مقدمة جورج أورويل غير المطبوعة لـ«مزرعة الحيوانات»

75 سنة على صدور روايته الأشهر «1984»

جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
TT

مقدمة جورج أورويل غير المطبوعة لـ«مزرعة الحيوانات»

جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية

كتب المؤلف الشهير جورج أورويل في عام 1945 مقدمة غير منشورة لرواية «مزرعة الحيوانات» وظلت مجهولة حتى عثرت عليها نيويورك تايمز ونشرتها 1972 للمرة الأولى. وفيها يكشف أورويل عن رفض عدة دور نشر طبع الرواية، ويشكو من الرقابة الممثلة بوزارة الإعلام، التي حذرت أحد الناشرين بشكل غير مباشر من الإقدام على نشر الكتاب. وهنا ترجمة لهذه المقدمة:
جرى التفكير في هذا الكتاب – فيما يتصل بفكرته الرئيسية – منذ عام 1937. ولكن لم يصل لمرحلة التدوين الفعلي حتى أواخر عام 1943 تقريبا. وفي الوقت الذي بدأت فيه الكتابة، كان الوصول إلى دار نشره لطباعته من الصعوبات الواضحة (رغم النقص الواضح في الكتب والمؤلفات، الأمر الذي يضمن بيع كل ما يمكن وصفه بأنه كتاب)، سيما مع حقيقة رفض نشره من قبل أربعة ناشرين في السابق. وكان واحد فقط منهم يملك دوافع آيديولوجية تبرر رفضه لنشر الكتاب. وكان اثنان آخران يعملان على نشر الكتب المناوئة لروسيا منذ سنوات، أما الناشر الرابع فلم يكن يملك ما يمكن وصفه باللون السياسي المحدد. وشرع أحد الناشرين بالفعل في قبول الكتاب، بيد أنه بعد اتخاذ الترتيبات الأولية اللازمة قرر الناشر مشاورة وزارة الإعلام، التي يبدو أنها حذرته من الإقدام على نشر الكتاب، أو ربما قدمت له نوعا من النصائح شديدة اللهجة بصورة من الصور للحيلولة دون نشر الكتاب. وفيما يلي جانب مقتبس من الرسالة:
«لقد أتيت على ذكر رد الفعل الذي بلغني من مسؤول مهم في وزارة الإعلام فيما يتصل بكتاب «مزرعة الحيوانات». ولا بد لي من الإقرار بأن ذلك الإعراب عن الرأي قد دفعني وبجدية إلى التفكير مليا في الأمر. أستطيع الآن القول بأنه من غير المستحسن نشر ذلك الكتاب في الآونة الراهنة. فإذا كان محتوى الكتاب يتعلق بالحكام المستبدين والأنظمة المستبدة بصفة عامة، فإن قرار النشر لن يحمل أي قدر من الغبار يُذكر، غير أن السرد القصصي في الرواية يتعقب – من وجهة نظري – مجريات المسار الروسي السوفياتي عبر تناول اثنين من الحكام المستبدين هناك، بحيث لا يمكن سحب السرد القصصي إلا على روسيا بصفة خاصة، مع استبعاد تام للأنظمة المستبدة الأخرى من حول العالم. وهناك نقطة أخرى ذات أهمية: من شأن السرد القصصي أن تنعدم عنه الصفة الهجومية الواضحة إن لم تكن الطائفة السائدة في مجريات الرواية تتعلق بالخنازير (**). وإنني أعتقد أن اختيار الخنازير على اعتبارها الطائفة الحاكمة ضمن السرد القصصي يوحي بالكثير من الإساءة لدى العديد من القراء، لا سيما طائفة من الشعوب ذات الحساسية المفرطة مثل الشعب الروسي دون أدنى شك».
إن هذا النوع من تقديرات الأمور ليس من الأعراض الجيدة على أي حال. فمن غير المرغوب فيه بكل صراحة أن تحظى إحدى الوزارات الحكومية بأي سلطة رقابية من أي درجة تُذكر (باستثناء الرقابة الأمنية التي لا تلقى أي اعتراض من أي جهة في زمن الحرب) على الكتب التي لا تخضع بالأساس للرقابة الحكومية الرسمية. بيد أن الخطر الرئيسي على حرية الفكر وحرية التعبير في اللحظة الراهنة ليس هو التدخل الرقابي المباشر من قبل وزارة الإعلام أو من قبل أي جهة رسمية معنية أخرى. فإذا ما بذل الناشرون والمحررون جهدهم لاستبعاد تيمات بعينها عن خط النشر والطباعة، فلا يرجع ذلك لخوفهم من الملاحقات القضائية التي تعقب ذلك، وإنما لخشيتهم الكبيرة من ردود فعل الرأي العام على قراراتهم. وفي هذه البلاد، تُعد الخشية الفكرية – أو ربما الرهاب الفكري – هو أسوأ ما يمكن أن يواجه الكاتب أو الصحافي من أعداء، ولا يبدو لي أن هذه الحقيقة قد نالت ما تستحقه من التناول أو المناقشة الجادة.
ومن شأن أي شخصية راشدة ذات بعد ثقافي جيد وخبرة صحافية معقولة أن يُقر بأنه خلال مجريات الحرب الراهنة لم تكن الرقابة الرسمية على النشر والمطبوعات مثيرة للإزعاج على نحو خاص. فنحن لم نتعرض لنفس النوع من الرقابة الشمولية التي كنا نتوقعها بصورة معقولة برغم أن الصحافة في بلادنا لديها قدرها المعتبر من المظالم المبررة، لكن الحكومة – وبصورة عامة – قد سلكت مسلكا يتسم بالتسامح إلى حد مدهش مع آراء الأقليات. بيد أن الحقيقة المزعجة للغاية بشأن الرقابة الأدبية في المملكة المتحدة هي أنها رقابة طوعية إلى درجة كبيرة. إذ يمكن إسكات الأفكار والأطروحات غير المستساغة شعبيا، كما تحتفظ الحقائق المثيرة للغط والإزعاج بمكانها في الخفاء، من دون الحاجة إلى فرض أي حظر رسمي على التفوه بها أو نشرها.
وبالنسبة إلى أي شخص عاش لفترة طويلة في الخارج، فإنه سوف يدرك على الفور الحالات التي تظهر فيها الأنباء المثيرة على سطح الأحداث – أي تلك الأنباء التي سرعان ما تجد سبيلها إلى صدارة عناوين الصحف والمجلات – والتي يجري استبعادها على نحو واضح من الصحافة البريطانية، ولا يرجع ذلك إلى التدخل الحكومي، وإنما بسبب ذلك الاتفاق الضمني غير المعلن بأنه لا جدوى تُذكر من عناء نشر أو ذكر تلك الحقائق بصفة محددة. وبقدر ما تُعنى الصحف اليومية بالأمر، فإن هذا مما يسهل فهمه وإدراكه. إن الصحافة البريطانية ذات طبيعة مركزية للغاية، وأغلبها مملوك لزمرة من الأثرياء الذين يملكون كل الدوافع المسوغة لأن يتسموا بعدم الأمانة إزاء الموضوعات ذات الأهمية. بيد أن نفس النوع من الرقابة المخفية لها أصابعها التي طالت المطبوعات والكتب والدوريات، تماما كما كان الحال في المسرحيات، والأفلام، والمحتويات الإذاعية. وفي أي لحظة معينة، هناك تلك الكتلة المعتبرة من المعتقدات التقليدية، وهي مجموعة الأفكار التي من المفترض بالشخصيات ذات التفكير السليم القبول بها من دون تشكيك. وليس من المحظور على نحو خالص التفوه بهذا، أو ذاك، ولكن ليس من المقبول إطلاقا التفوه بذلك، تماما كما كان من غير المقبول تماما ذكر «السراويل» في حضرة النساء إبان منتصف العصر الفيكتوري.
وكان أي شخص يناوئ المعتقدات التقليدية السائدة يجد نفسه «قيد الإصمات» المطبق بفعالية تثير الذهول. ولم تكن وجهات النظر غير الملائمة بصورة أصيلة للعصر الراهن تجد آذانا صاغية، سواء في المطبوعات الصحافية ذات الشعبية أو لدى المطبوعات راقية المستوى.
وما تتطلبه المعتقدات التقليدية السائدة، في اللحظات الراهنة، يتعلق بالإعجاب غير النقدي بروسيا السوفياتية. وكان الجميع يدرك ذلك، بل وربما يتصرف الجميع بناء عليه بصورة نسبية. وكان أي انتقاد جدي للنظام السوفياتي، وأي إفصاح عن الحقائق التي كانت الحكومة السوفياتية تفضل إخفاءها، هو من الأمور غير القابلة للطباعة. وتدور مجريات هذه المؤامرة على الصعيد الوطني تملقا لحليفنا على خلفية من التسامح الفكري الحقيقي وبصورة مثيرة للفضول. ورغم أنه غير مسموح لك بتوجيه الانتقادات إلى الحكومة السوفياتية، فأنت على أدنى تقدير تحظى بالحرية الكافية في انتقاد حكومتنا. ولا يكاد أحد يُقدم على طباعة منشور يتعرض بالهجوم لشخصية ستالين، ولكنه من الآمن تماما شن الهجوم على ونستون تشرشل، وبأي درجة من الدرجات في الكتب والدوريات المختلفة. وعلى مدار خمس سنوات من الحرب، وعلى وجه التحديد خلال عامين أو ثلاثة منها التي كنا نقاتل فيها من أجل البقاء على قيد الحياة قوميا، جرى نشر عدد لا يُحصى من الكتب والنشرات والمقالات التي تدعو إلى التسوية السلمية من دون تدخل رقابي أو حكومي يُذكر. وعلاوة على ذلك، كانت تلك المطبوعات في مجملها تجد طريقها للنشر من دون ذلك الرفض المثير للجدل. وطالما أن الجميع ينأى بنفسه عن المساس بهيبة الاتحاد السوفياتي، فإن مبدأ حرية التعبير مؤيد ومدعوم بصورة معقولة. وهناك جملة من التيمات التي تخضع للحظر، وسوف أذكر بعضا منها راهنا، بيد أن الاتجاه السائد إزاء الاتحاد السوفياتي هو من الأعراض الأكثر جدية للملاحظة. وهي الآن، كما كانت من قبل، من الأعراض التلقائية وليست الناجمة عن ممارسات أي جماعة بعينها من جماعات الضغط المعتبرة.
إن حالة الخنوع الفكري التي خيمت ظلالها القاتمة على المجال الأكبر من المثقفين الإنجليز والذين ابتلعوا ثم كرروا من خلالها الدعاية الروسية منذ عام 1941 وما بعده هي حالة مثيرة للذهول بكل المقاييس سيما إن لم يكونوا قد سلكوا مسلكا مماثلا في مناسبات عديدة سابقة. وعبر قضية مثيرة للجدل تلو الأخرى، كانت وجهات النظر الروسية تُقبل من دون تمحيص معقول مع تغافل واضح وكامل عن الحقائق التاريخية أو اللياقة الفكرية المعتبرة. ونذكر مثالا واحدا فقط، فقد احتفلت هيئة الإذاعة البريطانية بالذكرى الخامسة والعشرين للجيش الأحمر السوفياتي من دون العطف على ذكر الثوري الروسي ليون تروتسكي. ويماثل ذلك تماما الاحتفاء بإحياء ذكرى معركة الطرف الأغر من دون ذكر القائد نيلسون، غير أن ذلك لم يثر أي قدر من المعارضة يُذكر لدى الزمرة الثقافية الإنجليزية.
وكانت الصحف البريطانية، في الصراعات الداخلية في مختلف البلدان المحتلة، تتخذ في تحيز واضح - وفي أغلب الحالات المعروفة تقريبا – موقف الفصيل المفضل لدى الطرف الروسي، وتتخذ موقف التشهير بالفصيل المعارض في الأثناء ذاتها. وتتعمد في بعض الأحيان إخماد الأدلة والوقائع المادية من أجل الاستمرار في ذلك. ومن القضايا الصارخة بصورة خاصة كانت قضية العقيد ميخائيلوفيتش – وهو قائد مفارز تشيتنيك بالجيش اليوغوسلافي السابق. وكان الروس – من خلال وسيطهم اليوغوسلافي المعروف داخل دوائر المارشال جوزيف تيتو – قد وجهوا الاتهامات ضد العقيد ميخائيلوفيتش بالتعاون مع القوات الألمانية. ولقد التقطت الصحف البريطانية تلك الاتهامات، ومن ثم لم تسنح الفرصة أبدا لدى أنصار العقيد ميخائيلوفيتش للرد عليها، كما ألقيت الظلال الثقيلة على الحقائق الدامغة التي تتعارض مع الاتهامات الروسية.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.