توتر وقصف على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية

تل أبيب أعلنت إحباط عملية تسلل في مزارع شبعا... و«حزب الله» ينفي قيامه بأي هجوم

جنود إسرائيليون عند حاجز قرب «الخط الأزرق» بين لبنان وإسرائيل في بلدة الغجر - مجدل شمس أمس (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون عند حاجز قرب «الخط الأزرق» بين لبنان وإسرائيل في بلدة الغجر - مجدل شمس أمس (أ.ف.ب)
TT

توتر وقصف على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية

جنود إسرائيليون عند حاجز قرب «الخط الأزرق» بين لبنان وإسرائيل في بلدة الغجر - مجدل شمس أمس (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون عند حاجز قرب «الخط الأزرق» بين لبنان وإسرائيل في بلدة الغجر - مجدل شمس أمس (أ.ف.ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية توتراً، أمس، في ظل تضارب المعلومات حول أسبابه. فبعدما أعلنت إسرائيل عن وقوع «حادث أمني» عند الحدود، وتحدث جيشها عن استهداف آلية عسكرية في مزارع شبعا التي يعتبرها لبنان أرضاً محتلة، أصدر «حزب الله» في وقت لاحق نفياً لحدوث أي عملية أو إطلاق نار من قبله، متوعداً في الوقت عينه بالرد على مقتل قيادي من عناصره قُتل بضربة إسرائيلية في سوريا الأسبوع الماضي.
ونقل عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي تأكيدهم إحباط عملية لـ«حزب الله» في مزارع شبعا، فيما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية بسقوط قذيفة مدفعية من دون أن تنفجر على منزل لبناني في بلدة الهبارية جراء قصف إسرائيلي على قرى لبنانية في منطقة العرقوب، مشيرة إلى حركة نزوح من القرى الحدودية باتجاه صور وصيدا.
ومنذ الإعلان هذا الحادث شهدت المنطقة تحليقاً مكثفاً للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء منطقة مزارع شبعا، ونفذ غارات وهمية، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام»، قبل أن يقول الجيش الإسرائيلي نحو الساعة الخامسة بعد الظهر إن الاشتباكات انتهت عند الحدود مع لبنان. وترددت معلومات عن أن الجنود الإسرائيليين تبادلوا إطلاق النار خلال الحادث الأمني الذي تضمن شبهة حصول عملية تسلل لـ«حزب الله». وقالت مصادر إسرائيلية إن الاعتقاد في تل أبيب هو أن الحزب قام فعلاً بمحاولة تسلل، وإن نفيه لحصولها جاء بعدما تبيّن له فشلها. ورصدت وكالة «رويترز» إطلاق عشرات القذائف الإسرائيلية في منطقة مزارع شبعا، ما أدى إلى تصاعد النيران وأعمدة الدخان من المنطقة.
من جهته، أعلن الناطق باسم قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» أندريا تيننتي أن «رئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام اللواء ستيفانو ديل كول على اتصال مع الطرفين لتقييم الوضع ولجم التوتر، ويواصل حثّ الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس».
وتناوب المسؤولون الإسرائيليون على التصريح منذ اللحظة الأولى للإعلان عن الحادث متحدثين عن عملية من «حزب الله»، مترافقة مع ترجيحات بأن تكون رداً على مقتل قيادي له في سوريا الأسبوع الماضي، ليأتي النفي القاطع من «حزب الله» بعد نحو ساعتين من الإرباك والتوتر الأمني. وتحدث الحزب في بيان عن «حالة رعب» يعيشها الإسرائيليون عند الحدود اللبنانية، وحالة الاستنفار العالية والقلق الشديد من ردة فعله على مقتل القيادي علي كامل محسن في سوريا، مشيراً إلى «عجز» إسرائيل «عن معرفة نوايا المقاومة». وأضاف: «كل هذه العوامل جعلت العدو يتحرك بشكل متوتر ميدانياً وإعلامياً». وأكد «أن كل ما تدعيه وسائل إعلام العدو عن إحباط عملية تسلل من الأراضي اللبنانية إلى داخل فلسطين المحتلة»، وكذلك الحديث عن سقوط قتلى وجرحى لـ«المقاومة» في عمليات القصف التي جرت في محيط مواقع القوات الإسرائيلية في مزارع شبعا «غير صحيح على الإطلاق» و«محاولة لاختراع انتصارات وهمية كاذبة».
وشدّد البيان على أنه «لم يحصل أي اشتباك أو إطلاق نار» من طرف «حزب الله» في «أحداث اليوم حتى الآن، وإنما كان من طرف واحد فقط هو العدو الخائف والقلق والمتوتر»، مؤكداً في الوقت ذاته «أن الرد آتٍ حتماً» على مقتل القيادي محسن. وزاد: «كما أن القصف الذي حصل اليوم (أمس) على قرية الهبارية وإصابة منزل أحد المدنيين لن يتم السكوت عنه على الإطلاق، وإن غداً لناظره قريب».
وأتى البيان بعدما كان الإسرائيليون تحدثوا عن إحباط عملية للحزب. وقال المتحدث العسكري باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على حسابه على «تويتر»: «أحبط الجيش الإسرائيلي عملية تخريبية في منطقة جبل روس حيث تمكنت القوات من تشويش عملية خططت لها خلية من (حزب الله) مكونة من بين 3 إلى 4 أشخاص وتسللت أمتاراً معدودة» داخل حدود إسرائيلي عند الخط الأزرق، مشيراً إلى أنه تم فتح النيران «نحوهم وتشويش مخططهم». وأضاف أن أي إصابات لم تقع في صفوف القوات الإسرائيلية. وأضاف: «تتم إعادة فتح الطرقات المدنية في منطقة الشمال وإعادة الحياة المدنية إلى الروتين، لكن الحدث لا يزال قائماً، أيام معقدة ومتوترة أمامنا».
كذلك، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس للصحافيين: «نجحنا في إحباط محاولة تسلل لخلية إرهابية إلى إسرائيل»، مشيراً إلى عدم ورود أنباء عن وقوع خسائر بشرية في صفوف قواته. وأضاف: «لقد تأكدنا من أن الإرهابيين فرّوا عائدين إلى لبنان».
وما شهدته الحدود أمس أتى بعد أيام على استنفار وتأهب على الحدود، في ضوء توقعات إسرائيلية بردّ من «حزب الله» على مقتل القيادي في سوريا، وبعد ساعات على إعلان الجيش الإسرائيلي عن سقوط طائرة مسيرة في جنوب لبنان. وأشارت مصادر مطلعة على موقف «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب اللبناني لا علاقة له بالطائرة الإسرائيلية التي سقطت مساء الأحد.
وقالت إن الرد من الحزب «سيكون بناء على تقدير قيادة المقاومة، مع الالتزام بالحفاظ على قواعد الاشتباك»، مشيرة إلى أن الحزب غير معني بالرسالة التي بثّتها إسرائيل عبر الأمم المتحدة، ومفادها أن سقوط القيادي كان خطأ، قائلة: «هذا الأمر لا يغيّر من الأمر شيئاً».
وفيما تجدد المصادر التأكيد على أن ما أعلنه أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله سابقاً لا يزال ساري المفعول لجهة إسقاط ما يمكن إسقاطه من الطائرات المسيرة الإسرائيلية التي تقوم بالتصوير الجوي في الأراضي اللبنانية، تستبعد وقوع حرب بين الطرفين، ومكررة ما أعلنه نائب أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، مساء الأحد، بقوله: «التهديدات الإسرائيلية لن تستدرجنا إلى موقف لا نريده، والأجواء لا تشي بحصول حرب، في ظل الإرباك الداخلي الإسرائيلي وتراجع (الرئيس) دونالد ترمب في الداخل الأميركي».
وكان الحدث في مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967 والواقعة على مثلث الحدود مع لبنان وسوريا، قد بدأ بشكل درامي، إذ طلبت قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي من مواطني نحو 20 بلدة في الشمال الشرقي من الجليل أن يدخلوا الملاجئ والمناطق الآمنة في بيوتهم، وذلك بسبب «حدث أمني». وتزامن ذلك مع سماع دوي تفجيرات وقصف مدفعي. وشوهدت طائرات إسرائيلية في الجو.
وأغلقت الطرقات على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل. ووصل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إلى قيادة اللواء الشمالي. وغادر كل من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ورئيس الحكومة البديل ووزير الأمن، بيني غانتس، اجتماعين لكتلتيهما البرلمانيّتين في الكنيست في القدس الغربية إلى «الكرياه»، مقر القيادة الأمنية في وزارة الأمن في تل أبيب لإجراء مشاورات أمنيّة.
وأصدر نتنياهو بياناً قال إنه ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع يتابعون الأحداث على الحدود الشمالية، مؤكداً أن «سياستنا واضحة. أولاً، إننا لا نسمح لإيران بالتموضع عسكرياً على حدودنا مع سوريا.
ثانياً، لبنان و(حزب الله) يتحملان مسؤولية أي اعتداء ينطلق ضدنا من الأراضي اللبنانية. ثالثاً، جيش الدفاع مستعد لجميع السيناريوهات». وأضاف: «نحن نعمل على جميع الساحات من أجل أمن إسرائيل، قرب حدودنا وبعيداً عنها».
وقبل أن يصل نتنياهو وغانتس إلى تل أبيب، أعلن الجيش الإسرائيلي عن انتهاء الحدث، وقال الجيش إن العملية انتهت، لكن إسرائيل تتابع عن كثب التحركات ضدها في لبنان وسوريا وأبعد من ذلك بكثير.
وبانتظار ما ستشهده الحدود اللبنانية على وقع الاستنفار على جانبي الحدود، يستبعد كل من النائب المتحالف مع «حزب الله» الوليد سكرية، ومدير مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية سامي نادر احتمال توسع المواجهة إلى الحرب، مع اختلاف في المقاربة.
ويقول سكرية لـ«الشرق الأوسط»: «لو كان لتل أبيب القدرة على الدخول في حرب لكانت فعلتها منذ زمن، لكنها تريد نزع سلاح المقاومة أو تقييد عملها عبر أطراف أخرى، من دون الدخول في معركة». في المقابل، يوضح سامي نادر لـ«الشرق الأوسط»: «طالما قواعد الاشتباك لم تتغير لا مصلحة لأي من الطرفين في حصول حرب، لا إسرائيل التي في عجلة من أمرها، في وقت يبدو واضحاً أن نفوذ إيران في المنطقة إلى انحسار، والأطراف الإقليمية تقوم بدورها في هذا الإطار، ولا (حزب الله) الذي يرزح تحت ضغوط عدة، أبرزها الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان». ويضيف: «يبقى السؤال هل من مصلحة أي طرف منهما تغيير قواعد الاشتباك، وقيام مثلاً (حزب الله) بالدفع بالصواريخ إلى الداخل أو فتح جبهة الجولان؟». ويتابع: «عندها ستعمد تل أبيب إلى قطع أي محاولة في هذا الاتجاه عبر عملية معينة، وهي التي استهدفت مرات عدة محاولات لـ(حزب الله) لنقل صواريخ»، مؤكداً في الوقت عينه أن «أي محاولة قد يقوم بها (حزب الله) للهروب إلى الأمام ستكون لها خسائر وتداعيات لن يقوى على تحملها».
وقبل ساعات قليلة من التوتر على الحدود، قال السفير الإيراني لدى لبنان رداً على سؤال عن إمكانية وقوع اعتداء إسرائيلي، بعد لقائه مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان: «لا أعتقد أن الكيان الصهيوني هو في وضع يسمح له بارتكاب هذه الحماقات وهذه المغامرات، ونعتقد أن العدو الإسرائيلي لا يمكن أن ينسى الضربات المتلاحقة والهزيمة النكراء التي لحقت به إبان حرب 2006.
ونعتقد أن العدو الصهيوني إذا ما أقدم على ارتكاب حماقة كهذه أو مغامرة كهذه فلا شك أن هناك ضربة أقسى سوف تكون في انتظاره، واليوم محور المقاومة هو أقوى من أي وقت مضى، ونحن على ثقة تامة أن هناك مزيداً من الانتصارات تنتظر هذا المحور».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.