لماذا يميل العلماء إلى الفن الروائي في نشر المعرفة؟

لماذا يميل العلماء إلى الفن الروائي في نشر المعرفة؟

ترجمة عربية لـ«أليس في بلاد الكم» للفيزيائي الأميركي روبرت غيلمور
الخميس - 9 ذو الحجة 1441 هـ - 30 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15220]
روبرت غيلمور - غلاف الرواية
لطفية الدليمي

لا أحسبها إلا تجربة رائعة (وهي ليست الأولى) تلك التي أتاحتها مؤسسة «هنداوي» للنشر عندما نشرت هذا العام (2020) ترجمة عربية مجانية متاحة للقرّاء على الشبكة العالمية (الإنترنت) لرواية الخيال العلمي المميزة «أليس في بلاد الكم: رحلة خيالية في عالم فيزياء الكم» التي كتبها الفيزيائي الأميركي روبرت غيلمور Robert Gilmore، ونُشِرت عام 1995. وكم أتمنى أن تكون مجانيتها مسوّغاً يدفع أعداداً متكاثرة من القرّاء لقراءتها، والاطلاع على أحد أكثر المباحث العلمية تميزاً وغرابة في عصرنا هذا، مثلما كان في القرن العشرين، وأعني بذلك مبحث «ميكانيك الكم» الذي قاد إلى انعطافة ثورية على صعيد العلم والفكر والفلسفة. وليست المجادلات المستفيضة بين ألبرت آينشتاين ونيلز بور حول الجذور المفاهيمية والفلسفية لنظرية الكمّ إلا أحد أكثر الشواهد على مدى غرابة هذه النظرية وتغلغلها في المباحث العلمية كافة، حتى صار الحديث اليوم يتناول -على سبيل المثال- البيولوجيا الكمومية، والحوسبة الكمومية، والتشفير الكمومي، إلخ. وليس روبرت غيلمور فريداً في تجربته الروائية هذه، بل يمكن القول إنّ معظم الفيزيائيين ذوي الشهرة العالمية نشروا أعمالاً روائية شبيهة برواية «أليس في بلاد الكم»، أو سعوا على أقلّ تقدير لكتابة أعمال مماثلة لها. وأذكر في هذا الشأن آلان لايتمان Alan Lightman في روايته الجميلة «حلم آينشتاين» (Einstein’s Dream)، وهي مترجمة إلى العربية.
أحدثت رواية الخيال العلمي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين وبواكير القرن التالي انقلاباً مثيراً للوضع الذي ساد تلك الرواية في بداياتها، إذ تناقصت الثغرة الفاصلة بين التخييل العلمي الروائي والتطبيقات العلمية الميدانية، بل وصل الأمر حدّ أن رواية الخيال العلمي المعاصرة لم تعد قادرة على اللحاق بالتطبيقات الثورية التي بتنا نشهدها أغلب الأيام، خاصة في ميدان الاتصالات والمعلوماتية والتطبيقات الإلكترونية، والهندسة النانوية المصغرة، وعلم المواد المخلّقة صناعياً. ويختزل العالم الفيزيائي بريان غرين Brian Greene بطريقة رائعة الوضع الحالي عندما يكتب: «إن الاكتشافات الفيزيائية المعاصرة تدفعنا إلى إعادة تصورنا اليومي للواقع بكيفية أشد إرباكاً من أكثر الروايات العلمية تخييلاً. صحيح أن رواية الخيال العلمي يمكن أن تخلق واقعاً غريباً، ولكن الاكتشافات الفيزيائية الأخيرة تفوقها إبهاراً وغرابة».
ولكن، لماذا يميل العلماء -والفيزيائيون منهم خاصة- إلى الفن الروائي في محاولة نشر المعرفة العلمية على أوسع النطاقات الممكنة؟ أرى أنّ الأمر يكمن في التسويغ التالي: نشهد اليوم، وفي كل بقاع عالمنا، انحساراً معرفياً كبيراً -خاصة على صعيد المعرفة العلمية والتقنية المنظّمة- مقابل تفجر معلوماتي هائل. وتكمن المشكلة دوماً في كيفية تحويل ذلك التفجر المعلوماتي الذي يشبه الانفجار الكوني العظيم إلى معرفة موجهة لتحقيق صالح الفرد والمجتمع معاً. وقد جاءت لنا الوسائط الرقمية الشائعة بنوع من القدرة السهلة الجاهزة للحصول على المعلومة، إنما دون توظيفها لاحقاً في صيغة معرفة هادفة تقود إلى خبرة منتجة، وقد تفاقمت هذه الإشكالية حتى على صعيد المؤسسات التي كانت تُعد تقليدياً مصادر مزوّدة للمعرفة (مثل المدرسة والجامعة والصحيفة اليومية)، بعد انحسار الرغبة في القراءة الرصينة، والاستعاضة عنها بالمتعة الصورية العابرة المفتقدة لأي قيمة فلسفية. ووصل الأمر حداً بلغ معه مرتبة المعضلة القومية في كثير من الدول، بعد أن شهدت مخرجات التعليم تباطؤاً واضح المعالم في القدرات الجمعية، فقد أصبح التفوق والإنجاز الأكاديمي وغير الأكاديمي غارقاً في الفردانية، بعيداً عن التمثلات الجمعية، أكثر من ذي قبل. ووسط بيئة بهذه المواصفات، بوسع الرواية أن تكون وسيطاً معرفياً مقصوداً أكثر من أي وسيط آخر لتوفير المعرفة الهادفة، عبر توظيف وسائلها اللامحدودة في المناورة، والقدرة على تمرير الأفكار في إطار جمالي مغلّف بالمتعة.
تلمست -في قراءاتي للرواية، وعبر ترجماتي لحوارات كثيرة مع كُتّاب الرواية وكاتباتها- ميلاً طاغياً للروائيين المعاصرين نحو جعل الرواية نصاً معرفياً بحدود ما يمكنهم توظيفه، بحسب مناشطهم المعرفية، وآفاق معارفهم وطبيعة رؤيتهم الفلسفية، وسنلمس في روايات القرن الحادي والعشرين قبسات متزايدة من المعرفة العلمية والفلسفية والسيكولوجية والتاريخية، تتواشج مع الصفات الخاصة لكل شخصية، وتبرز اهتماماتها وأحلامها ونمط سلوكها. ويتفق هذا الأمر مع القناعة المتزايدة بأن الرواية الحديثة ستلعب في السنوات المقبلة دور «الحاضنة المعرفية» التي تزوّد الأجيال المسحورة بالعالم الرقمي بقدر معقول من تلاوين المعرفة المتجددة، وسيكون بوسع الروائي المتمكن (عبر مقاربة مفردات المعرفة بوسائل ناعمة سلسة) إعادة التوازن بين المعرفة التحليلية والرقمية المهيمنة، ليساعد بعمله الإبداعي على تعزيز كفاءة قرائه في استخدام الطاقات الخلاقة المتاحة للعقل البشري.
ويرتبط ميكانيك الكم لدى الأغلبية بنوع من الغرابة والأوهام التي صارت قطّة شرودنغر (نصف الحية نصف الميتة) مثالاً قياسياً لها. ولكن هذا الأمر يتفق كثيراً مع الطبيعة المحيّرة للمفاهيم الوجودية الكبرى المؤثرة في حياتنا؛ حياتنا ذاتها قد لا تعدو أن تكون وهماً، بمعنى أنّ ما نحسبه حقيقة راسخة ليس سوى مواضعة سيكولوجية تتباين بحسب الأشخاص، تبعاً للأمثولة الفلسفية التي مفادها «نحن لا نرى العالم كما هو، بل نراه على الحال الذي عليه نحن!». فلا حدود لسلسلة الأوهام التي يمكن أن نختبرها في حياتنا، إلى حدّ صارت معه المفاهيم الفيزيائية الوجودية الأولية (الزمان، والمكان، والوعي... إلخ) أوهاماً كاملة تتقاطع مع رؤيتنا البديهية لها، بحسب ما يرى معظم الفيزيائيين الذين باتوا يرون الوجود أقرب إلى محاكاة حاسوبية كاملة محكومة بقوانين فيزياء الكم الغريبة.
أرى أنّ توصيف رواية «أليس في بلاد الكم» بكونها رواية خيال علمي ينطوي على قدر كبير من الابتسار، وأظنّ أنّ الأصح هو وصفها بأنها رواية معرفية تتقنّع في إطار روائي تخييلي، ويمكن ملاحظة هذا الأمر بمعاينة المسحة الدرامية الشاخصة الجاذبة التي وسمت عناوين فصول الكتاب: إلى داخل بلاد الكم، وبنك هايزنبرغ، ومعهد الميكانيكا، ومدرسة كوبنهاغن، وأكاديمية فيرمي - بوز، والواقع الافتراضي، وذرّاتٌ في الخواء، وقلعة رذرفورد، وحفل الجسيمات التنكّري، ومدينة ألعاب الفيزياء التجريبية. ويمتاز الكتاب بخصيصة متفرّدة أصبحت تمثّلُ واحدة من الخصائص التي تُكتبُ بها معظم المقرّرات العلمية المعتبرة: يبدأ الكاتب بالتمهيد لمفهوم أو فكرة ما، ثمّ يستزيد في شرحه وتوضيحه حتى ينتهي إلى خلاصة موجزة يضعها داخل إطار، وكأني به يريد القول هذه هي المثابات الرئيسية التي يجب التركيز عليها وعدها نقاط شروع ممكنة لمزيد من الفهم والتعمّق في أساسيات الموضوع سعياً لبلوغ جبهاته المتقدّمة.
أليس (الكمومية) شبيهة بنظيرتها أليس التي ابتدعها الروائي لويس كارول (كان ذا خبرة معمّقة بالرياضيات)، لكنّ الفرق هو أن غيلمور يجعل من أليس (الكمومية) أصغرُ من حجمِ ذرَة، وتمضي في رحلة عجائبية تجوب خلالها عوالم فريدة تكشف عن جوانب مختلفة من نظرية الكم: تُقابِلُ أليس عدداً من الشخصياتِ الاستثنائية التي تتعرَفُ من خلالها على مبدأ اللايقين، والدوالِ المَوجية، ومبدأ باولي، وغيرِها من المفاهيمِ الكمومية المُحيِرة، بالمقارنة مع خبراتنا في العالم الكبير Macroworld. الكتابُ مُدعَمٌ برسوماتٍ توضيحية من إبداعِ المؤلِفِ نفسِه، وهذا ما يمنحه ميزة إضافية تدعم ثراءه المفاهيمي.
وقد تخرّج روبرت غيلمور عام 1962 في قسمِ الفيزياءِ والرياضياتِ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وأصبحَ مُحاضِراً في المعهد عامَ 1967، ثم أستاذاً مساعداً عامَ 1970. وانتقلَ بعد ذلك للعملِ في جامعة جنوبِ فلوريدا، حيث أصبحَ أستاذاً مُتفرِغاً عامَ ١٩٧٦، وانتقلَ خلال العامِ نفسِه إلى جامعة دركسل. وكتبَ غيلمور كثيراً من الأوراقِ البحثية في مجالاتٍ عدة، من بينها: الديناميكا اللاخطية Non-Linear Dynamics، ونظرية الكارثة Catastrophe Theory، والديناميكا الحرارية Thermodynamics، فضلاً عن ميكانيك الكم، والفيزياء الذرية والجزيئية، والشبكات الكمومية.


المملكة المتحدة كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة