مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (1 - 3): حذرنا صدام من التهور... ولم نعلم بنيته اجتياح الكويت

قال بوش للحسين: لن أسمح لصدام ولا لأي أحد آخر أن يتحكم في النفط لأنه مستقبل الأجيال

الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (1 - 3): حذرنا صدام من التهور... ولم نعلم بنيته اجتياح الكويت

الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران
الملك حسين والرئيس حافظ الأسد مع مضر بدران

تنفرد «الشرق الأوسط» ابتداء من اليوم بنشر حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان.
وتزخر مذكرات بدران بالأحداث والمواقف التي يكشف عنها لأول مرة، وتوثق لمراحل مهمة مر بها الأردن خلال النصف الأخير من القرن الماضي. وسبق لمضر بدران أن أسس وترأس جهاز المخابرات العامة الأردني في نهاية ستينات القرن الماضي، ورئاسة الديوان الملكي على فترات، وكان قريباً من الملك حسين ومطلعاً على جوانب مهمة من صياغة القرار الأردني. وفي هذه الحلقة الأولى يروي بدران تفاصيل عن الجهود التي بذلها الأردن لمنع العمل العسكري العراقي ضد الكويت ويقول إن المساعي الأردنية كانت تهدف إلى إيجاد حل عربي - عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت. كما يتطرق إلى تفاصيل عن اتصالات الملك حسين مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في الفترة التي سبقت حرب تحرير الكويت.

في 2 مايو (أيار) 1990 انعقدت القمة العربية في بغداد، وفي اجتماع مغلق مع القادة، خاطب صدام كلاً من الإمارات والكويت... كان الاجتماع متوتراً، وكانت قمة تتحدث صراحة عن الخلافات العراقية الكويتية.
وتحدث إلى العراقيين في إحدى الزيارات الرسمية لبغداد، بأن الكويتيين حفروا على حدودهم مع العراق، وسحبوا نفطاً خاماً من حوض مشترك مع العراقيين على الحدود (حقل الرميلة)، وذلك خلال انشغال العراق بحربها مع إيران. أثار ذلك استغرابي، وقدرت أنه سيسبب أزمة كبيرة بين البلدين.
كنا قريبين من العراقيين، تعبنا ونحن نحاول إقناعهم بأهمية ألا تصل الأمور بينهم وبين الكويتيين للعمل العسكري، ورغم أننا اتهمنا بأننا كنا نعرف عن احتلال العراق للكويت، لكنْ قطعاً لم نكن نعلم بذلك.
صحيح أن المؤشرات كانت واضحة لنا، وفكرنا بصوتٍ عالٍ في الأمر مع الراحل الحسين، وحاولنا أن نحذر صدام حسين من أي تهور على هذه الجبهة، لكن لم يكن لدينا أي علم بنية صدام اجتياح الكويت، أو بموعد ذلك الحدث الذي غير ملامح منطقتنا. وذهب فينا الظن إلى أن ما يقوم به صدام مجرد مناورات سياسية، عطفاً على مطالبة عبد الكريم قاسم سابقاً، بأن الكويت أرض عراقية، وهدد باسترجاعها، وقامت جامعة الدول العربية في حينها بإرسال قوات عسكرية للكويت.
كنت أعي أن صدام حسين الذي عرفته جيداً لديه نقاط حساسة لا يساوم عليها، فقد درست شخصية صدام، وأمعنت النظر طويلاً في تحليلها، وبقيت في الأشهر الثلاثة الأولى لمعرفتي به، أجلس في الاجتماعات صامتاً، فقط أريد أن أحلل شخصيته، فهو رجل يتعامل بانفعال شديد، إذا ما تعلق الأمر بالكرامة أو النخوة أو الشهامة. خلال زيارتنا الأخيرة لبغداد، وقبل احتلال الكويت، كان صدام قد أرسل رئيس وزرائه سعدون حمادي للكويت، حيث انتظر الأخير ليومين لمقابلة أمير الكويت، وهذا ما زاد (الطين بلة). بقيت الأمور تتطور، وحاولنا رأب الصدع بين الأشقاء، لكن محاولاتنا جاءت بعد أن ساءت الأمور كثيراً.
وقبل احتلال الكويت بأيام، كانت العواصم العربية تعج بالزيارات الثنائية والاجتماعات، وأذكر جيداً أنه في 29 و30 يوليو (تموز) 1990 وقبل احتلال العراق للكويت عقد اجتماعان منفصلان، الأول في السعودية بين ولي العهد الكويتي سعد العبد الله الصباح، ونائب الرئيس العراقي عزت إبراهيم الدوري، وكانت تعليمات صدام للدوري واضحة: «في حال وافقت الكويت على المطالب العراقية (خير وزين)، وإنْ لم توافق ارجعْ فوراً».
أما الاجتماع الثاني، فكان بين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين في بغداد، وتأخرت يومها عن اللحاق بالاجتماع بسبب قدوم رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي لعمان في زيارة رسمية. غادر صدقي للقاهرة، وغادرت أنا إلى بغداد حيث وصلت الساعة العاشرة ليلاً، وكان العشاء الرسمي قد انتهى، وجلست مع الراحل الحسين، الذي أبلغني عن توتر الوضع بين صدام والكويت.
طلبت أن أقابل صدام لأحذره من التهور والاستعجال، وبالفعل وقبل مغادرتنا - جلالة الملك وأنا - بغداد باتجاه الكويت حيث كانت وجهتنا مقررة سلفاً، قابلته وحاولت إقناع صدام بذلك.
لاحقاً، وبينما نحن في السيارة مغادرين إلى المطار، قلت لطه ياسين رمضان الذي كان النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي آنذاك، إنني لم أر صدام غاضباً لهذه الدرجة من قبل، وأضفت أن عليهم إقناعه بعدم التهور، فهذا سيضر بمصالحنا جميعاً.
في زيارة لاحقة خلال أيام احتلال الكويت، قال لي صدام حسين على ضوء حواري السابق مع رمضان: «بدك أبو نادية (طـه ياسين رمضان) يهدي علي، أنا من يهدي عليه خلال اجتماعات مجلس قيادة الثورة». لقد كان طارق عزيز هو الوحيد في القيادة العراقية الذي اتخذ موقفاً ضد حرب صدام على الكويت.
بعد ذلك وصلنا إلى الكويت، حيث بقينا في بالمطار والتقى الحسين بالشيخ جابر الأحمد الصباح، وبدا لي أن الأمور تتجه إلى مزيد من التوتر، وأن هناك نية لدى صدام لدخول الكويت التي كانت متمسكة برأيها، وكان العراقيون متشددين بموقفهم. أنا لم أحضر اجتماع الراحل الحسين بأمير الكويت، لكن بقيت ووزير الخارجية الكويتي وقتها، الشيخ صباح الأحمد الصباح، واقفين بانتظار انتهاء اجتماع الملك والأمير. هناك سألت الصباح، عن صحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحْب الكويت النفط الموجود فيه، وأجابني بقوله إن هذا صحيح، وإنهم على استعداد للتفاهم على هذا الأمر، وإنهم أنتجوا من البئر 1700 برميل يومياً، وإن صدام يقول إن إنتاجهم تجاوز 2000 برميل نفط وأكثر. وعندها تأكدت أن صدام لن يتركها هكذا، لأن الموقف كله حدث وصدام مشتبك عسكرياً على الجبهة الإيرانية.
بعد عودتنا من الكويت طلبت مجلس النواب للاجتماع في جلسة سرية، وقلت في تلك الجلسة، إنني لن أتفاجأ إذا قام العراق باحتلال الكويت. كانت تلك الجلسة مساء يوم الأربعاء، وفي صباح اليوم التالي، الخميس 2 أغسطس (آب) 1990 دخل صدام الكويت، واستولى عليها كاملة في غضون أربعة أيام.
بعد أن احتل العراق الكويت واصلنا العمل للضغط على صدام للانسحاب، ولم نهدأ، ونحن نحاول الضغط عليه، تجنباً لأي عمل عسكري ضده تقوده أميركا وحلفاؤها.
وفي أحد الاجتماعات استطعت أن أحرج صدام حسين، وأضغط عليه بفكرة الانسحاب، قلت له: «أنت لم تكن تنوي أن تجتاح الكويت». لم يعجبه كلامي، لكنه اعترف بصحته، وقال إن قائد الكتيبة الذي ذهب إلى الحدود العراقية الكويتية، أبلغه أنه لا وجود لقوات كويتية على الحدود، وإنه سأل صدام: «هل أكمل الطريق نحو العاصمة؟»، فأجابه: «نعم»، وهذا ما جرى. استغربت أن من جملة الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة، اجتهاد قائد كتيبة عراقي، بطريقة غير صحيحة، عندما عاد إلى صدام لأخْذ رأيه، والأصل ألا يعود له ويكتفي بتنفيذ الأوامر الموجودة عنده.

وساطة أردنية لحل الأزمة
استمرت مساعي الحسين للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، فقد أعلن الراحل الحسين أنه أخذ وعداً من الرئيس المصري حسني مبارك والملك فهد بن عبد العزيز، بقبول وساطته للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، مقابل عقد قمة مصغرة في جدة. حيث طار الملك الحسين إلى بغداد في اليوم التالي لإتمام الاتفاق، وكان الاتفاق على عقد اجتماع قمة مصغر، إذا ما أخذت القيادة العراقية قراراً بالانسحاب السريع المحدد من الكويت.
القضية عند هذا الحد كانت في طريقها إلى الحل الكامل. والراحل الحسين أخذ موافقة العراقيين على الاجتماع في جدة، وطلب صدام حسين الرجوع لقيادة الحزب، لأخذ قرار الانسحاب من الكويت، وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة عصراً، وقال صدام إن عزت إبراهيم سيتصل للإبلاغ بخبر الانسحاب.
فهمنا أن العراقيين مرنون بالتفاوض على مبدأ الانسحاب. ووصلنا مطار ماركا في الساعة 5:15 مساء.
وقد أدلى الراحل الحسين بتصريحات لشبكة CNN، وبعد أن صدرت التصريحات عادت مصر والسعودية عن موافقتهما لحضور القمة المصغرة والقمة الموسعة، وقال صدام للحسين: «إذا صدر قرار مجلس الجامعة بإدانة العراق، ترى يا أبو عبد الله كل واحد بأرضه».
وكان الاتفاق مع حسني مبارك على تأجيل اجتماع مجلس الجامعة، لتنجح الوساطة، إلا أنه في تمام الساعة 11 ليلاً، صدر قرار مجلس الجامعة العربية، وقد كنا أبلغنا وزير خارجيتنا مروان القاسم، أن على اجتماع الجامعة أنْ يستمع لخبر مهم عند الساعة العاشرة ليلاً، يتضمن موافقة مجلس قيادة الثورة العراقية على الانسحاب من الكويت، وحضور القمة المصغرة في جدة. بعد صدور قرار مجلس الجامعة، عرفنا أن الأمور أكبر من تحركاتنا الدبلوماسية، عندها أرسل سفيرنا في القاهرة مشروع قرار مجلس جامعة الدول العربية، الذي سيبحث في قمة القاهرة، يوم 5 أغسطس.
انعقدت قمة القاهرة وكانت مليئة بالمفارقات لأن المصريين قبل القمة كانوا قد أعلنوا موقفهم بإرسال قواتهم إلى حفر الباطن، وبالتالي موقفهم كان محسوماً في الأزمة، ولم يعد هناك أي مبرر للقمة. لم تأخذ القمة القرارات بالإجماع العربي، بل كان قرارها قرار مجموعة عربية.
كان وزير الخارجية مروان القاسم يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب قبل القمة، وبعث للراحل الحسين بأن موقف القمة يذهب باتجاه «شجب وإدانة» اجتياح العراق للكويت، بشكل يحاكي قرار مجلس الأمن.
كنا في قصر الندوة صباحاً، أنا وزيد بن شاكر وعدنان أبو عودة، ولدى سماع الملك الحسين بالقرار غضب كثيراً، وقال: «الله أكبر، شو تركوا للوساطة»، وقال لنا أنْ نبلغ القاسم أن قرار الأردن التحفظ على القرار العربي.
بالنسبة للأردن، كنا لا نزال فاعلين على خط الوساطة مع صدام، لدفعِه للخروج من الكويت... وكان موقفنا في قمة القاهرة هو مع تشكيل لجنة عربية مصغرة، تقدم تقريرها خلال مدة محدودة، وأردنا من القرار أن نستفيد من الوقت، لصالح جهود الوساطة، كما أردنا من التقرير أن يسند الموقف العراقي، ويبين جوهر الخلاف بين العراق والكويت.
لم تتوقف مساعي الأردن لإيجاد حل عربي عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت، ولذلك قدمنا اقتراحاً بأن ننشر نصف جيشنا العربي على الحدود السعودية العراقية، وأن يكون جيشنا تحت تصرف السعوديين بالإضافة إلى الجيشين المصري والجزائري، فقد كنا على يقين بأن صدام حسين لن يضرب جيشاً عربياً، لكنه سيدمر أي جيش أجنبي، وسيشتبك معه.
لكن مقترحاتنا لم تتوافق مع التصورات الخليجية حول ما يجري، وهذا ما عقد من نجاح مبادرتنا للحل العربي العربي، إذْ بات جلياً أن التصور الخليجي استند إلى أن الاجتياح العراقي للكويت ناتج عن تنسيق أردني عراقي يمني فلسطيني، وأن الملك الحسين يعرف بالاجتياح... وأمام كل تلك الإشاعات والمعلومات الخاطئة، أخذ الخليج موقفه من وقف المساعدات للأردن.
وقال الملك حسين في أحد اجتماعاته بمجلس الوزراء، نهاية العام 1990 إنه اكتشف مؤخراً أن هناك حملة مركزة تجاه قيادات في الخليج العربي والمملكة العربية السعودية مستمرة منذ ما لا يقل عن سنتين، سعت لأن تعطي انطباعاً لهم بأن هناك تآمراً يستهدف الخليج والسعودية، وأن هذا الانطباع يؤكد وجود أهداف مرسومة عند العراق والأردن واليمن، وهو ما فسره الراحل الحسين على أنه السبب وراء معاناتنا خلال الفترة الماضية، وكيف كانت الوعود بالمساعدات لا تنفذ.
رحم الله الحسين، كان ينظر للعراق على أنه أمل جديد، وظاهرة عربية جديدة، وكان حريصاً على الخروج من المحنة قوياً صلباً معافى... لكن الملك كان يريد فعلاً الربط بين انسحاب العراق من الكويت، وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس، حتى مع الرفض الأميركي والبريطاني لذلك، حيث كان يجد في الأمر فرجاً لحل القضية الفلسطينية. وقد دعم الراحل الحسين صدام في المبادرة التي أعلنها في 12 أغسطس 1990 حيث وضع القضايا العربية في سلة واحدة.
مساعي منْع العمل العسكري
رغم التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، كان الحسين يسعى من خلال الجهود الدبلوماسية لمنع العمل العسكري، وزرنا بالفعل واشنطن، والتقينا بالرئيس الأميركي جورج بوش، وقال بوش للحسين: «لن أسمح للعراق ولا لصدام ولا لأي أحد آخر، أن يتحكم بالنفط، لأنه مستقبل الأجيال في الولايات المتحدة والغرب، وصدام يريد الاستحواذ على 20 في المائة من احتياطي النفط في العالم، وهذا بالنسبة لنا أمن قومي، ولن نسمح لصدام بانتهاكه».
الحسين شرح في تلك الزيارة حيثيات الأزمة بين العراق والكويت، وأن فرص الحل العربي قد تؤجل الحرب في المنطقة. وأشار الحسين إلى أن حماية السعودية من أي تهديد عراقي تكون بوضع قوات عربية على الحدود العراقية السعودية. وجدد الحسين مطالبه بوقف حملات التصعيد ضد العراق، وحذر من أن العراق سيبادر برد الفعل على كل فعل أميركي.
الحركة الدبلوماسية للراحل الحسين لم تقتصر على واشنطن، ورافقناه في العديد من الجولات. قمنا بزيارات لشمال أفريقيا وأوروبا، وعدنا بانطباعات كثيرة، منها أن موقف ليبيا (مخلخل)، والتدخل العراقي بالكويت هو سبب التدخل الأجنبي في المنطقة بحسب قولهم.
بالنسبة لبريطانيا، فقد كانت تؤيد الحرب وتريد إسقاط صدام حسين، لا بل إن موقفها متشدد ومتطرف جداً من استمرار نظام صدام حسين رئيساً للعراق، بحسب ما فهمنا من البريطانيين، فهم لا يعيرون اهتماماً لِمن سيحكم الكويت بعد الحرب، المهم بالنسبة لهم إسقاط صدام، وهو ما استمعنا إليه من (مارغريت ثاتشر) والتي تمتلك عقلية ديكتاتورية كاملة، كأنها خارجة من استعمار الهند للتو.
بالنسبة للفرنسيين، فقد أبلغنا الرئيس الفرنسي «فرنسوا ميتران»، أنه متألم من موقف العراقيين، ومنزعج من صدام، لكنه لا يزال يعمل على تفعيل مبدأ الحل السلمي السياسي، وليس العسكري. أما ألمانيا، فكانت ضد استخدام القوة، وغمزوا لنا بأن ثاتشر هي من تدفع جورج بوش الأب لهذا الموقف ضد العراق.
في تلك الجولة، فشلت زيارتنا لموسكو، بسبب تضارب المواعيد، وبعدها توجهنا إلى بغداد، لوضعهم بصورة كل التطورات. قابلت طارق عزيز، وكان كلامه لا يوحي بالتفاؤل، لكنه ليس القائد، لذلك بقيت متفائلاً قليلاً. في أحد الاجتماعات هناك، تحدث قائد عسكري رفيع، وكان اسمه خلدون سلطان، وهو فريق في الجيش العراقي، قلنا للعراقيين في تلك الزيارة، إن هناك أفكاراً يمكن دعمها إنْ أبدى العراق المزيد من المرونة، فمن الممكن الانسحاب الأميركي من المنطقة والخليج، وأن يكون ذلك متزامناً مع خروج العراق من الكويت، وهذا يدور اليوم في أروقة مجلس الأمن، كما أكدنا لهم أن بوش من قال إن الحكومة الكويتية ليست مشكلته الرئيسة، وإنما الأهم عنده هو انسحاب العراق من الكويت.
في زيارتنا للعراق التي أعقبت الجولة الدولية، كان لقاء الراحل الحسين مع الرئيس صدام صريحاً جداً، وكاشف الزعيمان بعضهما بعضاً بكل ما يجول في خاطرهما، والنتيجة التي وجدنا صدام ممسكاً بها، هي ما طرحه في اجتماع سابق في 12 أغسطس 1990، وهو الذي تضمن مبادرة العراق في ربط انسحاب العراق من الكويت بحل القضية الفلسطينية، وأنْ لا عودة عن هذا القرار، فالمرونة ستفسر على أنها تراجع، وصدام قال: «لا تراجع عن هذا الموقف، والكويت محافظة عراقية، وانتهى الأمر».
على الجهة المقابلة، كان وزير الخارجية مروان القاسم، ينفذ جولة دبلوماسية على دول الخليج، وكم كانت تلك الزيارة ثقيلة عليهم، وصعبة علينا. كانت الزيارة بهدف تجديد التوضيحات حول الموقف الأردني.
قطر لم تجب على رسالتنا، فلم نزرها. وفي عمان، كان السلطان قابوس قد أظهر بعض الإيجابية، خصوصا أنه لم يتجاوب مع كل مطالب الأميركيين. الإمارات كانت في حالة غضب، ويقولون لنا: «هيك الملك حسين يعمل فينا! واحنا اللي ساعدناه»، فقد كانوا يعتبرون أن موقف الراحل الحسين في كفة، وموقف العالم كله في الكفة الأخرى.
كان ذلك يعني بالنسبة لنا في الأردن، قطْع المساعدات العربية، وهو ما أبلغناه لمجلس النواب، وأننا بوضع اقتصادي صعب، حيث طلبنا من ليبيا دفْع المساعدات، فسألونا عما إذا كان صدام حسين أعطانا من أموال البنك المركزي الكويتي، فأبلغناهم أن أميركا قالت لنا إن صدام حسين لم يستطع فتح خزنة البنك المركزي الكويتي، وفك شيفرة الكومبيوتر الخاص بها.
قبل قصف بغداد بأيام، زرت دمشق، وقابلت الرئيس حافظ الأسد لمدة ست ساعات متصلة، وقلت له إن الحرب الدائرة ليس لنا علاقة بها، وإن العلاقة السورية العراقية تحسنت مؤخراً، وهو ما يسند الأردن ويدعمه أمام التحديات الأهم وهي القضية الفلسطينية. وأن قوة العراق لكل العرب، وليست لصدام وحده. وسألت الأسد: «كيف سيوفق السوريون بين وجود جيشهم في حفر الباطن، ووجوده في الجهة الأخرى إذا ما حدث لنا أي شيء من جهة الإسرائيليين؟!».
ليجيبني الرئيس السوري بقوله إن أي هجوم إسرائيلي على الأردن هو هجوم على سوريا، وإن جيشه سيتدخل فوراً، ولن يترك الأردن وحده في مواجهة إسرائيل.
حاولت في ذلك الاجتماع الطويل، أن أدعو الأسد لمصالحة صدام، لكن الأسد قال لي إن الحسين أغلق الباب علي وعلى صدام في الجفر لمدة 14 ساعة للتفاوض على أساس المصالحة، لكنْ فشل ذلك الاجتماع بسبب غرور صدام، وغروره هو ما سيقتله.
كان السبب الجوهري لزيارتي الطلب المباشر من حافظ الأسد بالموافقة على تأمين الأردن بالنفط في حال قطع النفط العراقي عن الأردن. وأصدر الأسد أوامره لرئيس الوزراء السوري محمود الزعبي، بتأمين احتياجات الأردن من النفط، متى ما طلبت الحكومة ذلك، وبعد خروجي من عند الأسد، قال الزعبي إن ما طلبته من صلاحياته، وما من داعٍ لتدخل الرئيس الأسد بالأمر، فقلت له: «هكذا أضمن تنفيذ طلبي». وبالفعل، في أحد الأيام، التي طلبت فيها النفط من سوريا، منع وزير المواصلات السوري خروج الصهاريج المحملة بالنفط من العاصمة السورية دمشق إلى الحدود السورية الأردنية، فاتصل معه الزعبي وأبلغه أن الرئيس الأسد هو الذي أمر بذلك، وليس أي أحد آخر.
لم تتوقف وساطاتنا لحل الأزمة تفاديا للعمل العسكري، وقبل شهرين من الحرب ذهبت لبغداد، حاملاً رسالة من الراحل الحسين إلى صدام، واجتمعت بالرئيس العراقي نحو ساعتين ونصف الساعة، كان سبب الرسالة المستجدات بحركة الممثل الشخصي لرئيس الاتحاد السوفياتي غورباتشوف، والاتصالات حول التوجه الفرنسي الداعي للحل السياسي للأزمة. وكالعادة، أعاد صدام حسين تأكيد موقفه الثابت، وأن الانسحاب من الكويت غير وارد، في تلك الزيارة، شعرت أن العراق ذاهبٌ لخيار الحرب، وقال لي فيها صدام: «فلتحدث الحرب... ولا تنازل، وإن العراق لن يبدأ الحرب، لكن إن بدأوا بالحرب فالجاهزية عالية، ويخطئ من يظن أن الحرب ستكون سريعة».



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.