على مدى الـ17 عاماً الماضية، استنفدت الطبقة السياسية العراقية الحاكمة جيلها الأول من الزعامات من الذين تولوا أخطر منصب صممه الدستور، وهو رئاسة الوزراء. صحيح أن الدستور نص على عبارة «رئيس مجلس الوزراء»، لا رئيس الوزراء، مما يجعل الرئيس مجرد عضو بصوت واحد، لا يختلف عن وزير الدفاع أو الهجرة والمهجرين داخل اجتماعات المجلس، لكن الدستور نفسه منحه منصباً مطلق الصلاحيات، وهو منصب القائد العام للقوات المسلحة.
خلال كل السنوات الماضية، كان رؤساء الحكومات السابقة، باستثناء عادل عبد المهدي، يجلسون على خزين مالي كبير لا يواجهون به مشكلات حاكمة مثل الرواتب، وحتى الكهرباء، ومن ثم الواقع الصحي. جاء عبد المهدي إلى المنصب بصفته رئيس وزراء «الفرصة الأخيرة» لكي ينقذ ما يمكن إنقاذه. ورغم أن الرجل من جيل الآباء المؤسسين للنظام السياسي الحالي، وأحد وجوه المعارضة السابقة البارزين لنظام صدام حسين، فإنه واجه احتجاجات غير مسبوقة، والأهم أنها تخطت فصل الصيف لتبدأ في الشهر العاشر، حيث تستقر نسبياً الطاقة الكهربائية بسبب اعتدال الجو الخريفي في العراق. ورافقت تداعيات كثيرة تلك المظاهرات فأسقطت عبد المهدي وحكومته أواخر العام الماضي.
ودخل العراق العام الحالي (2020) بحكومة تصريف أعمال، وبموازنة خاوية بسبب بدء انخفاض أسعار النفط، وبواقع صحي متردٍ حيث بدأت جائحة كورونا تحصد الأرواح في العراق. مرت 5 أشهر حتى تم الاتفاق على رئيس وزراء كان مختلفاً عليه من الألف إلى الياء. لكن مع ضياع كل الفرص، جاء مصطفى الكاظمي الذي ينتمي إلى الجيل الثاني من معارضي النظام السابق إلى الحكم، في ظل ظروف في غاية التعقيد إلى الحد الذي بدت مهمته انتحارية، حتى أنه أطلق على نفسه وصف «الشهيد الحي».
اليد التي تؤلم أي رئيس وزراء في العراق هي الصيف الذي تحول إلى عقدة، خاصة شهر يوليو (تموز) الذي تتخطى فيه الحرارة نصف درجة الغليان في بعض المحافظات، خصوصاً الوسطى والجنوبية.
الكاظمي يعرف أن الصيف سيلاحقه حاله حال أسلافه رؤساء الوزراء السابقين، ويعرف مثلهم أن يوليو (تموز) عقدة، لكن الفارق هو أن أسلافه زعامات من الجيل الأول، وكلهم تقف خلفهم أحزاب وكتل برلمانية كبيرة تستطيع الدفاع عنهم، حقاً وباطلاً. الكاظمي يختلف حتى عن عبد المهدي الذي تعهدت أكبر كتلتين في البرلمان بدعمه («سائرون» المدعومة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، و«الفتح» بزعامة هادي العامري)، فقد وجد نفسه وحيداً مجلوداً من الجميع: المتظاهرون، والقوى السياسية، والشارع، وحتى المرجعية الدينية لم تكن راضية عن أدائه، ولا عن أداء الباقين.
جاء الكاظمي باحتفالية توافقية رافقت تكليفه في قصر السلام من رئيس الجمهورية برهم صالح، بحضور قادة الصف الأول، بمن فيهم عمار الحكيم وهادي العامري وحيدر العبادي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وحتى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، مما عزز الآمال بتنفيذ منهاجه الوزاري الذي بدا طموحاً رغم الصعاب، تمهيداً لإقرار البرنامج الحكومي.
عن هذا البرنامج والتداعيات التي رافقت عدم القدرة على تنفيذه، يقول محمد شياع السوداني، الوزير الأسبق للعمل والصناعة النائب في البرلمان، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحكومة لم تقر حتى الآن برنامجاً حكومياً تنفيذياً؛ وما تم إقراره هو المنهاج الوزاري، وهو أحد المتطلبات الدستورية للتصويت على الحكومة في البرلمان، وعادة يتضمن المنهاج الوزاري الخطوط العريضة لعمل الحكومة، على أن يعقبها برنامج أكثر تفصيلاً من قبل الوزراء، بعد مباشرتهم لمهامهم في وزاراتهم، وهذا لم يحصل حتى الآن».
وبشأن الخدمات التي تواجه صعوبات جدية الآن، بحيث بدأ الناس بالاحتجاج وتقديم الضحايا من جديد، يقول السوادني إنه «فيما يتعلق بالخدمات بشكل عام، والكهرباء بالتحديد، فإن ذلك يقع على عاتق الحكومة، كونه عملاً تنفيذياً بحتاً، مع أن الكهرباء -مثلما يعرف الجميع- مشكلة مزمنة تعتمد على خطة الوزارة في الاستعداد المطلوب سنوياً لمواجهة حرارة الصيف، حيث يفترض إكمال الصيانة، وتهيئة البدائل من المستلزمات الكهربائية عند حدوث أي عطل أو عارض، فضلاً عن تأمين الوقود، وتنظيم عمل المولدات الأهلية، بصفتها جهة ساندة».
وأوضح السوداني أن «الذي حصل أن الوزارة السابقة، وبسبب عدم وجود موازنة، لم تستطع القيام بالصيانة وهذه الاستحضارات. وبعد مباشرة الوزارة الجديدة في مطلع مايو (أيار)، كان الوقت متأخراً جداً، وتزامن مع انخفاض حاد في الإيرادات المالية للدولة، مما أضاف تعقيدات جديدة».
وحول ما إذا كانت هناك خطة أو خريطة طريق من قبل القوى السياسية للخروج من الأزمة وعنق الزجاجة الدائم، يقول السوداني: «حتى الآن، الخطوات والتحركات ثنائيه بين الأوساط السياسية بشأن خريطة طريق لمواجهة الأزمات الحالية، وصولاً للانتخابات، وهذا ما يؤشر على حالة عجز وتراجع تعيشها القوى السياسية المتصدية»، مبيناً أن «الأوضاع العامة في البلد تتطلب منهم جميعاً موقفاً مسؤولاً، يضع الخلافات جانباً، ويرسم خريطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة».
11:9 دقيقه
صيف العراق... عقدة تؤرق رؤساء الحكومات
https://aawsat.com/home/article/2415511/%D8%B5%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B9%D9%82%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%A4%D8%B1%D9%82-%D8%B1%D8%A4%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA
صيف العراق... عقدة تؤرق رؤساء الحكومات
رئيس الوزراء تسلّم الحكم بموازنة خاوية
صيف العراق... عقدة تؤرق رؤساء الحكومات
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



