هناك أي وقت (ولا حاجة درامية ملحّة) للتوقف عند الشخصيات وخلفياتها وقراءة دوافعها لما بعد التقديم الأول لها. الإنتاج كان رخيصاً. بعض المشاهد تظهر في أكثر من فيلم. مواقع التصوير محدودة. المدينة يُرمز إليها بشارعين أو ثلاثة. الباقي فوق الطرق الفرعية البعيدة. لا شيء في الأحياء المكتظة ولا على الطرق السريعة.
رخص التكلفة أدّى في كثير من الحالات إلى التقليل من مشاهد القتل. رصاص كثير وإصابات طفيفة والسبب هو أن على المسلسل تعيين ممثلين جدد في كل حلقة أو حلقتين إذا ما تم تصوير مقتل بعض الأشرار على نحو متواصل، مما يرفع التكلفة.
معظم تلك الأفلام المذكورة في هذا التحقيق وسواها متوفر اليوم على الإنترنت. البعض، بطبيعة الحال، سيجدها مغامرات بدائية معهودة، بينما سيجدها الطرف الآخر مدعاة للمتعة الصافية بلا عُقد ولا تكلّف كما عودة إلى ماضٍ كانت صالات السينما هي المحطة الأولى والأكبر في رحلة الإنسان بحثاً عن الترفيه المُصوّر.
عروض ذلك الحين كانت تتضمن المسلسل وفيلماً قصيراً وفيلمين طويلين دفعة واحدة، ويقبل عليها عشرات ملايين الناس كل يوم.



السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).