قوة مقاتلة «داعش» العراقية لا تملك سلاحا ورواتبها لم تسدد منذ شهور

معسكرها أشبه بمعسكرات اللاجئين وأفرادها يتذكرون أيام العمل مع الأميركيين في غارات مشتركة

الموصل
الموصل
TT

قوة مقاتلة «داعش» العراقية لا تملك سلاحا ورواتبها لم تسدد منذ شهور

الموصل
الموصل

يتذكر ضباط الشرطة العراقيون، وهم يدخنون السجائر داخل خيمة ذات أرضية متربة خارج إحدى القرى النائية في شمال العراق، أيام العمل العنيفة جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية وتنفيذ العشرات من العمليات لاغتيال أو اعتقال مسلحي تنظيم القاعدة في الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية.
غادر الأميركيون منذ فترة طويلة، وتحول تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلى تنظيم داعش، ولم تسدد لهم الحكومة العراقية رواتبهم منذ شهور، تاركة الضباط يتصارعون في مواجهة قدرهم في خيمة باردة فيما يفترض أن يكون معسكرا (ما) للتدريب.
يقول القائد أحمد، وهو من أعضاء فريق نخبة مرتديا تي شيرت يحمل شعار الجيش الأميركي «إننا في هذا المعسكر مثل اللاجئين، بلا عمل أو مال. هدفنا هو تنظيم داعش، ولكن بأي شيء نقاتلهم؟».
في الوقت الذي أرسلت فيه الولايات المتحدة مستشاريها العسكريين لمساعدة العراق على بناء القوة لأجل محاربة تنظيم داعش، والذي غالبا ما يشار إليه بتسمية (ISIS)، فقد تفرقت قوة الشرطة بمحافظة نينوى، ذات الخبرة والإصرار الذاتي على محاربة المتطرفين. وفي المنطقة التي يسيطر عليها الآن تنظيم داعش، فإن حالة انعدام الثقة من جانب الحكومة المركزية ذات الأغلبية الشيعية قد أعاقت جهود مسؤولي المحافظة حيال تحويل الشرطة السابقة إلى قوة محلية. وتخشى الحكومة المركزية من أن يقوم ضباط الشرطة، وأغلبهم من السنة، ببيع أسلحتهم إلى المتطرفين، أو حتى الانضمام إليهم.
قد يدفع تهميش قوة الشرطة في محافظة نينوى إلى توضيح أن أهم مفاتيح إعادة بناء العراق قد لا يكمن في عمليات القصف الجوي التي تديرها الولايات المتحدة وحلفاؤها بقدر ما يكمن في رأب الخلاف المستمر بين الحكومة الشيعية المركزية والمجتمعات السنية العراقية. بعد فترة وجيزة من سيطرة المتطرفين على أغلب مناطق المحافظة في يونيو (حزيران)، كانت الحكومة العراقية متشككة للغاية حيال قطع رواتب ضباط الشرطة، مما جعل غالبيتهم الآن من المعوزين.
يقول اللواء خالد الحمداني، رئيس شرطة نينوى، إن أكثر من ثلثي ضباط المحافظة البالغ عددهم 24.000 جرى تدريبهم بواسطة الولايات المتحدة في جزء من البرنامج الضخم الذي تبلغ تكلفته 8 مليارات دولار لتعزيز قوة الشرطة العراقية فيما بين عامي 2003 و2012.
يقول جيمس إف جيفري، سفير الولايات المتحدة لدى العراق في الفترة بين عامي 2010 و2012. حينما بلغ البرنامج الأميركي لدعم الشرطة العراقية نهايته إثر قلة الاهتمام الناشئ لدى الحكومة في بغداد «نفذت تلك القوات الكثير من المواجهات المباشرة في تلك الأيام».
ويصف جيفري استبعادهم عن القتال بأنه «خسارة كبيرة» وقال إن خلفيتهم الطائفية ومعرفتهم بالمناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش تجعل منهم أصولا قيمة في القتال. وأضاف: «إنهم من السكان المحليين ويتبعون الطائفة السنية. إنهم ما نحتاج إليه بالتحديد هناك».
تدور الجهود القائمة لإحياء قوة الشرطة بالمحافظة حول معسكر صغير يقع على التلال الصخرية التي تبعد 20 ميلا إلى شمال الموصل، حيث يحاول المسؤولون المحليون بالمحافظة تجميع الرجال المبعثرين حتى يمكن تسجيلهم وتدريبهم ثم تسليحهم. يطلق مؤيدو المعسكر عليه اسم «قاعدة تحرير نينوى»، ولكن خلال زيارة أخيرة هناك، بدا وكأنه معسكر لاجئين أكثر منه معسكر للتدريب الشرطي.
فهناك بضع عشرات الخيام التي أقيمت لإيواء الضباط انتشرت على جانبي مساحة مفتوحة من التراب. وبعض الشباب، الذين يرتدون الزي العسكري، كانوا يحملون العشرات من الأسرة ذات الطابقين لوضعها داخل الخيام، بينما اصطف آخرون أمام وجبات الطعام أو يجلسون القرفصاء حول صحون كبيرة من الفاصوليا. وكان هناك مولد كهربائي يزمجر على مقربة منهم، مانحا الرجال بضع ساعات من الإنارة والكهرباء ولشحن هواتفهم الخاصة.
كان بحوزتهم عدد قليل للغاية من البنادق، والتي يُحظر عليهم اصطحابها إلى خارج المعسكر بأمر من قوات البيشمركة الكردية التي تسيطر على المنطقة. ومع ذلك، يقول منظمو المعسكر إن أولئك الرجال ذوو خبرة وهم مستعدون لقتال تنظيم داعش.
يقول اللواء الحمداني خلال مقابلة أجريت معه في شاحنة حيث يجتمع مع قادة قوة الشرطة: «ليست هناك قوات في نينوى، وإننا نعرف المكان جيدا شارعا شارعا. وكل ما نحتاجه هو الدعم والسلاح».
كان عدد الرجال النائمين في المعسكر يبلغ 50 رجلا من أصل 24 ألف رجل، وهم يمثلون جزءا بسيطا من 5000 رجل، والذين سجلوا أنفسهم استعدادا للواجب، حسبما أفاد اللواء الحمداني. وهناك عدة آلاف آخرين مبعثرين حول العراق ويتوقع مجيئهم فور تجهيز المعسكر لاستقبالهم.
ولكن لا يزال هناك 15 ألف ضابط يوجدون في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش من المحافظة، مع القليل من المعلومات المعروفة حول مصيرهم حاليا. يتساءل اللواء الحمداني «هل انضموا إلى تنظيم داعش؟ أم قتلوا؟ أم فقدوا؟ إننا لا نعرف عنهم شيئا البتة».
ومما يعقد جهود إحياء الشرطة العراقية حالة الصراع السياسي بين المسؤولين في المحافظات والحكومة المركزية في بغداد. حيث قال سعد معن المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية العراقية، إن عددا صغير من رجال الشرطة في نينوى قد سجلوا أسماءهم في أماكن أخرى من البلاد واستمروا في عملهم. غير أنه استطرد قائلا إن دعم الحكومة لمعسكر نينوى ليس قريبا حيث إنه لا توجد هناك قيادة عسكرية.
وأضاف: «ليست لديهم أعمال يقومون بها هناك»، مشيرا إلى أنهم تحولوا إلى «مدنيين».
حالة انعدام الثقة متبادلة، وسرعان ما أشار مسؤولو المحافظات إلى الدعم الحكومي في بغداد للميليشيات الشيعية التي تقاتل بجانب الجيش من دون أي صفة رسمية. ويأمل المسؤولون في تلقي الدعم المباشر من الولايات المتحدة، حيث سافر محافظ نينوى، إلى واشنطن مؤخرا لممارسة بعض الضغوط لقاء المساعدات. غير أن المسؤولين الأميركيين قالوا إن كافة أوجه الدعم لا بد أن تمر عبر بغداد.
يستلقي 8 رجال، من فريق النخبة ذي الـ120 رجلا الذين شكلتهم ودربتهم الولايات المتحدة، على أسرتهم المزدوجة داخل الخيام البيضاء التي تتراكم القمامة حول زواياها. ظل الرجال يقاتلون المتشددين الذين سوف ينضمون لتنظيم داعش لعدة سنوات، وهم يعتبرون قتالهم الآن مسألة شخصية. كان أحدهم، وهو لؤي مقداد، يتجول عبر الصور على هاتفه الخاص، والتي تصور الزملاء الذين قضوا في هجمات القنابل، أو تعرضوا للاغتيال، أو أسرهم المتشددون. وقال آخرون إنه عقب سيطرة تنظيم داعش على الموصل، قام مقاتلو التنظيم بتفجير المنازل أو الانتقال للعيش فيها مع أسرهم.
عمل كبار رجال الشرطة مع القوات الخاصة الأميركية بشكل وثيق وتذكروهم بإعزاز. وأحد قادة الشرطة، السيد باسم محمد، أخرج حقيبة مليئة بالشهادات الموقعة من قبل الضباط الأميركيين يشكرونه على خدماته وصور تعرض رجاله يرتدون العتاد التكتيكي ويظهرون مع نظرائهم الأميركيين.
وقال باسم «كان العمل معهم عظيما بحق. بعد شهرين من التدريب، تلقى تقدما هائلا». كانت الفرق غالبا ما تطير في المروحيات وتنفذ الغارات المشتركة. وفي الأيام الهادئة، كانوا يتجمعون حول حفلات الشواء أو مباريات كرة القدم.
كان الرائد ريان زينو، من ضباط إحدى الوحدات الأخرى يزور المعسكر، ولديه صور شخصية في الولايات المتحدة، يقف أمام البيت الأبيض ويمتطي الخيل في ميلووكي خلال رحلة بتمويل أميركي لدراسة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتحقيقات الجنائية.
مع كل تلك المهارات الخاملة الآن، قال إنه كان مستعدا للمشاركة في أي جهود لمحاربة المتشددين.
وأضاف: «ولكن من دون الدعم، لا يمكننا فعل شيء. 5 آلاف مقاتل بحوزتهم 50 بندقية فقط، لا يستقيم الأمر هكذا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.