من المسؤول عن سقوط واتفورد... المدرّب «المطرود» أم الإدارة السيئة؟

4 مدربين تناوبوا على الفريق في الموسم المنقضي... آخرهم نايجل بيرسون

لاعبو واتفورد بعد السقوط أمام آرسنال والرحيل عن الأضواء (أ.ف.ب)
لاعبو واتفورد بعد السقوط أمام آرسنال والرحيل عن الأضواء (أ.ف.ب)
TT

من المسؤول عن سقوط واتفورد... المدرّب «المطرود» أم الإدارة السيئة؟

لاعبو واتفورد بعد السقوط أمام آرسنال والرحيل عن الأضواء (أ.ف.ب)
لاعبو واتفورد بعد السقوط أمام آرسنال والرحيل عن الأضواء (أ.ف.ب)

تولّى نايجل بيرسون قيادة نادي واتفورد، وهو يتذيل جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز برصيد ثماني نقاط، بعد مرور 15 جولة، وعلى بُعد سبع نقاط من منطقة الأمان، ورحل بيرسون عن قيادة الفريق وهو في المركز السابع عشر، وعلى بُعد ثلاث نقاط فقط من منطقة الأمان، قبل أن يهبط إلى دوري الدرجة الأولى. وخلال الفترة التي تولى فيها قيادة واتفورد، حصد الفريق 26 نقطة خلال 20 مباراة، وهو ما يعني احتلال الفريق للمركز الثالث عشر في جدول الترتيب، في حال حساب النقاط منذ اللحظة التي تولى فيها بيرسون قيادة الفريق وحتى الاستغناء عن خدماته، متقدماً بفارق نقطة عن نادي ليستر سيتي الذي كان ينافس على احتلال أحد المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا في ذلك الوقت.
لقد تولى بيرسون قيادة فريق في طريقه للهبوط، لكنه منحه فرصة حقيقية للغاية للبقاء، كما قاد النادي للفوز على ليفربول بثلاثية نظيفة في مباراة شهدت أفضل أداء ونتيجة، ربما في تاريخ نادي واتفورد. ورغم ذلك، أُقيل بيرسون من قيادة الفريق قبل جولتين من نهاية الموسم.
وقال المحلل الرياضي، روبي سافيدج، على قناة «بي تي سبورت» التلفزيونية عندما علم بهذا الخبر: «لقد منح بيرسون الفريق الروح، وأعاد إليهم الثقة، وأعطى المشجعين واللاعبين الأمل في البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز. إذا كان ذلك الخبر صحيحاً، فهو قرار مثير للسخرية بكل تأكيد». وتناوب أربعة مدربين على فريق واتفورد في الموسم المنقضي، بما في ذلك بيرسون الذي أقيل من منصبه قبل مباراتين من نهاية الموسم، حيث تأكد هبوط الفريق في اليوم الأخيرة للمسابقة.
ومع ذلك، فإن أي متابع لمباريات الفريق بعد استئناف الموسم الكروي قد شاهد لاعبي واتفورد وهم يلعبون بشكل فردي، وبدون عزيمة أو إصرار داخل الملعب. لقد لعب الفريق سبع مباريات خلال هذه الفترة، وكان هو الفريق الذي يستقبل الهدف الأول في المباراة في كل لقاء من هذه اللقاءات السبعة! ولم يظهر سوى عدد قليل للغاية بمستواهم المعروف خلال هذه المباريات.
وخلال المؤتمر الصحافي الأول بعد تعيينه مديراً فنياً لواتفورد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سُئل بيرسون عن السبب الذي جعل الفريق الذي أنهى الموسم الماضي في المركز الحادي عشر ووصل إلى المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنجليزي يعاني بهذا الشكل. ولماذا لم يقدِّم النادي مستويات جيدة تحت قيادة كل من خافي غراسيا (الذي أُقيل من منصبه بعد حصول الفريق على نقطة وحيدة من أول أربع مباريات أمام أندية أنهت الموسم في النصف الثاني من جدول الترتيب) وكيكي سانشيز فلوريس (الذي لم تستمر ولايته الثانية مع الفريق سوى عشر مباريات فقط)؟ وقال بيرسون رداً على ذلك: «لن أقول إن الأمور كانت واضحة. أود أن أقول إنه ربما كان هناك انحراف عن المسار الصحيح لفترة من الوقت». ويبدو أن هذا «الانحراف عن المسار الصحيح» قد حدث أيضاً تحت قيادة بيرسون، الذي تولى قيادة فريق لا يزال أفراده بعد سبعة أشهر من توليه المسؤولة يفتقرون إلى الثقة والحافز واللياقة البدنية اللازمة.
ومن المؤكد أن ما حدث مع بيرسون سيزيد سمعة واتفورد السيئة فيما يتعلق بتعامله مع المديرين الفنيين سوءاً! لقد فاز واتفورد في أربع مباريات من أول ست مباريات لعبها تحت قيادة بيرسون، لكنه لم يحقق الفوز بعد ذلك سوى مرة واحدة (أمام ليفربول) خلال عشر مباريات. وبعد ذلك، حقق واتفورد الفوز على نوريتش سيتي، رغم أن الأداء كان سيئاً، ثم على نيوكاسل يونايتد، عندما لعب واتفورد خلال الشوط الثاني، ولأول مرة منذ أكثر من أربعة أشهر، بشكل جيد! لكن واتفورد لم يحصل إلا على نقطة واحدة من مباريات تبدو في المتناول أمام ليستر سيتي وبيرنلي وساوثهامبتون ووستهام، قبل أن يسقط أمام آرسنال ومانشستر سيتي في الجولتين الأخيرتين.
في الحقيقة، يبدو بيرسون رجلاً يلتزم بمبادئه وأخلاقياته ويتشبث بها ويدافع عنها بكل شراسة، لكن يبدو أنه لا يهتم بالخطط التكتيكية والفنية. فبعدما قرر وبسرعة الاعتماد على طريقته المفضلة 4 - 2 - 3 – 1، لم يغير أي شيء بعد ذلك. وعندما كان فريقه يبدأ المباريات بشكل سيئ، لم يكن بيرسون يفعل شيئاً لمساعدة فريقه على تحسين الأداء، ولم يكن يجري تغييرات قادرة على تغيير مسار ونتيجة المباريات، ولم يجرِ سوى تغييرات قليلة للغاية في تشكيل وشكل الفريق. وبالتالي، شعر اللاعبون الأساسيون بأنهم لن يفقدوا مكانهم في التشكيلة الأساسية، مهما كان مستواهم أو حتى لياقتهم البدنية. لكن الحقيقة الواضحة للجميع تتمثل في أنه لم يتمكن أي مدير فني من الاستقرار لفترة طويلة مع واتفورد، منذ استحواذ عائلة بوزو على النادي في عام 2012. وبات من الطبيعي أن نرى ثلاثة مديرين فنيين يتولون قيادة الفريق في موسم واحد! ولم يعد من السهل على أي مدير فني أن يعمل في مثل هذه البيئة غير المستقرة. وعندما ننظر إلى شكل الفريق، يبدو من الواضح أن الدفاع كان أسوأ مما كان عليه بعد صعود الفريق للدوري الإنجليزي الممتاز قبل خمس سنوات. وعلاوة على ذلك، لا يوجد مهاجم صريح قادر على مساعدة تروي ديني أو حتى اللعب مكانه عندما يغيب للإصابة أو للإيقاف. وهناك بعض اللاعبين الذين لعبوا دون حماس طوال الموسم، ولا يبدو لديهم الحافز الذي يمكّنهم من تقديم أداء جيد داخل الملعب (ربما يكون اللاعب الأرجنتيني الدولي روبرتو بيريرا هو أوضح مثال على ذلك). قد يكون من الطبيعي أن تتم إقالة مدير فني بعد فشله في تحقيق نتائج جيدة، لكن عندما يُقال ثلاثة مديرين فنيين في موسم واحد فإن ذلك يؤكد على أن أصحاب القرار في النادي قد فشلوا في اختيار الشخص المناسب لتولي قيادة الفريق.
ونتيجة لذلك، يبدو من الواضح للجميع أن هناك سوءَ إدارة في النادي، وأن هناك كثيراً من الأخطاء. لكن رغم أن عائلة بوزو قد حولت النادي إلى مكان مثير للسخرية، فإنها قد حولته أيضاً إلى نادٍ يعتبر الهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز فشلاً ذريعاً. وتعهّد جينو بوزو مالك واتفورد وسكوت داكسبري الرئيس التنفيذي للنادي بفعل كل ما بوسعيهما لإعادة النادي إلى الدوري الإنجليزي الممتاز عقب هبوطه. وفي بيان مشترك عبر الموقع الإلكتروني لواتفورد، اعترف الثنائي بارتكاب أخطاء لكنهما تعهدا ببدء العمل بشكل فوري من أجل العودة لدوري الأضواء. وذكر البيان: «نعترف بأن جهودنا المحيطة بالفريق لم تكن جيدة بشكل كافٍ». وأضاف البيان: «سيكون هناك دروس تعلمناها وتغييرات، ولكن بدءاً من اليوم نتطلع للأمام. علينا أن نقبل بتحديات جديدة».


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.