ماذا فعل ثلاثة مخرجين خلال الحجر الصحي؟

سطّروا تأملاتهم وملاحظاتهم وبعض مشاريعهم

جيا جانغكي
جيا جانغكي
TT

ماذا فعل ثلاثة مخرجين خلال الحجر الصحي؟

جيا جانغكي
جيا جانغكي

«العالم سيكون أكثر لطفاً بعد الـ(كورونا)»، يتنبأ المخرج الأميركي ديفيد لينش ويضيف في رسالة وجهها عبر الميديا «الوباء هو علامة بأن العالم مضى في طريق خطأ. لدي شعور بأن الطبيعة ترقب ما يدور وتملك زمام الأمور».
أضاف «لندع الأمور تصل لنهاياتها ولنصمد لبعض الوقت لكي يستطيع الناس التفكير بما تقوم به على هذا الكوكب».
وهو متفائل في حديث له لموقع Page Six إذ يقول: «أعتقد أن العالم سيختلف بعد (كورونا). سيأخذ الوباء حين رحيله الكثير مما هو قديم والجديد سيحل مكانه في عالم أكثر رقّة. أعتقد أن ما يحدث يقرّب الناس بعضهم لبعض».
ديفيد لينش ليس الوحيد الذي التزم البيت وفكّر ومارس ما يستطيع من هوايات لكي يحافظ على مواهبه عوض أن تعاني من الصدأ فيما لو لم يقم بممارستها وحمايتها. مخرجون وسينمائيون آخرون عديدون آثروا البقاء في البيت لكنهم قاموا بممارسة هوايات أخرى من بينها كتابة اليوميات العاكسة لتأملاتهم. حين نقرأ مذكراتهم نكتشف كيف أن ذلك التأمل انعكس في كتاباتهم على نحو مثير.
ثلاثة من هؤلاء، هم الإسباني بدرو ألمودوفار والصيني جيا جانغكي والأميركي روجر كورمَن حلّوا وكتاباتهم ضيوفاً على صفحات مجلة «سايت آند ساوند» البريطانية قبل نحو شهر كل واحد بهمومه المتبلورة في كلمات مختلفة توفر إضاءات على ما مرّوا وشعروا به في فترة اعتصاماتهم الطوعية (وبالنسبة للصيني جانغكي الإجبارية) وكيف عكسوه في كتاباتهم تلك.

جيا جانغكي
كتب مخرج Still Life وPlastic City وTouch of Sin وسواها من الأفلام التي أقلقت الرقابة الصينية خلال العقدين الماضيين أنه كان في مدينة بيكنيغ عندما تم وضع مدينة ووهان في الحجر بأكملها. كان وزوجته يمضيان الوقت في التواصل مع الآخرين عبر «فيسبوك» وسواه بينما كانت والدته (التي تعيش معهما) تتابع الأخبار على شاشة التلفزيون: «شعرنا جميعاً بأننا نشهد نقطة فاصلة في التاريخ. ولحين لم ندر كيف نضع الكمامات. أي جانب منها هو الذي عليه أن يلامس الوجه. لاحقاً شاهدنا طبيباً ينصح مشاهديه برداء الكمامة على ناحيتين: إذا لم يكن مصاباً فعليه وضع الناحية الملوّنة من الكمّامة للخارج. وإذا كان مصاباً فعليه وضع الجانب الأبيض للخارج».
من نافذة منزله في الطابق الثاني عشر، نظر صاحب «حياة ساكنة» (2006) إلى الشارع طويلاً. وجده ساكناً. السيارات مصطفة «كما لو أنها من حفريات التاريخ».
في أكثر من فقرة من ذكرياته حول تلك التجربة يسرد جانغكي رؤاه كما لو كان يشرح لنا فيلماً معروضاً قام بتصويره أو على أهبة ذلك (بعد محنة الحجر تلك واصل العمل على فيلمين من المفترض عرضهما في العام المقبل).

بدرو ألمودوفار
مذكرات الإسباني بدرو ألمودوفار اكتسبت رؤى وتأملات أكثر استفاضة وشاعرية من سواها. بدأها في الرابع والعشرين من مارس (آذار) بعد ممانعة: «ربما لأنني وجدت، في بدايات الحجر، بأن هذا الوضع ليس غريباً عما أقوم به عادة».
يستطرد شارحاً أنه تعوّد على العيش منفردا وفي حالة إنذار. لذلك رفض المخرج الإسباني أن يسجل يومياته طوال الأيام التسعة الأولى من الحجر. نكتشف أنه حال قرر الاستمرار في كتابة مذكراته خلال الفترة، استبعد القيام بكتابة سيناريو أو رواية مبرراً ذلك بأنه لا يشعر بالبهجة الكافية ليقدم على هذا العمل. يوضح ذلك حين يصف الوضع على النحو التالي: «من السهل فهم الواقع الحاضر كما لو كان رواية فانتازية وليس كرواية واقعية. الوضع العالمي يبدو كما لو أنه آت من فيلم خيال علمي من الخمسينات ومن زمن الحرب الباردة. من أفلام رعب معادية للشيوعية. أفلام أميركية من فئة B (أفلام ذات ميزانيات محدودة كانت تعرض كأعمال مُلحقة بالفيلم الرئيسي)».
يلاحظ المخرج أن تلك الأفلام كانت تصوّر الشر آتياً من خارج الولايات المتحدة. من الدول الشيوعية ومن الكواكب الأخرى غالباً. ينصحنا بمشاهدتها لأنها أفلام جيدة، وفي الوقت ذاته يحيلنا إلى معانيها وأبعادها ساخراً: «في الحقيقة يؤكد ترمب على أن الوضع شبيه بمضامين أفلام الخمسينات عندما يطلق على الوباء اسم (الفيروس الصيني)».
كسواه أمضى ألمادوفار الوقت في مشاهدة الأفلام القديمة. أقبل على ميلودراما جورج كوكر «قصة فيلادلفيا» (1940) وعلى كوميديا «مدنايت» لمايكل لايسن والدراما المشحونة في فيلم To Be or Not to Be (إرنست لوبيتش، 1942) وعاد إلى أفلام جورج كوكر أكثر من مرّة فشاهد له «مولد نجمة» (1954) و«ثرية ومشهورة» (1981) من بين أخرى. وفي فقرات متلاحقة كتب كذلك عن أفلام جيمس بوند معجباً بفيلم Goldfinger الذي قام شون كونيري ببطولته سنة 1964.
بالعودة إلى مشاعره حيال وحدته وعزلته نراه يكتب: «لم أشعر في حياتي بأني غير قلق كما أشعر هذه الأيام. أتمسك بهذا الشعور للتغلب على خوفي ومصادر ريبتي».

روجر كورمَن
المنتج والمخرج الأميركي روجر كورمن (94 سنة) عمد إلى الكومبيوتر ليكتب أيضاً مذكراته ومشاعره حيال الوضع الحالي وخلال هذه الفترة التي يقضيها في منزله. يخاله المرء، في مثل هذا السن، وقد اعتاد الحياة في البيت بعيداً عن العمل، وهذا صحيح.
خلال الأشهر الماضية منذ انتشار الوباء في أميركا عمد كورمن إلى الهاتف ليتواصل مع ثلاثة كتّاب ينجزون له ثلاثة مشاريع يريد تحقيقها حال تتاح له الفرصة.
وهو يذكر عناوين مشاريعه: «ألعاب موت» (Death Games) ويصفه بـ«فيلم أكشن يتضمن موقفاً سياسياً واجتماعياً» معلناً حبّه لهذا النوع.
الفيلم الثاني «مدينة الجريمة» (Crime City). تقع أحداثه فوق جزر البهاما التي كان الإعصار دمّرها قبل سنتين: «الحكومة هناك تعمل معي على هذا الفيلم لأني سأوظف العديد من الفنيين والعمال في هذا المشروع».
أما الثالث فهو إعادة لفيلمه السابق The Unborn الذي أنجزه سنة 1991 وتعامل فيه مع ابن ضابط نازي حط بعد الحرب العالمية الثانية في بلد لاتيني ليستكمل أعماله الخطرة.
بذلك تبدو مذكراته المنشورة في هذه المناسبة أبعد عن أن تحمل هموماً وتأملات شخصية، بل ترويج للبضاعة التي سيعرضها حال إتمام تجهيزها.
بين الكتابات الثلاث التي خصّ بها كل سينمائي نفسه وعالمه خلال الحجر، فإن تلك التي كتبها ألمودوفار هي الأكثر تعاملاً مع الذات حين تتأمل بعيداً في المصاب الكبير.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز