غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

رابطة الناشرين الدولية تدعمهم وتتهم المؤسسات الكبرى بالترويج للسطحية

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة
TT

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

غضب في أوساط ناشرين مصريين وعرب من تغوّل دور النشر العملاقة

تسيطر على أجواء أسواق النشر في مصر وعديد من البلدان العربية، حالة من التحفظ والرفض والغضب لدخول شركات نشر كبرى على الخط في علاقات تسويقية مع العديد من الكتاب أصحاب الشهرة والذين يتمتعون بمكانة خاصة لدى القراء، حيث يقدم المسؤولون في هذه الشركات لهذه النخبة من المبدعين عروضاً مادية كبيرة لشراء حقوق نشر أعمالهم، تتجاوز قدرات دور النشر الصغيرة، وتجعل الكتاب والمؤلفين يعزفون عن التعامل معها، والتوجه لإصدار مطبوعاتهم والإطلال على قرائهم من خارج الحدود.
هذه الحالة دفعت رابطة الناشرين المستقلين الدولية التي تتخذ من باريس مقراً لها، إلى إصدار بيان دعت فيه الكتاب والمثقفين والمبدعين البارزين والذين وصفتهم بأنهم يلتزمون بعالم أكثر إنصافاً، إلى الامتناع عن نشر أعمالهم خارج بلادهم، ودعم دور النشر الصغيرة والبعد عن تلك المؤسسات التي تعمل على فرض أعمال ونماذج إبداعية تتسم بالسطحية ولا تستهدف سوى الترفيه... هنا آراء بعض الناشرين المصريين والعرب حول هذه القضية:

الناشرة السورية سمر حداد، منسقة الشبكة العربية فب الرابطة:
أتبنى ما جاء في البيان، وقد تمت صياغته في تشيلي بأميركا اللاتينية، وأدخلت تعديلات عليه دور نشر من أفريقيا وأوروبا، وطالب بالتوقف عن التعامل مع شركات النشر الدولية والإقليمية الكبرى، بعد أن وصفها بأنها تمثل في بلدان الجنوب الفقيرة وجه الاستعمار الثقافي، وأن دورها ينحصر في تهميش الإبداع والترجمة والإنتاج المحلي؛ وتسعى إلى التقليل والحد من استقلال الكِتاب المحلي وتقويض المساحات الثقافية المحلية، ومعها فكرة التنوع في التأليف والنشر.
وهناك سعي من جانب الرابطة للتحذير من تعاظم قوة الشركات العابرة للدول، والتي تتراوح أنشطتها في صناعة الترفيه على مستوى العالم بين نشر الكتب، والإنتاج الموسيقي، والسمعي البصري، والتسويق، وصولاً إلى التحكم بمختلف أنواع الوسائط الإعلامية وأنظمة الوصول إلى الإنترنت، وهي فريدة من نوعها. وليس من قبيل المصادفة ملاحظة أنها تعد من بين الشركات العملاقة في مجال الاتصالات، ولديها روابط مع صناعة الأسلحة، وإدارة المياه، و«أعمال التعليم»، والإنترنت، ويقتصر اهتمام أصحابها على البعد التجاري للكتب، ويستبعدون أي محتوى أو عناوين لا تحقق ربحاً كافياً خلال فترة محددة من الزمن.
أما عن سوريا فبها عدد من دور النشر الكبرى، وهي تخصصية، يتركز اهتمامها على طباعة أنواع معينة من المؤلفات الدينية، وكتب الأطفال، لكن سوق النشر لدينا تعاني من مشكلات كثيرة منها الرقابة، وآليات التوزيع المعوقة، والعقوبات الاقتصادية، فضلاً عن التزام المؤلفين الكبار بدور نشر خارجية، وهي صورة تمثل واقعاً صعباً بالنسبة للعاملين في المهنة، لكن هناك حلول يمكن من خلالها الخروج من الأزمة، أو محاصرتها مثل مشاريع النشر المشترك، والاستثمار أكثر وبصورة احترافية في النشر الرقمي، والتسويق، والكتاب الصوتي، والذي أصبح من الضروريات الملحّة في عالم النشر هذه الأيام.
ونحن نسعى لتقوية حركة النشر المستقلة، وقد نشأت غنية بتنوعها وضوابطها، وهي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ وتجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي، ومن خلالها يتعامل الناشرون المستقلون مع الكتاب على أنه سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب ودفعه حسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفاً.

الناشرة ليلى ناسيمي (مغربية مقيمة في تونس)، المديرة التنفيذية في دار «وشمة»:
أعتقد أن عصر التكنولوجيا المتطورة والذكاء الصناعي لن يهدأ في حربه المعلنة والمضمرة ضد التنوع الثقافي والخصوصيات الهوياتية، وذلك في سبيل التنميط البشري ليكون منتجاً لنوع من الثقافة ومستهلكاً لها في الوقت نفسه.
ويبدو جلياً أن المؤسسات الضخمة قد طال أخطبوطها وابتلع كل الوحدات الصغيرة صناعية كانت أو اقتصادية، وبعيداً عن أي تغيير جذري في نمط العيش على هذه الأرض لا مفر من الاضمحلال، أي أن المشروع الرأسمالي سيستأسد، وكي يتمكن الحالمون من أمثالنا من الاستمرار لا رهان في الأفق غير رهان الثقافة والوعي، وهو ما تَحُول دونه عولمة النشر، وتنزيل المنتج الثقافي الهادف والمتفاعل مع إكراهات الحاضر ليكون محاصَراً بالمال.
وهناك أسلوب واحد متاح للصغار، هو الاتحاد والمواجهة، يجب على الناشرين والمؤلفين المنخرطين في الفعل الميداني أن يبتكروا أدوات مقاومة كفيلة برد الاعتبار للمشروع التنويري، لكن من المؤسف أن ينساق كتاب ومفكرون إلى الربح المادي على حساب القيمة الأدبية والعلمية لما يمكن أن يسهموا به فعلاً في الدفع بعجلة التوعية لدى الخاصة والعامة.

الناشر المصري هشام أبو المكارم، مدير دار «أوراق»:
بشكل عام هذه سوق تجارة وصناعة، وسوف تستمر سيطرة الكيانات الكبيرة برأس مالها، وهي سوق سيئة في كل الأحوال، وقد كانت أزهى فترات النشر في مصر وقت أن كانت الدولة هي التي تقوم بدور قيادي في عمليات النشر، وهذا متوافق بالمناسبة مع فكرة أن الكتابة في الأصل مهنة غير هادفة للربح، لكن أي ناشر مهما كانت وجهات نظره وقناعاته يبحث بالطبع عن المكسب، حتى الذين يتكلمون عن النشر المستقل حين يتحولون لكيانات كبيرة سوف يتوحشون، وأياً ما كان وضع النشر والتأليف في مجتمعاتنا، فإنه سيظل مرتبطاً بمستوى التعليم والأمية والجهل، وحين يرتفع الأول، وينخفض الثاني، سيجد الكاتب والناشر أن حجم توزيع مطبوعاتهم صار يغطي نفقاتهم، ويضيف لهم بعض المكاسب، وستجد كل هذه المشكلات حلولاً لها، وسوف يصير كتّابنا مثل زملائهم في أوروبا أصحاب ملايين من كتاب واحد يصدر لهم، وسوف يصبح الناشرون مثلهم.

الناشر المصري محمد البعلي، عضو الرابطة مدير دار «صفصافة»:
أتفق بشكل عام مع ما جاء في البيان، وهناك أهمية لإعادة النظر في السياسات الثقافية، سواء كانت خاصة بالمؤسسات أو بالدول، وذلك من أجل مواجهة التيار الجارف الذي تعززه الميول النيوليبرالية التي تحوّل النشر وإنتاج المحتوى من نشاط ثقافي هدفه التنوير إلى عمل ترفيهي هدفه تسلية الجموع وتوجيه طريقتهم في التفكير نحو أفكار محافظة تكبّل عقولهم، ومنعهم من إعمال تفكيرهم النقدي فيما يجدون فيه أنفسهم من سياقات مجتمعية، وسياسية، وهو نشاط تدعمه وتوجهه جوائز عربية وأجنبية كبرى ومؤسسات نشر ضخمة وشركات توزيع محتوى لا تقل عنها ضخامة، فضلاً عن المكتبات التي تعمل على ترويج مثل هذه المنتجات فقط دون سواها.
كل هذه الأمور تجب مواجهتها عن طريق سياسات محلية وإقليمية، سياسات ثقافية واضحة، تعزز النشر المستقل، وكل أشكال إنتاج المحتوى، من أجل إنعاش الفكر النقدي، والعمل على إنتاج رؤى مختلفة للواقع الذي نعيش فيه.

الناشر التونسي نوري عبيد، عضو الرابطة مدير دار «محمد علي»:
أنتسب لعضوية الرابطة منذ تأسيسها في 2003، وعملت معها منسق دور النشر العربية مدة 13 سنة، وتطرح رسالتها المفتوحة جوهر أهداف الرابطة، بدايةً من التنوع ومقاومة الاحتكار والتضامن وعدالة التعبير وليس فقط حرية التعبير.
وأعتقد أن الموضوع المطروح يهمّنا في العالم العربي بصورة خاصة، فاستقطاب المؤلفين الأبرز من الناشرين الأجانب موضوع يؤثّر على نمو حركة النشر في بلادنا، بل يجعلها عرجاء وتجري وراء مؤلفين أجانب للترجمة في حين أن أهم المؤلفين العرب لا يعرفهم القراء إلا من خلال مواقع أجنبية، ولعل ذلك من أهم أسباب ضعف مؤسسات النشر لدينا، وعدم وجود ناشرين فاعلين مجددين، وأغلبهم يلتجئ للتراث، ما يعني انفصال الكتابة عن النشر في عالمنا... والأمثلة عديدة.
سعيت من أجل مواصلة تجميع الناشرين المستقلين حول أهداف الرابطة، وأسهمت في جعل شعار «التنوع الثقافي» حقيقةً عالمية تبنتها «اليونيسكو» وتعمل بها وتوصي الحكومات على احترامها في مقاومة خاصة ضد المقولة الأميركية التي تريد إدخال الثقافة ضمن مشمولات المنظمة العالمية للتجارة.
والرابطة اليوم تعمل على تطوير «سياسة الكتاب»، وقد أنجزت رسم خريطة السياسات الخاصة بالكتاب في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، وتعد بإتمامها في العالم العربي، وهو ما سيسمح بتحديد المطلوب، والوعي بالنقص والتقصير لحماية الكتاب، ودعم أجدى للفاعلين والمسؤولين عن السياسات في الجنوب خاصة، وتعمل الرابطة أيضاً على تقوية قدرات الناشرين المستقلين بتطوير مهنيتهم تقنياً وإدارياً، وعلى ضرورة التعاون وتبادل التجارب والعمل المتضامن.
وهكذا، فالرابطة تعمل على عدة واجهات: إقناع أجهزة السلطة، ووضع برامج خاصة، وتقوية التضامن، وتطوير العمل لدى الناشرين المستقلين.



حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.