أمين عام حزب الرابطة اليمنية لـ («الشرق الأوسط») : الجنوب حسم أمره نحو الاستقلال

بن فريد قال إن أوضاع الشمال على وشك الانفجار.. وإن حدوث قتال جنوبي ـ جنوبي بعد الانفصال «فزاعة»

أمين عام حزب الرابطة اليمنية لـ («الشرق الأوسط») : الجنوب حسم أمره نحو الاستقلال
TT

أمين عام حزب الرابطة اليمنية لـ («الشرق الأوسط») : الجنوب حسم أمره نحو الاستقلال

أمين عام حزب الرابطة اليمنية لـ («الشرق الأوسط») : الجنوب حسم أمره نحو الاستقلال

قال القيادي البارز في حزب رابطة أبناء الجنوب العربي (الرابطة) محسن بن فريد، إن الجنوب حسم أمره نحو الاستقلال، لكنه أشار إلى أن ما يجري في الشمال من اجتياح حوثي قد يؤثر على القضية الجنوبية. ويؤكد بن فريد في حديث مع «الشرق الأوسط»، وجود خلافات وتباينات بين المكونات الجنوبية حول كثير من الرؤى والقضايا من أبرزها هوية الجنوب، حيث يرى أن هذه المسألة تتأرجح وقد يختلف معه البعض بشأن بعض التسميات التي يطرحها، لكنها وجهات نظر، يحترمها البعض الآخر ويعتقد أنها حالة موجودة ويجب التعاطي معها.
ويأتي هذا الحوار في ظل خروج الجنوب من سلطة الدولة بصورة شبه تامة، ويقر القيادي في (الرابطة) الذي يتزعمه السياسي المخضرم والمعروف عبد الرحمن بن علي الجفري، بارتباط بعض الأشخاص أو المكونات الجنوبية بإيران، كما يقر، بسعي هذه المكونات إلى التحالف مع الحوثيين لإقامة إقليمين شمالي وجنوبي. وأشار إلى أن أوضاع الجنوب باتت على حافة الانفجار. وتأسس حزب الرابطة في 29 أبريل (نيسان) عام 1951 في مدينة عدن برئاسة محمد علي الجفري وأبرز أهدافه التمسك بالهوية الإسلامية والهوية الجنوبية العربية. وإلى نص الحوار

* كيف تنظرون إلى الأوضاع في شمال البلاد بعد سيطرة الحوثيين وهل ستؤثر على قضية الجنوب؟
- ننظر للأوضاع في اليمن بقلق وألم ودهشة.. وبقلق أكثر مما هو قادم، فكل احتمالات الانفجار لا تزال قائمة والتوتر والاحتقان يسودان البلاد، والانفجار أمر وارد في أي وقت. وللأسف فإن الشعب اليمني العصامي الصابر في الجبال والسهول هو الذي يدفع ثمن الفلتان، وغياب الدولة، بعد ما قيل إنها ثورة. والأرجح أن تستمر هذه الحالة، حالة اللادولة، لفترة مقبلة من الزمن.
بطبيعة الحال فإن صراع مراكز القوى المتنفذة في صنعاء سيؤثر على قضية الجنوب ونأمل أن تستفيد الحركة الحوثية من تجربة نظام صالح وأركان نظامه البائد، فيما يتعلق بالنظرة والتعاطي العادل والمحترم مع إرادة الأغلبية الساحقة من شعب الجنوب. وها نحن نكرر القول لإخوتنا الحوثيين الآن ونقول لهم: (الوحدة ليست هدفا، وإنما وسيلة لخير وتقدم وعز وكرامة الإنسان، فإن لم تحقق ذلك فلا خير فيها). هكذا كان حال أهل الجنوب دائما عن الوحدة مع صنعاء، أن نكون دولتين تجمعنا المحبة والمصالح المشتركة والتقدير والاحترام، خير من أن نكون دولة واحدة وتجمعنا الأحقاد والبغض والكراهية.
* هناك أحاديث عن سعي الحوثيين وقيامهم بمشاورات مع أطراف جنوبية لإقامة دولة من إقليمين.. ما صحة ذلك؟
- نسمع ذلك، ونعلم وجود مشاورات مع أطراف جنوبية حول هذه المسألة وهي إقامة دولة من إقليمين. لكن الأغلبية الساحقة من شعب الجنوب ليست مع هذا الاتجاه.. خيار شعب الجنوب اليوم هو التحرير والاستقلال وقيام دولة الجنوب العربي الاتحادية الجديدة.
ومن ينادي الآن بخيار فيدرالية الإقليمين من أبناء الجنوب لا يستطيع أن يعبر عن ذلك في أي تجمع جماهيري في أي مدينة أو قرية من قرى الجنوب. وعلى الحكام في صنعاء أن يدركوا عمق جرح الجنوب وأن شعب الجنوب قد أقفل ملف الوحدة مع الشمال.
* هناك اعتصامات في عدن وحراك، لكن في ظل خلافات بين أبرز المكونات الجنوبية.. كيف سيتم حل هذه الخلافات وما هي أبرز نقاطها؟
- لا ننكر أن هناك بعض الخلافات والتباينات بين بعض المكونات الجنوبية وهذه أمور طبيعية في العمل السياسي وهي ليست ظاهرة خاصة بنا في الجنوب فقط، انظر للحالة السورية أو الحالة الليبية، على سبيل المثال. لماذا نذهب بعيدا، انظر ماذا يجري في الشمال. هناك مخاض صعب يمر به الجنوب الآن وهناك ترقب لميلاد «جنوب جديد»، ومن الطبيعي حدوث مثل هذه الخلافات.
ليس العيب حدوث خلافات كهذه، ولكن العيب هو عدم التصدي الجاد والمسؤول لهذه الخلافات وإيجاد المخارج والحلول الوطنية لها. ولا يوجد حل لمثل هذه الخلافات والتباينات إلا عبر الحوار الوطني المسؤول والبعد عن التعصب والتمترس وفرض الوصاية أو الرأي الواحد ومن المهم احترام الرأي والرأي الآخر والإقلاع عن إرث وثقافة الرأي الواحد. ولعل أبرز القضايا محل النقاش والجدل في الجنوب والمكونات الجنوبية الآن تدور حول الهوية.. ونعتقد أن من مصلحة الجنوب أن يكون جزءا من نسيج الجزيرة العربية ويكون سياجا لها وليس من مصلحة الجنوب أن نذهب إلى مربع آخر.
* هناك أنباء عن مؤتمر جنوبي - جنوبي جامع.. إلى أين وصلت التحضيرات له؟
- المؤتمر الجنوبي الجامع هو حديث الساعة الآن، بطول الجنوب وعرضه.. في المهاجر الجنوبية في مختلف أنحاء العالم. هناك آمال واسعة تعلقها أغلبية شعب الجنوب على هذا الحدث الوطني الكبير في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ الجنوب الحديث. لأنه يبحث قيام الدولة الجنوبية الجديدة.
وستكون القضية الجنوبية قد انتقلت نقلة نوعية تقرب من يوم قيام الدولة الجنوبية المنشودة. المؤتمر الجنوبي الجامع يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين: الأول هو الاتفاق على رؤية سياسية واحدة هي «قيام دولة الجنوب العربي الاتحادية الجديدة»، كاملة السيادة، على كامل الأرض الجنوبية»، الثاني هو اختيار قيادة جنوبية واسعة من مختلف الأحزاب والمكونات الجنوبية المؤمنة بالتحرير والاستقلال، تكون هي المرجعية لشعب الجنوب من الآن حتى قيام الدولة الجنوبية الجديدة. وقطعت أشواطا كثيرة في التحضير لهذا المؤتمر المصيري منذ أكثر من سنة، عبر لجنة تحضيرية مكونة من مختلف المكونات الجنوبية واللجنة على وشك إكمال أعمالها الآن، وقد حددت عقد المؤتمر في النصف الأخير من هذا الشهر، ديسمبر (كانون الأول)، وحددت قوام المؤتمر وأكملت وثائقه وحددت المعايير الواجب توافرها في مندوبي المؤتمر، بحيث يشمل كل مناطق الجنوب والمهجر.
* يطرح أن بعض المكونات على علاقة مع إيران.. فهل سيؤثر ذلك على السير فيما يطرح من تحرير واستقلال الجنوب؟
- نعم.. هناك حديث عن أن بعض المكونات وبعض الأفراد الجنوبيين على علاقة مع إيران، ولكن هؤلاء خارج المجرى، والتوجه العام في الجنوب الذي يعتقد أن الجنوب جزء من نسيج جزيرة العرب وأن مصلحة الجنوب تكمن في الجزيرة العربية، ولا أعتقد أن هذا النفر من أبناء الجنوب سيؤثر على السير تجاه استقلال وتحرير الجنوب.
* كيف يتم التعاطي من قبل المكونات الجنوبية مع انتشار «القاعدة» بصورة كبيرة في الجنوب؟
- فزاعة «القاعدة» تم استخدامها بطريقة جهنمية من قبل الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأركان حكمه وحلفائه في السنوات الماضية لتشويه الجنوب وتشويه الحراك الجنوبي السلمي وكذا لابتزاز الإقليم والعالم. ولكن هذه اللعبة انكشفت الآن. الجنوب أبعد ما يكون عن التطرف والغلو الديني، فقد عمدوا إلى تصدير وزرع جماعات التطرف والتكفير والإرهاب في مناطق مختلفة من الجنوب طوال العشرين عاما الماضية، أما المكونات الجنوبية فجميعها ترفض الإرهاب ولا تقر بما تقوم به الجماعات المسلحة الإرهابية الدخيلة على الجنوب وشعبه وثقافته، من عمليات إرهابية. بل إن أبناء الجنوب وكوادره العسكرية والمدنية كانوا هدفا من أهداف تلك العمليات خلال السنوات الماضية. والأيام المقبلة ستثبت أن الجنوب هو الأقدر على إقامة الدولة المدنية المتحررة والمنفتحة على الآخر وعلى مختلف الديانات والحضارات. مدرسة حضرموت الدينية الوسطية، التي نشرت الإسلام في مختلف أصقاع الأرض، بالقدوة والكلمة والموعظة الحسنة، ستكون هي عنوان الجنوب الجديد المقبل.
* هل المخاوف من اقتتال جنوبي - جنوبي بعد الانفصال.. حقيقية؟
- هذه فزاعة أخرى استخدمها الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأركان حكمه وحلفاؤه ليفتوا من عضد الجنوب وشعبه. أبناء الجنوب عقدوا العزم على التصالح والتسامح وأقسموا بأن دم الجنوبي على الجنوبي حرام وإن حدثت بعض الخلافات والتباينات، فسيتم حلها بالحوار والتفاهم، فقد وعوا الدرس وأدركوا جميعا أن اللجوء إلى العنف في إدارة الخلافات لا يورث غير النكبات ويكفي شعبنا الجنوبي من ويلات نتيجة للصراعات ودورات العنف الدامية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.