غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

رابطة الناشرين الدولية تدعمهم وتتهم المؤسسات الكبرى بالترويج للسطحية

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة
TT

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

تسيطر على أجواء أسواق النشر في مصر وعديد من البلدان العربية، حالة من التحفظ والرفض والغضب لدخول شركات نشر كبرى على الخط في علاقات تسويقية مع العديد من الكتاب أصحاب الشهرة والذين يتمتعون بمكانة خاصة لدى القراء، حيث يقدم المسؤولون في هذه الشركات لهذه النخبة من المبدعين عروضاً مادية كبيرة لشراء حقوق نشر أعمالهم، تتجاوز قدرات دور النشر الصغيرة، وتجعل الكتاب والمؤلفين يعزفون عن التعامل معها، والتوجه لإصدار مطبوعاتهم والإطلال على قرائهم من خارج الحدود.
هذه الحالة دفعت رابطة الناشرين المستقلين الدولية التي تتخذ من باريس مقراً لها، إلى إصدار بيان دعت فيه الكتاب والمثقفين والمبدعين البارزين والذين وصفتهم بأنهم يلتزمون بعالم أكثر إنصافاً، إلى الامتناع عن نشر أعمالهم خارج بلادهم، ودعم دور النشر الصغيرة والبعد عن تلك المؤسسات التي تعمل على فرض أعمال ونماذج إبداعية تتسم بالسطحية ولا تستهدف سوى الترفيه... هنا آراء بعض الناشرين المصريين والعرب حول هذه القضية:

الناشرة السورية سمر حداد، منسقة الشبكة العربية فب الرابطة:
أتبنى ما جاء في البيان، وقد تمت صياغته في تشيلي بأميركا اللاتينية، وأدخلت تعديلات عليه دور نشر من أفريقيا وأوروبا، وطالب بالتوقف عن التعامل مع شركات النشر الدولية والإقليمية الكبرى، بعد أن وصفها بأنها تمثل في بلدان الجنوب الفقيرة وجه الاستعمار الثقافي، وأن دورها ينحصر في تهميش الإبداع والترجمة والإنتاج المحلي؛ وتسعى إلى التقليل والحد من استقلال الكِتاب المحلي وتقويض المساحات الثقافية المحلية، ومعها فكرة التنوع في التأليف والنشر.
وهناك سعي من جانب الرابطة للتحذير من تعاظم قوة الشركات العابرة للدول، والتي تتراوح أنشطتها في صناعة الترفيه على مستوى العالم بين نشر الكتب، والإنتاج الموسيقي، والسمعي البصري، والتسويق، وصولاً إلى التحكم بمختلف أنواع الوسائط الإعلامية وأنظمة الوصول إلى الإنترنت، وهي فريدة من نوعها. وليس من قبيل المصادفة ملاحظة أنها تعد من بين الشركات العملاقة في مجال الاتصالات، ولديها روابط مع صناعة الأسلحة، وإدارة المياه، و«أعمال التعليم»، والإنترنت، ويقتصر اهتمام أصحابها على البعد التجاري للكتب، ويستبعدون أي محتوى أو عناوين لا تحقق ربحاً كافياً خلال فترة محددة من الزمن.
أما عن سوريا فبها عدد من دور النشر الكبرى، وهي تخصصية، يتركز اهتمامها على طباعة أنواع معينة من المؤلفات الدينية، وكتب الأطفال، لكن سوق النشر لدينا تعاني من مشكلات كثيرة منها الرقابة، وآليات التوزيع المعوقة، والعقوبات الاقتصادية، فضلاً عن التزام المؤلفين الكبار بدور نشر خارجية، وهي صورة تمثل واقعاً صعباً بالنسبة للعاملين في المهنة، لكن هناك حلول يمكن من خلالها الخروج من الأزمة، أو محاصرتها مثل مشاريع النشر المشترك، والاستثمار أكثر وبصورة احترافية في النشر الرقمي، والتسويق، والكتاب الصوتي، والذي أصبح من الضروريات الملحّة في عالم النشر هذه الأيام.
ونحن نسعى لتقوية حركة النشر المستقلة، وقد نشأت غنية بتنوعها وضوابطها، وهي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ وتجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي، ومن خلالها يتعامل الناشرون المستقلون مع الكتاب على أنه سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب ودفعه حسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفاً.

الناشرة ليلى ناسيمي (مغربية مقيمة في تونس)، المديرة التنفيذية في دار «وشمة»:
أعتقد أن عصر التكنولوجيا المتطورة والذكاء الصناعي لن يهدأ في حربه المعلنة والمضمرة ضد التنوع الثقافي والخصوصيات الهوياتية، وذلك في سبيل التنميط البشري ليكون منتجاً لنوع من الثقافة ومستهلكاً لها في الوقت نفسه.
ويبدو جلياً أن المؤسسات الضخمة قد طال أخطبوطها وابتلع كل الوحدات الصغيرة صناعية كانت أو اقتصادية، وبعيداً عن أي تغيير جذري في نمط العيش على هذه الأرض لا مفر من الاضمحلال، أي أن المشروع الرأسمالي سيستأسد، وكي يتمكن الحالمون من أمثالنا من الاستمرار لا رهان في الأفق غير رهان الثقافة والوعي، وهو ما تَحُول دونه عولمة النشر، وتنزيل المنتج الثقافي الهادف والمتفاعل مع إكراهات الحاضر ليكون محاصَراً بالمال.
وهناك أسلوب واحد متاح للصغار، هو الاتحاد والمواجهة، يجب على الناشرين والمؤلفين المنخرطين في الفعل الميداني أن يبتكروا أدوات مقاومة كفيلة برد الاعتبار للمشروع التنويري، لكن من المؤسف أن ينساق كتاب ومفكرون إلى الربح المادي على حساب القيمة الأدبية والعلمية لما يمكن أن يسهموا به فعلاً في الدفع بعجلة التوعية لدى الخاصة والعامة.

الناشر المصري هشام أبو المكارم، مدير دار «أوراق»:
بشكل عام هذه سوق تجارة وصناعة، وسوف تستمر سيطرة الكيانات الكبيرة برأس مالها، وهي سوق سيئة في كل الأحوال، وقد كانت أزهى فترات النشر في مصر وقت أن كانت الدولة هي التي تقوم بدور قيادي في عمليات النشر، وهذا متوافق بالمناسبة مع فكرة أن الكتابة في الأصل مهنة غير هادفة للربح، لكن أي ناشر مهما كانت وجهات نظره وقناعاته يبحث بالطبع عن المكسب، حتى الذين يتكلمون عن النشر المستقل حين يتحولون لكيانات كبيرة سوف يتوحشون، وأياً ما كان وضع النشر والتأليف في مجتمعاتنا، فإنه سيظل مرتبطاً بمستوى التعليم والأمية والجهل، وحين يرتفع الأول، وينخفض الثاني، سيجد الكاتب والناشر أن حجم توزيع مطبوعاتهم صار يغطي نفقاتهم، ويضيف لهم بعض المكاسب، وستجد كل هذه المشكلات حلولاً لها، وسوف يصير كتّابنا مثل زملائهم في أوروبا أصحاب ملايين من كتاب واحد يصدر لهم، وسوف يصبح الناشرون مثلهم.

الناشر المصري محمد البعلي، عضو الرابطة مدير دار «صفصافة»:
أتفق بشكل عام مع ما جاء في البيان، وهناك أهمية لإعادة النظر في السياسات الثقافية، سواء كانت خاصة بالمؤسسات أو بالدول، وذلك من أجل مواجهة التيار الجارف الذي تعززه الميول النيوليبرالية التي تحوّل النشر وإنتاج المحتوى من نشاط ثقافي هدفه التنوير إلى عمل ترفيهي هدفه تسلية الجموع وتوجيه طريقتهم في التفكير نحو أفكار محافظة تكبّل عقولهم، ومنعهم من إعمال تفكيرهم النقدي فيما يجدون فيه أنفسهم من سياقات مجتمعية، وسياسية، وهو نشاط تدعمه وتوجهه جوائز عربية وأجنبية كبرى ومؤسسات نشر ضخمة وشركات توزيع محتوى لا تقل عنها ضخامة، فضلاً عن المكتبات التي تعمل على ترويج مثل هذه المنتجات فقط دون سواها.
كل هذه الأمور تجب مواجهتها عن طريق سياسات محلية وإقليمية، سياسات ثقافية واضحة، تعزز النشر المستقل، وكل أشكال إنتاج المحتوى، من أجل إنعاش الفكر النقدي، والعمل على إنتاج رؤى مختلفة للواقع الذي نعيش فيه.

الناشر التونسي نوري عبيد، عضو الرابطة مدير دار «محمد علي»:
أنتسب لعضوية الرابطة منذ تأسيسها في 2003، وعملت معها منسق دور النشر العربية مدة 13 سنة، وتطرح رسالتها المفتوحة جوهر أهداف الرابطة، بدايةً من التنوع ومقاومة الاحتكار والتضامن وعدالة التعبير وليس فقط حرية التعبير.
وأعتقد أن الموضوع المطروح يهمّنا في العالم العربي بصورة خاصة، فاستقطاب المؤلفين الأبرز من الناشرين الأجانب موضوع يؤثّر على نمو حركة النشر في بلادنا، بل يجعلها عرجاء وتجري وراء مؤلفين أجانب للترجمة في حين أن أهم المؤلفين العرب لا يعرفهم القراء إلا من خلال مواقع أجنبية، ولعل ذلك من أهم أسباب ضعف مؤسسات النشر لدينا، وعدم وجود ناشرين فاعلين مجددين، وأغلبهم يلتجئ للتراث، ما يعني انفصال الكتابة عن النشر في عالمنا... والأمثلة عديدة.
سعيت من أجل مواصلة تجميع الناشرين المستقلين حول أهداف الرابطة، وأسهمت في جعل شعار «التنوع الثقافي» حقيقةً عالمية تبنتها «اليونيسكو» وتعمل بها وتوصي الحكومات على احترامها في مقاومة خاصة ضد المقولة الأميركية التي تريد إدخال الثقافة ضمن مشمولات المنظمة العالمية للتجارة.
والرابطة اليوم تعمل على تطوير «سياسة الكتاب»، وقد أنجزت رسم خريطة السياسات الخاصة بالكتاب في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، وتعد بإتمامها في العالم العربي، وهو ما سيسمح بتحديد المطلوب، والوعي بالنقص والتقصير لحماية الكتاب، ودعم أجدى للفاعلين والمسؤولين عن السياسات في الجنوب خاصة، وتعمل الرابطة أيضاً على تقوية قدرات الناشرين المستقلين بتطوير مهنيتهم تقنياً وإدارياً، وعلى ضرورة التعاون وتبادل التجارب والعمل المتضامن.
وهكذا، فالرابطة تعمل على عدة واجهات: إقناع أجهزة السلطة، ووضع برامج خاصة، وتقوية التضامن، وتطوير العمل لدى الناشرين المستقلين.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.