كتاب وأدباء مغاربة: ستنجح في تضميد جراحاتها (3 ـ 3) حزن وتضامن مع بيروت

عدنان ياسين - نجيب العوفي - أحمد الويزي - إدريس لكريني
عدنان ياسين - نجيب العوفي - أحمد الويزي - إدريس لكريني
TT

كتاب وأدباء مغاربة: ستنجح في تضميد جراحاتها (3 ـ 3) حزن وتضامن مع بيروت

عدنان ياسين - نجيب العوفي - أحمد الويزي - إدريس لكريني
عدنان ياسين - نجيب العوفي - أحمد الويزي - إدريس لكريني

إثر الانفجار المروّع الذي هز بيروت يوم الثلاثاء 4 أغسطس (آب) الحالي، سارع عدد كبير من كتاب وأدباء المغرب إلى التعبير عن حزنهم وألمهم لما وقع، وتبلور هذا في بيان تضامني لـ«بيت الشعر في المغرب»، مستحضرين "بتقدير بالغ"، في هذه "اللحظات العصيبة" التي تمر بها العاصمة اللبنانية، الدور الكبير الذي قامت به هذه المدينة في الحداثة الشعريّة العربيّة.
 
كما وقع مبدعون ومثقفون مغاربة، ضمن لائحة أولية ضمت عشرات المبدعين والمثقفين من جنسيّات مختلفة، على بيان "الحياة للبنان"،الذي  جاء بمبادرة من الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي والكاتب اللبناني عيسى مخلوف، أشادوا فيه بالدور الكبير الذي قامت به هذه المدينة في الحداثة الشعرية العربيّة، ووقّع عليه عشرات المبدعين والمثقفين المغاربة، الذين أعربوا عن إيمانهم بأن «بيروت ستنجح في تضميد جراحاتها واستعادة دورها الثقافي والحضاري»، ودعوا إلى «التضامن مع الشعب اللبناني في محنته الرهيبة، وإنقاذ لبنان من الانهيار»، معربين عن دعمهم الكامل لحراك المجتمع المدني الذي «سيواصل نضاله من أجل لبنان جديد تتحقق فيه دولة القانون المحرَّرة من القيود الطائفية، والضامنة للجميع حقوق وحريات المُواطَنة الكاملة».
 
هنا شهادات لعدد من الكتاب والمثقفين المغاربة، تضاف لرسائل وشهادات أخرى في السياق نفسه نشرتها «الشرق الأوسط» على مدار اليومين الماضيين لكتاب وشعراء ونقاد من مصر والسعودية.

الشاعر والإعلامي ياسين عدنان:
أسطورة حقيقية
«هناك مدنٌ لا نعرف كيف نرثيها ولا كيف نبكيها ولا كيف نعزّيها. لأنها رغم الموت ووطأته، تظل مدن حياة... مدناً منذورة أبداً للحياة. لذا وأنا أعزّي المدينة في شهدائها، ثم وأنا أتابع بهلع صور هذا الدمار الرهيب، وجدتُني أعودُ تلقائياً إلى نصوص قديمة كتبتها عن بيروت في زياراتي السابقة لها. فأعدتُ قراءتها بحرقة. لكنني استعدتُ المدينة كما أحب أن أراها؛ لأنني لا أعرف كيف أفكّر فيها إلا هكذا... بوصفها مدينة فرح وبهجة وحياة.
بيروت الآن شهيدة وجريحة وأهلها قتلى وجرحى ومشردون، فهل نزايد على المدينة بأسطورتها؟ ألا نظلم بيروت حين نراها تحترق وبدل أن نقف دقيقة صمت ترحماً على أرواح من احترق من أهلها وما احترق ودُمِّر من أجزاء المدينة، نتطلع إليها باحثين وسط الأنقاض عن طائر العنقاء الذي نتوقع أن ينبعث في أي لحظة من رمادها؟.
بيروت أسطورة حقيقية. هكذا تلقيناها من المحيط إلى الخليج. وهكذا فكرنا فيها دائماً، لكن أسطورة المدينة صارت اليوم عبئاً عليها. بيروت عروس عربية، في زمن كثر فيه المتربصون المغتصبون. بيروت مدينة نعشقها وأخشى أننا نؤلمها اليوم بعشقنا العاجز المستحيل. في الختام، هل هذا يعني أن بيروت صارت مجرد حكاية تروى؟ أبداً؛ فبيروت حقاً لا تموت. قد تسقط لكنها لا تنهزم. هكذا عودتنا عبر تاريخها تماماً كالمدن الكبيرة. تماماً مثل روما وبغداد. بيروت التي وصفها درويش مرة بأنها نجمتنا الأخيرة وخيمتنا الأخيرة، هل يمكنها أن تكون امتحاننا الأخير أيضاً؟ فهل من سبيل للانطلاق من هذا السقوط المريع المدوِّي لتحويله إلى فرصة؟».

الناقد نجيب العوفي: خيمة وارفة
«أذكر هذا البيت من شعرنا العربي:
ولو كان سهماً واحداً لاتّقيته
ولكنه سهم وثان وثالث
لأتساءل عن حكاية هذا الخطْب الجلَل الذي زلزل بيروت وزلزل معه أفئدة العرب. لعل هذا هو لسان حال بيروت، وهي تنتقل من الرّمضاء إلى النار، في هذا الصيف الكوروني القائظ، المليء بالمتاعب والمصائب، والمحفوف بالأشراك والفخاخ الملغومة - المنصوبة من كل فج عربي – وعجمي. والشجرة المثمرة، معرّضة دوماً للقصْف والعصْف؛ فما بالنا إذا كانت الشجرة من عيار شجرة الأرز اللبنانية الشاهقة؟
على مدى عقود حوافل كانت بيروت ملاذاً ومعاذاً للمعذبين في الأرض العربية، وخيمة وارفة لمن تقطّعت بهم السبل العربية، ومنتجعاً أثيراً للمترفين العرب. كانت نجمة فكر وإشعاع وثقافة مضيئة في السماء العربية. كانت بيروت رئة يتنفس من خلالها العالم العربي. كانت بيروت، حمّالة الحطَب العربي. لهذا ولغيره، كانت بيروت باستمرار في مهبّ العواصف والنيران، ومرمى للأعداء وللإخوة الأعداء. كانت بيروت باستمرار قنبلة ملغومة وموقوتة. وتتهاطل على الذاكرة أحداث بيروت الدامية يأخذ بعضها برقاب بعض. فهي مُوجز بليغ للوجع العربي. وإزاء هذا المنسوب المتعاظم - المتفاقم من الوجع العربي، واليأس العربي، والحزن العربي. يتلجْلج الصدر ويضيق اللسان. ويغور الوجع جمرة حارقة في الوجدان».

الروائي والمترجم أحمد الويزي:
اللغة والوجع
«ماذا بوسع اللغة أن تفيد، حين يتعلّق الأمر بوصف وجع غائر، يشقّ نياط القلب، ويستقرّ وخزه مقيماً في الوجدان، ينضاف إلى طبقات أحزان وأشجان أخرى قديمة؟! ماذا بمقدور الكلام الإنشائي أن يجدي، حين يتجاوز الخطب الملمّ دائرة الدّوال المتداولة كلّها، ويغدو مدلولاً مائعاً يستعصي في رخاوته الشقيّة على كلّ توصيف؟! ليتني كنت أعمى، حتى لا أرى ما رأيته، وأنا بهذا العجز الكاسح لا أقوى على توصيف ما تلجلج في الوجدان بفعل هول ما رأيت! ليتني كنت إلى جانب العمى، شيخاً أصمّ وأبكم، حتى لا تظلّ أنّات الجرحى والثكالى وصرخات المفجوعين والأرامل، تطاردني مثل لعنة الربّ الأبدية ليل نهار، وأنا بكل هذا الضّعف والخمول فاشل، لا أستطيع أن أترجم فداحة الفاجعة التي ابتليت بها بفعل ما حصل لخيمتنا بيروت! ليتني كنت شجرة ظليلة تحنو على المفجوعين، الذين استفاقوا فجأة على دوي الكارثة، فلم يجدوا لهم مأوى! ليتني كنت غيمة تستطيع أن تظلل الحيارى، الذين يبحثون تحت الأنقاض عن بقايا حياة، وسط أشعة أغسطس الحارقة! ليتني قطرة ماء تروي غلّة العطشى، أو رغيف خبز يشبع سغب الجوعى، أو عكازة يستند إليها كل جريح، أو صدراً عملاقاً يضمّ إليه بحنان كل المفجوعين والأيتام، ويشعرهم بالأمل في الإنسان! ليتني كنت ذلك الإنسان! لكني للأسف لست هذا ولا ذاك، وحتى لغتي جوفاء مطاطية، لا تجدي في رسم وجعي العارم، حيال ما ألمّ بنجمة سمائنا الشرقية بيروت».

الكاتب إدريس لكريني: تجاوز الأزمة
«الانفجار الأليم الذي تعرضت له بيروت يدعو للتضامن العاجل، لأنه بكل المقاييس ستكون له تداعيات كبيرة وخطيرة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل البلد. ومن جهتي أتوقع أن يجتاز لبنان هذه الظرفية الصعبة التي تأتي في سياق مليء بالتحديات، فلبنان عودنا دائماً، وخصوصاً الشعب اللبناني، على أنه قادر على تجاوز مثل هذه المحطات الصعبة، وحتى المحطات الأكثر قساوة تمكن الشعب اللبناني من تجاوزها ومن تحويلها إلى فرص. وأعتقد أن ما يجري اليوم من تفاعل إيجابي من مختلف البلدان وعلى امتداد مناطق مختلفة من العالم، من حيث التضامن مع الشعب اللبناني والدعم الذي بدأ يتقاطر على البلد، وأيضاً النقاش الجاري داخل لبنان والذي يعكس الرغبة في تحميل الفاعل السياسي مسؤولياته، وتجاوز خلافاته وانتماءاته الضيقة وتحويلها إلى انتماء أوسع لخدمة الوطن، أعتقد أنها معطيات ستسمح بتحويل الأزمة إلى فرصة حقيقية، سيتعافى معها لبنان ويتجاوز الظروف الصعبة الحالية».



«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.


مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

بينما كان يستعد محمد صدقي الموظف الأربعيني العامل في الرياض لشراء هاتف جديد لزوجته ليصطحبه هدية لها الصيف المقبل بعد عودته المقررة في الإجازة السنوية خلال شهر مايو (أيار) المقبل، قرر التراجع عن الخطوة بعد قرار الحكومة المصرية إلغاء الإعفاءات الشخصية على الهواتف الجوالة مع المصريين القادمين من الخارج.

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بإعفاء العاملين المغتربين من «جمارك الجوال» التي تصل إلى نحو 38.5 في المائة على بعض الأنواع من الهواتف، مع التأكيد على دور المغتربين في «إنقاذ الاقتصاد بتحويلاتهم الضخمة التي تسجل زيادة شهرية وفق البيانات الرسمية.

وسجلت تحويلات المصريين المغتربين من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي نمو بزيادة تقارب 42 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام قبل الماضي مع تسجيل 37.5 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية لتكون الأعلى على الإطلاق بحسب بيانات «المركزي المصري».

ومنذ مطلع 2025، طبقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين بالخارج أو العائدين من رحلات سفر بالسماح باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات مع تعديل اشتراطات التسجيل عدة مرات قبل أن يدخل قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكافة المصريين اعتباراً من ظهر (الأربعاء).

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (الثلاثاء) فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

هواتف الآيفون الأكثر تأثراً بالقرار الجديد (إ.ب.أ)

وقدرت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة سها الجندي في مارس (آذار) 2024 عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليون شخص.

وتوجد فروق سعرية لافتة في أسعار الهواتف الجوالة داخل مصر وخارجها، خصوصاً العلامات الشهيرة.

وتتيح الحكومة مهلة 90 يوماً لاستخدام الأجهزة للمصريين القادمين من الخارج على مدار العام مع إرسال بيانات رسمية تفيد بتوقيت الدخول حال حدوث مشكلة في عدم استجابة الهاتف للعمل على الشبكات المصرية، وفق التعديلات الأخيرة، مع إتاحة الفرصة لكل من يقوم بشراء هاتف من الخارج لسداد الرسوم المقررة خلال مهلة الـ90 يوماً قبل إيقاف الهاتف عن العمل.

وانتقد عدد من المصريين بالخارج عبر مواقع التواصل القرار الحكومي باعتباره يفرض عليهم رسوماً إضافية.

فيما تحدث الإعلامي عمرو أديب عن «غضب كبير» بسبب القرار بين المصريين بالخارج.

وطالب الإعلامي أحمد موسى بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف واحد سنوياً معفى من الجمارك والضرائب لدورهم في دعم الاقتصاد.

ولعبت الزيادات «القياسية» في تحويلات المصريين بالخارج دوراً في توفير موارد للنقد الأجنبي خلال الفترة الماضية مع تراجع عائدات قناة السويس تأثراً بحرب غزة وما تبعها من اضطراب لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأعلنت وكيل لجنة «الاتصالات» بمجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر عن انعقاد اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة القرار مع المسؤولين الحكوميين لبحث توقيته، وتداعياته، ودوافع اللجوء إليه.

وقالت عبد الناصر لـ«الشرق الأوسط» إن أقل شيء يمكن تقديمه للمصريين المغتربين هو إعفاؤهم من الرسوم والجمارك لهاتف واحد سنوياً تقديراً لدورهم ودعمهم للاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن «كافة دول العالم تمنح المغتربين استثناءات، وسبق للحكومة المصرية أن أعدت تشريعاً مماثلاً في امتيازات الإعفاء للسيارات التي يقومون باستيرادها من الخارج».

وأكدت أنه يوجد «تفهم لبعض دوافع الحكومة نتيجة ممارسات لما وصفته بـ(مافيا استيراد الهواتف) الذين استغلوا ثغرات قانونية لإدخال هواتف دون رسوم عبر استغلال المسافرين لإدخال الهواتف بأسمائهم وبيعها بالأسواق، لكن في الوقت نفسه لا يتوجب معاقبة الجميع بسبب هذه السلوكيات».

مغتربون مصريون بالخارج يطالبون بمنحهم تسهيلات (إ.ب.أ)

وأكد «نائب رئيس شعبة الاتصالات والجوال بغرفة القاهرة التجارية» وليد رمضان لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حالة استثناء المصريين بالخارج بالسماح بإدخال هاتف كل عام أو عامين فإن الأمر لن يشكل مشكلة بالنسبة لقطاع الاتصالات»، مشيراً إلى أن «القرار يمكن إصداره تقديراً لدورهم في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة التي يقومون بإدخالها عبر التحويلات الدورية».

وأوضح أنه يوجد «ترحيب داخل الأوساط التجارية بالقرار، لكونه يحد من عمليات التهريب والثغرات التي جرى استغلالها في الفترة الماضية»، مشيراً إلى «أن هواتف (الآيفون) تعد الأكثر تأثراً بالقرار، وهي لا تصنع في مصر بالوقت الحالي».

وأعرب متابعون عن تعجبهم من القرار الذي تم اتخاذه بداعي دعم المنتجات المحلية، وانتقدوا ارتفاع أسعار الهواتف الجوالة المصنعة داخل مصر مقارنة بأسعار الأنواع نفسها ببقية الدول العربية الأخرى، حيث تسجل فارقاً لافتاً في السعر. معتبرين أن القرارات السابقة لم تصب في مصلحة المواطنين المصريين.