رحلات: من أميركا الشمالية إلى جبال الهيمالايا.. اختلاف الشجاعة والرغبة في الاستكشاف

ستاينبك وهمبلمان ـ آدمز في كتابين من أدب الرحلات

رحلات: من أميركا الشمالية إلى جبال الهيمالايا.. اختلاف الشجاعة والرغبة في الاستكشاف
TT

رحلات: من أميركا الشمالية إلى جبال الهيمالايا.. اختلاف الشجاعة والرغبة في الاستكشاف

رحلات: من أميركا الشمالية إلى جبال الهيمالايا.. اختلاف الشجاعة والرغبة في الاستكشاف

كتابان يندرجان في باب أدب الرحلات صدرا في هذا العام (2014) يتضمنان عناصر من السيرة الذاتية، ويكشفان عن جوانب من حياة مؤلفيهما وتوجهاتهما الفكرية والوجدانية ما كانت لتتسنى لنا بغير الاطلاع عليهما.
الكتاب الأول عنوانه: «في أميركا: أسفار مع جون ستاينبك In America: Travels with John Steinbeck» من تأليف جيرت ماك (Geert Mac)، صدر عن دار «هارفيل سيكر Harvel Secker» للنشر، كما صدرت منه طبعة إلكترونية.
ولهذا الكتاب قصة، حيث إنه «كلام على كلام» كما يقول الأقدمون، فهناك كتاب للروائي الأميركي جون ستاينبك - الحاصل على جائزة نوبل للأدب في 1962 - عنوانه «أسفار مع تشارلي». وتشارلي اسم كلب من فصيلة البودل كان الروائي يقتنيه وقد اصطحبه معه في رحلته. صدر كتاب ستاينبك في 1960 (أي منذ أكثر من نصف قرن) وهو يطرح هذا السؤال: «ترى كيف يبدو الأميركيون اليوم؟»، وخرج عابرا القارة في محاولة للإجابة عن هذا السؤال. كان آنذاك في الثامنة والخمسين من عمره، بدأت صحته تتدهور كما أخذت قدراته الإبداعية تضمحل (ربما كان «أسفار مع تشارلي» هو آخر كتاب مهم له). لقد شعر بأنه في هذه المرحلة العمرية قد فقد الاتصال بتربة وطنه التي ألهمته في الماضي خير رواياته وأقاصيصه. وقد نجح كتابه، بل غدا من أكثر الكتب مبيعا، وهو ما زال يقرأ حتى اليوم ويثير اهتمام أجيال جديدة من القراء، منهم جيرت ماك.
وماك صحافي ومؤرخ قرر أن يسير في أعقاب ستاينبك وأن يتتبع مراحل رحلته، خطوة خطوة، ليرى أميركا «بعيون اليوم وآذانه». إنه هولندي ولكن أميركا ظلت دائما «حبه السري» كما يقول منذ عام 1978 حين سافر إلى بركلي بولاية كاليفورنيا فاحتضنه زوجان أميركيان وحبباه في البلد. ثم عاد إلى أميركا مرة أخرى في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته مخبرا صحافيا يغطي كل ما تقع عليه عيناه ابتداء من الانتخابات الرئاسية حتى الحرب على تجارة المخدرات.
وماك - بوصفه هولنديا - يعد نفسه قادما من العالم القديم (أوروبا) إلى العالم الجديد. إنه امتداد للمؤرخ الفرنسي ألكسيس دي توكفيل الذي زار أميركا في ثلاثينات القرن التاسع عشر وكتب عنها كتابا أصبح الآن من الكلاسيات عنوانه «عن الديمقراطية في أميركا» (1835 - 1840) ولكن ماك يشعر بالتهيب ويسأل نفسه: ما الذي يمكن أن أضيفه إلى ما قاله ستاينبك؟
والإجابة: لقد أضاف كتابه هذا المؤلف من 500 صفحة على حين أن كتاب ستاينبك لم يكن يتجاوز 210 صفحات. فهل تراه (كما يقول مايكل كر في مقالة له عن الكتاب) قد نسي قول ستاينبك إن إطار سيارته الخلفي قد انفجر لأنه أثقل السيارة بحمولة زائدة؟
استخدم ستاينبك في رحلته شاحنة خضراء اللون سماها «روزنانتي» (وهو اسم جواد دون كيشوت!) مصطحبا كلبه تشارلي. أما ماك فقد سافر بسيارة جيب فضية اللون مصطحبا زوجته ميتسي، وذلك على الرغم من نصيحة ستاينبك القائلة إن وجود «شخصين أو أكثر يزعج التوازن البيئي (الإيكولوجي) لأي منطقة» (تجاهل ستاينبك ذاته نصيحته هذه، فمع أنه يصور نفسه في كتابه في صورة المسافر الوحيد، المشتاق إلى بيته وزوجته، فإنه في الواقع قد اصطحب زوجته إلين على الأقل لأكثر من نصف مدة رحلته التي استغرقت شهرين ونصف شهر).
وفي الفترة التي أعقبت صدور كتاب ستاينبك تعرض لكثير من الانتقادات. ذهب نقاده إلى أنه لم يكن صادقا في رواية الأحداث التي مر بها وإنما خلع عليها ثوبا مثيرا من الخيال ليجعلها أكثر تشويقا، ومن ثم لا يمكن الاعتماد على كتابه بوصفه وثيقة لمرحلة تاريخية بعينها وإنما هو أقرب إلى الأدب الإبداعي. إن بعض القصص التي يرويها أجود من أن تصدق، وردوده التي يفحم بها خصومه أبرع من أن تكون من وحي اللحظة. على أن ماك يصف كتاب ستاينبك بأنه «مليء بالألوان وأصوات البشر، ذو فطنة وخفة في الحركة». وقد سبق ستاينبك عصره في حفاوته بالتوازن البيئي والمحافظة على الطبيعة (كان دارسا لعلم الأحياء) ومن ثم فإن كتابه ما زال ذا قيمة وإن كان من اللازم تناول ما يقوله بحرص.
ننتقل الآن إلى الكتاب الثاني في قائمتنا، وهو ليس لمؤلف مشهور شهرة ستاينبك، لكنه رحالة ومستكشف كان على قدر عظيم من الشجاعة وقوة الاحتمال. إنه كتاب «لا شيء اسمه الفشل» أو «ما من معلم كالفشل»، فالعنوان الإنجليزي يحتمل المعنيين، أو ربما أراد المؤلف به - عن طريق المفارقة - أن يجمع بين المعنيين. وعنوانه الفرعي «الحياة غير العادية لمغامر بريطاني عظيم» (No Such Thing as Failure: The Extraordinary Life of a Great British Adventurer)، من تأليف ديفيد همبلمان - آدامز (David Hempelman - Adams)، وهو صادر عن دار «كونستابل» (Constable) للنشر.
يقول المؤلف: «ليس الموت بالأمر الغريب على مستكشف للقطب الشمالي ومتسلق للجبال. وخلال حياة رحلت فيها بمفردي إلى كلا القطبين وإلى قمة أعلى الجبل، دنوت على نحو مروع من الموت مرات أكثر عددا من أن أستطيع أن أحصيها». لقد كاد - في إحدى المرات - يدفن تحت انهيار جليدي. وفي مرة ثانية قاتل دبا قطبيا جائعا وقتله. وفي مرة ثالثة وجد نفسه معزولا على قشرة نحيلة من الجليد فوق شق ثلجي لا قاع له بالقطب الجنوبي.
وعلى الجانب المقابل حملته أسفاره إلى وسط آسيا فرأى الموت رأي العين وهو في خيمة، يرتعد من البرد ويهلوس - تحت قمة جبل إفرست، أعلى قمم جبال الهيمالايا - ولكن الموت غض الطرف عنه في آخر لحظة. كان ديفيد في الرابعة والخمسين حين وصل - للمرة الثانية - إلى قمة أعلى جبل في كرتنا الأرضية، وذلك في نحو الساعة الثامنة من صباح 21 مايو (أيار) 2011، وكان صباحا هادئا، برودته منعشة، وشمسه مشرقة. على أن نشوته لم تدم طويلا، فحين بدأ الهبوط عن قمة الجبل - وكان معه مرافقون هذه المرة - بدأ الجفاف يتهدد بدنه، ولم يكن قد احتسى شرابا غير فنجان صغير من الشاي قبل ذلك بـ24 ساعة. أصبح يلهث طلبا للماء، ولم يكن لديهم قطرة واحدة منه، فقد استهلكوا كل ما كان لديهم من طعام وشراب في رحلة الصعود. ثقلت ساقاه وأصبح يجاهد من أجل التنفس، وكان البرد قارسا حتى إن جثث المتسلقين التي كانوا يمرون بها - والذين لقوا حتفهم في رحلات سابقة - ظلت مجمدة ومحتفظة بشكلها الآدمي في قلب الجليد، رغم أن بعضها قد مرت عليه سنوات. ولم يكن ثمة سبيل لدفن هذه الجثث أو نقلها من مكانها في الجبل.
ومن قمة إفرست ينتقل بنا ديفيد في كتابه إلى القطب الشمالي حيث قابل، مرة أخرى، الموت وجها لوجه. ففي فبراير (شباط) 1984 خرج إلى أرخبيل القطب الشمالي في كندا وشرع ينقل خطاه، بمفرده، على جليد المحيط المتجمد الشمالي. كان ذلك أبرد فصل في العام، حيث درجة الحرارة تنزل عن 40 مئوية تحت الصفر، ولكنه اختار القيام برحلته في ذلك الفصل حتى يتجنب انسياق كتل الجليد الطافية على سطح الماء ومساحات الماء المفتوح التي تترتب على ذوبان الجليد إذا كان الجو أكثر دفئا. ودامت رحلته هذه 3 أسابيع.
وفي الليلة الثامنة من ليالي رحلته نصب خيمته في جزيرة كورنواليس. ونحو الثانية صباحا صحا على صوت الرياح المزمجرة في الخارج، وعلى صوت آخر، صوت مخالب تعبث بقماش الخيمة، أعقبها أنف نفذت من فتحتها. لقد كان ذلك دبا قطبيا جائعا. أمسك ديفيد ببندقيته وصرخ آملا أن تفزع الصرخة الدب فيبتعد، ثم أطلق طلقة في الهواء ليحمله على الابتعاد. وخرج من خيمته وفي يده البندقية فوجد - من خلال الظلمة - الدب ما زال واقفا لا يفصله عنه سوى 25 ياردة تقريبا، يحدق إليه. وأطلق طلقة تحذيرية أخرى في الجليد، فبدا الدب وكأنه حائر لم يحزم أمره بعد. بدأ يتحول مبتعدا عن مجال بصره، ثم إذا به يستدير فجأة وينقض على الرحالة. وكان هذا الأخير يعرف ما يجب عليه عمله في مواجهة دب قطبي: أن يوجه طلقته إلى الموضع الصحيح بالضبط، وأن يتنفس ببطء ثم يزفر الهواء وهو يضغط على الزناد، وأن يصوب إلى بدن الدب لا إلى رأسه، حيث إن الرصاصة يمكن بسهولة أن ترتد ساقطة حين ترتطم بالجمجمة الصلبة.
هنا اندفع الدب نحوه خببا فتطايرت من ذهنه كل الإرشادات السابقة. صرخ يسب الدب سبابا قبيحا وأطلق نحوه دفعة من الطلقات، أصابته على بعد عشرين ياردة تقريبا فتوقف عن الجري لحظة ثم استأنف التقدم نحوه وهو يتمايل تمايلا خفيفا قبل أن يسقط على الأرض فعاجله ديفيد بطلقتين أخريين. وكأنما أراد أن يستوثق من زوال الخطر فدنا منه وأفرغ 5 رصاصات أخرى في البدن الميت. وعاد إلى خيمته ولكنه ظل متخوفا من أن يكون ثمة دببة أخرى. وظل مستيقظا ساعة أخرى إلى أن عاودته رباطة جأشه. كان آسفا لأنه اضطر إلى قتل هذا الحيوان الرائع - على ضراوته - والمهدد بالانقراض، ولكن لم يكن من ذلك بُد.
وإزاء هذين الكتابين يتساءل المرء: أيهما أجدر بالإعجاب، ستاينبك أم همبلمان - آدامز؟ أم ماك الذي كرر رحلة ستاينبك من منظور جديد؟ عندي أن كلا منهم يمثل نمطا مختلفا من الشجاعة والرغبة في الاستكشاف. ستاينبك هو الأديب التواق إلى معرفة بلاده معرفة حميمة. وماك هو الباحث المدقق الذي أراد أن يستوثق من خبرة سابقة. وهمبلمان - آدامز هو رجل الفعل الشجاع المغامر. إن الإنسانية بحاجة إلى كل هذه الأنماط من الرجال، فهم يتكاملون ولا يتعارضون.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».