أبرز المشاركون في الاجتماع الافتتاحي لمجموعة العمل حول ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، الذي التأم أمس بمدينة مراكش المغربية برئاسة مشتركة بين المغرب وهولندا، أن الظاهرة شهدت في السنوات الأخيرة تطورا كميا، من أبرز سماته تمكن المنظمات الإرهابية من تحصيل إمكانات مادية مهمة وأعداد كبيرة من المقاتلين من جنسيات متعددة وعتاد عسكري متطور؛ وأن المجموعات المقاتلة الإرهابية عرفت تحولا نوعيا من حيث أهدافها، حيث أصبحت تعلن عن إقامة دول، وتطمح للسيطرة على مناطق واسعة والتحكم في عدد كبير من السكان، مما شكل تهديدا خطيرا للوحدة الترابية والسيادة الوطنية لمجموعة من الدول في جهات مختلفة من العالم.
وينعقد اجتماع مراكش على مستوى الموظفين الساميين والخبراء، ويعرف مشاركة 40 بلدا والكثير من المنظمات الدولية والإقليمية والشبه إقليمية، وهو يعطي الانطلاقة لأعمال مجموعة عمل المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب حول المقاتلين الأجانب التي جرى إحداثها خلال الاجتماع الوزاري للمنتدى الذي عقد بنيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي.
ويشكل المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب أرضية سياسية ورسمية متعددة الأطراف جرى إطلاقها سنة 2011، لتعزيز التشاور والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، بين أعضائها المؤسسين الـ30. وتجري أنشطة المنتدى من خلال 6 مجموعات عمل حول «الساحل» و«القرن الأفريقي» و«العدالة الجنائية وسيادة القانون» و«الاعتقال وإعادة الإدماج» و«مكافحة التطرف العنيف» و«المقاتلين الإرهابيين الأجانب».
وقال السفير ناصر بوريطة، وكيل وزارة الخارجية المغربية، في افتتاح أشغال اجتماع مراكش، إن «المشاركة المكثفة مؤشر على الوعي المتزايد بخطورة التهديد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب على الأمن والسلم الإقليمي والدولي»، مشيرا إلى أن الظاهرة ليست جديدة، بل ارتبطت بشكل وثيق بالإرهاب وبالطبيعة العابرة للحدود لهذه الآفة التي دأب المجتمع الدولي على محاربتها، حيث عرفت بؤر توتر سابقة انخراط مقاتلين من جنسيات متعددة لدعم القدرات القتالية لمجموعات إرهابية.
وتحدث بوريطة عن التزام المغرب بالمساهمة البناءة في تمتين التعاون والتنسيق الثنائي والجهوي ومتعدد الأطراف، وذلك وفق نهج منفتح وغير إقصائي قائم على النجاعة وخال من الدعاية أو الترويج المغلوط، وبإرادة صادقة للتعاون المسؤول البعيد عن الحسابات السياسية الضيقة.
وأشار بوريطة إلى أن بلاده مقتنعة بأن توفير الأمن والسلم والاستقرار المستدام رهين بضمان ثلاثية الأمن والتنمية البشرية والحفاظ على القيم الثقافية والدينية، مشددا على أن المقاربة الأمنية وحدها رغم أهميتها تبقى قاصرة عن معالجة الأبعاد المعقدة للظاهرة الإرهابية، ولا تأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى المؤدية لانتشار الإرهاب.
ورأى بوريطة أن اجتماع مراكش سيمكن المنتدى من مواصلة تعميق تدارس تطور ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب في إطار فريق عمل يروم اعتماد برنامج واضح ومهيكل خلال مدة ولايته، يتمحور حول أهداف واقعية ومجموعة من الأنشطة والاجتماعات الموضوعاتية والإقليمية للمساهمة في مزيد من التعريف وتنفيذ الممارسات الجيدة التي تضمنتها مذكرة لاهاي - مراكش، مبرزا الحاجة إلى تطوير نهج تشاركي ومتضامن يفضي إلى تعاون دولي أكثر فعالية لمجابهة الأبعاد الجديدة للظاهرة الإرهابية، إذ لا يمكن لأي بلد أن يدعي أنه في مأمن من الإرهاب وتداعياته وأنه قادر لوحده على مجابهته، داعيا، عند تناول ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، إلى عدم الاقتصار فقط على تجلياتها في مكان وزمان معينين، بل اعتماد توجه استراتيجي لأجل صياغة تصور وإجابات جماعية تمكن من معالجة هذه الظاهرة في شموليتها.
وشدد بوريطة على أن نجاح الجهود الدولية لمواجهة الظاهرة يبقى مرتبطا بعناصر متعددة، أولها، تعزيز التعاون الصادق بين الدول والتنسيق الدقيق أخذا بعين الاعتبار مذكرة لاهاي – مراكش، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة؛ وثانيها، دعم قدرات الدول والحفاظ على وحدتها الترابية وسيادتها الوطنية لمواجهة دعاة النزعات الانفصالية التي برزت صلاتهم بالجماعات الإرهابية؛ وثالثها، الانكباب على طرق الاستقطاب خاصة الاستعمال غير المشروع للتقنيات الحديثة للإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي.
من جهته، أكد السفير بييت دوكليغك، ممثل وزارة الخارجية الهولندية، أن هذا الاجتماع سيتيح الفرصة أمام تحقيق أعمال مهمة في مجال مكافحة التيارات المتطرفة التي تشكل البنية التحتية للإرهاب، مشيرا إلى أن الإرهاب الذي يشكل جريمة ضد الإنسانية يتطور باستمرار، ويتوجب مراجعة متطلبات مكافحته باستمرار، أيضا، والمحافظة على فعاليتها. وأضاف دوكليغك «اليوم لدينا مذكرة تخص أجود الممارسات الجيدة، وقرارات الأمم المتحدة خاصة 21 / 78 التي لها علاقة بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب كما أن لدينا فريقا عمليا»؛ مبرزا أن هناك اهتماما مشتركا بين جميع الدول لمكافحة آفة الإرهاب، وأن هذه الدول ستعمل على إيجاد الآليات لمعالجة هذه الظاهرة بأجود الممارسات التي جرى تطويرها وجعلها عملية على أرض الواقع.
وشدد دوكليغك على أن التهديد مستمر ومتواصل، وأن عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب في ارتفاع، وهذا ما سيجعلنا عمليين ومرنين في الاستجابة للتحديات، ومستدامين وأذكياء للحد من استمرار هذه الظاهرة.
في غضون ذلك، قال طارق أتلاتي، رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية لـ«الشرق الأوسط»، إن «محددات اجتماع مراكش حول ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب هي دراسة الأزمات والظواهر المرتبطة بالإرهاب»؛ مشددا على «أننا، اليوم، في سياق مسترسل ومتكامل من حيث إجماع كل الدول على محاربة الظاهرة، حيث ينخرط الجميع في البحث عن سبل العلاج وإبراز السلوكيات الحسنة التي يمكن أن تكون علاجا للمقاتلين داخل التنظيمات الإرهابية».
وجوابا على سؤال ماذا نعني بـ«السلوكيات الحسنة»، قال أتلاتي «هنا سنرجع إلى المقاربة المغربية المرتبطة بالسياسة الأمنية، ثلاثية الأضلاع المرتبطة بالجانب الأمني، والتنمية البشرية، والحقل الديني كواجهة يستفاد منها ولا يجري استغلالها».
ولاحظ أتلاتي أن «المنتظم الدولي يقف اليوم أمام حقيقة مرة، تتمثل في أن التنظيمات الإرهابية ليست في تراجع بل تتقوى بشكل أعنف»، مبرزا أن «هناك إجماعا على دراسة البدائل».
وتضمن جدول أعمال اجتماع مراكش، الذي يختتم اليوم (الثلاثاء)، جلسة رفيعة المستوى تضمنت عرضا عاما لظاهرة الإرهابيين الأجانب، والتطورات الأخيرة في الجهود الدولية المبذولة للتعامل معها؛ و6 جلسات: جلسة أولى تهم تطبيق مذكرة لاهاي - مراكش بشأن الممارسات الحسنة من أجل استجابة أكثر فعالية لظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، حيث أتاحت هذه الجلسة الفرصة للمشاركين لتقديم تقارير حول الخطوات العملية التي جرى اتخاذها لتطبيق الممارسات الحسنة المتعلقة بظاهرة المقاتلين الأجانب للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، والتي اعتمدت أخيرا، وكشف التطرف العنيد والتدخل لإيقافه، ومنع عمليات التجنيد والتيسير وكشفها لإيقافها، والبدء في إلقاء الضوء على تلك النواحي التي يجب أن يركز عليها المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وشركاؤه انتباههم عليها؛ وترتبط هذه الجلسة بالجلسة الثانية، التي تتناول الكشف عن السفر والقتال والتدخل لإيقافها وكشف العودة والتدخل عند حدوثها، والبدء في إلقاء الضوء على تلك النواحي التي يمكن للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وشركائه أن يركزوا انتباههم عليها بشكل أكثر فائدة؛ فيما تتعلق الجلسة الثالثة، باستخدام الممارسات الحسنة المتعلقة بظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب كأداة لدعم تنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 2170 و2178. وتتناول الجلسة الرابعة، دور مجموعات العمل القائمة التابعة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب في دعم تطبيق الممارسات الحسنة المتعلقة بظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وعلى نطاق أكثر اتساعا، دعم تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. أما الجلسة الخامسة، فستتناول دور الشركاء الثنائيين والمتعددين في دعم تطبيق الممارسات الحسنة المتعلقة بظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب؛ فيما تتناول الجلسة السادسة، وضع التفويض الخاص بمجموعة العمل المعنية بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب التابعة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب والمجالات ذات الأولوية.
اجتماع مراكش حول المقاتلين الإرهابيين الأجانب يدعو إلى نهج دولي تشاركي متضامن
أكد أن الاستقرار المستدام رهين بضمان الأمن والتنمية البشرية
جانب من أشغال الاجتماع الافتتاحي لمجموعة العمل حول المقاتلين الإرهابيين الأجانب بمراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
اجتماع مراكش حول المقاتلين الإرهابيين الأجانب يدعو إلى نهج دولي تشاركي متضامن
جانب من أشغال الاجتماع الافتتاحي لمجموعة العمل حول المقاتلين الإرهابيين الأجانب بمراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









