مصطفى سكوت... يسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة حلوى

طاهي حلويات جزائري يتألق بعد فوزه في أولمبياد فرنسا

TT

مصطفى سكوت... يسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة حلوى

طبقٌ يأخذ شكل تفاحة حمراء محشوة بمكوناتٍ عدة، خطرَ له أن يسميه «انفجار النكهات»، كان قد أبهر به الطاهي الجزائري مصطفى سكوت لجنة التحكيم في أثناء مشاركته في أولمبياد الحلويات بفرنسا عام 2017، ليظفر مع فريقه حينها ببطولة أفريقيا.
ويبدو بهلول مصطفى (اسمه الحقيقي) متفقاً مع مقولة الأميركية كرستينا توسي: «أحب الطهي لأنه يجعل تلك اللحظة في الحياة أحلى قليلاً».
على المستوى الدولي، لمع نجمه رغم حداثة سنه؛ ومن يرى ويتذوق حلواه سيقول فوراً «يا له من فنان». فبعد تفانيه لسنواتٍ طويلة في صناعة الحلويات، أدرك أن «الدهشة والفخامة تكمن في البساطة»... وها هو يعمل الآن في متجر رفيع المستوى في مدينة باريس، ويُسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة.
يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن طفولته، قائلاً: «ظننت أن أمي كانت تتعمد تحضير الأطباق التي أحبها، ثم اكتشفت لاحقاً أني أحب كل الطعام الذي تلمسه أناملها، خاصة كعكة الليمون التي لطالما أسرتني؛ لقد رغبت دائماً في أن أكون إلى جانبها في أثناء تحضير المائدة، يا لها من أيام!»... يضحك بينما يستعيد تلك الذكريات كلما اجتمع مع عائلته ليحضر لهم أطباقاً وهرانية تقليدية تسافر بهم عبر الزمن.
وبلهجته الجزائرية، يخبرنا أن موهبته بدأت تتكشف في عمر المراهقة؛ كان ثمة شيء يشده إلى الحلويات، فيتحرق شوقاً إلى أن يبعثر الطحين كلما مر وقت طويل من دون تجريب وصفة جديدة. ويضيف: «كنت مميزاً عن سائر أقراني بلمستي الخاصة، لذا لقبني محيطي بـ(سكوت) Scott، ولم أتجه أبداً إلى التقليد، حتى عندما كنت مبتدئاً في الطبخ، ولحسن الحظ أني عملت في بداياتي مع طهاة محترفين فرنسيين وإيطاليين وأميركيين، كان زملائي يرون أن طريقتي في العمل وعشقي للطبخ تشبه أداءهم».
ومع ذلك، لم يكن الأمر وردياً، فقد نالته السخرية الجارحة ممن ظنوا أنه لا يصلح لعمل الطهي؛ تألم كثيراً، إلا أنه فاجأهم فيما بعد بما وصل إليه. ولم يكتفِ بموهبته، بل فضل أن يدرس أكاديمياً في الجزائر وفرنسا والمغرب، مردفاً بالقول: «أرى أن الدراسة تلعب دوراً فعالاً في صقل الطاهي، لكن الموهبة تنقله من مستوى عادي إلى فنانٍ ماهرٍ».
- اعمل تنجح
جهود عظيمة تُبذل حتى يفوز فريق عربي في محفلٍ دولي، يقول مصطفى سكوت إنه على مدار 7 أشهر خضع مع فريقه لتدريبات مكثفة، بالإضافة إلى 3 أشهر أخرى أمضوها في «تربص مغلق»، ويقصد بذلك ملازمة معسكر التدريب طيلة تلك الفترة، مستفيدين من دعم ونصائح طهاة مميزين، مثل الشيف المغربي كمال رحال.
ويذكر أن التأهل في الأولمبياد كان من أجمل ما حدث له في حياته المهنية، معقباً: «آمل أن نصل للعالمية، إن شاء الله؛ لدينا من العزيمة ما يكفي لتخطى كل الحواجز».
وبدوره، يقول للواعدين من الشباب «اعملوا بِجد، وكونوا لطفاء، وستحدث أشياء رائعة؛ أطلقوا أجنحة طاقاتكم تحلق في فضاء المطبخ الفسيح، هذه هي الطريقة الوحيدة (اعمل تنجح)، وما من طريقٍ مختصرٍ لاكتساب الخبرة؛ ستبزغ المعجزات لو تسلحتم بالإرادة، وآمنتم بقدراتكم، والأهم ألا تيأسوا».
يوماً ما ضحك أفراد عائلته بعد أن وقف ليخبرهم بنبرة واثقة: «سيأتي يوم ألتقي فيه بالشيف المصري أسامة السيد» الذي كان يُبث برنامجه وقتها في قناة «إم بي سي». وحقاً، بعد سنواتٍ، صادف الشيف أسامة ذات مساء في أحد المطارات.
فتح الله «أبواب الرزق» لمصطفى بعد هذا الفوز، فقد ذاع صيته في الجزائر وخارجها، إلى درجة أنه تلقى كثيراً من العروض المغرية من فنادق 5 نجوم، ورجال أعمال يرغبون بافتتاح مطاعم أو متاجر للحلويات والشوكولاتة.
وعن الفرص التي تلقفها بامتنان، يحكي لنا ابن الـ32 عاماً أن الحظ حالفه بالعمل في واحدٍ من أرقى مطاعم باريس، وهو «shirvan café métisse paris»، كما عمل في متجر بمدينة وهران «Muscovado»، وكانت له تجربة فريدة بالعمل في الكويت بشركة «Millesaveurs» و«for you».
وعلاوة على ما سبق، يعكف حالياً على تدشين متجر ومدرسة لتعليم الشباب الطهي في بلاده، مع العلم أنه بين الحين والآخر يعطي دروساً بالمجان لذوي الاحتياجات الخاصة. ويرى أن المشهد الطهوي في الجزائر يتطور باستمرار، على صعيد إنشاء المدارس التي تعنى بشؤون الطبخ، مما يتيح للشبان الطموحين المشاركة في مسابقات عالمية، وإحراز مراكز متقدمة، تبعاً لكلامه.
- مهنة الكرم هكذا تربح
ما من كأس شاي يلمح بسكويته اللطيف المُحضّر من الدقيق والزبدة والسكر إلا ويود أن يقفز من مكانه هاتفاً: «هلا رافقتني».
سألته عن الجانب الأصعب في عمله، وعن أحلى ما فيه... يفكر قليلاً في الإجابة، ثم يقول: «مرحلة إضفاء اللمسات الأخيرة أحبس فيها أنفاسي، أما الأجمل فحين أرى الزبون مسروراً من انضمامه إلى رحلة تذوقٍ ناعمةٍ».
أما مكونه المفضل الذي لا يستغني عنه رغم سعره الباهظ، فهو «الفانيلا الطبيعية»، ومصدرها مدغشقر.
يسافر مصطفى كثيراً من أجل نهل المعارف والخبرات، مستنيراً بمقولة «لا خير في رجل لا يجول». وفي كل بلد يتعلم شيئاً عن ثقافات الشعوب، وأسلوبهم في طهي المأكولات الشعبية، ساعياً إلى استقاء العادات الجميلة في تحضير الوصفات، ويعود محملاً بأطايب البهارات أو النباتات، موضحاً: «على سبيل المثال، دولة المغرب مشهورة بأطباقها التقليدية الغنية بالتوابل الطبيعية والأعشاب الصحية، مما يشجعني على شرائها، ومن أوروبا أجلب الفاكهة النادرة والأزهار الصالحة للأكل، في حين أنه تروق لي الفواكه الآسيوية في الشرق الأوسط، وأبرزها التين».
أطباقه معروفٌ عنها أنها صحية طبيعية متوازنة، ونسبة السكر والدهون فيها معقولة، عاملاً بوصية قيمة للشيف الفرنسي سبق أن قدمها له «لن تندم لو أعطيت الأولوية للمكونات العضوية (Luc debove)، لا سيما الفواكه الموسمية، مثل الليمون والتفاح... لا تفرط بها يا مصطفى، وإياك واستخدام المنكهات الصناعية».
وفي السياق نفسه، يواصل الحديث: «اللمسة المنشودة تتحقق بمكونٍ فيه شفاء للناس، لذا حاولت تكريم العسل الطبيعي بطبقٍ سميته (أنا أحب العسل)، ويعجبني مزج اللبن الرائب مع الليمون، وإضافة ملاعق من العسل».
وانطلاقاً من مقولة «الحلويات تعيد ابتكار نفسها، ولا بأس أحياناً ببعض الجرأة»، فإنه يحاول جاهداً في الحلويات التقليدية إجراء تغييرٍ يتناسب مع المزاج الغربي، مستشهداً بمثال البقلاوة، حيث يأخذ طبقات العجينة المورقة، وينكهها بعصير الليمون والبرتقال.
أما الشوكولاتة؛ فتعلم أصول سحرها في كلٍ من بلجيكا وفرنسا وقطر والمغرب، وعلى يد أفضل الخبراء. وهو لا ينفك عن دعوة «أصحاب الصنعة» إلى التفكير بخيارات متنوعة تنجح في جذب الزبائن إلى أطباق عصرية «بما أنه يندر أن نعثر على عملاء لديهم إخلاص لمتجر بعينه»، مستدركاً بقوله: «لكن لا بد أن نحذر من المبالغة في الجرأة بشأن دمج غير مستساغ لبعض المكونات، وتذكروا أنه لو زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده».
ويعد مصطفى من الطهاة الذين يشاركون أسرار المهنة مع غيرهم بلا تخوف، مؤكداً أن تبادل الخبرات حري به أن يكون متاحاً في الطبخ أكثر من أي مهنة أخرى. وقبل أن أتفوه بـ«لماذا»، استرسل في الحديث: «نحن تجار مرحٍ وسعادة، والكرم والعطاء من شمائلنا. ووفقاً لذلك، لا يليق أن نبخل بتبادل المعلومات المهمة فيما بيننا، تجارتنا لا يقاس عائدها بالمال، وإنما بغرس أثر جميل في حياة الآخرين».
فرنسا «عاصمة المعجنات العالمية»، ومن ثم إيطاليا، تشكلان هويته، وهؤلاء بعض صناع الحلويات الذين يلهمونه بالجودة والإبداع: Alain Ducasse، وPhilippe conticini، وpierre hermé.
ويختم حديثه بالقول: «الحمد لله، أنا راضٍ عما وصلت إليه؛ أصبحت أكثر هدوءاً وصبراً، وقدرة على العمل بروح الفريق، وما زال أمامي طريق طويل حتى أتعلم المزيد، وأفجر عشقي مرات تلو مرات. الناس عادة يعتقدون أن السعادة موجودة في قمة الجبل، لكن ألا يمكن أن نتذوقها في كل خطوة من الرحلة نحو القمة... هذا ما أسعى إليه».


مقالات ذات صلة

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

مذاقات يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاءً بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

«الشرق الأوسط»
مذاقات طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

لم يكن دخول المطاعم اللبنانية والشرق أوسطية إلى قائمة ميشلان مهمة سهلة، فطريق الوصول إلى هذا التصنيف العالمي المرموق واجه تحديات عديدة مرتبطة بتاريخ هذا المطبخ

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي

أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

في أمسيات الصيف لا تحتاج المائدة إلى أطباق ثقيلة حتى تترك انطباعاً مميزاً لدى الضيوف؛ فغالباً ما تبدأ الحكاية بطبق صغير يحمل ألوان البحر وروائحه المنعشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات سلطة البطيخ مع جبن الفيتا والنعناع (إنستغرام)

البطيخ نجم الفاكهة الصيفية بنكهات حلوة ولمسات مالحة

يُعدّ البطيخ فاكهة الصيف الأبرز، يُحبه الكثيرون، فهو يتميز بطعمه المنعش وشريحة منه في السلطة تُضفي عليها نكهة مميزة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات أي نوع خس يصنع أفضل سلطة «سيزر»؟

أي نوع خس يصنع أفضل سلطة «سيزر»؟

تكمن جاذبية سلطة «سيزر» في تتبيلتها المميزة؛ فهي تجمع بين لذعة الثوم النيء، والمذاق الغني لجبن البارميزان، والنكهة المالحة العميقة للأنشوفة

ميليسا كلارك (نيويورك)

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
TT

عمان تحتفي بمهرجان الزيتون للمرة الخامسة

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)
يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

تستعد سلطنة عمان لاستقبال النسخة الخامسة من مهرجان حصاد الزيتون، الذي يُقام من 23 إلى 27 سبتمبر (أيلول) احتفاء بأحد أبرز التقاليد الزراعية في عُمان.

ويُقام المهرجان على ارتفاع يزيد على 2.000 متر فوق سطح البحر، ويمتد على مدى خمسة أيام تجمع بين التراث المحلي والتجارب الأصيلة وفنون الطهي المستوحاة من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وسط طبيعة الجبل الأخضر الخلابة.

المعروف عن الجبل الأخضر أنه يتميز بمناخ نادر يشبه مناخ منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما يجعله أحد الأماكن القليلة في شبه الجزيرة العربية التي تزدهر فيها أشجار الزيتون. وأصبح موسم الحصاد السنوي رمزاً للإرث الزراعي الغني للمنطقة، حيث ينتج المزارعون المحليون زيوت زيتون استثنائية تعكس الخصائص الفريدة للبيئة الجبلية.

عمان تستقبل مهرجان الزيتون بنسخته الخامسة (الشرق الأوسط)

وينظم منتجع أنانتارا الجبل الأخضر بمناسبة الاحتفال بالمهرجان جولات منظمة لعيش تفاصيل وتقاليد موسم الحصاد من خلال رحلات مخصصة لقطف الزيتون برفقة مرشدين، وتجربة الطهي والأنشطة الثقافية. وتنطلق هذه الفعاليات ابتداء من الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول)، ويقوم الشيف مارتين أريستوندو بإعداد أطباق مستوحاة من مطبخ إقليم الباسك في إسبانيا تعتمد على زيت الزيتون.

تقام في الجبل الأخضر بعمان العديد من الفعاليات بمناسبة مهرجان الزيتون (الشرق الأوسط)

تشمل أبرز فعاليات المهرجان مسابقات قطف الزيتون، وسوق الزيتون وزيت الزيتون التي تستعرض المنتجات المحلية والحرفية، بالإضافة إلى حصص لتعلم الطهي الإسباني في «نقطة ديانا» المطلّة على الوادي، بالإضافة إلى جولات برفقة مرشدين في معاصر الزيتون وجلسات تذوّق بإشراف الدكتور علي الفرقاني. وخلال تجربة «حكايات الزيتون على الفطور»، يتم التعرف على القصص والتقاليد والنكهات المرتبطة بموسم الحصاد في الجبل، من خلال زيت الزيتون المنتجة محلياً والمأكولات التقليدية من المنطقة.

وتتواصل تجارب الطهي طوال أيام المهرجان مع أطباق مستوحاة من مطبخ البحر الأبيض المتوسط تحتفي بتنوّع استخدامات الزيتون. ويحتفي مطعم بيلا فيستا الإيطالي بالمهرجان من خلال ابتكار أطباق يستخدم فيها زيت الزيتون والمنتجات الموسمية التي تصنع في الجبل الأخضر.

يُقام مهرجان حصاد الزيتون على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق البحر (الشرق الأوسط)

بدأت زراعة أشجار الزيتون في عُمان خلال تسعينات القرن الماضي، مع إدخال أصناف من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى، تأقلمت تدريجياً مع مناخ الجبل الفريد. واليوم، يحتفي مهرجان حصاد الزيتون السنوي بهذه المسيرة الزراعية المميّزة، ويقرّب الضيوف من المزارعين والتقاليد والحرفية التي تقف وراء أحد أهم المواسم الزراعية في عُمان.


طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

الأخوة أورفلي (إنستغرام)
الأخوة أورفلي (إنستغرام)
TT

طهاة عرب يحفرون أسماءهم في عالم ميشلان وموائد عالمية

الأخوة أورفلي (إنستغرام)
الأخوة أورفلي (إنستغرام)

لم يكن دخول المطاعم اللبنانية والشرق أوسطية إلى قائمة ميشلان مهمة سهلة، فطريق الوصول إلى هذا التصنيف العالمي المرموق واجه تحديات عديدة مرتبطة بتاريخ هذا المطبخ وطبيعته وانتشاره. وعلى الرغم من غنى المنطقة بتراث غذائي يمتد لقرون، وتنوع هائل في المكونات والوصفات وأساليب الطهي، فإن المطبخ الشرق أوسطي ظل لفترة طويلة خارج دائرة المطاعم الفاخرة التي تحظى باهتمام أدلة التقييم العالمية.

تكمن إحدى الصعوبات الأساسية في الصورة التقليدية التي ارتبطت بالمطبخ العربي، إذ غالباً ما تم تصنيفه ضمن إطار الطعام الشعبي والعائلي، وليس ضمن تجارب الطهي الراقية التي تعتمد على تقنيات دقيقة وعروض مبتكرة. كما أن كثيراً من الأطباق العربية تعتمد على وصفات متوارثة يصعب أحياناً إعادة تقديمها ضمن معايير المطاعم العالمية من دون فقدان هويتها الأصلية.

مازة لبنانية على طريقة الشيف ألان جعم (إنستغرام)

إضافة إلى ذلك، فإن توسع دليل ميشلان تاريخياً ركز على المدن التي تمتلك منظومة قوية من المطاعم الراقية، مثل باريس وطوكيو ولندن ونيويورك، بينما بقي حضور الدليل محدوداً في العديد من مدن الشرق الأوسط لفترة طويلة؛ لذلك كان على كثير من الطهاة العرب أن يخوضوا تجربة مختلفة، عبر الانتقال إلى العواصم العالمية أو تطوير مطاعمهم في مدن دخلت حديثاً ضمن خريطة ميشلان، كما حدث في دبي.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً، إذ ظهر جيل جديد من الطهاة العرب الذين نجحوا في إعادة تعريف المطبخ اللبناني والشرق أوسطي من خلال المزج بين التراث والتقنيات الحديثة. لم يعد الهدف مجرد الحفاظ على الوصفات رالتقليدية، بل تقديم رؤية جديدة تثبت أن المطبخ العربي قادر على المنافسة في أعلى مستويات الطهي العالمي.

ومن بين هؤلاء الطهاة الذين نجحوا في كسر هذا الحاجز، برزت أسماء حملت نكهات المنطقة إلى موائد عالمية، وأثبتت أن المكونات العربية قادرة على الوقوف إلى جانب أرقى مطابخ العالم.

الشيف ألان جعم (إنستغرام)

آلان جعم... النكهة اللبنانية في قلب باريس وبيروت

يُعد الشيف اللبناني آلان جعم من أبرز الأسماء العربية التي وصلت إلى عالم نجوم ميشلان. فقد حصل مطعمه الذي يحمل اسمه في باريس على نجمة ميشلان واحدة، بعدما نجح في تقديم رؤية معاصرة للمطبخ اللبناني تجمع بين الأصالة والدقة الفرنسية.

تروي أطباق آلان جعم قصة ارتباطه بلبنان وذكرياته الأولى مع الطعام، لكنه يعيد تقديمها بأسلوب راقٍ يناسب الذوق العالمي. فهو لا يكتفي بنقل وصفات تقليدية، بل يعمل على إعادة تفسيرها باستخدام تقنيات الطهي الحديثة، محافظاً في الوقت نفسه على روح المكونات اللبنانية مثل الزعتر والباذنجان والحمضيات والتوابل الشرقية.

عودة إلى الجذور عبر مطاعم لو غراي في بيروت

لم تكن عودة آلان جعم إلى بيروت مجرد انتقال جغرافي، بل شكلت عودة إلى الجذور وإلى البيئة التي تشكلت فيها هويته الطهوية.

ففي فندق لو غراي في وسط العاصمة اللبنانية، يقدم الشيف اللبناني رؤيته الخاصة للمطبخ اللبناني المعاصر، مستفيداً من خبرته الطويلة في فرنسا ومن تجربته العالمية في عالم المطاعم الفاخرة.

ومن خلال مطعم QASTI، يعيد جعم تقديم المطبخ اللبناني بأسلوب مبتكر يجمع بين الذاكرة والنكهات المحلية والتقنيات الحديثة، فهو يأخذ الأطباق اللبنانية المعروفة ويمنحها قراءة جديدة أكثر تطوراً، مع الحفاظ على روحها الأصلية، كما يقدم مطعم «بادام» تجربة مختلفة تمزج بين التأثيرات الفرنسية والمتوسطية، في انعكاس واضح لمسيرته التي جمعت بين الثقافتين اللبنانية والفرنسية.

ويشكل حضور آلان جعم في لو غراي محطة مهمة في مسيرته، فهو يجمع بين الاعتراف العالمي الذي حققه في باريس ورغبته في إعادة تقديم المطبخ اللبناني من داخل بلده، مؤكداً أن المطبخ العربي ليس مجرد تراث غذائي، بل فن قادر على التطور والمنافسة في عالم الطهي الفاخر.

الأخوة أورفلي... نجاح سوري إلى العالم

صنع ثلاثة أشقاء سوريين قصة نجاح لافتة في عالم الطهي العالمي؛ فقد حصل مطعم Orfali Bros Bistro، الذي يديره الإخوة محمد ووسام ووليد أورفلي، على نجمة ميشلان واحدة ضمن دليل ميشلان.

يعتمد المطعم على مفهوم يجمع بين المطبخ الشرق أوسطي والنكهات العالمية، حيث يقدم الأطباق السورية والمنطقة المحيطة بها بطريقة مبتكرة. ويتميز أسلوب الإخوة أورفلي بالبحث عن التوازن بين الذاكرة الغذائية للمنطقة والتقنيات الحديثة.

لم يكن هدفهم تقديم نسخة فاخرة من الطعام العربي فقط، بل بناء لغة طهي جديدة تعكس ثقافتهم وتجاربهم الشخصية؛ فقد نجحوا في تحويل المكونات المحلية إلى أطباق معاصرة جذبت اهتمام النقاد والذواقة، وجعلت المطعم واحداً من أبرز التجارب الغذائية في المنطقة.

الشيف غريغ مالوف (إنستغرام)

غريغ مالوف... سفير المطبخ الشرق أوسطي في العالم

يُعد الشيف غريغ مالوف، اللبناني الأصل، من الرواد الذين ساهموا في رفع مكانة المطبخ الشرق أوسطي عالمياً. ارتبط اسمه بمطاعم حازت تقديراً كبيراً في أوروبا، كما حصل خلال مسيرته على نجمة ميشلان في أثناء عمله في أحد المطاعم البريطانية.

تميز مالوف بأسلوبه الذي يمزج بين الموروث اللبناني والتقنيات الحديثة، وقدم أطباقاً شرق أوسطية بروح معاصرة جعلتها تحظى باهتمام النقاد والطهاة العالميين.

وقد ساهمت كتبه وتجربته المهنية الطويلة في تعريف جمهور واسع على تنوع المطبخ العربي وقدرته على التطور خارج حدوده الجغرافية، ليصبح أحد الأصوات التي مهدت الطريق أمام الجيل الجديد من الطهاة العرب.


أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
TT

أفكار لمقبلات خفيفة بنكهة البحر

تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي
تشكيلة من المقبلات تضم سمك السلمون والجبن والسلامي

في أمسيات الصيف لا تحتاج المائدة إلى أطباق ثقيلة حتى تترك انطباعاً مميزاً لدى الضيوف؛ فغالباً ما تبدأ الحكاية بطبق صغير يحمل ألوان البحر وروائحه المنعشة.

فعلى مائدتك الصيفية دع الروبيان الذهبي يجاور شرائح السلمون، والكاليماري يعبق برائحة الليمون والكزبرة، والمحار تتوسطه الأعشاب الخضراء والخضراوات الطازجة التي تمنح الطبق حيوية لا تخطئها العين.

وحتى تكتمل التجربة اترك مساحة لمقبلات المأكولات البحرية لا سيما خلال أشهر الصيف؛ إذ إنها تجمع بين خفة القوام وسرعة التحضير وتنوع طرق التقديم، فضلاً عن غناها بالبروتين وأحماض أوميغا 3 والعناصر الغذائية المهمة.

مقبلات بحرية خفيفة سهلة التحضير (الشرق الأوسط)

يرى الشيف المصري عصام راشد أن هذا النوع من المقبلات لم يعد حكراً على المطاعم الراقية، بل أصبح من السهل إعداده في المنزل باستخدام مكونات طازجة ومتوافرة في الأسواق المحلية، وذلك مع الالتزام ببعض القواعد البسيطة التي تحافظ على النكهة الطبيعية للمأكولات البحرية وتبرز أفضل ما فيها.

ويقول راشد لـ«الشرق الأوسط»: «إن المقبلات البحرية تتميز بخفة مذاقها وسرعة تحضيرها، كما أنها تمنح الطاهي مساحة واسعة للإبداع في التقديم»، متصفة بأنها «سواء كانت باردة أو ساخنة، مشوية أو مخبوزة أو مطهية سريعاً في المقلاة، فهي مناسبة تماماً للعزائم العائلية واللقاءات الصيفية على حد سواء» وفق قوله.

الأسماك المحلية

ويؤكد راشد أن نجاح مقبلات المأكولات البحرية لا يرتبط بالضرورة باستخدام أصناف مستوردة مرتفعة الثمن، بل يعتمد في المقام الأول على جودة المنتج وطزاجته.

ويشير إلى أن الأسواق المصرية والعربية تزخر بأنواع متميزة من الأسماك والمأكولات البحرية، مثل الجمبري المصري، والدنيس، والقاروص، والكابوريا، إضافة إلى الكاليماري وبلح البحر، وهي جميعها تصلح لإعداد مقبلات تضاهي ما يقدَّم في المطاعم المتخصصة.

ويضيف أن هذه الأصناف تمتاز بسهولة الحصول عليها، واعتدال أسعار كثير منها مقارنة بالأنواع المستوردة، كما أنها تتحمل طرق طهي متعددة، سواء الشواء أو الخبز أو التشويح السريع، مع احتفاظها بقوامها ونكهتها الطبيعية.

الشيف المصري عصام راشد يعد برجاً من المقبلات البحرية (الشرق الأوسط)

وينصح عند شرائها بملاحظة لمعان القشرة أو الجلد، ورائحة البحر الطبيعية، وتماسك اللحم؛ لأنها مؤشرات أساسية على الطزاجة.

ولا يقتصر تميز هذه المقبلات على مذاقها، حسب راشد، بل يمتد إلى شكلها الجذاب وطريقة تنسيقها والإضافات المختلفة؛ إذ تجعل ألوان الروبيان الزاهية والسلمون الوردي والكاليماري الأبيض مع الخضراوات الطازجة والأعشاب الخضراء؛ الأطباق تنبض بالحيوية، لتصبح جزءاً من تجربة الضيافة قبل أن يتذوقها الضيف؛ لذلك يفضل استخدام أطباق بسيطة تسمح بإبراز ألوان الطعام الطبيعية.

ويرى راشد أن كثيراً من وصفات المأكولات البحرية تفقد تميزها بسبب الإفراط في استخدام التوابل أو الصلصات الثقيلة، بينما تعتمد الوصفات الناجحة على إبراز الطعم الطبيعي للمكون الرئيسي.

ويقول إن القليل من الثوم، وعصير الليمون، وزيت الزيتون، والفلفل الأسود، مع بعض الأعشاب الطازجة مثل الشبت أو الكزبرة أو البقدونس، تكفي لصنع مقبلات متوازنة وغنية بالنكهة، من دون الحاجة إلى إضافات كثيرة.

ويضيف أن تقديم هذه المقبلات إلى جانب السلطات الخضراء أو الخضراوات المشوية يمنح الوجبة توازناً غذائياً، ويجعلها أكثر ملاءمة للأجواء الصيفية التي تميل فيها الشهية إلى الأطعمة الخفيفة والمنعشة.

وصفات بسيطة بطابع احترافي

ومن الوصفات التي يرشحها راشد لفائف السلمون المدخن مع الخضراوات الطازجة، وهي من المقبلات الباردة التي تناسب أيام الصيف.

وتُحضَّر باستخدام شرائح السلمون المدخن مع أصابع الخيار والجزر والفلفل الملون والخس، ثم تُلفّ بإحكام وتُقدَّم مع صوص خفيف من الزبادي والليمون والشبت.ويشير إلى أن هذه الوصفة تجمع بين المذاق المنعش والشكل الأنيق، كما يمكن تجهيزها قبل موعد التقديم بساعات وحفظها في الثلاجة.

أما لعشاق النكهات الشرقية، فيقترح الكاليماري بالكزبرة والليمون، وهي وصفة تعتمد على الطهي السريع للحفاظ على طراوة الكاليماري؛ إذ تُقطَّع الحلقات إلى شرائح رفيعة، ثم تُشوح في القليل من زيت الزيتون على نار مرتفعة لمدة لا تتجاوز دقيقتين، ويضاف إليها الثوم المفروم والبصل الأخضر، ثم تُتبَّل بعصير الليمون الطازج والفلفل الأسود ورشة من الملح، وتزين بالكزبرة الخضراء المفرومة قبل التقديم مباشرة.ويظل الروبيان أحد أكثر أنواع المأكولات البحرية قبولاً لدى الكبار والصغار، ويمكن تحويله إلى مقبل فاخر في دقائق معدودة.وينصح الشيف المصري بإعداد خبز الروبيان بالشبت والليمون، من خلال تقطيع الروبيان المسلوق إلى قطع متوسطة وخلطه مع قليل من المايونيز وعصير الليمون والشبت المفروم، مع إضافة رشة فلفل أسود، ثم يوضع الخليط فوق شرائح خبز باغيت أو توست محمص، ويزين بشرائح الليمون وأوراق الشبت.

المحار... نكهة البحر على مائدتك

ويؤكد راشد أن المحار المشوي من أكثر المقبلات التي تعكس الطعم الحقيقي للبحر، موضحاً أن تحضيره لا يحتاج سوى دقائق قليلة؛ إذ يوضع المحار بعد تنظيفه على الشواية أو في فرن ساخن حتى تبدأ القشرة في الانفتاح، ثم يضاف إليه خليط من الزبدة المذابة والثوم والبقدونس وعصير الليمون، ويعاد إلى الحرارة لدقيقة واحدة فقط قبل تقديمه ساخناً.يضيف أن هذه الطريقة تمنح المحار نكهة طبيعية مع لمسة خفيفة من الدخان، دون الحاجة إلى صلصات قوية قد تخفي مذاقه الأصلي.

أكواب السلمون... لمسة عصرية

ومن الوصفات التي يرى راشد أنها تناسب الولائم والمناسبات العائلية أكواب السلمون المخبوزة، وهي وصفة مستوحاة من نكهات السوشي، ولكن بمكونات بسيطة ومتوافرة.وتحضَّر بوضع أرز مطهو في قوالب صغيرة مبطنة بشرائح رقيقة من ورق النوري - لمن يتوافر لديه، أو يمكن الاستغناء عنه - ثم يوزَّع فوقه خليط من مكعبات السلمون الطازج مع البصل الأخضر وقليل من المايونيز وعصير الليمون والفلفل الأسود، وتُخبز في الفرن حتى ينضج السلمون، ثم تزين بالسمسم المحمص والبصل الأخضر وتُقدم دافئة، ويمكن استبدال السلمون بسمك فيليه طازج إذا رغب البعض في تقليل التكلفة.

برج المأكولات البحرية

ومن الأفكار التي يرشحها الشيف راشد للمناسبات الخاصة «برج المأكولات البحرية»، الذي يعتمد على ترتيب أصناف مختلفة من المأكولات البحرية فوق الثلج المجروش بطريقة جذابة.ويضم البرج الروبيان المسلوق، وبلح البحر، والمحار، وقطع السلطعون أو أصابع الكابوريا، مع شرائح الليمون والخس والصلصات الخفيفة، ليصبح قطعة فنية تتوسط المائدة قبل أن يكون طبقاً للطعام.وانتهى راشد إلى أن تجهيز معظم المكونات مسبقاً يوفر الوقت والجهد، ولا يبقى سوى ترتيبها قبل وصول الضيوف مباشرة، وهو ما يجعله مناسباً للعزائم الكبيرة.