«المقهى».. عمل عراقي يعري ثقافة الخوف السائدة منذ السبعينات

«المقهى».. عمل عراقي يعري ثقافة الخوف السائدة منذ السبعينات

مسرحيون شباب يكشفون المسكوت عنه
الأحد - 22 صفر 1436 هـ - 14 ديسمبر 2014 مـ
مشهد من المسرحية
بغداد: أفراح شوقي

على غير عادتها، اكتظت مدرجات أحد المسارح الجديدة في العاصمة العراقية بغداد بجمهور كبير، معظمه من طلبة وخريجي المعاهد والأكاديميات الفنية، للاحتفاء بأصدقائهم وهم يخوضون تجربة عرضهم المسرحي الجديد «المقهى»، والذي سلط الضوء بجرأة كبيرة على الظروف الصعبة والحروب والأزمات التي مرت بها البلاد وأثرها في إثارة نزعة التنصل والضياع في نفوس الشباب خصوصا، بدءا من مرحلة تأسيس الحكومة العراقية، وحتى تغيير النظام عام 2003 والسنوات التي تلته.
يأتي العرض في وقت اتسعت فيه شكاوى فنانين ومثقفين من قلة عدد المسارح في بغداد، بعد أن تحول معظمها إلى مخازن للبضائع التجارية، أو أغلقت أبوابها من دون وعود بإعادة افتتاحها، وبقيت وحدها صالة المسرح الوطني في بغداد تستقبل عروضا ومهرجانات ونشاطات رسمية وأهلية معا لسنوات طويلة، حتى جرى افتتاح صالة مسرح الرافدين بجوار المسرح الوطني ليكون ميدانا جديدا لعروض مسرحية طال انتظارها.
تدور أحداث العمل (المقهى)، وهو من إنتاج وزارة الثقافة العراقية - مديرية المسارح الفرقة الوطنية للتمثيل، كتابة وإخراج الفنان الشاب تحرير الأسدي، حول موضوع الأثقال التي تلقى على كاهل شباب الحروب والحصارات والحكم المتسلط وسنوات القتل على الهوية، وما قابلها من شيوع ظاهرة التنصل والانكفاء على الواقع من دون محاولة للتصدي والخروج من المأزق، وذلك ضمن معالجة درامية متصاعدة تدور أحداثها في مقهى، واستطاع فيها أبطال العرض إضاءة مساحة واسعة من المسكوت عنه وما أغفلته أزمنة الصخب والصراعات.
«المقهى» استطاع بفريقه المكون من الفنانين الشباب (مرتضى حبيب وياس خضير ومحمد بدر ووسام عدنان وحسين وهام وتحرير الأسدي) أن يسلط الضوء على أفكار وأحلام الشباب العراقي وأزماته. إنه عرض استطاع أن يعيد الحياة لشباب المسرح، ودورهم في إحياء أمجاده، كما قال الفنان العراقي عبد الجبار الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط» بعد مشاهدته العمل، ويضيف «ما قدمه الشاب اليوم يجعلنا نشعر بالطمأنينة لمستقبل المسرح العراقي ومكانته، خاصة في المهرجانات العربية والعالمية، كونه صياد الجوائز كما هو معروف للجميع. أبطال العمل يمتازون بمخيلة واسعة، وقد جسدوا بنجاح أوجاع وهموم الوطن، وامتاز العرض أيضا بالأناقة والترتيب في معالجته الفنية، وحمل الكثير من الرسائل المهمة التي أعتقد أنها وصلت».
أما المسرحي والأكاديمي صلاح القصب فيقول «المسرحية أهم ما شاهدته منذ فترة، وهي أشبه بأعمال كبار التشكيلين الذين يؤلفون من بريق اللون والحركة والكتلة إنشاء بصريا كبيرا. هذا الإنشاء رسمه المصمم التشكيلي السينوغرافي علي السوداني، الذي تعامل مع فضاءات العمل كمخرج بصري سينمائي كبير. أدهشني العمل وكان أشبه بضوء لبروق مضيئة».
ويعتبر الفنان مرتضى حبيب، الذي جسد دور الصحافي المشاكس الذي يتعرض للاعتقال بسبب كتاباته المستفزة لتسلط الحكام، ولازمت شخصيته سحبه لجاكيت سترته كل لحظة، العمل «صرخة مدوية ضد الطغاة، وقد حاولنا هنا فتح ملفات صعبة من حياة العراقيين، منذ عقد السبعينات وحتى اليوم، وما رافقها من مآس وحروب وصراعات».
وحول لازمته، سحب طرف سترته، يقول «وظيفة الفنان أن يقتنص لحظات من الواقع ويحولها لصور جمالية بالمسرح، وهي لازمة حقيقية لأحد الصحافيين من أصدقائنا». وهو يبرر غياب العنصر النسوي في المسرحية بقوله «نعاني كثيرا في إيجاد العنصر النسوي المناسب للعمل المسرحي، لذلك صار العمل رجاليا بحتا وذلك له أثر سيئ طبعا، لكننا حاولنا العمل بالممكن، والحمد لله استطعنا النجاح وتلقينا على أثر العرض دعوة من الهيئة العربية للمهرجان المسرح في مدينة الرباط الذي سيقام من يوم 10 يناير (كانون الثاني) المقبل وحتى 16 منه، وذلك عن قائمة العروض المسرحية العربية التسعة المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة السابعة لمهرجان المسرح العربي».
أما مخرج العمل، الفنان تحرير الأسدي، فاكتفى بالنص الذي سجله في فولدر العمل «التاريخ علمنا أشياء عدة، منها أن الزمن وحش قاتل يسير ببطء فوق أشلائنا، ومنها أيضا أننا ما زلنا صامتين على هذا الموت.. فهل سنبقى هكذا أبدا؟». ويهدي عمله إلى «أنصاف المجرمين الذين ما زالوا يقتلون بصمتهم».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة