مصطفى سكوت... يسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة حلوى

طاهي حلويات جزائري يتألق بعد فوزه في أولمبياد فرنسا

TT

مصطفى سكوت... يسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة حلوى

طبقٌ يأخذ شكل تفاحة حمراء محشوة بمكوناتٍ عدة، خطرَ له أن يسميه «انفجار النكهات»، كان قد أبهر به الطاهي الجزائري مصطفى سكوت لجنة التحكيم في أثناء مشاركته في أولمبياد الحلويات بفرنسا عام 2017، ليظفر مع فريقه حينها ببطولة أفريقيا.
ويبدو بهلول مصطفى (اسمه الحقيقي) متفقاً مع مقولة الأميركية كرستينا توسي: «أحب الطهي لأنه يجعل تلك اللحظة في الحياة أحلى قليلاً».
على المستوى الدولي، لمع نجمه رغم حداثة سنه؛ ومن يرى ويتذوق حلواه سيقول فوراً «يا له من فنان». فبعد تفانيه لسنواتٍ طويلة في صناعة الحلويات، أدرك أن «الدهشة والفخامة تكمن في البساطة»... وها هو يعمل الآن في متجر رفيع المستوى في مدينة باريس، ويُسمع الذواقة نبضات القلب في كل قطعة.
يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن طفولته، قائلاً: «ظننت أن أمي كانت تتعمد تحضير الأطباق التي أحبها، ثم اكتشفت لاحقاً أني أحب كل الطعام الذي تلمسه أناملها، خاصة كعكة الليمون التي لطالما أسرتني؛ لقد رغبت دائماً في أن أكون إلى جانبها في أثناء تحضير المائدة، يا لها من أيام!»... يضحك بينما يستعيد تلك الذكريات كلما اجتمع مع عائلته ليحضر لهم أطباقاً وهرانية تقليدية تسافر بهم عبر الزمن.
وبلهجته الجزائرية، يخبرنا أن موهبته بدأت تتكشف في عمر المراهقة؛ كان ثمة شيء يشده إلى الحلويات، فيتحرق شوقاً إلى أن يبعثر الطحين كلما مر وقت طويل من دون تجريب وصفة جديدة. ويضيف: «كنت مميزاً عن سائر أقراني بلمستي الخاصة، لذا لقبني محيطي بـ(سكوت) Scott، ولم أتجه أبداً إلى التقليد، حتى عندما كنت مبتدئاً في الطبخ، ولحسن الحظ أني عملت في بداياتي مع طهاة محترفين فرنسيين وإيطاليين وأميركيين، كان زملائي يرون أن طريقتي في العمل وعشقي للطبخ تشبه أداءهم».
ومع ذلك، لم يكن الأمر وردياً، فقد نالته السخرية الجارحة ممن ظنوا أنه لا يصلح لعمل الطهي؛ تألم كثيراً، إلا أنه فاجأهم فيما بعد بما وصل إليه. ولم يكتفِ بموهبته، بل فضل أن يدرس أكاديمياً في الجزائر وفرنسا والمغرب، مردفاً بالقول: «أرى أن الدراسة تلعب دوراً فعالاً في صقل الطاهي، لكن الموهبة تنقله من مستوى عادي إلى فنانٍ ماهرٍ».
- اعمل تنجح
جهود عظيمة تُبذل حتى يفوز فريق عربي في محفلٍ دولي، يقول مصطفى سكوت إنه على مدار 7 أشهر خضع مع فريقه لتدريبات مكثفة، بالإضافة إلى 3 أشهر أخرى أمضوها في «تربص مغلق»، ويقصد بذلك ملازمة معسكر التدريب طيلة تلك الفترة، مستفيدين من دعم ونصائح طهاة مميزين، مثل الشيف المغربي كمال رحال.
ويذكر أن التأهل في الأولمبياد كان من أجمل ما حدث له في حياته المهنية، معقباً: «آمل أن نصل للعالمية، إن شاء الله؛ لدينا من العزيمة ما يكفي لتخطى كل الحواجز».
وبدوره، يقول للواعدين من الشباب «اعملوا بِجد، وكونوا لطفاء، وستحدث أشياء رائعة؛ أطلقوا أجنحة طاقاتكم تحلق في فضاء المطبخ الفسيح، هذه هي الطريقة الوحيدة (اعمل تنجح)، وما من طريقٍ مختصرٍ لاكتساب الخبرة؛ ستبزغ المعجزات لو تسلحتم بالإرادة، وآمنتم بقدراتكم، والأهم ألا تيأسوا».
يوماً ما ضحك أفراد عائلته بعد أن وقف ليخبرهم بنبرة واثقة: «سيأتي يوم ألتقي فيه بالشيف المصري أسامة السيد» الذي كان يُبث برنامجه وقتها في قناة «إم بي سي». وحقاً، بعد سنواتٍ، صادف الشيف أسامة ذات مساء في أحد المطارات.
فتح الله «أبواب الرزق» لمصطفى بعد هذا الفوز، فقد ذاع صيته في الجزائر وخارجها، إلى درجة أنه تلقى كثيراً من العروض المغرية من فنادق 5 نجوم، ورجال أعمال يرغبون بافتتاح مطاعم أو متاجر للحلويات والشوكولاتة.
وعن الفرص التي تلقفها بامتنان، يحكي لنا ابن الـ32 عاماً أن الحظ حالفه بالعمل في واحدٍ من أرقى مطاعم باريس، وهو «shirvan café métisse paris»، كما عمل في متجر بمدينة وهران «Muscovado»، وكانت له تجربة فريدة بالعمل في الكويت بشركة «Millesaveurs» و«for you».
وعلاوة على ما سبق، يعكف حالياً على تدشين متجر ومدرسة لتعليم الشباب الطهي في بلاده، مع العلم أنه بين الحين والآخر يعطي دروساً بالمجان لذوي الاحتياجات الخاصة. ويرى أن المشهد الطهوي في الجزائر يتطور باستمرار، على صعيد إنشاء المدارس التي تعنى بشؤون الطبخ، مما يتيح للشبان الطموحين المشاركة في مسابقات عالمية، وإحراز مراكز متقدمة، تبعاً لكلامه.
- مهنة الكرم هكذا تربح
ما من كأس شاي يلمح بسكويته اللطيف المُحضّر من الدقيق والزبدة والسكر إلا ويود أن يقفز من مكانه هاتفاً: «هلا رافقتني».
سألته عن الجانب الأصعب في عمله، وعن أحلى ما فيه... يفكر قليلاً في الإجابة، ثم يقول: «مرحلة إضفاء اللمسات الأخيرة أحبس فيها أنفاسي، أما الأجمل فحين أرى الزبون مسروراً من انضمامه إلى رحلة تذوقٍ ناعمةٍ».
أما مكونه المفضل الذي لا يستغني عنه رغم سعره الباهظ، فهو «الفانيلا الطبيعية»، ومصدرها مدغشقر.
يسافر مصطفى كثيراً من أجل نهل المعارف والخبرات، مستنيراً بمقولة «لا خير في رجل لا يجول». وفي كل بلد يتعلم شيئاً عن ثقافات الشعوب، وأسلوبهم في طهي المأكولات الشعبية، ساعياً إلى استقاء العادات الجميلة في تحضير الوصفات، ويعود محملاً بأطايب البهارات أو النباتات، موضحاً: «على سبيل المثال، دولة المغرب مشهورة بأطباقها التقليدية الغنية بالتوابل الطبيعية والأعشاب الصحية، مما يشجعني على شرائها، ومن أوروبا أجلب الفاكهة النادرة والأزهار الصالحة للأكل، في حين أنه تروق لي الفواكه الآسيوية في الشرق الأوسط، وأبرزها التين».
أطباقه معروفٌ عنها أنها صحية طبيعية متوازنة، ونسبة السكر والدهون فيها معقولة، عاملاً بوصية قيمة للشيف الفرنسي سبق أن قدمها له «لن تندم لو أعطيت الأولوية للمكونات العضوية (Luc debove)، لا سيما الفواكه الموسمية، مثل الليمون والتفاح... لا تفرط بها يا مصطفى، وإياك واستخدام المنكهات الصناعية».
وفي السياق نفسه، يواصل الحديث: «اللمسة المنشودة تتحقق بمكونٍ فيه شفاء للناس، لذا حاولت تكريم العسل الطبيعي بطبقٍ سميته (أنا أحب العسل)، ويعجبني مزج اللبن الرائب مع الليمون، وإضافة ملاعق من العسل».
وانطلاقاً من مقولة «الحلويات تعيد ابتكار نفسها، ولا بأس أحياناً ببعض الجرأة»، فإنه يحاول جاهداً في الحلويات التقليدية إجراء تغييرٍ يتناسب مع المزاج الغربي، مستشهداً بمثال البقلاوة، حيث يأخذ طبقات العجينة المورقة، وينكهها بعصير الليمون والبرتقال.
أما الشوكولاتة؛ فتعلم أصول سحرها في كلٍ من بلجيكا وفرنسا وقطر والمغرب، وعلى يد أفضل الخبراء. وهو لا ينفك عن دعوة «أصحاب الصنعة» إلى التفكير بخيارات متنوعة تنجح في جذب الزبائن إلى أطباق عصرية «بما أنه يندر أن نعثر على عملاء لديهم إخلاص لمتجر بعينه»، مستدركاً بقوله: «لكن لا بد أن نحذر من المبالغة في الجرأة بشأن دمج غير مستساغ لبعض المكونات، وتذكروا أنه لو زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده».
ويعد مصطفى من الطهاة الذين يشاركون أسرار المهنة مع غيرهم بلا تخوف، مؤكداً أن تبادل الخبرات حري به أن يكون متاحاً في الطبخ أكثر من أي مهنة أخرى. وقبل أن أتفوه بـ«لماذا»، استرسل في الحديث: «نحن تجار مرحٍ وسعادة، والكرم والعطاء من شمائلنا. ووفقاً لذلك، لا يليق أن نبخل بتبادل المعلومات المهمة فيما بيننا، تجارتنا لا يقاس عائدها بالمال، وإنما بغرس أثر جميل في حياة الآخرين».
فرنسا «عاصمة المعجنات العالمية»، ومن ثم إيطاليا، تشكلان هويته، وهؤلاء بعض صناع الحلويات الذين يلهمونه بالجودة والإبداع: Alain Ducasse، وPhilippe conticini، وpierre hermé.
ويختم حديثه بالقول: «الحمد لله، أنا راضٍ عما وصلت إليه؛ أصبحت أكثر هدوءاً وصبراً، وقدرة على العمل بروح الفريق، وما زال أمامي طريق طويل حتى أتعلم المزيد، وأفجر عشقي مرات تلو مرات. الناس عادة يعتقدون أن السعادة موجودة في قمة الجبل، لكن ألا يمكن أن نتذوقها في كل خطوة من الرحلة نحو القمة... هذا ما أسعى إليه».


مقالات ذات صلة

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

مذاقات غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات دولما تركية (الشرق الأوسط)

أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

بين عبق التوابل العثمانية ودفء الموائد العائلية الممتدة عبر قرون، تعود تركيا هذا العام للاحتفاء بتراثها الغذائي من خلال الدورة الخامسة لأسبوع المطبخ التركي 2026

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

هناك إقبال شديد على ما يُعرف بسياحة فنون الطهي أو «استكشاف المذاقات»، بعدما أصبح الطعام عاملاً حاسماً يجذب الزوار ويؤثر في قراراتهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع

جوسلين إيليا (لندن)

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.


أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)
TT

أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)

بين عبق التوابل العثمانية، ودفء الموائد العائلية الممتدة عبر قرون، تعود تركيا هذا العام للاحتفاء بتراثها الغذائي من خلال الدورة الخامسة لأسبوع المطبخ التركي 2026، الذي يُقام تحت شعار «مائدة التراث» ويبدأ في 21 مايو (أيار) حتى 27 من الشهر نفسه في تركيا وحول العالم. وفي مبادرة تجمع بين الثقافة وفنون الطهي، تسعى الفعاليات إلى تقديم المطبخ التركي بوصفه سجلاً حياً للذاكرة الجماعية، ولغة إنسانية تتجاوز الحدود، حيث تتحول الأطباق التقليدية إلى حكايات عن الهوية والهجرة والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

"كشكيك" على الطريقة التركية (الشرق الأوسط)

أعلنت وزارة الثقافة والسياحة في تركيا عن انطلاق هذه الفعالية التي تحمل اسم «مائدة التراث» (بير سوفرادا ميراس) التي ستقام في مختلف أنحاء تركيا، إلى جانب البعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية التركية حول العالم، بهدف تسليط الضوء على العمق التاريخي والاجتماعي للمائدة التركية، وما تحمله من قصص وذكريات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال.

ويأتي اختيار شعار «مائدة التراث» هذا العام ليعكس رؤية، تُقدّم المطبخ التركي باعتباره مساحة مشتركة تجمع بين الثقافة والهوية والتجارب الإنسانية، حيث تشكّل الأطباق التقليدية امتداداً لتاريخ طويل من الهجرات والتنوع الثقافي والطقوس الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل هوية الطهي التركي عبر القرون.

البقلاوة التركية (الشرق الأوسط)

كما يركّز الحدث على إبراز أهمية المائدة كرمز للتواصل، ودورها في الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز الروابط الاجتماعية، إلى جانب تعريف عشاق الطعام حول العرالم بثراء المطبخ التركي وتنوّعه الإقليمي.

وترتكز رسالة الحدث هذا العام على مفهوم أن «المائدة هي أقدم لغة للتواصل والترابط»، في تأكيد على قدرة الطعام على جمع الناس وربطهم عبر الزمن والثقافات المختلفة. ويستند شعار «مائدة التراث» إلى 3 مفاهيم رئيسية تتمثل في الحوار، باعتبار المائدة مساحة تتقاطع فيها الحضارات والعصور لصناعة معنى مشترك، والتحول الذي يعكس انتقال ذاكرة الطهي من وصفة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، إضافة إلى مفهوم الأرشيف الذي يقدّم المطبخ بوصفه سجلاً حياً للتاريخ غير المكتوب والمتجدد يومياً عبر الموائد.

الدولما من أقدم الأطباق التركية (الشرق الأوسط)

وستشهد الفعاليات سلسلة من الأنشطة والتجارب التفاعلية داخل تركيا وخارجها، من بينها موائد عشاء جماعية تقام على طاولات طويلة احتفاءً بفكرة اللقاء والمشاركة، إلى جانب ورش عمل متخصصة تستعرض تقنيات الطهي التراثية التقليدية، مثل فرد عجينة «اليوفكا»، والطهي البطيء لإعداد أطباق «الكشكيك» و«التندير»، فضلاً عن أساليب الشواء على الفحم.

كما تتضمن الفعاليات تجربة «أرشيف التذوق»، وهي مساحة تفاعلية مؤقتة تستعرض وصفات وتقنيات تاريخية بإشراف خبراء في فنون التذوق والطهي، بحضور إعلاميين وشخصيات ثقافية ومهتمين بفنون الطهي، إضافة إلى إعداد أرشيف ميداني يوثّق الوصفات الحية والأطباق التي تأثرت بحركات الهجرة والاستقرار، بما يعكس التنوع الإقليمي للمطبخ التركي في الوقت الراهن.

طبق "مانتي" المؤلف من عجين وزبادي (الشرق الأوسط)

وتحضر خلال الحدث مجموعة من الأطباق، التي تمثل رموزاً للهوية الثقافية التركية، من أبرزها طبق «الكشكيك» المدرج ضمن قوائم اليونسكو للتراث الثقافي، الذي يجسّد قيم الاحتفال الجماعي والعمل المشترك، فيما تعبّر «البقلاوة» عن الحرفية العالية وتوارث التقاليد، بينما تعكس «المانتي» (قطع من العجين صغيرة الحجم مع الزبادي) أو الزلابية التركية تأثيرات الهجرة والسفر. كما تبرز «الدولما» بوصفها مثالاً على التنوع ضمن لغة طهي مشتركة، في حين ترمز أصناف الحلوى التقليدية إلى مفاهيم التضامن والذاكرة الاجتماعية.


البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.