«يوناميد غيت»..!

فضيحة الأمم المتحدة في دارفور

«يوناميد غيت»..!
TT

«يوناميد غيت»..!

«يوناميد غيت»..!

تنشغل كل من نيويورك والخرطوم هذه الأيام بأمر مغادرة البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور المعروفة اختصارا بـ«يوناميد». ورفعت الخرطوم من صوتها المطالب بخروج البعثة ووضع استراتيجية واضحة للخروج، أو تغيير مهمتها من حفظ السلام إلى بناء السلام، مع تقليص وجودها العسكري. أما رئاسة البعثة في نيويورك فيبدو أنها تلقفت مطالبة الخرطوم بخروج البعثة، وسارعت بإرسال فريق منها لبحث الأمر مع الخارجية السودانية، ولدراسة أوضاع البعثة على الأرض.
وتعاني البعثة نفسها من اتهامات بفشل مهمتها من كل الأطراف، من رئاستها ومن معارضي دارفور، وأنها متواطئة وتتستر على انتهاكات القوات السودانية، وفي الوقت نفسه فإن الخرطوم التي تعد على نطاق واسع مستفيدة من وجود البعثة، بدأت بعد ذيوع اتهامات الاغتصاب الجماعي في منطقة تابت بشمال دارفور، تكشر عن أنيابها في وجه البعثة وحليفتها السابقة.
فشل البعثة في حماية المدنيين، والاتهامات بالتواطؤ التي لاحقتها من المتحدثة السابقة باسمها عائشة البصري، وتسرعها في إصدار تقرير نفت فيه حدوث اغتصاب تابت، وعودتها مرة أخرى للمطالبة بإجراء تحقيق جديد زاعمة فيه أن أجواء التحقيق السابق لم تكن مواتية، جعلت منها «أضحوكة» تمارس فضيلة «الصمت المسكين»، بانتظار تحديد مصيرها.
وجاءت «يوناميد» للسودان في أعقاب اتهامات للبعثة التابعة للاتحاد الأفريقي التي كانت تحمل الاسم الكودي «أميس» بالفشل، لكن يبدو أن لعنة «أميس» طاردت البديل.
المجتمع الدارفوري يسخر من كلتا المهمتين، ويعتبر نقل ولاية البعثة من الاتحاد الأفريقي إلى الأمم المتحدة مجرد عملية تبديل قبعات (بيريهات) الاتحاد الأفريقي الخضراء، إلى قبعات الأمم المتحدة الزرقاء، فالقوات المقاتلة المنوط بها حماية المدنيين هي نفسها بـ«قبعات من لون مختلف» ليس إلا. القوات الأفريقية بدلت زيها ووضعت شعار الأمم المتحدة بديلا لشعار الاتحاد الأفريقي.
وانتقل تهكم المجتمع الدارفوري من «أميس» إلى «يوناميد». يقولون إنها قوات يمكن شراء أفرادها بـ«دجاجة مشوية وقارورة خمر»، وهي لا تستطيع حماية نفسها ناهيك عن حمايتهم، وهذا ما كشفته تجربة عملية لمحرر «الشرق الأوسط» حدثت بعيد ساعات من توقيع اتفاقية «أبوجا»، بين جناح «مني آركو مناوي» - حركة تحرير السودان، وحكومة الخرطوم.
كاد قائد قوة الاتحاد الأفريقي وقتها الجنرال النيجيري «آي هيكري» يفشل في استعادة صحافيين كانوا بمعيته في منطقة قريضة بجنوب دارفور، مما يجعل من احتمال تمكن قواته من نجدة المدنيين مستحيلا.
مهمة الصحافيين كانت تغطية محاكمة «جنود من أميس»، اتهموا بارتكاب جرائم اغتصاب ضد فتيات من منطقة قريضة. احتجزت قوات متمردة مراسل «الشرق الأوسط» ومراسل وكالة الصحافة الفرنسية، اللذين كانا يرافقان فريق التحقيق، ورفضت إطلاقهما، ولولا بسالة ضابط غاني الجنسية، لفشلت القوة في إعادتهما معها في مروحية قائدها.
ربما انتقل ضعف تفويض المهمة من «أميس» إلى القوة الجديدة البديلة «يوناميد»، مما أطاح بآمال دارفورية عراض كانت ترى في تبديل القبعات إيذانا بميلاد قوة حفظ سلام فعلية تحمي المدنيين، لكن لا نفعت القبعات الجديدة ولا انقشعت الفضيحة الدولية في دارفور.
أصدر مجلس الأمن القرار 1769 في 31 يوليو (تموز) 2007 تحت البند السابع، وقضى بإنشاء القوة المشتركة «يوناميد»، وكان مأمولا مشاركة 26 ألف شخص فيها: 19 ألف جندي، و360 بين مراقبين عسكريين وضباط اتصال، و6 آلاف و432 من الشرطة المدنية، بكلفة تتجاوز ملياري دولار.
وانتشرت مطلع 2008 قوة «يوناميد» التي تعد أكبر قوة سلام في العالم، معززة بمصفحات ومروحيات وطائرات قتالية، وحلت محل قوة الاتحاد الأفريقي التي كان يبلغ تعدادها 7 آلاف جندي.
ووفقا لقرار مجلس الأمن الصادر تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فوضت البعثة باتخاذ الإجراءات اللازمة في مناطق انتشار قواتها، حسب ما تراه في حدود قدراتها، لحماية أفرادها ومرافقها ومنشآتها ومعداتها، وكفالة أمن وحرية أفرادها والعاملين في المجال الإنساني التابعين لها، ودعم وتنفيذ اتفاق سلام دارفور، ومنع تعطيل تنفيذه ومنع شن الهجمات المسلحة وحماية المدنيين.
كما فوضت البعثة بالمساهمة في عودة الأوضاع الأمنية اللازمة لتقديم المساعدات، وحماية المدنيين المهددين بالتعرض لعنف جسدي وشيك، ومنع الاعتداء على المدنيين، ورصد وقف إطلاق النار الموقع عام 2004، ومدى التقيد به، والمساعدة في العملية السياسية وكفالة مشاركة الأطراف، وخلق بيئة أمنية لإعادة بناء الاقتصاد وعودة المشردين داخليا واللاجئين، واحترام حقوق الإنسان، والمساعدة على سيادة حكم القانون.
ووفقا للتفويض فإن مهام البعثة العملية تتضمن تقديم الدعم والمساندة لعملية السلام. ومنحت تفويضا برصد انتهاكات اتفاق سلام دارفور والاتفاقات الإضافية اللاحقة والتحقيق فيها والإبلاغ عنها، ومساعدة الأطراف في حلها عبر لجنة وقف إطلاق النار، ورصد الجهود المبذولة لنزع سلاح الجنجويد والميليشيات الأخرى، وحماية البعثة وضمان أمن موظفيها وحرية حركتهم، وحماية السكان المدنيين المهددين بالتعرض للعنف الجسدي، والحيلولة دون حصول اعتداءات ضدهم.
بيد أن فقرات التفويض ظلت مقيدة باشتراط عدم الإخلال بمسؤولية حكومة السودان، على الرغم من أن قرار مجلس الأمن 2113 الصادر في 30 يوليو 2013، شدد على ضرورة استخدام العملية المختلطة قدراتها استخداما كاملا، وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية في الوقت المناسب ومن دون عوائق.
ثم بدأت الأصوات تتحدث عن تواطؤ البعثة وتسترها على الجرائم التي ترتكبها قوات نظامية وميليشيات ضد المدنيين، ثم تعدى الأمر المدنيين ليستهدف أفراد القوة نفسها، فتسكت عن اعتداء الميليشيات على أفرادها ومعداتها، دون أن تملك القدرة على الرد دفاعا عن النفس.
فهل أفلحت البعثة في مهمتها بحماية المدنيين، وحماية نفسها، وهل وفقت طوال هذه الفترة – 7 سنوات تقريبا – في إنفاذ تفويضها أم خضعت لـ«مسؤولية حكومة السودان» التي نصت عليها اتفاقية تأسيسها..؟!
قالت «يوناميد» في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 إن مسلحين مجهولين قتلوا ثلاثة من جنودها، كانوا يحرسون بئر ماء في منطقة كورما بإقليم دارفور، وسرقوا مركبة هؤلاء الجنود، وبمقتلهم تكون يوناميد قد خسرت 61 رجلا من رجالها في دارفور منذ 2007، واكتفت البعثة بإدانة الاعتداء، وبالمطالبة بملاحقتهم وتقديمهم للعدالة، واعتبار مقتلهم جريمة حرب يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي، وهو ما جعل الحكومة السودانية في وقت لاحق تصف جنود البعثة بأنهم «عبء عليها»، وأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في مواجهة قطاع الطرق، ناهيك عن قوات الحركات المتمردة.
في ما يتعلق بحماية المدنيين، فإن العنف والقتل كما تقول التقارير الصادرة عن البعثة نفسها والمنظمات الحقوقية لم يتوقفا، وتكررت الاعتداءات عليهم كثيرا طوال وجود البعثة دون أن يجدوا الحماية اللازمة.
واتهمت «هيومان رايتس ووتش»، في مارس (آذار) الماضي، حكومة السودان بالاعتداء جوا وبرا على مدنيين في مناطق بدارفور. وقال المدير التنفيذي لقسم أفريقيا في المنظمة دانييل بيكيلي «لا يبدو أن ثمة نهاية لمعاناة المدنيين في دارفور، وعلى الحكومة وقف اعتداءاتها على المدنيين في دارفور». وأضافت «هيومان رايتس ووتش» أن البعثة لم تسع إلى نزع سلاح ميليشيات قوات «جنجويد» سيئة الصيت، كما نص عليه تفويضها، بل سكتت عن اختفائها داخل قوات «الدعم السريع».
واتهمت «رايتس ووتش» القوات الحكومية بقصف مناطق عديدة بالطائرات، وبشن هجمات برية كبيرة من قبل قوات على سيارات «لاند كروزر»، وعلى الخيول والجمال، وأن قوات الدعم السريع اعتدت على مواطنين في شمال دارفور، مما أدى إلى فرار أكثر من 45 ألف شخص. وقالت إن البعثة لم تحرك ساكنا تجاه كل اتهامات الانتهاكات تلك.
وانفجر «اللغم الفضيحة» بوجه البعثة من داخلها، عقب انتشار اتهامات المتحدثة السابقة للبعثة عائشة البصري، التي قالت وقتها لـ«الشرق الأوسط» إن بعثتها تسترت على اعتداء القوات الحكومية على أفرادها، وبشكل مخصوص ركزت على مقتل أحد حفظة السلام بيد القوات الحكومية في مهاجرية أبريل (نيسان) 2013، وعلى اختطاف واحتجاز 31 نازحا كانوا تحت حراسة القوة الأممية للمشاركة في مؤتمر بنيالا، وعلى مقتل 100 مدني في «مجزرة هشابة في سبتمبر (أيلول) 2012، جراء قصف الطيران الحكومي، وهجوم بري نفذته قوات حكومية على المنطقة، وقالت إن البعثة نسبت هذه الأفعال إلى مجهول رغم معرفتها بهوية الجناة.
وأشارت البصري إلى اختفاء مفردة «الجنجويد» من تقارير الأمم المتحدة، بعد أن ادعت الخرطوم عدم وجودها، وأدمجتها ضمن قواتها المساعدة وزودتها بأسلحة أكثر فتكا وسيارات لاند كروزر، في الوقت الذي كان فيه على البعثة نزع سلاحها وحماية المدنيين من خطرها. وزعمت البصري أن مجلس الأمن وإدارة حفظ السلام على علم تام بفشل البعثة في حفظ السلام وحماية المدنيين قبل إرسالها إلى دارفور، بسبب عدم وجود اتفاقية سلام حقيقية، تقبل بموجبها الدولة المضيفة وجود البعثة وتسهيل عملها، وأن يتوافر لها الدعم اللوجيستي المطلوب، وأن البعثة المكفول بها حفظ السلام، وإنفاذ اتفاقية «أبوجا» بين الحكومة وفصيل متمرد واحد، وصلت إلى الأرض ووجدت هذه الاتفاقية وهي تحتضر قبل تأسيس «البعثة الهجين»، وبالتالي لم يكن هناك سلام ليحفظ أصلا.
وحسب البصري، فإن الخرطوم «أجبرت» على الاستجابة لضغوط المجتمع الدولي، فقبلت شكليا بانتشار قوات «حفظ السلام»، واشترطت أن تكون معظم القوات أفريقية، ليس حبا فيها بل لأن نشر قوات أفريقية لن يغير من الواقع في شيء، لضعف قدرات وإمكانيات الدول المكونة لها، وهو الذي مكنها من إفشال بعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور «أميس» التي سبقت يوناميد، وطالب المجتمع الدولي باستبدالها ببعثة يفترض أن تكون أقوى بكثير، فجاءت يوناميد بعلم مجلس الأمن نسخة مكبرة من بعثة «أميس» الفاشلة لأنها أيضا أرخص ما في السوق، وأضافت «الحقيقة هذه البعثة حكم عليها بالفشل مسبقا، وبالخذلان المفجع لشعب دارفور».
وأقلقت الإفادات التي أدلت بها المتحدثة السابقة البصري الأمم المتحدة، فأعلنت عن فتح تحقيق بشأن اتهامات التواطؤ والتستر على جرائم القوات الحكومة ضد المدنيين في دارفور منذ ما يزيد على 10 سنوات، واتهامات التلاعب في التقارير والنقل غير الدقيق لما يجري على الأرض في دارفور، والإخفاقات في حماية المدنيين، والاتهامات بسوء الإدارة.
وفي أكتوبر الماضي، فرغت لجنة التحقيق الداخلية التي كونها الأمين العام بان كي مون من التحقيق بشأن تلك المزاعم، وبرأ التحقيق البعثة من مزاعم التستر، لكنه أدان صمتها على 5 وقائع. وجاء في بيان صادر عن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن فريق التحقيق فحص كل الملابسات المتعلقة بست عشرة واقعة شكلت أساس الاتهامات، وأجرى مقابلات شخصية مع موظفين سابقين وحاليين في «يوناميد» وعدد من العاملين بالمقر الرئيسي للمنظمة الدولية، ولم يجد الفريق أي أدلة تثبت هذه المزاعم.
بيد أنه قال إن التقرير وجد ميلا لعدم احتواء تقارير البعثة على بعض التفاصيل، ما لم تتحقق البعثة تحققا تاما من صحتها، وفي خمس من تلك الوقائع التي فحصت لم ترفع البعثة لرئاسة الأمم المتحدة تقارير وافية عن الظروف المحيطة بها، واشتملت على مخالفات محتملة من قبل الحكومة أو القوات الموالية لها.
وأضاف المتحدث باسم بان كي مون أن المحققين وجدوا أن البعثة اتخذت نهجا محافظا وغير مبرر تجاه وسائل الإعلام، وآثرت الصمت على اتخاذ موقف إعلامي معين، بينما كان بإمكانها اتخاذ مثل ذلك الموقف العلني، وإن كان ذلك في ظل عدم توافر كل الحقائق، وهو ما عدته البعثة براءة لها، في الوقت الذي طالبت فيه حركات دارفور المسلحة بتحقيق مستقل حول تلك المزاعم.
وسقطت الطامة الكبرى على رأس البعثة بذيوع اتهامات بممارسة عمليات اغتصاب جماعي من قبل قوات تابعة للجيش الحكومي لـ200 سيدة في منطقة تابت بالقرب من الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور. وتناقلت وسائل إعلام ووسائط تواصل بكثافة أنباء الاغتصاب الجماعي، وزعمت أنه مورس ضد نساء منطقة تابت نهاية أكتوبر الماضي من قبل قوات عسكرية حكومية موجودة في المنطقة. وقالت «يوناميد» إن السلطات السودانية منعتها من دخول المنطقة أول مرة، ثم عادت وسمحت لفريق تحقيق تابع لها بدخول المنطقة. ونفى تقرير فريق التحقيق مزاعم الاغتصاب، وذكر أنه لم يجد أدلة تثبت اتهامات الاغتصاب الجماعي.
وخرجت تسريبات من نيويورك بأن تقرير تحقيق يوناميد جرى تحت أجواء من ترهيب الشهود والضحايا، وصاحبه وجود أمني كثيف للقوات الأمنية السودانية، مما دفع الأمم المتحدة لطلب إجراء تحقيق آخر، بيد أن الخرطوم رفضته بشدة، واعتبرته محاولة مدبرة لإدانتها بعد ثبوت براءتها.
وأدت المطالبة بإجراء تحقيق جديد إلى توتر العلاقة بين البعثة والخرطوم، وأعلنت الخارجية السودانية بشكل مفاجئ أنها طلبت من بعثة يوناميد إعداد استراتيجية خروج من البلاد. وبعد فترة وجيزة من مطالبة الخرطوم بخروج البعثة، قالت الأمم المتحدة إنها أرسلت فريقا التقى مسؤولين سودانيين الأسبوع الحالي، وبحث معهم الاتفاق على استراتيجية لخروج البعثة الأممية.
وفي أول رد فعل للبعثة، نقل عن قائد قوات حفظ السلام في دارفور «إيرفيه لادسو» قوله في مجلس الأمن الدولي إن البعثة المشتركة البالغ قوامها نحو 16 ألف جندي «لن تخرج من دارفور بين عشية وضحاها». وجددت البعثة الخميس الماضي التأكيد على أن التحقيق الذي أجرته في تابت بشأن اتهامات الاغتصاب الجماعي في إقليم دارفور لم يسفر عن نتائج قاطعة، ويحتاج بالتالي إلى إجراء مزيد من التحريات، وهو الأمر الذي جعل الخرطوم تشكك في كفاءة قوة حفظ السلام وقدرتها على إجراء تحقيق نزيه بشأن مزاعم الاغتصاب. وقال مندوب السودان لدى الأمم المتحدة السفير رحمة الله عثمان «إن الحاجة لعودة محققين من عملية حفظ السلام إلى تابت توضح افتقار هذه البعثة للاحترافية».
وأكدت الخارجية السودانية لـ«الشرق الأوسط» وصول فريق من رئاسة الأمم المتحدة للخرطوم، لكنها لم تكشف فحوى ما دار في الاجتماعات. وقال المتحدث باسمها السفير يوسف الكردفاني «لم يحدث شيء بشأن استراتيجية الخروج، والوفد غادر إلى رئاسة البعثة في دارفور لبحث وتقييم الأوضاع الداخلية للبعثة، وباكتمال الترتيبات التي التي يجريها الفريق الأممي يمكن للطرفين بحث الوضع». وأضاف كردفاني «السودان ما زال على موقفه المطالب بخروج هذه القوة، أو أن تتغير مهمتها من حفظ السلام، إلى بناء السلام، مما يستدعي سحب القوة القتالية للبعثة، وتغير طبيعة عملها من أمني إلى تنموي، وهو أمر قيد التفاوض».
من جهته، أكد وكيل وزارة الخارجية عبد الله الأزرق وصول الوفد الأممي واجتماعه إليه لبحث استراتيجية المغادرة، ورفض الخوض في تفاصيل ما دار بينه وبين الوفد الأممي، وقال «لا أستطيع التعليق على الموضوع لأنه قيد النظر، وما زلنا في مرحلة التفاوض على استراتيجية الخروج».
ونفى الأزرق معلومات متداولة عن شروع الأمم المتحدة في إخراج بعض آلياتها من السودان استعدادا للمغادرة، وقال «هناك عربات أخرجت من السودان إلى الدول التي ينتشر فيها الإيبولا في غرب أفريقيا، وبالترتيب معنا». وشدد الأزرق على سحب البعثة كاملة، أو تغيير مهمتها، وأن حكومته لا تقبل إلا بتخفيض أعداد القوات، بسبب تحسن الأوضاع الأمنية في دارفور، مما يستدعي إنفاذ استراتيجية الخرطوم، وقال «نحن من يحدد مدى تحسن الأوضاع، فما عدا خروقات المتمردين المرصودة ليس هناك أي توتر أمني في دارفور».
من جهته، يعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري الدكتور حمد عمر الحاوي أن تقارير المنظمة نفسها تؤكد التستر على انتهاكات حكومية ضد المدنيين، وتشير إلى شواهد تدلل على وجود قدر من الفساد فيها. ويضيف الدكتور الحاوي «على صعيد المواطنين فإن البعثة فاشلة، ولم تحقق مهمتها في حماية المدنيين»، معتبرا وجودها خدمة جليلة للحكومة السودانية بقوله «هي تقدم خدمة جليلة جدا للحكومة بتسترها على الانتهاكات الحكومية أولا، وبإظهارها للسودان بمظهر المتعاون مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة ثانيا، وهي خدمة تضعف موقف دعاة التصعيد وفرض العقوبات المشددة على السودان، باعتباره متعاونا بدليل وجود البعثة».
ويوضح الحاوي أن طلب إنهاء مهمة البعثة خسارة للحكومة، وخسارة للمواطنين، على الرغم من ضعف مهمتها، ويتساءل «ما هو البديل؟ فدارفور ما زالت ملتهبة وتحدث بها انتهاكات كبيرة، وحقوق المدنيين والنازحين والمعسكرات تنتهك، ودور البعثة يحتاج للمراجعة والإكمال، وليس إنهاء المهمة». ويعتقد الدكتور الحاوي أن طلب استراتيجية المغادرة أتى من رئاسة البعثة في نيويورك، وأن موقف الحكومة الذي ساير أحاديث رئاسة البعثة عن استراتيجية الخروج جاء بسبب ذيوع اتهامات الاغتصاب الجماعي. وتوقع الدكتور الحاوي أن تتراجع الحكومة عن موقفها المطالب بخروج البعثة، لأن الأوضاع في دارفور ما زالت غير مستقرة.
ورغم الغبار الكثيف المثار حول مهمة «يوناميد»، فإن الأيام حبلى بكثير بشأن ما يمكن أن يطلق عليه فضيحة الأمم المتحدة في دارفور، أو «يوناميد غيت».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.