قصة {داعش}.. من التخطيط في سجن بوكا تحت نظر الأميركيين.. إلى جذب البعثيين

أبو أحمد القيادي الكبير في التنظيم يروي كيف صعد البغدادي الانطوائي .. وسيطرة خريجي بوكا بعد مقتل الزرقاوي

عدد من عناصر تنظيم {داعش} في أحد معسكرات التنظيم بالعراق (ا.ف.ب)
عدد من عناصر تنظيم {داعش} في أحد معسكرات التنظيم بالعراق (ا.ف.ب)
TT

قصة {داعش}.. من التخطيط في سجن بوكا تحت نظر الأميركيين.. إلى جذب البعثيين

عدد من عناصر تنظيم {داعش} في أحد معسكرات التنظيم بالعراق (ا.ف.ب)
عدد من عناصر تنظيم {داعش} في أحد معسكرات التنظيم بالعراق (ا.ف.ب)

في صيف عام 2004. اقتيد أحد شباب «الجهاديين» مكبلا بالسلاسل والأغلال، وأخذ يسير ببطء في طريقه إلى سجن معسكر بوكا في جنوب العراق. وقد كان متوترا بينما يقوده جنديان أميركيان عبر 3 مبانٍ ذات إضاءة ساطعة، ثم إلى متاهة من الأروقة التي تنفتح على باحة بها رجال يقفون على مسافة متوسطة ويرتدون ملابس السجن ذات الألوان الزاهية ويحملقون فيه بحذر.
وقد قال لي الشهر الماضي: «لقد تعرفت على بعضهم في الحال. كنت أشعر بالخوف من بوكا وأنا في الطائرة متجها إليه، لكن بمجرد الوصول إلى هناك، وجدت أنه أفضل كثيرا مما توقعت من عدة أوجه».

دخل الشاب، وكنيته أبو أحمد، معسكر بوكا شابا منذ 10 سنوات، وهو الآن مسؤول بارز داخل تنظيم داعش حيث ترقى في المراتب هو وكثير من الذين قضوا مدة معه في ذلك السجن. وقد اختطفه جنود أميركيون من مدن وبلدات عراقية، شأنه شأن المعتقلين الآخرين، واقتيدوا إلى مكان بات سيئ السمعة، وهو حصن بائس في الصحراء أصبح فيما بعد إرثا خلفه الوجود الأميركي في العراق. وسرعان ما رحب به المعتقلون الآخرون بحفاوة، كما يتذكر أبو أحمد.
لقد كان الرعب من بوكا يسيطر عليهم هم أيضا، قبل أن يدركوا أنه أبعد ما يكون عن أكبر مخاوفهم، بل لقد قدّم لهم السجن الذي يديره الأميركيون فرصة استثنائية. وأخبرني قائلا: «لم يكن ليمكننا التجمع على هذا النحو في بغداد أو في أي مكان آخر. كان سيعد الأمر خطيرا جدا. لقد كنا في أمان، بل وعلى بعد بضع مئات من الأمتار من قيادة تنظيم القاعدة».
وشهد سجن معسكر بوكا أول مقابلة بين أبو أحمد وأبو بكر البغدادي، زعيم «داعش»، الذي يُصنف حاليا كأخطر زعيم إرهابي في العالم. ويقول أبو أحمد إن تأثر الآخرين به كان واضحا جليا منذ البداية. وأضاف قائلا: «حتى في ذلك الوقت كان أبو بكر، لكن لم يتوقع أي منا أنه سيصبح قائدا». وكان أبو أحمد واحدا من أهم أعضاء التنظيم في أشكاله الأولى، حيث انجذب إلى الأعمال المسلحة في شبابه بسبب الاحتلال الأميركي الذي كان يحاول فرض تحول في السلطة في العراق لصالح الشيعة، على حساب السنة في رأيه ورأي الكثيرين.
وقاده دوره في البداية في التنظيم الذي أصبح فيما بعد «داعش» إلى منصب رفيع المستوى يشغله حاليا داخل حركة مسلحة أُعِيد إحياؤها وامتدت عبر الحدود إلى سوريا. ويرى أكثر رفاقه أن التفكك الذي تشهده المنطقة هو تحقيق لطموحاتهم في العراق التي ظلت عالقة إلى أن منحتهم الحرب في سوريا ساحة جديدة. ووافق على الحديث علنا بعد أكثر من عامين من النقاشات حول الكشف عن ماضيه واحدا من أهم العناصر المسلحة في العراق، وعن قلقه الكبير بشأن «داعش» وكذلك رؤيته حول المنطقة، في ظل اشتعال الوضع في كل من العراق وسوريا، ومصير الشرق الأوسط الذي يبدو أنه سيعاني لجيل آخر من الفورات وإراقة الدماء على أيدي أمثاله.
يعيد أبو أحمد النظر في الأمر.. تتعارض وحشية «داعش» المتزايدة مع آرائه، التي خفت حدتها مع تقدمه في العمر، حيث بات يؤمن بأن تعاليم القرآن قابلة للتأويل، ويُمكن ألا تؤخذ حرفيا. وقادته ظنونه تجاه الشكل الذي أصبح عليه «داعش» إلى الحديث مع صحيفة الـ«غارديان» في إطار سلسلة من المقابلات الطويلة، التي تقدم صورة خاصة متميزة عن الزعيم الغامض للتنظيم الإرهابي وأيامه الأولى التي تمتد من عام 2004، عندما قابل أبو بكر البغدادي في معسكر بوكا، وحتى عام 2011، عندما عبرت حركة التمرد العراقية الحدود السورية.
في البداية في بوكا نأى السجين، الذي أصبح فيما بعد على رأس قائمة المجرمين المطلوبين عالميا، بنفسه عن السجناء الآخرين، مما جعلهم يرونه انطوائيا وغامضا. ويتذكر أبو أحمد انطباع السجناء المختلف عن البغدادي، حيث كانوا يرونه لين الجانب ذا تأثير مهدئ في بيئة تفتقر إلى اليقين، فكانوا يطلبون مساعدته في فض النزاعات بينهم. أخبرني أبو أحمد: «كان هذا في إطار الدور الذي يمثله. لقد شعرت أنه يخفي شيئا ما؛ جانبا مظلما لم يرد أن يظهره للآخرين. لقد كان على عكس الأمراء الآخرين الذين كان من السهل التعامل معهم. لقد كان بعيدا ونائيا عنا جميعا».
ولد البغدادي، واسمه الحقيقي إبراهيم بن عواد البدري السامرائي، عام 1971 في مدينة سامراء بالعراق. وألقت القوات الأميركية القبض عليه في الفلوجة، غرب بغداد، في فبراير (شباط) عام 2004، بعد أشهر من مساعدته في العثور على جماعة «جيش أهل السنة والجماعة» المسلحة التي تتخذ من المناطق السنيّة المحيطة بمدينته مركزا لها. وقال دكتور هشام الهاشمي، المحلل الخاص بشؤون «داعش» في الحكومة العراقية: «لقد تم إلقاء القبض عليه وهو في منزل أحد أصدقائه ويُدعى ناصف جاسم ناصف، ثم تم اقتياده إلى بوكا. لم يكن الأميركيون يعلمون حقيقة الذي ألقوا القبض». ويبدو أن أكثر رفقاء البغدادي في السجن، الذين يقارب عددهم الـ24 ألفا، والذين تم تقسيمهم على 24 معسكرا، لم يعرفوه أيضا. كان التقسيم التراتبي هو عماد السجن، وكان يتجلى ذلك في لون الزي الذي كان يساعد على تحديد مرتبة السجناء. وقال أبو أحمد: «تختلف ألوان الملابس التي كنا نرتديها باختلاف المرتبة. إذا لم تخني الذاكرة، كان اللون الأحمر مخصصا لمن يسيئون التصرف في السجن، في حين كان الأبيض مخصصا لرئيس السجن، والأخضر لأصحاب الأحكام طويلة الأجل، والأصفر والبرتقالي لغير المميزين».
عندما وصل البغدادي، وهو في الـ33 من العمر إلى بوكا، كانت حركة المقاومة التي يقودها السنة ضد الولايات المتحدة تكتسب زخما في وسط وغرب العراق. وبات الغزو، الذي تم تسويقه بوصفه حرب تحرير، احتلالا قمعيا.
وكان السنّة في العراق، الذين حُرموا من حقوقهم بعد الإطاحة بصدام حسين، يتحدثون عن قتال القوات الأميركية، وبدأوا في استخدام السلاح ضد المنتفعين من الإطاحة بصدام حسين، وهم الأغلبية الشيعة.
كانت الجماعة المسلحة الصغيرة التي تزعمها البغدادي واحدة من ضمن عشرات الجماعات التي وُلدت من رحم ثورة سنية شاملة، والتي تجمعت بعد ذلك تحت لواء تنظيم القاعدة في العراق ثم «داعش». وكانت تلك إرهاصات القوة الساحقة التي تعرف الآن باسم «داعش»، التي سيطرت، بزعامة البغدادي، على غرب ووسط البلاد، وكذا شرق سوريا، ودفعت الجيش الأميركي إلى العودة مرة أخرى إلى المنطقة المزعزعة الاستقرار، بعد فترة تقل عن الـ3 سنوات من مغادرته وتعهده بألا يعود.
مع ذلك أثناء وجوده في بوكا، لم تكن جماعة البغدادي معروفة كثيرا، وكان أقل أهمية من زعيم «القاعدة» الذي نُظر إليه كبطل قومي أبو مصعب الزرقاوي، الذي أصبح يثير الرعب في قلوب كثيرين في العراق وأوروبا والولايات المتحدة. وكان لدى البغدادي طريقة فريدة للظهور من بين القادة الطموحين الآخرين داخل بوكا وخارجه في شوارع العراق، وهي أصله (يدعي أنه ينتسب إلى آل البيت). كذلك حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من الجامعة الإسلامية في بغداد، وكان يعتمد على كلا الرافدين لإضفاء الشرعية عليه خليفة للعالم الإسلامي، كما أعلن في يوليو (تموز) عام 2014، في تحقيق لقدر تجلى في باحة السجن قبل عقد من الزمان. وقال أبو أحمد: «لقد كان البغدادي شخصية هادئة، وله حضور، حيث تشعر وأنت معه بأنك في صحبة شخص مهم. مع ذلك كان هناك آخرون أكثر أهمية منه، حتى إني لم أعتقد أنه سيكون له هذا الشأن العظيم».
كذلك بدا أن للبغدادي طريقة مع سجّانيه، فكما يوضح أبو أحمد واثنان من رفاقه في السجن عام 2004، كان الأميركيون ينظرون إليه على أنه شخص يستطيع حل النزاعات بين الفرق المختلفة، والإبقاء على النظام في المعسكر.
وأضاف أبو أحمد: «وبمرور الوقت، أصبح حاضرا في كل مشكلة تطرأ في المعسكر. لقد أراد أن يكون زعيم السجن، وعندما أعود بذاكرتي إلى الوراء أرى كم كان يتبنى سياسة (فرّق تسد) للحصول على ما يريد، وهو المكانة المتميزة. وقد نجح في ذلك».
وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2004 لم يصبح البغدادي في نظر سجّانيه مصدر خطر أو تهديد، وتم إطلاق سراحه. وأضاف أبو أحمد قائلا: «لقد حظي باحترام الجيش الأميركي. عندما كان يريد زيارة سجناء في معسكر آخر، كان ينال ما يطلب، في حين كان مصير طلبنا الرفض. وكانت استراتيجيته الجديدة تتبلور أمام أنظارنا، وهي تأسيس (دولة إسلامية). لو لم يكن هناك سجون أميركية في العراق، لما خرج تنظيم داعش إلى حيز الوجود. لقد كان بوكا بمثابة مصنع أنتجنا جميعا، وكوّن نهجنا الفكري».
وفي الوقت الذي يعيث فيه تنظيم داعش فسادا في المنطقة، يفعل ذلك تحت قيادة رجال قضوا مدة في مراكز الاعتقال الأميركية خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق. بالإضافة إلى بوكا، كانت الولايات المتحدة تتولى إدارة معسكر كروبر بالقرب من مطار بغداد، وكذلك سجن أبو غريب، الواقع على الأطراف الغربية للعاصمة خلال الـ18 شهرا البائسة الأولى من الحرب. وأقرّ كثيرون ممن تم إطلاق سراحهم من تلك السجون، وبالطبع عدد من المسؤولين الأميركيين البارزين الذين قادوا عمليات اعتقال، بتأثير السجون السلبي المهيج.
وأوضح علي الخضيري الذي عمل مساعدا خاصا لكل السفراء الأميركيين الذين خدموا في العراق منذ 2003 وحتى 2001. وكذا لـ3 قادة في الجيش الأميركي، قائلا: «لقد حضرت عددا من الاجتماعات التي قال فيها كثيرون إن الأمور كانت تسير على خير ما يرام». لكن في النهاية اقتنع حتى المسؤولون الأميركيون البارزون «بأنهم باتوا عناصر تشجع على التطرف، وبأنهم تصرفوا بطريقة تؤتي نتائج عكسية من عدة أوجه، وبأنه تم استغلالهم في التخطيط والتنظيم وتعيين قادة وتنفيذ عمليات».
ووفق أبو أحمد: «في السجن، كان كل الأمراء يجتمعون بشكل منتظم. أصبحنا قريبين جدا من الأشخاص المسجونين معنا. عرفنا قدراتهم. كنا نعرف ما يمكنهم وما لا يمكنهم القيام به، وكيفية استخدامها، ولأي سبب من الأسباب. وكان أهم الأشخاص في معسكر بوكا هم الذين كانت لهم صلة وثيقة بالزرقاوي الذي اشتهر في عام 2004 بأنه زعيم (القاعدة)».
وواصل حديثه: «كان لدينا الكثير من الوقت لنجلس ونخطط. لقد كانت البيئة مثالية. اتفقنا جميعا على أن نلتقي عندما نخرج. وكانت وسيلة إعادة الاتصال سهلة. كتبنا تفاصيل كل شخص منا على (شريط الأستيك المطاط) الموجود في السراويل الداخلية. وتواصلنا عندما خرجنا. كان أي شخص مهم بالنسبة لي مكتوب على شريط المطاط الأبيض. كان عندي أرقام هواتفهم وقراهم. وبحلول عام 2009. كان الكثير منا قد عاد للقيام بما كنا نقوم به قبل اعتقالنا. ولكننا كنا نقوم بذلك هذه المرة على نحو أفضل».
وفقا لهشام الهاشمي، وهو محلل مقيم في بغداد، تشير تقديرات الحكومة العراقية إلى أن 17 من الـ25 قائدا الأهم من قادة تنظيم داعش الذين يديرون الحرب في العراق وسوريا أمضوا وقتا في السجون الأميركية بين عامي 2004 و2011. وجرى نقل بعضهم من سجن أميركي إلى سجون عراقية، حيث سمحت سلسلة من عمليات الهروب من السجون خلال السنوات القليلة الماضية بفرار كثير من كبار القادة وانضمامهم إلى صفوف المقاتلين.
شهد سجن أبو غريب أكبر عملية هروب وأكثرها ضررا في عام 2013، حيث هرب ما يصل إلى 500 سجين، كثير منهم من كبار المتطرفين الذين سلمهم الجيش الأميركي المغادر، في شهر يوليو (تموز) من ذلك العام، بعد أن تم اقتحام هذا السجن عن طريق قوات تنظيم داعش الذين شنوا غارة متزامنة وناجحة كذلك على سجن التاجي القريب.
أغلقت الحكومة العراقية سجن أبو غريب في شهر أبريل (نيسان) 2014 وهو الآن فارغ، يقع على مسافة 15 ميلا من الضواحي الغربية لبغداد، بالقرب من خط المواجهة بين تنظيم داعش وقوات الأمن العراقية، التي تبدو غير جاهزة بشكل دائم، وهي تحدق في ضبابية الحرارة التي تمتد على الطريق السريع الذي يؤدي إلى الأراضي الوعرة في الفلوجة والرمادي.
لقد أصبحت أجزاء من هاتين المدينتين مناطق محظورة على القوات العراقية المحاصرة، التي هاجمها وهزمها تنظيم داعش، وهو مجموعة من اللصوص الذين لا يوجد مثيل لهم في بلاد ما بين النهرين منذ عهد المغول. عندما زرت أحد السجون المهجورة في أواخر هذا الصيف، كانت مجموعة من القوات العراقية جالسة عند نقطة تفتيش على الطريق الرئيسي المؤدي إلى بغداد، تتناول البطيخ بينما يسمع أصوات القذائف من على مسافة. كانت جدران سجن أبو غريب وراءهم، وكان أعداؤهم المتطرفون موجودين أسفل الطريق.
كان الكشف عن الانتهاكات التي وقعت في سجن أبو غريب له تأثير شديد على كثير من العراقيين، الذين اعتبروا التلطف المزعوم من الاحتلال الأميركي تحسنا طفيفا مقارنة بطغيان صدام. رغم أنه لم يكن هناك سوى القليل من الشكاوى بوقوع انتهاكات في سجن معسكر بوكا قبل إغلاقه في عام 2009. كان العراقيون ينظرون إليه باعتباره رمزا قويا للسياسة الظالمة، التي نالت من الأزواج والآباء والأبناء (بعضهم من غير المقاتلين) خلال غارات يتم شنها بصورة منتظمة على الأحياء، وإلقائهم في السجن لعدة أشهر أو سنوات.
حتى الآن، وبعد مرور 5 سنوات من إغلاق الولايات المتحدة لسجن معسكر بوكا، ما زال البنتاغون يدافع عن المعسكر باعتباره مثالا على تبني سياسة مشروعة في فترة مضطربة. قال المقدم مايلز ب. كاجيز الثالث المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية بشأن السياسة التي تم تبنيها تجاه المعتقلين: «خلال العمليات التي تمت في العراق في الفترة بين عامي 2003 و2011، اعتقلت القوات الأميركية الآلاف من معتقلي الحرب بشكل قانوني. يعد هذا النوع من الاعتقالات والممارسات شائعا خلال النزاعات المسلحة. يعد اعتقال شخص يحتمل أن يكون خطيرا من الأساليب القانونية والإنسانية الواجبة لتوفير الأمن والاستقرار للسكان المدنيين».

* خروج البغدادي من السجن
بعد مرور فترة على إطلاق سراح البغدادي من سجن معسكر بوكا، تم الإفراج كذلك عن أبو أحمد. بعد نقله جوا إلى مطار بغداد، التقطه رجال كان قد التقى بهم في معسكر بوكا. وأخذوه إلى منزل في غرب العاصمة، حيث انضم مرة أخرى وعلى الفور إلى القتال، الذي تحول من معركة ضد جيش احتلال إلى حرب شرسة وغير محدودة ضد الشيعة العراقيين.
كانت فرق القتل في ذلك الوقت تجوب بغداد وأغلب مناطق وسط العراق، لتقتل أعضاء من الطوائف المخالفة بوحشية معهودة، وتطرد الأهالي من الأحياء التي تسيطر عليها. وسرعان ما تحولت العاصمة إلى مكان مختلف للغاية عن المدينة التي غادرها أبو أحمد في العام السابق. ولكن بمساعدة الوافدين الجدد في معسكر بوكا، تمكن هؤلاء الموجودون داخل السجن من متابعة جميع التطورات الجديدة التي تحدث في الحرب الطائفية التي بدأت تتشكل. كان أبو أحمد على دراية بالبيئة التي عاد إليها. وكان لدى قادة معسكره خطط له.
كان أول شيء فعله عندما كان في مكان آمن في غرب بغداد هو أنه خلع ملابسه، ثم أخذ مقصا بعناية لملابسه الداخلية: «قمت بقص قطعة القماش في السروال الداخلي الذي كان فيه جميع الأرقام. اجتمعنا مرة أخرى. وعدنا إلى العمل». كان غيره من السجناء السابقين يفعلون الشيء نفسه في مناطق مختلفة من العراق. قال أبو أحمد وهو يبتسم لأول مرة خلال حديثنا، وهو يتذكر كيف تم الاحتيال على ساجنيه: «لقد كان الأمر في غاية البساطة. لقد ساعدتنا السراويل على الفوز في الحرب».
واسترجع أبو أحمد كيف أن الزرقاوي كان يريد شيئا مثل لحظة هجمات الحادي عشر من سبتمبر نقطة لتصعيد الصراع؛ شيئا من شأنه نقل المعركة إلى قلب العدو. وكان يعني هذا في العراق أحد هدفين؛ إما وصول الشيعة إلى كرسي الحكم، أو حتى هدف أفضل، وهو رمز ديني محدد. في فبراير (شباط) 2006، ومرة أخرى بعد مرور شهرين، قام انتحاريو الزرقاوي بتدمير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء، في شمال بغداد. واندلعت الحرب الطائفية بالكامل، وتحققت طموحات الزرقاوي.
وعند سؤاله عن مزايا هذا الاستفزاز العنيف، سكت أبو أحمد لبرهة للمرة الأولى خلال الكثير من أحاديثنا المتبادلة. وقال: «كان هناك سبب لبدء هذه الحرب. لم يكن السبب هو أنهم من الشيعة، ولكن لأن الشيعة كانوا يدفعون نحو ذلك. لقد كان الجيش الأميركي يقوم بتسهيل استيلائهم على العراق وإعطائهم البلاد. كانوا يتعاونون مع بعضهم بعضا».
ثم سرح بفكره في الرجل الذي أصدر الأوامر: «كان الزرقاوي شديد الذكاء. وكان أفضل مخطط استراتيجي في (داعش)، أما أبو عمر (البغدادي) فقد كان شخصا لا يعرف الرحمة»، كان أبو أحمد يشير إلى خليفة الزرقاوي، الذي قُتل في غارة أميركية في شهر أبريل (نيسان) 2010، و«أبو بكر هو الأكثر دموية بين الجميع».
«بعد مقتل الزرقاوي، أصبح الأشخاص الأكثر تطرفا منه يتمتعون بأهمية شديدة داخل التنظيم. كان فهمهم للشريعة والإنسانية رخيصا للغاية. فهم لا يفهمون التوحيد (المصطلح القرآني لوحدانية الله) بالشكل الذي ينبغي فهمه على أساسه. فلا يجوز فرض التوحيد عن طريق الحرب».
ورغم التحفظات التي بدأت تتحرك داخله بالفعل، أصبح أبو أحمد، بحلول عام 2006، جزءا من آلة القتل التي أصبحت تعمل بأقصى سرعة في أغلب أوقات العامين التاليين. تم تشريد ملايين المواطنين، وتم تطهير أحياء على أسس طائفية، وتم تخدير شعب بأكمله بوحشية لا رادع لها.
في ذلك الصيف، نجحت الولايات المتحدة في الوصول إلى الزرقاوي، بمساعدة المخابرات الأردنية، مما أدى لمقتله في غارة جوية شمال بغداد. من أواخر عام 2006، تراجع أداء التنظيم الذي أعاقته ثورة قبلية اقتلعت قيادته من الأنبار، وقلصت من وجوده في أماكن أخرى في العراق. ولكن وفقا لأبو أحمد، استغل التنظيم الفرصة ليتطور، وليكشف عن براغماتيته، بالإضافة إلى آيديولوجيته المتشددة. بالنسبة لتنظيم داعش، كانت السنوات الهادئة نسبيا بين عامي 2008 و2011 تعد فترة هدوء، وليس هزيمة.

* اجتماعات مع البعثيين
وبحلول ذلك الوقت، كان أبو بكر البغدادي قد ارتفعت مكانته باطراد خلال التنظيم ليصبح مساعدا موثوقا فيه لزعيمه أبو عمر البغدادي، ونائبه الجهادي المصري «أبو أيوب المصري». وقال أبو أحمد إنه عند هذه النقطة، اقترب تنظيم داعش من فلول البعث التابعين للنظام القديم، وهم معارضون آيديولوجيون يشتركون معه في وجود عدو مشترك، هو الولايات المتحدة والحكومة التي يقودها الشيعة التي تدعمها الولايات المتحدة.
اجتمعت أشكال سابقة من تنظيم داعش مع البعثيين، الذين فقدوا كل شيء عندما أُطيح بصدام، على الفرضية نفسها التي تقول إن «عدو عدوي صديقي». قال أبو أحمد ومصادر أخرى إنه بحلول أوائل عام 2008. أصبحت هذه الاجتماعات أكثر تكرار - وكان كثير منها يُعقد في سوريا.
أثار مسؤولون أميركيون في بغداد والحكومة العراقية بشكل منتظم مسألة صلات سوريا بالتمرد السني في العراق. لقد كانا مقتنعين بأن الرئيس السوري بشار الأسد سمح للمتطرفين بالوصول جوا إلى مطار دمشق، حيث رافقهم مسؤولون عسكريون إلى الحدود مع العراق. أخبرني أبو أحمد أن «جميع الأجانب الذين كنت أعرفهم دخلوا إلى العراق بهذه الطريقة. فلم يكن الأمر سرا».
اعتبارا من عام 2008، عندما بدأت الولايات المتحدة التفاوض على نقل سلطاتها إلى المؤسسات الأمنية الضعيفة في العراق - وبالتالي تمهد الطريق لخروجها - تحول الأميركيون بشكل متزايد إلى عدد قليل من الشخصيات الموثوق بها في الحكومة العراقية. كان أحدهم اللواء حسين علي كمال مدير الاستخبارات في وزارة الداخلية بالبلاد. كان كرديا علمانيا، وكان يحظى بثقة المؤسسة الشيعية، وأحد المهام الكثيرة التي كلف بها كمال هي تأمين بغداد ضد الهجمات الإرهابية.

تسجيلات سرية
لاجتماعي الزبداني
كان اللواء كمال مقتنعا مثل الأميركيين بأن سوريا تقوم بزعزعة استقرار العراق، وهو تقييم استند إلى عمليات استجواب المتشددين الذين اعتقلتهم قواته. طوال عام 2009، قدم كمال الأدلة في سلسلة من المقابلات، وذلك باستخدام الخرائط التي تحدد الطرق التي يستخدمها المتشددون لعبور الحدود إلى غرب العراق، والاعترافات التي ربطت رحلاتهم بضباط محددين من ذوي الرتب المتوسطة في الاستخبارات العسكرية السورية.
وبانحسار نشاط تنظيم داعش في العراق، فقد تزايد هاجس التنظيم إثر اجتماعين نُظما في سوريا في وقت مبكر من عام 2009، الذي جمع المتشددين العراقيين مع المسؤولين السوريين، برفقة البعثيين من كلتا الدولتين (أما كمال، الذي أصيب بنوع نادر من مرض السرطان في عام 2012، فقد لقي حتفه في وقت مبكر من هذا العام، وقد خوّل لي نشر تفاصيل محادثاتنا معا، حيث قال في آخر مقابلة جمعتنا في يونيو «حزيران» من عام 2014: «لا تقل إلا الحقيقة»).
عندما تقابلت معه لأول مرة في عام 2009، كان منكبا على مراجعة نسخ من التسجيلات لاجتماعين سريين عُقدا في مدينة الزبداني، بالقرب من دمشق، في ربيع العام ذاته. وكان الحضور يشملون عضوا بارزا في حزب البعث العراقي، الذي كان قد التجأ إلى سوريا منذ الإطاحة بنصيرهم السابق صدام حسين، وضباطا من الاستخبارات العسكرية السورية، وشخصيات بارزة عُرف فيما بعد أنهم يتبعون تنظيم القاعدة في العراق. كان السوريون قد فتحوا قنوات للتواصل مع المتشددين خلال الأيام الأولى للتمرد المناوئ للاحتلال الأميركي، واستخدموهم في زعزعة الوجود الأميركي، وقلقلة خططهم بالعراق.
يقول علي الخضيري المستشار السابق للسفراء الأميركيين وكبار القادة العسكريين في بغداد: «في أوائل عامي 2004 و2005، بدأت العناصر الجهادية والعناصر البعثية المعزولة بالتلاقي معا. كانوا منضبطين بطبيعة الحال، وذوي تنظيم جيد، ويعرفون تضاريس الأرض جيدا. وبمرور الوقت، تحول بعض الأفراد الذين كانوا في الأصل بعثيين إلى متطرفين مع احتدم سعار التمرد. وبحلول عام 2007، كان الجنرال (ديفيد) بترايوس يقول إن هناك معلومات استخبارية شديدة الوضوح حيال التعاون القائم بين الاستخبارات العسكرية السورية والجهاديين. غير أن الدوافع لم تتحد فيما بينهم بنسبة 100 في المائة».
خلال محادثاتنا، شدد أبو أحمد على الروابط السورية بالتمرد العراقي، حيث قال: «يمر جميع المقاتلين عبر سوريا. ولقد عملت بنفسي مع كثيرين منهم. أولئك الموجودون في بوكا طاروا إلى دمشق. ومجموعة صغيرة منهم عبرت من خلال تركيا، أو إيران. ولكن معظمهم جاءوا إلى العراق بمساعدة السوريين».
كان خط الإمدادات يُنظر إليه من جانب المسؤولين العراقيين بأنه يشكل تهديدا وجوديا على الحكومة العراقية، وكان السبب الرئيسي للعلاقة المسمومة بين نوري المالكي، الذي صار رئيس الوزراء العراقي لاحقا، والرئيس السوري بشار الأسد. كان لدى المالكي قناعة تكوّنت مبكرا خلال الحرب الأهلية من أن الأسد كان يحاول تقويض سلطات نظامه الحاكم بوصفه وسيلة لإحراج الأميركيين، وبدا الدليل على ذلك جليا في عام 2009 من خلال الاجتماع المنعقد في دمشق، الذي نقل سخط المالكي على الزعيم السوري إلى آفاق جديدة.
أخبرني اللواء كمال في ذلك الوقت أنه «كان لدينا مصدر داخل الغرفة يحمل جهاز تنصت. ولقد كان أكثر مصادرنا حساسية على الإطلاق. وبقدر معرفتنا، كانت تلك أول مرة يُعقد فيها اجتماع على المستوى الاستراتيجي يضم جميع تلك الأطياف. إنه اجتماع يشكل نقطة جديدة في التاريخ»، يقصد اجتماع مدينة الزبداني.
أدار البعثيون الحاضرون الاجتماع. وكان هدفهم، وفقا لمصدر اللواء كمال، شنّ سلسلة من الهجمات الكبرى في بغداد تؤدي إلى تقويض حكومة المالكي ذات الأغلبية الشيعية، التي تمكنت، وللمرة الأولى، من فرض قدر من النظام في عراق ما بعد الحرب الأهلية. وحتى ذلك الحين، كان تنظيم القاعدة والبعثيون العراقيون من ألد الأعداء على المستوى الآيديولوجي، غير أن القوة المتصاعدة للشيعة، وكذا مؤيدوهم في إيران، جمعت كلا الفصيلين المتضادين معا للتخطيط لهجمة كبرى داخل العاصمة العراقية.
بحلول شهر يوليو (تموز) من عام 2009، رفعت وزارة الداخلية العراقية من يقظتها الأمنية في جميع نقاط التفتيش عبر نهر دجلة وإلى العاصمة بغداد، مما يجعل من الانتقال في أي وقت من أوقات اليوم معاناة كبيرة، ولا يُحتمل، على غير المعتاد. ثم تلقى اللواء كمال رسالة من مصدره في سوريا تفيد بأن النشاط الأمني المتزايد لدى الجسور العراقية لفت انتباه المتآمرين على الهجوم، حسبما أفاد به. وتم اختيار أهداف جديدة، غير أنه لا يعرف ماهيتها، أو توقيت مهاجمتها. وعبر الأسبوعين التاليين، عمل اللواء كمال عن كثب وحتى ساعات متأخرة من الليل داخل مكتبه الحصين في ضاحية العرصات الجنوبية، قبل أن تنقله من عمله قافلة مدرعة عبر جسر 14 يوليو، الذي اختير هدفا للمتآمرين قبل أيام قليلة، إلى منزله داخل المنطقة الخضراء.
منذ ذلك الحين وحتى نهاية الشهر، قضى اللواء كمال ساعات ممتدة في كل ليلة من ليالي القيظ يتعرق على جهاز الرياضة، آملا أن ينقي التمرين الرياضي عقله ويدفع به خطوة واحدة قبل المهاجمين. ولقد قال لي خلال آخر محادثة جمعتنا قبل شن المهاجمين لضربتهم: «قد أفقد بعض الوزن هنا، ولكنني لم أعثر على الإرهابيين بعد. أعلم أنهم يخططون لأمر كبير».
في صباح 19 أغسطس (آب)، انفجرت أولى الشاحنات الـ3 الناقلة لخزانات مياه سعة 1000 لتر، وكل منها محمل بالمتفجرات، على جسر أمام مبنى وزارة المالية العراقية جنوب شرقي بغداد. تسبب الانفجار في إرسال الحطام عبر مدينة الزمرد، وأثار عاصفة من التراب عصفت بالمنازل المجاورة، وأثارت ذعر آلاف الحمائم فهربت في جو السماء. ثم مرت 3 دقائق أخرى، وانفجرت قنبلة هائلة خارج مبنى وزارة الخارجية على الطرف الشمالي من المنطقة الخضراء. وبعد مرور فترة وجيزة، هز انفجار ثالث قافلة للشرطة على مقربة من وزارة المالية. حصدت تلك الانفجارات أرواح أكثر من 101 قتيل، وما يقرب من 600 مصاب، ولقد كان أكثر الهجمات دموية في تاريخ التمرد العراقي الممتد لست سنوات.

* ماذا قال علي مملوك؟
أخبرني اللواء كمال في ذلك اليوم قائلا: «لقد فشلت. لقد فشلنا جميعا». وخلال ساعات جرى استدعاؤه لمقابلة المالكي وقادة أجهزته الأمنية. كان رئيس الوزراء مهتاجا. قال اللواء كمال في وقت لاحق: «أخبرني بتقديم ما لديّ حول السوريون. ثم رتبنا الأمور مع تركيا لتلعب دور الوسيط، ثم سافرت إلى أنقرة للاجتماع بهم. ثم تناولت ذلك الملف (ونقر بيده على مجلد سميك أبيض اللون على مكتبه) ولم يمكنهم الجدال فيما عرضناه عليهم». كانت القضية محكمة بالكامل وكان السوريون يعرفون ذلك. كان السيد علي مملوك (رئيس جهاز الأمن العام السوري) موجودا هناك. وكل ما فعله كان النظر إلي وعلى وجهه ابتسامة، ثم قال: «لن أعترف بأي مسؤول قادم من بلد يقبع تحت الاحتلال الأميركي. إن ذلك مضيعة للوقت». استدعى العراق سفيره في دمشق، وأمرت سوريا مبعوثها إلى العراق بالعودة للوطن انتقاما من ذلك. وخلال الفترة المتبقية من العام، وحتى حلول عام 2010. ظلت العلاقات فيما بين المالكي والأسد شديدة السمية.
وفي مارس (آذار) من عام 2010، ألقت القوات العراقية، إثر إشارة من الولايات المتحدة، القبض على زعيم تنظيم داعش الذي يُدعى مناف عبد الرحيم الراوي، والذي تم الكشف عن أنه أحد كبار قادة الجماعة المتطرفة في بغداد، وأحد القلائل الذين كان لديهم اتصال مباشر بزعيم التنظيم اللاحق، أبو بكر البغدادي. تحدث الراوي، وفي لحظة نادرة من لحظات التعاون، تآمرت أجهزة الاستخبارات العراقية الـ3، ومن بينها شعبة الاستخبارات التي يرأسها اللواء كمال، على دس جهاز تنصت وجهاز لتحديد المواقع العالمية (للتعقب) داخل صندوق زهور يصل إلى مخبأ أبو عمر.
وبعد التأكد من أن أبو عمر ونائبه أبو أيوب المصري كانا موجودين داخل منزل على بعد 6 أميال إلى الجنوب الغربي من مدينة تكريت، تعرض المنزل للهجوم من قبل غارة أميركية. وقد فجر الرجلان سترات انتحارية ليحولا دون إلقاء القبض عليهما حيين. عُثر في المنزل على رسائل إلى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري داخل حاسوب. وعلى غرار منزل بن لادن الآمن في باكستان، حيث سيتعرض للقتل هناك بعد أكثر قليلا من عام، لم يكن في مخبأ أبو عمر أي اتصال بالإنترنت أو خطوط للهواتف، وكانت الرسائل المهمة تصل وتُسلم من خلال 3 رجال فقط؛ أحدهم كان يُدعى أبو بكر البغدادي.
أخبرني أبو أحمد قائلا: «كان أبو بكر البغدادي مرسالا لدى أبو عمر. ثم صار أقرب مساعديه إليه. فقد كانت الرسائل الموجهة على أسامة بن لادن تجري صياغتها من خلاله، وكانت رحلة تسليم تلك الرسائل تبدأ من عنده. وحين تعرض أبو عمر للقتل، تولى أبو بكر البغدادي الزعامة. وفي ذلك الوقت كان كل ما لدينا في بوكا يحمل قدرا عظيما من الأهمية مجددا».
جاء مقتل أبو عمر البغدادي وأبو أيوب المصري بمثابة ضربة شديدة لتنظيم داعش، ولكن الأدوار التي فرغت بمقتلهما سرعان ما قام بها خريجو معسكر بوكا، الذي كانت الأنساق العليا فيه قد بدأت التحضير لتلك اللحظة منذ أيام سجنهم الأولى في أحد السجون بجنوب بغداد. قال أبو أحمد: «كان السجن بالنسبة إلينا أكاديمية دراسية، ولكنه كان بالنسبة إليهم مدرسة للإدارة، يقصد كبار القادة، لم يكن حلقة مفرغة أبدا، نظرا للكثيرين الذين تلقوا توجيهاتهم وإرشاداتهم داخل السجن».
واستطرد يقول: «حينما تحولت الحرب الأهلية السورية إلى حرب خطيرة، لم يكن من الصعوبة نقل جميع الخبرات إلى ساحة قتال جديدة. إذ يحتل العراقيون المستويات الأكثر أهمية في الأمور العسكرية وفي مجلس شورى تنظيم داعش حاليا، وذلك ناجم عن تلك السنوات الطويلة من الإعداد لمثل ذلك الحدث. لقد قللت من قدر البغدادي. كما استهانت الولايات المتحدة بالدور الذي لعبته حتى جعلته في مكانه الحالي».
لا يزال أبو أحمد من أعضاء تنظيم داعش، وهو عضو نشط في عمليات التنظيم في كل من العراق وسوريا. ومن خلال مناقشاتنا، رسم لنفسه صورة الرجل الذي يعاند ذاته للبقاء داخل التنظيم، مع أنه في الوقت ذاته على غير استعداد للمخاطرة بتركهم.

* داخل {داعش}.. سلطة ومال وزوجات
* إن الحياة داخل تنظيم داعش تساوي السلطة، والمال، والزوجات، والمكانة، وكلها من قبيل المغريات الساحرة للشباب حديثي السن أصحاب القضية، غير أنها تعني أيضا القتل والهيمنة على وجهة نظر عالمية لم يعد يحمل حيالها القلب المفعم بالإصرار ذاته.
وقال إن مئات الشباب أمثاله، ممن انخرطوا في الجهاد السني عقب الغزو الأميركي للعراق، لم يعودوا يعتقدون أن المشاهد الأخيرة من الحرب التي قضت على عقد كامل من الزمان لا تزال تحمل القدر ذاته من الوفاء لأصلها الأول.
قال أبو أحمد: «أكبر أخطاء حياتي كان الانضمام إليهم»، ولكنه أضاف أن الانسلاخ عن التنظيم قد يعني تعرضه مع أسرته للإعدام. غير أن البقاء والتأكيد على الرؤية الوحشية للتنظيم من خلال أفعاله، برغم اعتراضه النسبي حيالها، لا يسبب لأبو أحمد أي غضاضة، حيث يعد نفسه في قلب بضعة من الخيارات الأخرى.
وأضاف يقول: «ليس الأمر أنني لا أومن بالجهاد»، وتابع أثناء خفوت صوته بعيدا: «بل أومن به. ولكن ما خياراتي؟ إذا انفصلت، فأنا ميت لا محالة».
إن ذروة تورطه مع ما يعتبر أكثر جماعة إرهابية تهدد العالم حاليا يعكس حالة الكثير من الشباب الآخرين، الذين يحتلون مناصب كبرى في التنظيم: أولا الحرب ضد جيش احتلال، ثم حاصل ذلك تسوية ما تتم مع عدو طائفي قديم، والآن حرب أخرى قد تحل محل نبوءة حرب آخر الزمان.
وفي عالم خريجي معسكر بوكا، ليس ثمة مجال قط أمام المذاهب التعديلية أو التنقيحية، أو حتى أمام التأمل.
يشعر أبو أحمد أن نفسيته تعرضت لاكتساح هائل من أحداث صارت وبحق تفوق حجمه الضئيل بمراحل، أو حجم أي شخص آخر.
ويقول في إشارة إلى كبار أعضاء تنظيم داعش القريبين من البغدادي: «هناك أناس آخرون ليسوا من أصحاب التنظير.
أولئك الذين بدأوا في معسكر بوكا، مثلي تماما. ثم صار الأمر أكبر منا جميعا. لا يمكن لأحد إيقاف ذلك الآن.
إن الأمر بحق خارج عن سيطرة أي شخص. لا البغدادي، ولا أي عنصر آخر في دائرته».

* بالاتفاق مع صحيفة «الغارديان»



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».