«إعادة قراءة التاريخ»... العنف الأوروبي والتسامح العربي

«إعادة قراءة التاريخ»... العنف الأوروبي والتسامح العربي

3 أجزاء من موسوعة لياسر شحاتة استغرق تأليفها 10 سنوات
الخميس - 17 ذو الحجة 1441 هـ - 06 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15227]

يرى الباحث الدكتور ياسر شحاتة، في موسوعته «إعادة قراءة التاريخ» التي يصدر قريباً جزؤها الثالث (الأخير) عن «هيئة الكتاب» المصرية، أن عام 1492 كان فاصلاً في تاريخ البشرية، ففيه خرج العرب من الأندلس، ودخلوا بعده في نفق الاحتلال العثماني المظلم، أما الأوروبيون فقاموا باكتشاف الأميركتين، ووقعوا بذلك على كنز كبير ساهم في انطلاقهم، اقتصادياً وحضارياً.
وفي الجزأين الأول والثاني اللذين صدرا ضمن مطبوعات «الهيئة» عامي 2014 و2018، سعى الباحث إلى دراسة تطور الحضارتين: «الغربية الأوروبية» من ناحية، و«الشرق أوسطية العربية» من ناحية أخرى، وذلك عبر عدة مراحل اجتماعية وسياسية ودينية، منذ نشأة الإنسان حتى فترة الاكتشافات الجغرافية. وقد حاول شحاتة خلالهما إظهار خواص ومميزات كل منهما، والعناصر المتشابهة بينهما، ومناطق الاختلاف والتمايز.
وتخصص الجزء الأول في دراسة الفترة الزمنية منذ العصر الحجري حتى الدولة البطلمية، وفيه أوضح الباحث أن نشأة الإنسان كانت في أفريقيا، ومنها انطلقت الهجرات إلى أنحاء العالم، ولفت إلى أن الأصل المشترك للحضارات العربية القديمة يتركز في مصر وسوريا والعراق.
وخلال الجزء الثاني من الموسوعة، قام الباحث بدراسة عصر الدولة البطلمية، منذ بدايته حتى الكشوفات الجغرافية، وتتبع ظهور الأديان في المنطقة العربية، وانتشارها في العالم، ونشأة وتطور الدولتين الأموية والعباسية، وتطور العلوم والفلسفات العربية، وتأثير ذلك على أوروبا والعالم.
وقال الدكتور ياسر شحاتة لـ«الشرق الأوسط» إن هدف الموسوعة الأساسي هو فهم الذات والآخر، وقد استغرق تأليفها 10 سنوات، وانتهى من جزئها الثالث منذ أسابيع قليلة، وحاول من خلالها أن يسد فراغاً في الدراسات العربية، وهي تعد -حسب قول المؤلف: «أول محاولة لوضع النمط الحضاري الغربي تحت مجهر التحليل والدراسة، ويمكن اعتبارها اللبنة الأولى لبناء علم الاستغراب».
ويقول المؤلف إن المحاولات في هذا المضمار قليلة محدودة،، وإنه «لا يوجد في الثقافة العربية ما يمكن أن يسمى (علم الاستغراب)، المعني بدراسة النمط الحضاري الغربي والشخصية الغربية. أما الثقافة الغربية، فيحتل جانباً مهماً منها دراسات وأبحاث كثيرة تندرج تحت ما يسمى (علم الاستشراق)، وهو الجانب الخاص بدراسة النمط الحضاري الشرقي والشخصية الشرقية».
وتتكئ الموسوعة على 4 محاور رئيسية، تتبع الأول تطور الأشكال الاجتماعية والإمبراطوريات والدول والثورات، من الناحية السياسية والاجتماعية؛ ودرس الثاني التطور الاقتصادي، وتطور أدوات الإنتاج؛ ودار الثالث حول التطور العلمي والفكري والفلسفي، وتأثيره على المجتمع والفرد؛ أما المحور الرابع فانصب على تطور أنماط الفن ودلالاته التي تعكس الجانب الروحي للتطور الحضاري الأوروبي والعربي. وقد لجأ شحاتة إلى الدراسات المقارنة لتوضيح جوهر كل حضارة في مقابل الأخرى، من أجل المساعدة في فهم الآخر، وسبل الاستفادة منه.وفي الجزء الثالث من الموسوعة، ينطلق شحاتة من زمن الاكتشافات الجغرافية، ويتتبع تأثيراتها فيما جرى بعد ذلك من تطورات تاريخية. وخلال فصولها، يتابع تطور الأحداث الناجمة عن ذلك، وإبادة 100 مليون هندي أحمر من سكان أميركا الأصليين، ثم ازدهار تجارة العبيد، وتدمير دول وممالك أفريقية، واختطاف ما يقرب من 40 مليون أفريقي، ونقلهم إلى الأميركتين، وتسخيرهم في أعمال لا إنسانية، وهي ظواهر -حسب الباحث- لم يعرفها التاريخ العربي في أسوء مراحله.
ولم تغفل الموسوعة حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت التي خسرت فيها ألمانيا ثلث سكانها، وانخرطت فيها كل الممالك الأوروبية، وراح ربع سكان القارة ضحية لها، كما تحدثت عن حرب الأفيون التي كان هدفها إجبار الصين على شراء الأفيون من إنجلترا وفرنسا.
وخلال تحليله الاجتماعي للثورات في أوروبا، يفسر الباحث كيف استفادت تجارة العبيد من الثورات الأوروبية التي قمعت بوحشية محاولاتهم في التحرر. كما تتبع تطور الفكر الأوروبي، وبداية ظهور الفكر العنصري وانتشاره بعد اكتشاف الأميركتين، وتبلوره في ظاهرة الفاشية والحربين العالميتين اللتين كبدتا الإنسانية أكثر من 110 ملايين قتيل.
ويشير الباحث إلى أن التاريخ الأوروبي يسيطر عليه الجانب المادي، ويفتقر إلى أي عامل روحي، وهو ما يمكن من خلاله تفسير وقائع وحوادث البطش الأوروبية التي لا حدود لها، أما التاريخ العربي فيختلف عن ذلك تماماً لأنه منذ بدايته كان يضع العاملين الروحي والإنساني بصفتهما جزءاً من مكوناته. وقد منع ذلك وصول بطش أي قوى عربية غاشمة إلى الحدود والمستويات الأوروبية التي كانت وسائل التعذيب خلالها أكثر من وحشية.
وعرض الباحث خلال الموسوعة صوراً لآلات وأساليب تعذيب قال إنها تتفوق على أفلام الرعب، وأشار إلى أن إبادة ملايين من الهنود الحمر على يد المغامرين من أوروبا كانت تتم بموافقة الجميع، حيث وصل الأمر إلى حد إلقائهم أحياء مع أطفالهم طعاماً للكلاب، وهو ما لم يعرف العرب له مثيلاً. وقد تعرضت الموسوعة بالتفصيل لمجازر تقشعر لها الأبدان، استقى شحاتة دقائقها من مراجع أوروبية.
وذكر شحاتة أن القيم الحديثة، مثل المساواة والحرية، جاءت نتيجة لحركات مادية لا إنسانية، واستهدفت تحرير التجارة، وقد انطلقت فكرة تحرير العبيد من أصحاب المصانع الذين طمعوا في الاستفادة من العاملين في المزارع، فاخترعوا فكرة تحريرهم لاستغلالهم في مشروعاتهم الجديدة، وليس من أجل القيم الإنسانية. وينتهي الباحث في فصول الجزء الثالث من موسوعته بدراسة ما سماه «الظاهرة الإسرائيلية والعشق والهوس الأوروبي بها».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة