عبده جبير: محفوظ.. أنصفته {نوبل} ولم ينصفه النقاد

يستعيد صداقته وحكاياته مع صاحب {أولاد حارتنا} في ذكرى ميلاده الـ103

التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
TT

عبده جبير: محفوظ.. أنصفته {نوبل} ولم ينصفه النقاد

التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير
التمشي كان من طقوس نجيب محفوظ و في الاطار عبده جبير

«بفضل كل الخيال»، كما يعبر، جمع الأديب عبده جبير، ابن جيل السبعينات، أقصوصات من حياته كان بطلها أديب نوبل نجيب محفوظ ونشرها في كتاب صدر أخيرا عن دار «آفاق» للنشر والتوزيع، يجسد فيه محفوظ كما لو كان يعيش فيه، بابتسامته العذبة وروحه النقية، بل كشف لنا عبر 186 صفحة عن «محفوظ» الذي لا نعرفه. «الشرق الأوسط» شاركته استعادة هذه القصص في الذكرى الثالثة بعد المائة لميلاد نجيب محفوظ.
ظهر محفوظ في حياة جبير عام 1966، حينما كان طفلا في المرحلة الثانوية يعيش في مدينة أسوان بصعيد مصر، حينما وقعت عيناه على رواية «ثرثرة فوق النيل» منشورة في كتاب بعد نشرها مسلسلة في «الأهرام»، وكان في طريقة لشراء دواء السكر لوالده، لكنه لم يفكر بشيء سوى في رغبته العارمة في اقتناء الرواية بالنقود التي في حوزته فكان منه أن ابتاعها على الفور كالمسحور، وبعد أن هام بين صفحاتها فوجئ بأنه لم يأت بالدواء لوالده، وبعدها ضل طريقه للمنزل، وغلبه النعاس حتى وجدته دورية بوليس، ولما علم والده قاطعه لمدة عام، وبعدها رفض أن يكمل تعليمه بالقاهرة رافضا انسياقه لعالم الأدب؛ مما دفعه للهرب إلى القاهرة، وبها عاش على العدس والفول والجرجير والماء حتى ساءت صحته وأصيب بالسل، لكنه تجاوز المحنة، بينما ظلت القطيعة بينه وبين والده لأكثر من 15 سنة. تلك هي القصة الأولى في الكتاب الذي يضم 11 قصة تروي فصولا من حياة جبير ومحفوظ. يتذكر جبير: «محفوظ قرأ أغلب القصص وحدثني عنها وفوجئ بقصتي مع (ثرثرة فوق النيل)، وأذكر أنه قال مازحا: لو كنت أعرف أن الرواية ديه كانت حتتسبب في خناقة بينك وبين والدك مكنتش كتبتها»، ويضيف: «كل القصص نشرتها في حياته وكل قصة كان لها ظروفها، ونشرت متفرقة في صحف ومجلات، وأغلب مادة هذا الكتاب كانت موجودة في حوزتي منذ فترة طويلة، لكن كنت أمر بمرحلة غريبة بسبب الأحداث المريرة التي كانت مصر تمر بها من قبل 25 يناير (كانون الثاني) بعدة سنوات، فقد فقدت قدرتي على الكتابة بشكل مستمر ويومي، لكن أثناء تصفحي لأرشيفي وجدت أنها تصلح لكتاب، ومع ثورة 30 يونيو أحسست بأن روحي عادت إليّ، واستطعت الجلوس وإعادة النظر في أعمالي التي كانت تحتاج للمسات الأخيرة، وتشجيعا لنفسي بدأت بالكتب التي لم تكن تحتاج لأكثر من مقدمة، ووجدت أمامي 5 كتب كان أولها هو كتاب (نجيب محفوظ)، ولم يكن ينقصه سوى إعادة صياغة القصة الأولى والمقدمة، ودفعت بالكتاب إلى المطبعة بعد 20 يوما».
لكن جبير لم يرو تفاصيل أول لقاء حقيقي بمحفوظ في كتابه، فعاد بذاكرته مع «الشرق الأوسط»: «تعرفت على الوسط الثقافي في القاهرة عام 1969 حينما التقيت بصديقي شاعر العامية الكبير نجيب شهاب الدين، فهو الذي أخذني إلى مقهى إيزافيتش ثم مقهى ريش وهناك تعرفت إلى أمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وبهاء طاهر، ومحمد البساطي، وغالب هلسا، وتعرفت على محفوظ في ندوة يوم الجمعة من خلال جلوسي في ريش في ذلك العام، ومن هناك بدأت أكتب في جريدة (المساء) التي كانت منبرا للأدباء الشباب، وقدمت عبد الرحمن الأبنودي ودنقل والكثيرين، ونشرت أول قصة لي عن طريق كاتب القصة المعروف فاروق منيب، المشرف على الملحق الأدبي بها، في أغسطس (آب) 1969، وكان عنوانها (الأمواج). وبعدها، حينما ذهبت إلى مقهى ريش يوم الجمعة، فوجئت بالجمع المحيط بمحفوظ يتكلم عن هذه القصة، وكان هناك صديقي الراحل إبراهيم عبد العاطي الذي أشار إليّ وقال هذا هو عبده جبير، وإذا بمحفوظ يعبر عن فرحته بها وتحدث عنها بترحاب شديد، وكان معجبا بأجواء القصة الصعيدية واللغة البسيطة التي كتبتها بها، وأذكر جيدا كم كان دمث الخلق، وكلما قرأ لي أو لأي شاب كان يشيد بما يعجبه وما لا يعجبه كان يؤثر الصمت».
لكن جبير كشف لنا كيف كان محفوظ يبدو في لحظات غضبه. في قصته الثانية عن المقالة التي أغضبته ووصف كاتبها «بقلة الأدب»، كان جبير قد قام بمغامرة إصدار مجلة شهرية لعروض الكتب اسمها «كتب عربية»، وقرر أن يكون موضوع غلافها الأول رواية «حضرة المحترم»، وكتب عنها الكاتب سليمان فياض. لم يكن يعلم جبير حينما حمل العدد الأول من مجلته فرحا وتلقاها محفوظ بابتسامة عريضة وشكره، إلا أنه في الأسبوع التالي فوجئ بمحفوظ يتجاهله هو وسلميان فياض، فلم يلق عليهما التحية المعتادة. يقول جبير: «لم تكن مرارتي تتحمل الموقف، فغادرت مقهى الحرية قبل أن تميد الأرض بي، ومشيت إلى بيتي». في اليوم التالي حينما ذهب فياض بنفسه إلى مقهى ريش، وكان الحوار حول المجلة، وحينما تحدث عنها أمسك محفوظ بها موجها الكلام لفياض «دي بقه قلة أدب». لم يقو فياض على الصدمة، وغادر محفوظ الندوة ومنذ ذلك الوقت «تغير محفوظ تجاهي لدرجة أنه قاطعني أكثر من 3 سنوات لم يوجه لي التحية حين يهل على المقهى وأكون جالسا، بل إنه تمادى لدرجة أنه لم يرد على تحيتي حين تجرأت». بعدها لم يذهب جبير مرة أخرى إلى ريش، وانتشر الأمر بين المنتديات الثقافية في القاهرة، و«بقت فضيحة بجلاجل» نشر جبير نص المقالة كاملا عله يعرف سبب غضب محفوظ الذي لم يعرفه حتى الآن.
عادت المياه لمجاريها وجمعتهما مواقف كثيرة بعدها، كان أهمها اللحظات الأولى لفوز محفوظ بنوبل، فيعود بنا ليوم الخميس 16 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1988، حينما هاتفه مدير تحرير مجلة «سيدتي»، أسامة الغزولي، من لندن يطلب منه ملخصات قصيرة لكل أعمال محفوظ الـ46 خلال 6 ساعات، صدم جبير، فقد ظن أن محفوظ وافته المنية، لكنه فرح بخبر فوزه بنوبل: «أنا حتى الآن لست مستوعبا ما فعلته. لقد أغلقت علي الباب وظللت أكتب في أعمال محفوظ»، لكنه قدم في كتابه وثيقة رائعة بعنوان «الدليل الكامل لأعمال نجيب محفوظ» تضم حصيلة ما كتبه عن صاحب جائزة نوبل، يقول: «كنت وقتها في منزلي وهو يوم عطلتنا في مجلة المصور، لكن رئيس تحريرها آنذاك، مكرم محمد أحمد، طلب مني الذهاب فورا لمنزل محفوظ، ويروي تفاصيل وصول جحافل الصحافيين والمصورين على الشقة الصغيرة، وبدأ كل منهم يأخذ دورا مساعدا، فقام جبير بالرد على الهاتف وتلقى التهاني، وما قاله محفوظ ليحيى حقي: «الحقيقة أنك تستحقها أكثر مني». ووزع جبير المهمات على الصحافيات لمساعدة السيدة عطية الله إبراهيم، زوجته، وقد أعياها التعب: «كنا جميعا نحس بأن هذا بيتنا، وأننا أبناء الرجل الكبير الذي انتزع لنا جائزة نوبل من فم أسد العالم».
وحول طقوس الكتابة الروائية لدى محفوظ، يقول جبير: «كان قليل الإفصاح عن طقوس أعماله، لكن كلنا كنا نعرف أغلبها. كنا نعلم أنه كان يستيقظ مبكرا، ويذهب للتمشي ويشتري الجرائد ويجلس إلى المقهى ثم يسير من العجوزة حتى جريدة (الأهرام) ويلتقي بالناس ثم يعود لبيته للغذاء والنوم ثم يجلس للكتابة، لكن أهم مبادئه هي أنه كان له نظام صارم، كان يقسو على نفسه حتى يستطيع أن يحافظ على وظيفته الحكومية، لأن الأدب لم يكن يكفل له حياة كريمة».
ويكشف جبير أيضا كيف كان محفوظ «يجور» على رواياته من أجل السينما، لأن «السينما فن آخر غير الرواية، لذا فإنني أعطي الحرية الكاملة للسيناريست والمخرج، ليفعلا ما يشاءان بروايتي». ويكشف لنا أيضا كيف كان يستغل عائد عمله ككاتب سيناريو في الإنفاق على الأدب وكيف دفع من دمه وأعصابه، وأنه لم يكن مرتاحا في التعامل مع السينمائيين، لكنه لم يكن يفرض شروطا في التعامل مع المنتجين والمخرجين.
ويروي جبير قصة نقل أعمال نجيب محفوظ إلى اللغات العالمية وكيف بدأت ومن هو البطل المجهول لكثير من القراء الذي كان وراء ذلك؟ إنه جونسون ديفيز أول من ترجم أعمال محفوظ للإنجليزية في الأربعينات في مجلته «أصوات» التي أصدرها في إنجلترا عام 1960. وقد عانى هذا الرجل كثيرا في سعيه لوضع الأدب العربي على الساحة العالمية، وهو الرجل الذي ارتبط بجبير بعلاقة وطيدة لا تزال قائمة حتى الآن، فهو يقطن إلى جواره في قرية تونس بالفيوم؛ حيث يعيشان على أطلال ذكريات رائعة مع محفوظ. وترجم ديفيز لجبير عدة أعمال كما كتب عنه في سيرته الذاتية المنشورة بالإنجليزية.
ولعل الفصل الأكثر إثارة الذي يرويه جبير من حياة محفوظ هو كيف كان عاثر الحظ فيما يتعلق بالأمور المادية، ويروي قصة المرأة الفرنسية التي «لطشت نصيبه من فلوس جائزة نوبل»، وكان ذلك في عام 1987، إذ احتالت على محفوظ باسم جمعية أدبية وهمية في باريس بحجة نشر أعماله بالفرنسية، لكنها لم تقم بنشر أي شيء، وحينما وقع مع الجامعة الأميركية طالبته بتعويض مادي كان يعادل 80 ألف دولار قيمة نصيبه من الجائزة بعد أن فرقه على أسرته. ويروي كيف نصبت على عدد من أدباء مصر، ومنهم إبراهيم أصلان، وهو شخصيا؛ حيث أقنعتهم بالانضمام لعضوية تلك الجمعية ودفعوا الاشتراكات بالدولار.
القيمة الكبيرة التي يمثلها محفوظ لدى جبير دفعته لأن يبدأ في مشروع موسوعة لنجيب محفوظ ليضم فيها كل ما يتعلق بأدبه وحياته وتاريخ القاهرة من خلال أعماله، واضعا نصب عينيه موسوعة «جيمس جويس» التي أعدها الباحث طه محمود طه، وقد تعاون معه المؤرخ عرفه عبده، وكان ذلك بعد فوزه بنوبل. وبالفعل عقد جبير جلسات عمل مع محفوظ في مكتب توفيق الحكيم بـ«الأهرام»، وآنذاك قال محفوظ: «هذا مشروع ضخم المفروض أن تقوم به مؤسسة كبيرة»، حاول جبير أن يبحث عن منحة تساعده على إنجاز الموسوعة التي تحمل الكثير من نفقاتها، إلا أنه لم يحصل عليها ولم تدعمه وزارة الثقافة في ذلك الوقت وتوقف المشروع.
وحول نيته في استكماله الآن، قال: «بالطبع أرغب في خروج الموسوعة إلى النور، لكن لم يعد لدي الطاقة أو الوقت لها نتيجة أنني أعمل على الانتهاء من عدد من النصوص، لكن لا مانع لدي أن أقدم المادة التي لدي لأي فرد أو مؤسسة لكي تكون مرجعا معتمدا، لأن هناك تواريخ ومفاهيم مختلف عليها في حياة محفوظ، أريدها موسوعة علمية متقنة ويراجعها أدباء ونقاد وباحثون، لكي تكون مرجعا عن محفوظ، لأنه إلى الآن العمل الوحيد الذي أراه قدم نقدا حقيقيا لأعمال نجيب محفوظ هو كتاب إبراهيم فتحي (العالم الروائي عند نجيب محفوظ) الذي تناول المرحلة الأولى من أعمال نجيب محفوظ تناولا عميقا جدا، لكن لا يزال محفوظ مظلوما في النقد والدراسة التي يجب أن تحصل عليها أعماله. وعموما، لا يوجد كتاب جيد عن فن الرواية في العالم العربي، النقد لدينا أغلبه كتابة أكاديمية مدرسية ليس لها مذاق، أو مجرد كتابة صحافية».
ورغم عشق جبير لأعمال محفوظ، فإنه انضم إلى مدرسة أدبية مغايرة وهو ما نجده في أعماله، مثل: «فارس على حصان من خشب»، و«تحريك القلب»، و«سبيل الشخص»، و«عطلة رضوان»، و«رجل العواطف يمشي على الحافة»: «تأثرت بكثير من الكتاب، لكن تأثير محفوظ لم يكن في تجاربي الأدبية، هو كلاسيكي ورائد من رواد الأدب العربي، وقدم لنا مكتبة نستند إليها، لكني أميل للتجريب، وأنتمي لمدرسة مختلفة تماما».
روى جبير كيف «عمدت الرواية المصرية بالدم حتى سال دم محفوظ شخصيا»، وذلك عن حكاية رواها له محفوظ حول ردود الفعل التي صاحبت نشر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل التي أثارت خناقة بين «طلبة الأزهر» والأفندية واستعملت فيها «النبابيت» وسقط فيها عدد لا بأس به من الشباب المحب للأدب، وكيف كان الاعتراض على وصف رجل لعيني وقوام لفتاة.. إلخ. يقول جبير: «لقد كان سعيدا حينما علم أنني كتبت ما رواه لي حول رواية (زينب) لكنه لم يكن يعلم وهو يروي تعميد الرواية العربية بالدماء أن دماءه هو شخصيا سوف تسيل بسبب رواية (أولاد حارتنا) بسبب تقرير كتبه أحد الفقهاء».
لمقاهي وسط القاهرة مكانة خاصة لدى جبير، وكان المكوث فيها بغرض التعلم وثقل موهبته والتعرف على كل ما هو جديد في عالم الثقافة والأدب والفن، لكنها الآن لم تعد كما عهدها، أصبحت مكانا لـ«خرتية الأدب» الذين يستغلون الأدباء الكبار ويحاولون التطفل عليهم، وتحولت كما يراها «جلسات نميمة»، لذا قام بمقاطعتها، فسألته أثناء مكوثك إبان الثورة المصرية في وسط القاهرة؛ حيث أطلال ذكرياتك مع محفوظ، كيف كان سيرى الأوضاع التي آلت إليها مصر مع حكم الإخوان وموجة التشدد والدماء التي سالت «أظنه كان سيكون مذهولا كما أصابني الذهول، وأصاب كثيرا من الأدباء والمواطنين العاديين، لكنه كان سيكتب عنها كما لم يكتب من قبل».
جسد جبير الثورة بالخيال وكتب «بائعة الزهور» التي نشرها في (الأهرام) حول فتاة تبيع الزهور في ميدان التحرير أثناء الثورة وتصعد فوق مجمع التحرير وتستخدم تنورتها في أن تكون مظلة تحملها أعلى ميدان التحرير لكي ترمي بالزهور على كل من هم فيه، لكن يعترض جبير على اسم «أدب الثورة» فهو يرى أن الأديب يتأثر كإنسان بالأحداث السياسية، فيكتب ما عايشه، لكن «أدب الثورة».. لم يتشكل بعد «ما يمكن أن يطلق عليه ذلك الاسم، فهناك محاولات ناجحة وفاشلة، لكن هناك فارقا بين الكتابة الأدبية التي تقوم على الموهبة والمشاركة في الحياة العامة». ويضيف: «لدي عدة نصوص طويلة حول الثورة ونشرت أحدها، لكن لفت نظري ما طرحته الثورة من لغة جديدة بين الناس لغة مبنية على فكرة الحيرة والحوار والحقيقة بعكس لغة التسلط والاتجار والتدليس، وكتبت مقالة في مجلة (الرواية) عن اللغة التي طرحتها الثورة، ولدي نص بعنوان (إعلان بورسعيد كعاصمة للخيال) كتبته بعد حادثة استاد بورسعيد وعن مرارة أهلها وأنها مدينة ملهمة للأدباء، كما كتبت نصا حول فكر المتشددين من وحي الثورة (نحن في مرآة الإخواني المتسلف) سوف تصدر قريبا في كتاب».
وعن رؤيته لحالة الأدب والإبداع في مصر والعالم العربي، يقول: «الحراك الاجتماعي الحاصل من قبل الثورة، وأثنائها وبعدها، دفع الكثير من الناس في مصر والعالم العربي إلى اللجوء لشكل الرواية للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم وأفكارهم عن النماذج البشرية التي يعيشونها، وهي موجة عامة حدثت أيضا في فترات تاريخية مختلفة. ففي الستينات عدد كبير من البشر يكتبون القصة القصيرة، لدرجة أن غالب هلسا كتب ساخرا: (لو مشيت في أي شارع من شوارع القاهرة، من الممكن أن تسقط على رأسك قصة قصيرة). لمن في النهاية سينسحب عدد كبير، وتتبلور الصورة أكثر وتضم الكتاب الجادين فقط».
ويؤمن جبير بأن «كثيرا من الكتاب سوف يتراجعون إلى الخلف ويأخذون مكانهم الطبيعي، لأنه في المراحل السابقة في الرواية كان هناك ما يمكن تسميته بالكتابة (البيست سيلر). كان إحسان عبد القدوس يطبع أكثر من محفوظ 10 و15 مرة، ولكن محفوظ ظلت له قيمته الأدبية التي لم تبارح مكانها عبر السنين. لست ضد الروايات السهلة التي تسلي الناس، لكن الرواية في النهاية أدب وقيمة أدبية ومجهود ضخم يكاد يحتاج إلى (الرهبنة)، لكن بعد عدة سنوات سوف تصفو الساحة من الأعمال الرديئة وأعمال المتطفلين على الأدب، وتعود إلى الوضع الطبيعي، لأن الفارق كبير بين الأدب الجاد والأدب المسلي، فالبعض يكتب وعينه على الأفلام وعلى المسلسلات، لكنه أمر صحي يؤكد حيوية المجتمعات التي تبرز فيها هذه الظاهرة».



رحيل حسين علي حسين الأديب المسكون بالحزن والصمت

الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
TT

رحيل حسين علي حسين الأديب المسكون بالحزن والصمت

الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)

فقد المشهد الثقافي والإعلامي السعودي مع إطلالة العام الجديد واحداً من أبرز رواد القصة القصيرة، والصحافة، الأديب والكاتب المعروف، حسين علي حسين، ذاكرة الحكايات وأحد أعمدة السرد، جمع بين الواقعية والتصوير الاجتماعي، وتميزت نصوصه بعمق فلسفي وفكري.

وقد عبَّر عن طريقته في كتابة السرد قائلاً: «القصة تبدأ عندي بما يشبه لوحة البرق، وهي تتشكل لحظة بلحظة، وتتمدد أحداثها ومراميها كلما أعدت كتابتها، فأنا لا أفكر حقيقة قبل الكتابة في المضمون الذي يتعين عليّ بثه من خلال قصة جديدة».

عرف حسين بتواضعه الجمّ، كما عرف بالصمت، وهو القائل: «لـدي الاستعداد التام للبقاء صامتاً بالساعات أمام أي ثرثار، كان ميلي إلى الصمت والخجل يقضّ مضجعي، لم أستطع التخلص منهما إلا بشق النفس، وهو تخلص لم يكن تاماً وباتراً، ربما تمشياً مع مقولة أجدادنا من «شب على شيء شاب عليه».

ولد حسين علي حسين في المدينة المنورة عام 1950، وبدأ الكتابة مبكراً في عام 1969، الذي شهد بداية دخوله عالم الكتابة القصصية، حين نشر له القاص الراحل سباعي عثمان أول نصوصه في صحيفة المدينة، ثم انتقل إلى جدة حيث توثقت علاقاته بمثقفين بارزين بينهم: عبد الله الجفري، سباعي عثمان، شاكر النابلسي، عبد الله باخشوين، وفهد الخليوي.

في حديث له في «بيت السرد» بالمنطقة الشرقية، قال: «لقد وُهبت فضيلة التواضع والصبر، فأصبحت أقدِّم رِجلاً وأؤخِّر أخرى، وبين كل خطوة وخطوة كنت أقبل على القراءة، المزيد من القراءة والقليل من الكتابة»..

في بداية مراحله التعليمية، انغمس في القراءة، بدأ بقراءة الأعمال المسرحية؛ مثل مسرحيات «تشيخوف، برنارد شو، بريخت، ميللر، إهرنبرغ، سارتر، كامو، لوركا، إضافة إلى مسرحيات لتوفيق الحكيم، ألفريد فرج، ميخائيل رومان، جورج شحاته والعشرات غيرهم. كما قرأ في تلك الفترة مؤلفات مارون عبود، ومؤلفات طه حسين وعباس العقاد، وغالي شكري، وأحمد الشايب، ومحمد يوسف نجم، ومحمد الجزائري، ويحيى حقي، ومحمود أمين العالم، وقال ذات مرة إن «كل هذه القراءات كانت تتمحور في داخلي على شكل نظريات ودراسات، أحمد الله أنه لم يظهر أي شيء منها على أرض الواقع، فقد كنت آخر الناس في الإقدام على الكوارث النقدية».

قراءاته المتنوعة في المسرح والأدب والتاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة، أصبحت تتمحور داخله، كما يقول، وأضاف في لقاء مع «بيت السرد بالمنطقة الشرقية»: «من واقع العزلة الاجتماعية بدأت الكتابة، وأرسلت ما كتبته فوراً إلى صحيفة المدينة، وكانت سعادتي بالغة عندما رأيت ما بعثت به بوساطة البريد منشوراً ومعه صورتي إياها!».

استهلّ مشواره الصحافي مراسلاً ثم محرراً في مجلة «اليمامة» سنة 1970، وأصبح في عام 1975 مديراً لمكتب صحيفة «المدينة» في مدينة الرياض، وفي عام 1986 عُيِّن مسؤولاً عن قسم التحقيقات بصحيفة «الرياض»، وسكرتيراً لتحرير مجلة «اليمامة».

أصدر عدة مجموعات قصصية، هي: «الرحيل»، و«ترنيمة الرجل المطارد»، و«طابور المياه الحديدية»، و«كبير المقام»، و«رائحة المدينة»، و«المقهى»، و«العقد»، وآخر مجموعة قصصية أصدرها باسم «مزيكا». وترجمت بعض قصصه إلى اللغتين الإنجليزية والروسية.

ثم اتجه للرواية وكتب روايتين، الأولى «حافة اليمامة»، ثم رواية «وجوه الحوش» التي فازت بجائزة «جمعية الأدب المهنية» عام 2025 في مشروع «تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» تحدث عن روايته الأولى «حافة اليمامة»، وهي تتحدث عن مرحلة من تاريخ السعودية، تدور أحداثها بين مدينتين هما المدينة المنورة والخرج، ثم عن مدينة الرياض، وقال إن الرواية تعالج اللواعج والأحداث والمشكلات والتأثيرات الاجتماعية التي تتعرض لها مجموعة من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل في تلك المدن.

‏كان الراحل عضواً في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض، وحظي بتكريم خاص من النادي، كما أفردت له مجلة «اليمامة» ملفاً خاصاً استعرض مسيرته الأدبية ومنجزه الإبداعي، وشارك حسين علي حسين في عدد من المهرجانات الثقافية، والمنتديات الأدبية في المملكة، وعدد من الدول العربية، وحصل على جوائز مختلفة، منها: ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية عام 1984.

وكتب عنه الدكتور عبد العزيز السبيّل ترجمة في «قاموس الأدب والأدباء»، نقل خلالها عن فاطمة موسى في قراءتها لمجموعة «الرحيل»، قولها: «الإحباط هو الصفة الكبرى لجميع شخصياته، من الطلبة والعمال وصغار الموظفين الحكوميين، أو ببساطة من الرجال العاطلين؛ لأن هؤلاء هم نوع الشخصيات التي يختارها. تكشف كل شخصية عن الفشل واليأس من خلال اللمحات التي نحصل عليها من وعي الشخصية ذكراً كانت أم أنثى».

كما ينقل السبيل في ترجمته عن عز الدين المدني تساؤله بعد قراءته مجموعة «ترنيمة الرجل المطارد» بقوله: «ما هذا القلق المأساوي الذي يساور حسين علي حسين؟ وما هذا الحزن القاتم الذي يلفه من كل جانب؟ وما منزلته؟ وما مصيره؟»، ويشرح السبيل قائلاً: والمدني لا يقصد الكاتب نفسه، بل أبطال القصص في هذه المجموعة، الذين يذكره بعضهم برواية «كافكا» (المسخ).

وحسب الترجمة؛ يتوقف عبد الرحمن مجيد الربيعي عند مجموعة «طابور المياه الحديدية»، ويرى أن القصة التي حملت عنوان المجموعة «نموذج من أجمل القصص العربية الحديثة. القصة تتحدث عن منبع ماء معدني يشفي المرضى، كما يعتقد الناس، وطقوس الناس في التعامل مع هذا الماء. لقد وظف الكاتب المعتقد الشعبي، بعمل قصصي ناجح، تميز بنكهته المحلية وبلغته، رغم أنها تميل إلى الإسهاب في الوصف أكثر مما هو موجود في قصص المجموعة الأخرى».


قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح
TT

قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح

بين الكتب الجديدة، وتلك التي حافظت على مكانها في الذاكرة الثقافية، يتوقف عدد من المثقفين الخليجيين في رصد قراءاتهم لعام 2025، معتبرين أن العام الذي يوشك على الانصرام منح القراء مساحة وازنة من الوقت يقضونه بين صفحات الكتب، «رغم اجتياح (معلبات) الثقافة السطحية التي تمطرها وسائل التواصل الاجتماعي»، كما يقول البعض.

وأبرز ما يلفت الانتباه في قراءات المثقفين الخليجيين لعام 2025.، غياب شبه كامل تقريباً للكتب السياسية وكتب الفلسفة والتاريخ، مع حضور رمزي للشعر:

أمين صالح

الكاتب البحريني أمين صالح: «كان رحماً منبثاً»

قرأت هذا العام العديد من الكتب المتميزة، لذلك أشعر بالحيرة في الانتقاء، لكنّ يمكنني الإشارة إلى رواية عبده خال «كان رحماً منبثاً» التي هي حقاً رواية رائعة لكاتب كبير يعرف جيداً كيف يشدّ القارئ بسرده البديع وحكاياته المثيرة وحواراته الشيقة. فمن خلال رواياته، يؤكد عبده خال براعته في سرد الكامن في أحشاء مجتمع يكاد يكون بدائياً، وتحكمه شخوص عنيفة ومتسلطة. في هذه البيئة الموبوءة بالقسوة، والمكتظة بأسرار مخيفة، لا يتسرب الضوء إلا في أحوال نادرة وسريعة الزوال. شخصيات عبده خال تقطن في هامش الحياة، وعلى حافة الموت.

الكتاب الآخر الذي توقفتُ عنده ضمن قراءاتي هذا العام، كان الكتاب الأخير لنجوم الغانم، (وهي أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية إماراتية)؛ «البحر والأفق في ممر ضيق»، حيث دائماً ما تدهشني الكاتبة بنصوصها الجميلة.

حمد الرشيدي

الكاتب والروائي السعودي حمد الرشيدي: «بدويٌ في أسكوتلندا»

قراءاتي تنوعت بين الكتب الصادرة هذا العام في مواضيع شتى، ما بين الأدب والبحوث والدراسات العلمية وغيرها، حيث تأتي على رأس قائمة الكتب الأدبية رواية «بدويٌ في أسكوتلندا» للكاتب عقيل العنزي، وهي عبارة عن (سيرة ذاتية) تحدث من خلالها الكاتب عن سيرة حياته، ومجتمعه الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن، استعرضت الرواية أبرز المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل.

أما في مجال البحوث والدراسات العلمية فقد اطلعت على كتاب (معجم الأدباء السعوديين) للباحث والكاتب خالد اليوسف، وهو كتاب ضخم يتجاوز عدد صفحاته 700 صفحة، صدر هذا العام عن «مؤسسة الانتشار العربي» في بيروت، وقد شدّني هذا الكتاب إليه لغزارة مادته وتنوعها بين التراجم والسيّر لمجموعة كبيرة من الأدباء السعوديين، وما بذله مؤلفه من مجهود علمي جبار، استمر لسنوات طويلة من البحث والتقصي، وهو مجهود يشكر عليه حقّاً.

وهناك أيضاً كتاب (بئر زمزم) لمؤلفه الدكتور عبد الله بن محمد العمري، الصادر هذا العام بطبعة منقحة مزيدة، وهو كتاب قيّم جداً، استطاع مؤلفه من خلاله أن يتبحر كثيراً في ماء زمزم، وتاريخ هذه البئر في الأرض المقدسة منذ أن وُجِدَتْ مستعرضاً جميع المراحل التاريخية التي مر بها تاريخ هذه البئر، والتركيب الكيميائي والفيزيائي لمائها وفوائده الطبية، وما عُرِفَ عنه من نواحٍ شرعية على ضوء القرآن والسنة.

أما في الشأن السياسي فقد لفت انتباهي كتاب (الخطاب السياسي السعودي المعاصر) لمؤلفه الدكتور علي بن عالي السعدوني المطيري، الذي ألقى من خلاله مؤلفه الضوء على العلاقات السعودية الخارجية، ودور المملكة العربية السعودية بوصفها دولةً لها ثقلها السياسي والأمني المعروف في العالم.

فهد الهندال

الناقد والكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال: «الوزير المرافق»

قرأت كتاب «الوزير المرافق»، للدكتور غازي القصيبي الذي يعد واحداً من أبرز أعماله النثرية؛ إذ يمزج بين السيرة الذاتية والمذكرات السياسية، مع لمسة أدبية لا تخلو من الذكاء والسخرية.

يتناول الكتاب تجربة القصيبي في المهمات الرسمية داخل وخارج المملكة؛ إذ كان يشغل منصب الوزير المرافق، وهو الدور الذي سمح له برؤية الأحداث عن كثب، دون أن يكون في صدارة المشهد. لم يكتب القصيبي «الوزير المرافق» ليؤرّخ، بل ليحكي. وقد فعل ذلك بأسلوبه الرشيق، المليء بالمفارقات والملاحظات الساخرة، مقدماً للقارئ شهادة غير تقليدية عن لقاءاته بكبار زعماء العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

ينقسم الكتاب إلى فصول قصيرة وسلسة، يروي فيها القصيبي مواقف متنوعة جمعت بين الطرافة والدهشة، من لقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، مثل: الرئيسين الأميركيين كارتر وريغان، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والمستشارين الألمانيين شميدث وكول، وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس الأوغندي عيدي أمين.

قدّم القصيبي في كل فصل صورة إنسانية أو ساخرة أو نقدية لكل زعيم، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات، ليكشف عن الوجه الآخر للسلطة، كما رآه عن قرب.

باسمة العنزي

القاصة والروائية الكويتية باسمة العنزي: «غرباء حميمون»

على رأس قائمة الكتب التي حرصتُ على اقتنائها، إصدار الروائي عزيز محمد الجديد «غرباء حميمون»، عن «دار رشم»؛ لأسباب عدة؛ أولاً لأن عمله الأول «الحالة الحرجة للمدعو كاف» رسخ اسمه في عالم الرواية الخليجية المعاصرة بجدارة، ثانياً لأن بين العملين ثماني سنوات، وهي مدة زمنية كافية للتمهل والتقاط الأنفاس، وهو مؤشر إيجابي لتلافي انجراف عزيز محمد وراء نجاح عمله الأول وانتشاره عربيّاً.

جاءت الرواية مغايرة ومعاصرة تماماً، من غلافها إلى تفاصيل السرد فيها، متخلصة من الحس الساخر الذي تميزت به «الحالة الحرجة للمدعو كاف»، شبيهة بحداثتنا وتفاصيل أيامنا في مجتمعات تبدلت مبانيها وعاداتها، وأصبحت جزءاً من العولمة... التقاطات سينمائية متدفقة ومتأنية - رتم العمل جاء بطيئاً - تتناول العلاقات العائلية الهشة وندوب ذاكرة الطفولة، إلا أن الحكاية تبدأ من هنا ولا تتوقف، متجاوزة المتن السردي للعائلة الموصومة بالخزي والعنف الأسري نحو آفاق أخرى غير متوقعة، مؤرخة لمدينة الخبر الساحلية بعد حرب الخليج، بعمارتها ومبانيها وأهم الأحداث التي مرت عليها. «مدينة السطح الأوحد الذي تبدله كلما أوشك أن يتجذر، لا يهم كم يمر عليها مستقبلاً من زمن، ستبقى دائماً متجددة ودائمة التغير». نظر إليها البطل بعين الطفل، ثم الباحث، ثم المعماري الخبير، مدينة تواصل التمدد والامتزاج بعالم سريع التطور.

رواية كتبت بشاعرية ممزوجة بفهم عميق للمشاعر الإنسانية، ومعضلة الخروج من لحظات التعاسة، والتحرر من تجارب الطفولة السلبية، والصدمات النفسية، وانعكاس ذلك على الشعور بالأمان والثقة بالآخرين.

بدا عزيز محمد معماريّاً ماهراً، وضع الخطوط الرئيسية لعمله ثم بنى هيكل الحكاية المدعمة بكمّ من المعلومات الدقيقة عن العمارة الحديثة وعلم النفس، وأيضاً راصداً لمّاحاً لتغيرات المجتمع في السنوات الأخيرة، بالنسبة لي لم أقرأ في الأعمال الأدبية العربية خلال العقد الأخير ذكراً لموقع «لينكدإن» وطلبيات «أمازون»، وتداولات الأسهم لصغار المستثمرين، والنادي الرياضي والوجبات الصحية، ومكاتب موظفي البنوك، وأحلام أصحاب المشاريع الصغيرة! أغلب الأعمال الأدبية تدور في فضاءات مختلفة!

الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح: «الأكسجين ليس للموتى»

يمكنني القول إن قراءاتي هذا العام تشكّلت حول ثلاثة مسارات متوازية: الذاكرة، والأسلوب، والكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً يقاوم الفناء.

وفي هذا السياق، ورغم كثرة الكتب التي قرأتها وتعددها، جاءت أربعة كتب كان لكل منها أثره الخاص في رؤيتي للقراءة وللعالم، أريد أن أذكرها، وأذكّر بها على هذا الصعيد؛ أولها: كتاب «الذاكرة الجمعية» لموريس هالبفاكس، وهو عمل نظري كثيف أعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، لا باعتبارها شأناً فردياً فحسب، بل بوصفها منظومة تشكّلها الجماعة، وتعيد الجماعة إنتاجها وفق حاجاتها وقلقها وأحلامها.

شدّني في هالبفاكس إحساسه بأن الذاكرة ليست مخزناً جامداً، بل حقلاً حياً يتغير وفق ما يطرأ على الجماعة من جراح وتحولات. هذا الفهم ساعدني على قراءة المشهد العربي اليوم من زاوية مختلفة، وزاد يقيني بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تحفظ قدرتها على النهوض.

والثاني كتاب «تمرينات في الأسلوب» لرايمون كونو، بترجمة محمد آيت حنّا، وهو كتاب احتفائي باللعب اللغوي، يذكّر القارئ بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل فضاء لا نهائي للتجريب وابتكار الاحتمالات.

منحني (كونو) فرصة نادرة لاستعادة مرح اللغة، الحرية التي تجعل الجملة كائناً قابلاً لإعادة الخلق آلاف المرات. الكتاب كان بمثابة تذكير جميل بأن الكتابة ليست واجباً ثقيلاً، بل لعبة ذكية يمكن للمرء أن يحترفها دون أن يفقد دهشته الأولى.

وثالثها كتاب «رسائل إلى شاعرة» لغوستاف فلوبير، بترجمة سلمى الغزاوي، وهو كتاب يعيد إلى المراسلات مكانتها القديمة: حوار هادئ بين روحين، وورشة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة.

أعجبني في رسائل فلوبير انكشاف الكاتب بلا أقنعة، ذلك الصوت الحميم الذي لا نسمعه عادة في كتبه الروائية. الرسائل أضافت لي الكثير على مستوى التأمل في العلاقة المعقدة بين الكاتب وعزلته، بين الرغبة في الكمال وهشاشة الروح.

أما القراءة الأكثر إيلاماً وعمقاً فكانت رواية الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى «الأكسجين ليس للموتى»، تلك الرواية التي تبدو اليوم، بعد رحيل كاتبتها تحت القصف، أقرب إلى وصية مكتوبة بالدم.

هذه الرواية كانت ضربة هبة أبو ندى الأقسى. لفتني فيها ذلك التوتر العميق بين هشاشة المرء وقوة إيمانه بالحياة، بين الخوف والرغبة في الانتصار للكرامة. الرواية أضافت لي ليس مجرد متعة قراءة، بل شعوراً بالمسؤولية تجاه سرديات الفلسطينيين، خصوصاً تلك التي تُكتب في اللحظة الأخيرة قبل أن يُطفأ الضوء.

بسام المسلم

الروائي الكويتي بسام المسلم: «رجل مختلف»

تنقسم قراءتي في العام الماضي إلى ثلاثة أقسام: مُعادة وجديدة ومتعلقة بإصداري القادم. فأحياناً أجدني أتوق إلى العودة لبعض الكتب، إما بسبب الشوق إلى أجوائها، وإما نتيجة أحداثٍ في الواقع تذكرني بكتابٍ ما، فأعود إليه. فمثلاً، كان من تبعات محاولة اغتيال دونالد ترمب في بنسلفانيا، صيف العام الماضي، أن ذكّرتني برواية «رجل في الظلام» للمؤلف الأميركي بول أوستر، التي يدورُ قسمٌ منها في واقعٍ مفترض، تعاني فيه الولايات المتحدة من حربٍ أهلية.

كان ترمب وقتئذٍ الرئيس الأميركي السابق والمرشح المفترض للحزب الجمهوري، ونجا بأعجوبة من رصاصةِ أطلقها مواطن أميركي. الحادثة المثيرة ذكّرتني بالرواية التي كانت تعبيراً عن مخاوف أوستر من انقسام الولايات المتحدة في الحاضر، واحتمال انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة في المستقبل. كان من المفارقات، وقوع محاولة الاغتيال بعد أقلّ من ثلاثةِ أشهر على وفاةِ أوستر، الذي عبّر عن مخاوفه في حوارٍ متلفز بعد صدورِ الكتاب في 2008 بالقول: «إن ثمة حرباً أهلية في الولايات المتحدة، نحن منقسمون والفجوة تتسع يوماً بعد آخر!».

كما وجدتني، العامَ الماضي، أتوقُ إلى أجواءِ «الحرافيش» لنجيب محفوظ، فأعدتُ قراءتها باستغراقٍ واستمتاعٍ كأني أستكشفُ شخصياتها ومساراتها لأول مرة.

وحملني رحيلُ المؤلف البيروفي ماريو بارغاس، هذا العام، على العودةِ إلى كتابه «حفلة التيس» الذي حاولَ فيه أن يشرِّح نموذج النظام الديكتاتوري، عبرَ استعادةِ ثلاثين عاماً من الحكمِ المستبدّ للجنرال رافائيل تروخييو الذي استولى على السلطة في الدومينيكان عام 1930.

أما القسم الثاني من قراءتي فتمثل في كتبٍ أقرؤها للمرة الأولى، مثل كتابِ الأديبة الكويتية ليلى العثمان، بعنوان «رجل مختلف»، وهو أحدث مجموعتها القصصية. حرصتُ على قراءتها لعدةِ أسبابٍ؛ منها اهتمامي بأدبِ العثمان عموماً؛ إذ هي مؤثر أساسي في تكويني الأدبي، ومنها محاولة الالتزام بمتابعةِ فنّ القصة الآخذِ بالانحسارِ إصداراً وقراءةً.

أما القسم الثالث من القراءة، فكان متعلّقاً بعملي قيد الكتاب، ومنه كتاب الفنان التشكيلي الكويتي الراحل أيوب حسين الأيوب، بعنوان «حولّي قرية الأنس والتسلّي: من حصيلة الذكريات قبل الخمسينات» الصادر في 1987، وهو كتاب قيّم يوثّق فيه المؤلف ملامح قرية حَوَلِّي الكويتية قبل أن تبتلعها المدينة بمظاهرها الحديثة.

صالحة عبيد

الروائية الإماراتية صالحة عبيد: «زمن الغضب»

فيما يتعلق بقراءات هذا العام (2025)، فإن الأبرز منها كان الآتي: «زمن الغضب - تأريخ الحاضر» لبانكاج ميشرا، وهو كتاب مثير للاهتمام يحلل في الآثار المترسخة للغضب العالمي اليوم والآتي من محاولات فرض نموذج اجتماعي سياسي اقتصادي موحد قسراً على بلاد ما بعد الاستعمار. هذا الكتاب يجعلك تفهم فورات اليوم العالمية بشكل مفصل... مع شعورك الفادح بالتأسي في نفس الوقت يقاربه في المستوى التحليلي كتاب «الفجوة» الصادر عن «منشورات وسم» لجيسون هيكيل، والذي يحلل خرافة الفقر العالمية، وكيف بدأت، ومن يسوّقها، وكيف تصنع في عالم اليوم قنابل اقتصادية موقوتة على مستوى السرد.

وضمن الحصة الأكبر نسبياً ضمن قائمة قراءاتي، تأتي «أغنيات للعتمة» لإيمان حميدان عن «دار الساقي»، ففيها سرد أصيل وحقيقي وبعيد عن الافتعال، مع اختزال المجتمع والسياسة والجغرافيا في معاناة إنسانية حقيقية، توازيها في الصدق الإنساني رواية «لونجا القاهرة نويبع» عن «منشورات وزيز» لجنة عادل، وسؤال متسع عن الذات والهرب منها إليها في اشتباكات العائلة. وهناك أيضاً تجريب سردي جميل في «تمارين معجمية» لعلي المجنوني، من منشورات «تكوين» كتحية للغة والكلمة، وقدرتها على التشظي والإبهار، وأحمد الحقيل في «الحافة المطلة على العالم» عن كلمات للنشر، مستعرضاً تجربة هجينة بين المتخيل والذاتي بلغة أصيلة جداً.

أخيراً يتبقى لديّ الشعر... زاد الروح الضروري، وأختار منه مجموعة «فم مزموم» للشاعر الإماراتي أحمد عبيد عن منشورات «غاف»، حيث «الألفة بعظامها الأنيقة تعصر الضوضاء بهدوء أمام الليل، أمام الساحل الذي مزّق صخب عباراتنا الأولى، قبل رحيلنا الأنيق، كمهرج، كل واحد منا اختار موقفاً يؤدي إلى ذاكرته المحروقة».

وكتاب آخر عن الشعر، لخزعل الماجدي، بعنوان «العقل الشعري» عن منشورات «الرافدين»، وفيه تحليل العقل الإنساني باعتباره سؤال الشعر الممتد، لتتكون الحضارة منه وتتماهى فيه وتستمر، وهو كتاب بديع جداً.


أوانٍ فخارية من موقع مليحة

قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
TT

أوانٍ فخارية من موقع مليحة

قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج

يحتل موقع مليحة مكاناً مميزاً على خريطة المواقع الأثرية التي كشفت عنها عمليات المسح المتواصلة في مختلف أنحاء دولة الإمارات العربية خلال العقود الماضية.

أظهرت الأبحاث الدؤوبة المتواصلة أن هذا الموقع الاستثنائي شكّل في الماضي حاضرة وسيطة في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية، وحلقة وصل بين مختلف أقاليم العالم القديم، كما تشهد مجموعات القطع الفخارية المتعدّدة المستوردة من الخارج. تحضر في هذا الميدان مجموعة من الأواني الفخارية المزجّجة التي تشابه قطعاً وصلت كذلك إلى نواحٍ متقاربة ومتباعدة من الجزيرة العربية، مصدرها جنوب بلاد ما بين النهرين. وتقابلها مجموعة مغايرة تحمل الطابع الإغريقي الصِّرف، وتتكون من قطع صيغت على شكل صنف خاص من الجرار يُعرف بـ«الأمفورة».

شاعت في بلاد ما بين النهرين أطرزة متعدّدة في صناعة الفخار، منها طراز يُعرف بـ«الفخار المزجّج»، راج في جنوب هذه البلاد، وبلغ نواحيَ متعددة تقع خارج أقاليمها الواسعة. تعتمد هذه الصناعة على معالجة السطح الفخاري بإضافة طبقة طلاء مزجّجة تنصهر مع سطح المادة الطينية، وتؤدي هذه المزاوجة إلى خلق مادة جديدة عمد صنّاعها إلى تلوينها بأكاسيد مختلفة تُكسبها رونقاً خاصاً.

وارتبطت هذه الصناعة بهذه الناحية من بلاد الرافدين، وحملت اسمها، وعُرفت به، واعتُمد هذا الاسم بشكل واسع في القاموس الخاص بدراسة الفنون الفخارية المتعددة الفروع والأصناف.

ودخلت الجزيرة العربية قطع متنوعة من هذا الطراز بشكل متواصل، وعلى مدى قرون من الزمن، وشكّلت مجموعات مستوردة تشهد لرباط متين جمع أقاليم الجزيرة الواسعة وجنوب بلاد ما بين النهرين، منها مجموعة خرجت من موقع مليحة الذي يشكّل جزءاً من إقليم عُمان في العالم القديم، ويقع اليوم في المنطقة الوسطى بإمارة الشارقة.

تتكوّن «مجموعة مليحة» من بضع قطع عُثر عليها ضمن قطع متنوّعة من المنتجات الفخارية، منها ما هو محلّي، ويُعرف اليوم بـ«فخار مليحة»، ومنها ما هو من خارج الجزيرة، ومصادره متعدّدة. ويتمثل أبرز هذه القطع المستوردة من جنوب العراق القديم بقطعتين متشابهتين في التكوين كما في الصوغ، غير أنهما تختلفان من حيث الحجم، وقد نجح أهل الاختصاص في ترميمهما، فاستعادتا شكلهما الأصلي الأول بصورة شبه كاملة، وتُعدّان من أجمل النماذج المزجّجة المصقولة باللون الأخضر الزمردي.

وخرجت هاتان القطعتان من مدافن مليحة الأثرية؛ ممّا يعني أنهما شكّلتا في الأصل جزءاً من الأثاث الجنائزي، وهما على شكل زهرية ذات مقبضين عريضين، زيّنت بشبكة من النقوش الزخرفية الغائرة.

يبلغ طول كبرى هاتين الزهرتين 54.5 سنتيمتر، وعرضها 34.5 سنتيمتر، وعنقها مكلّل بطوق عريض، ويحدّه مقبضان مقوّسان يعلو كلّاً منهما مثلث أفقي مسطّح.

وتُزين القسمَ الأعلى من هذه الزهرية شبكةٌ من الخطوط العمودية المتوازية، تستقر فوق شريطين تعلو كلاً منهما سلسلة مشابهة من الخطوط المتوازية كأسنان المشط. وتتبع المزهرية الأخرى تكويناً مماثلاً، ويبلغ طولها 43 سنتيمتراً، وعرضها 30 سنتيمتراً، وزينتها الزخرفية مشابهة، مع اختلاف يسير في التفاصيل يظهر عند دراسته بشكل متأنّ.

إلى جانب هاتين القطعتين، تحضر قطعة ثالثة مشابهة في التكوين، تبدو أعرض وأقصر من حيث الحجم، وقطعة رابعة، وهي على شكل جرة لها مقبض مقوّس واحد، مصدرها موقع سكني يُعرف بـ«قصر مليحة»، وطولها 42 سنتيمتراً، وعرضها 31 سنتيمتراً، وهي مجرّدة من الزخارف، وتتميّز بلونها الأزرق الفيروزي.

تعود هذه المجموعة الخزفية المزجّجة إلى حقبة تمتد من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الميلادي الأوّل، وتشهد للرباط الذي يجمع بين مليحة وبلاد الرافدين. وتقابلها مجموعة أخرى من ميراث مليحة، تشهد لصلة أخرى مغايرة تجمع بينها وبين العالَم المتوسّطي الإغريقي، وتتمثّل هذه المجموعة بقطع فخارية من الطراز الذي يُعرف بـ«الأمفورة»؛ منها 3 قطع وصلت بشكل شبه كامل. كما هو معروف، ترتبط «الأمفورة» بشكل وثيق بالعالم الإغريقي، وتشكّل صناعة خزفية تقليدية شاعت في ذاك العالم بشكل واسع، وهي على شكل قارورة بيضاوية طويلة، تحدّها قبضتان كبيرتان تتصلان بعنق طويل ونحيل.

شكّلت «أمفورات مليحة» كذلك جزءاً من الأثاث الجنائزي بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الميلادي الأوّل، وهي مخصّصة لحفظ النبيذ، وأهمّها قطعة من الطراز الذي يُعرف بـ«الرودسي»؛ نسبة إلى جزيرة رودس الواقعة بين جزر اليونان وقبرص، وطولها 80 سنتيمتراً، وعرضها 36 سنتيمتراً، وتمتاز بتزجيج من اللون الأسود، ويرى أهل الاختصاص أن هذا التزجيج حدث في جنوب بلاد ما بين النهرين، وشمل سطح هذه «الأمفورة» وداخلها.

تقابل هذه القطعة قطعة مماثلة تخلو من أي تزجيج، وهي «أمفورة» رودسية تقليدية مجرّدة من أي زينة، وعرضها 48 سنتيمتراً. تحضر «الأمفورة» الثالثة إلى جانب هاتين القطعتين، وهي كذلك من الحجم الكبير، وطولها 77 سنتيمتراً، وهي من طراز مغاير، يُعرف بـ«الطراز الإسباني»، ويتميّز بعنق قصير، ومقبضاه على شكل عروتين صغيرتين نسبياً.

وتشهد هذه القطع لعلاقة مثيرة ربطت بين مليحة العُمانية والعالَم الإغريقي القديم، وتؤكّد شواهد أثرية أخرى هذا الرابط المدهش، منها قطعة جزئية صغيرة من «أمفورة» رودسية تحمل نقشاً يونانياً يشير إلى تاريخ صناعتها بين عامي 225 و125 قبل ميلاد المسيح، وقطعة أخرى مشابهة تحمل ختماً يحمل اسم صاحبها المدعو «أنطيماخوس»، وتاريخها يعود إلى فترة تمتدّ من عام 198 إلى عام 146 قبل ميلاد المسيح.