مقدمة برنامج «ألو أميركا» على الفضائية المصرية: بدأت حياتي صحافية معارضة

المذيعة إيمان الأشراف تروي لـ {الشرق الأوسط} مغامراتها بالإسكندرية والقاهرة

إيمان الأشراف («الشرق الأوسط»)
إيمان الأشراف («الشرق الأوسط»)
TT

مقدمة برنامج «ألو أميركا» على الفضائية المصرية: بدأت حياتي صحافية معارضة

إيمان الأشراف («الشرق الأوسط»)
إيمان الأشراف («الشرق الأوسط»)

تروي المذيعة المصرية إيمان الأشراف مغامراتها لـ«الشرق الأوسط»، سواء تلك التي تخص ملابسات ارتداء «الطرحة» على الشاشة بسبب السلفيين، أو مقابلتها أحد المختلين عقليا في مستشفى الأمراض النفسية بالقاهرة. وتقدم المذيعة المصرية، في الوقت الحالي، برنامج «ألو أميركا» على القناة الفضائية المصرية، وهو برنامج موجه للولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوروبا، وتقول إنها بدأت حياتها في الإعلام من خلال صحف المعارضة بداية من عام 2004، قبل أن تلتحق بالعمل في القناة الخامسة التي تبث من مدينة الإسكندرية، ومنها انتقلت لـ«الفضائية المصرية» بالقاهرة، لتبدأ رحلة تحقيق الطموحات في مجال العمل الإذاعي والإعلامي.
وتمكنت إيمان من شغل مساحة في الإعلام المصري بعد واقعة شهيرة اضطرت فيها للظهور على شاشة التلفزيون وهي تغطي رأسها بـ«طرحة» على غير العادة، عند إجرائها مقابلة مع أحد القادة السلفيين في البلاد. وترتب على هذه الواقعة إحالتها للتحقيق، قبل توجيه خطاب شكر لها، حيث تأكد مرؤوسوها من أنها فعلت ذلك من أجل إطلاع الرأي العام على طريقة تفكير السلفيين. وتضيف أن طريقتها في العمل تسببت لها في عدة مشاكل، لكنها تمكنت من الحصول على قصص تهم الرأي العام، ولا تصيب المشاهدين بالملل، مشيرة إلى أن أول حوار أجرته كان مع شخص يقيم في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية في القاهرة، بعد أن أصبح مشهورا باسم «مختل كنائس الإسكندرية»، لأن السلطات اتهمته باقتحام ثلاث كنائس في الإسكندرية وقتل وإصابة خمسة أقباط.
وتقول إن الإعلامي الأصلح هو «الذي لا يضلل الرأي العام»، مشيرة إلى أن عددا من كبار الإعلاميين والصحافيين بمصر أعلنوا عن تأييدهم لتولي الرئيس الأسبق محمد مرسي حكم مصر لمجرد أﻻ يقال عنهم إنهم من فلول الحزب الوطني والرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنهم عادوا إلى الواجهة مجددا بعد سقوط نظام مرسي و«الإخوان»، وبدأوا في الاعتذار للجمهور. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
* كيف بدأت حياتك كإعلامية؟
- أنا درست الإعلام في جامعة الإسكندرية. وكان من الطبيعي أن أعمل في مجالي. بدأت حياتي كصحافية بالصحف المعارضة للنظام في ذلك الوقت، أي بعد عام من تخرجي في الجامعة.. عملت صحافية مع الأستاذين إبراهيم عيسى ووائل الإبراشي وتعلمت منهما الكثير.. كان هدفي فضح فساد وممارسات نظام مبارك ورموزه، وفجرت قضايا عديدة في هذا الاتجاه، وحققت نجاحا يرضيني في مجال الصحافة.
* كيف انتقلتِ من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون؟
- خلال عملي بالصحافة التحقت بالعمل بالتلفزيون المصري.. عملت كمقدمة برامج بقناة «الإسكندرية» في البداية، حيث جمعت بين عملي كصحافية وعملي كمذيعة، حتى انتقلت للعمل بالقناة الفضائية المصرية.. تفرغت بعدها للتلفزيون. لكنني مز لت أعمل كمذيعة بروح الصحافية المعارضة المشاكسة التي تبحث عن المانشيت والخبطة الصحافية في كل لقاء وموضوع.
* وهل ترين أنها وظيفة مناسبة لك؟
- منذ أن قررت دراسة الإعلام خططت لحياتي أن أكون إعلامية.. شدتني الصحافة في البداية لأنني أكثر ميلا لها.. وأرى أن الإعلامي الأفضل هو الذي مارس الصحافة وعمل بها. أنا لم أخطط فقط لأن أكون إعلامية، لكني قررت منذ أن كنت طالبة أن أصبح أنجح إعلامية في الوطن العربي. صحيح أنني لم أحقق ما أتمناه في هذا الاتجاه، لكنني مصرة على تحقيق هذا الحلم يوما ما.
* ما هو أول موضوع صحافي قمت به؟
- أول موضوع كان عن التسول، ونشر بصحيفة «صوت الأمة» عام 2004. وكان يدور حول استمارات هزلية يوزعها الحزب الوطني على أعضائه، لتحسين مستوى معيشتهم.. ولم يكن هذا العمل معلنا، ولا معروفا للرأي العام. وصنعت منه موضوعا أصبح العنوان الرئيسي للصحيفة في ذلك العدد. أما أول موضوع إعلامي (تلفزيوني) فكان تغطية لمهرجان الإسكندرية السينمائي عام 2005.. واستغرقت سنوات من العمل حتى بدأت أصنع موضوعات إعلامية ترضيني. استغرقت وقتا حتى تخلصت من رهبة الكاميرا، وحتى أتخلى عن تكلف المذيعين، فالمذيع إن لم يكن طبيعيا يصنع حاجزا نفسيا بينه وبين المشاهد.
* ما الموضوع الإعلامي الذي تتمنين القيام به؟
- إجراء حوار مع الرئيس عبد الفتاح السيسي للتلفزيون المصري. حوار أقوم أنا بإعداده دون تدخل.. وأنا على ثقة بأنه سيكون من أفضل الحوارات التي أجريت مع الرئيس.
* ثار لغط بشأن لقاء تلفزيوني أجريتِه مع المتحدث باسم الدعوة السلفية بمصر، عبد المنعم الشحات. ما ملابسات هذا الموضوع؟
- تعلمت من الصحافة السعي وراء المصدر والخبر والانفراد مهما كلفني الأمر.. وهذا هو المنطق الذي أعمل به.. ما حدث أنني كنت أعمل على عدة حلقات بقناة الإسكندرية التلفزيونية عن انتخابات مجلس الشعب الماضية عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وكنت أجري مناظرات على الهواء مع رموز التيارات السياسية التي كانت تخوض الانتخابات. وفي حلقة المهندس عبد المنعم الشحات، كان مقررا إجراء مناظرة تجمعه، بوصفه المتحدث باسم الدعوة السلفية، مع المرشح القبطي ناجح زاخر أبو الخل، ممثلا عن الأقباط. وطلب الشحات أن أرتدي «طرحة» على رأسي، كشرط لموافقته على إجراء الحوار التلفزيوني، لأن السلفيين ﻻ يظهرون مع مذيعة غير محجبة. ولم أر أن هناك مشكلة في ارتداء الطرحة في فقرة الشحات بعد أن نوهت للمشاهدين بأن هذا شرط ضيفي للظهور على الشاشة. كان هدفي كشف طريقة تفكير التيار السلفي الذي يخوض الانتخابات. وكان موضوع الطرحة يلخص القضية. ولم يكن بوسعي استثناء التيار السلفي من تغطية الانتخابات. ثم إنني لو طلبت إجراء حوار مع الشيخ حسن نصر الله مثلا أو بابا الأقباط، واشترط أي منهما ارتداء «طرحة»، فسأرتديها. المهم هو الحصول على المعلومة. وإجراء حوار كاشف يجيب عن قضايا شائكة.
* لكن ما هي التداعيات التي طالتك عقب إذاعة الحلقة بتلك الطريقة؟
- بعد إذاعة الحلقة تمت إحالتي للتحقيق أنا وكل فريق العمل، لأنني اتخذت قرار ارتداء «الطرحة» دون الرجوع لرؤسائي. وكنت مصرة على موقفي لأنني كنت أرى أنني اتخذت القرار السليم مهنيا ولم أرتكب خطأ مهنيا، لأن قيمة تقديم المعلومة للمشاهد يجب أن تكون في المقدمة. ورأيت أن في ارتداء الطرحة تلخيصا لألف كلمة يمكن أن تقال عن فكر التيار السلفي. وقد فوجئت بأن التيار السلفي أعلن أنه يؤيد موقفي، وأنه سيخوض حربا ضد التلفزيون المصري في حال جرى اتخاذ أي إجراء عقابي تجاهي. كما كتب المهندس الشحات مقالا يدافع فيه عني. وأصبح الأمر حديث وسائل الإعلام. وتعاقبت المقالات المؤيدة والرافضة لقراري ارتداء الطرحة في تلك الحلقة، لينتهي الموضوع بأن اقتنع التلفزيون بمهنية قراري، ووجه لي خطاب شكر على حسن التصرف، قرأته على المشاهدين على الهواء، وخرجت من المعركة منتصرة.
* من هو قدوتك في الإعلام، ولمن تحبين القراءة، ومن هي الشخصية الإعلامية الأصلح من وجهة نظرك؟
- الإعلامي الأصلح هو غير المنافق.. هو الذي ﻻ يسير وراء القطيع وﻻ يضلل الناس سعيا وراء مصالح شخصية أو نفاق لسلطة.. رأينا مهازل في إعلان كبار الإعلاميين والصحافيين تأييدهم لتولي الرئيس الأسبق محمد مرسي حكم مصر لمجرد أﻻ يقال عنهم إنهم من فلول الحزب الوطني والرئيس الأسبق حسني مبارك.. مثل هؤلاء الإعلاميين ضللوا الناس وراءهم، ثم خرجوا لكي يعتذروا، لكن بعد خراب مالطا. أما قدوتي في الإعلام فهو الكاتب الصحافي إبراهيم عيسى، لأن له الفضل في كل ما تعلمته في الصحافة والإعلام. عملت معه في جريدة «الدستور» في بداية حياتي. علمني كيف أكتب وكيف أفكر. وكيف أكون صحافية مشاكسة، وألا أخشى في الحق لومة لائم. كما أنني أحب قراءة ما يكتبه عيسى، وكذا أحب مقالات متفرقة للعديد من الكتاب.
* وكيف تقسمين وقتك بين العمل التلفزيوني وحياتك الأسرية؟
- أقدم برنامجا موجها للخارج اسمه «ألو أميركا»، ويذاع على الفضائية المصرية الموجهة لكل من أميركا وكندا وأوروبا، وهو بمثابة رصد سياسي أسبوعي لأهم الأحداث التي جرت في مصر في أسبوع. وهو ساعة ونصف الساعة على الهواء، وأقوم بإعداده بالكامل. وأبذل فيه مجهودا جبارا لإعداده لأنني أتحدث مع المشاهد مباشرة لمدة ساعة ونصف الساعة دون استضافة ضيوف، مع عرض عدد كبير جدا من الفيديوهات.. يعني أقوم بعمل سيناريو كامل للحلقة مثل سيناريو الأفلام.. وكل ما يشغلني أﻻ يشعر المشاهد بالملل. ويوجد لي وقت يجعلني أهتم بحياتي الخاصة وبأسرتي. والمكافأة التي أشعر بها هي النجاح الملموس الذي حققه البرنامج في الخارج. وأنا عموما ليست لديّ طموحات داخل التلفزيون المصري (ماسبيرو) لأنه يقتل مبدعيه ولهذا ﻻ ينجحون إﻻ خارج ماسبيرو. وأظن أنني سأحقق أحلامي كإعلامية من خارج ماسبيرو.
* ما هي أنجح قصة إخبارية قدمتها حتى الآن؟
- صحافيا، كان الحوار مع شخص يدعى محمود، وهو ذلك الفتى الشهير المعروف إعلاميا باسم «مختل كنائس الإسكندرية»، بعد قيامه باقتحام ثلاث كنائس في مدينة الإسكندرية في عام 2006 واتهامه بقتل وإصابة خمسة أقباط. وفي ذلك الوقت فشلت وسائل الإعلام في إقناعه بالحديث مع الصحافيين والمذيعين. وجرى إيداعه مستشفى الخانكة بالعباسية في القاهرة، وهو مستشفى خاص بالأمراض النفسية والعقلية. وأمضيت عاما كاملا أبذل محاولات مستميتة للوصول لذلك الشاب الذي نسبوا إليه الاعتداء على الكنائس. وبعد موافقات أمنية وطبية وتعهد شخصي مكتوب مني بتحملي مسؤولية سلامتي الشخصية حال لقائي به، حيث إنه مدرج كمريض شديد الخطورة، نجحت في لقائه بالخانكة. وقد اشترط محمود أن يتحدث معي بمفرده بعد خروج الحرس الخاص به. وقبلت بالمغامرة بسلامتي الشخصية، وأجريت معه حوارا أراه أفضل من كل الحوارات التي أجريتها مع جميع الوزراء والمسؤولين في مصر. أما تلفزيونيا.. فأنا لم أصل بعد لسقف طموحاتي كإعلامية، وأبذل كل طاقاتي لتقديم حلقات تجذب المشاهدين. ولهذا أقوم بإعداد جميع برامجي وأبذل مجهودا جبارا لتقديم محتوى جيد.. كنت أفعل هذا في قناة «الإسكندرية» وأفعله حاليا في «الفضائية المصرية». وكان سببا في استثنائي للنقل من قناة «الإسكندرية» لـ«الفضائية المصرية» بالقاهرة، حيث تم تصنيفي كواحدة من أفضل مذيعات القناة، فتمت الموافقة على نقلي على الفور، لكنني لم أقدم بعد ما أحب أن أقدمه، وأرى أنني لم أحقق بعد ما أصبو إليه في الإعلام.



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.