عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

كان من روّاد الأدب الواقعي العراقي... وجايَلَ عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي في الخمسينات

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي
TT

عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج ولم يعد

عبد الرزاق الشيخ علي
عبد الرزاق الشيخ علي

كان ذلك في صيف عام 1957، وفي شارع أبي نواس تحديداً، عندما مر بجانبي مسرعاً شخص غريب الأطوار، بملابس رثة ولحية طويلة غير مشذبة، ويبدو مثل درويش صوفي تائه. فصرخت بصورة لا إرادية بصديقي الشاعر عبد المنعم المخزومي الذي كان زميلي في كلية الآداب آنذاك، وكان يسير إلى جانبي: «إنه القاص عبد الرزاق الشيخ علي»، فأجاب متردداً: «ربما». حاولنا اللحاق به، وكنا نعلم بمأساته، ولكنه سرعان ما هرول هارباً، وغاب بين الجموع. لم يكن من اليسير الجزم بأن ملتحياً ما، بملابس رثة ولحية سوداء، يمكن أن يكون هو القاص الذي تعرض إلى نكبة مزدوجة: زجه بالسجن لأفكاره السياسية، وإطلاق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، أي قبل الثورة بعام واحد؛ وخروجه فاقداً للعقل. فهام على وجهه دون أن يعرف أحد من أسرته أو أصدقائه مصيره. وبعد ثورة الرابع عشر من يوليو (تموز)، بذلت مجهودات كبيرة من قبل ذويه وأصدقائه من الأدباء والمثقفين، لمعرفة تفاصيل سجنه واختفائه، لكنها لم تحقق أي نتيجة، وظلت رهن التكهنات والتخمينات.
فما الذي يقوله صندوق الأسرار عن هذا المبدع الذي أضاعته أنظمة الاستبداد، وأشبعته سجناً وترويعاً وجنوناً؟
عبد الرزاق الشيخ علي قاص عراقي خمسيني تقدمي، بدأ بكتابة القصة القصيرة بالتزامن مع القاصين غائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر، كما جايل القاصين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي. وكانت قصصه تتسم بنزعة واقعية نقدية، مثل كثير من اتجاهات السرد القصصي آنذاك. وكان مفهوم «الالتزام» ببعده الماركسي، وليس السارتري، هو المهيمن على قناعات معظم كتاب ذلك الجيل، والذي كان يرتب التزامات فكرية وآيديولوجية معينة على الكتاب، من خلال التأكيد المسرف على الوظيفة الاجتماعية للأدب، وقدرته على الإسهام في عملية التغيير الاجتماعي. وقد بدأ القاص النشر لأول مرة في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، مثل: «الأديب» اللبنانية، ومجلة «الثقافة الجديدة» العراقية، ومجلة «الرابطة» العراقية، و«الأوقات البغدادية»، وصحيفة «الأهالي» العراقية. وتؤرخ بعض قصصه بالعام 1946، وبعضها الآخر بالعام 1949، وبعضها بالعام 1951. ثم نشر مجموعتين قصصيتين، هما: «حصاد الشوك» من منشورات مطبعة «الرابطة» في بغداد في منتصف الخمسينيات، كما أصدرت له مجلة «الثقافة الجديدة» ضمن منشوراتها مجموعة قصصية أخرى، هي «عباس أفندي» عام 1959، فضلاً عن كتابه الصحافي «أجراس السلام» عام 1951، الذي دون فيه مشاهداته عن مهرجان السلام العالمي في برلين آنذاك، وعدت من أعماله الضائعة مجموعة «آلهة الأرض» ومجموعة «الدنيا بخير».
وربما تشكل حياة القاص عبد الرزاق الشيخ علي مأثرة وسفراً في الكفاح والوطنية والمعاناة. فمن خلال بعض مذكراته التي تركها، ومن رسالة ابنته (سامرة)، وكذلك المناشدة التي نشرها صديقه الشاعر كاظم السماوي للبحث عنه ومعرفة مصيره، والتي نشرها عام 1959 (صحيفة المدى، 13-11-2006)، نكتشف أنه كان عام 1942موظفاً صغيراً بدائرة إجراء بغداد، ونقل إلى وظائف أخرى، منها إلى محكمة تمييز العراق، ثم صدر أمر تعيينه في مديرية الدعاية العامة ببغداد عام 1947. وكان عبد الرزاق يواظب على إغناء تجربته الثقافية والسياسية وعشقه للغات الأجنبية، ويشاهد بعض العروض المسرحية التي كان يقدمها طلبة معهد الفنون الجميلة آنذاك، ومنها مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير، كما التحق بدورة لتعلم اللغة الفرنسية في معهد الآباء الكرمليين، حيث راح يخطط للسفر إلى فرنسا لإكمال دراسته هناك، وفعلاً سافر إلى فرنسا عن طريق بيروت، والتحق بمدرسة «الآليانس فرانسيه»، كما أمضي عامين بجامعة السوربون، لكنه بسبب نفقات الدراسة العالية لم يكن بمقدوره الاستمرار في تحقيق هذا الحلم، فعاد إلى بغداد بعد أن أمضى 3 سنوات في باريس. وعندما تلقى دعوة لحضور مؤتمر أنصار السلام في برلين عام 1951، الذي كان يرأسه البروفسور جوليو كوري، كان مسروراً بتلبيتها، حيث شارك ضمن الوفد العراقي بنشاط، وكتب عن هذه التجربة كتابه المعروف «أجراس السلام». وعند عودته إلى العراق، اعتقل وعذب، وأودع في عدد من السجون، منها سجن بغداد المركزي وسجن بعقوبة وسجن نقرة السلمان. وقد بقي في السجون آنذاك عاماً ونصف، ثم أطلق سراحه. وكان سلوكه داخل السجن مثالاً للمناضل الشجاع الأبي. ويذكر أنه رفض مصافحة مدير سجن بعقوبة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، وقال له بصوتٍ عالٍ: «أرفض بقوة مصافحة يدٍ ملطخة بعار تعذيب وقتل المناضلين الشرفاء من أبناء شعبي العظيم». وقد أدى موقفه هذا إلى إيداعه زنزانة السجن الانفرادي، وتعريضه إلى التعذيب الوحشي.
وكان اعتقاله الأخير في عام 1957، من قبل وزير الداخلية آنذاك بهجة العطية، والتحقيقات الجنائية، حيث تعرض إلى أبشع أنواع التعذيب، مما تسبب في فقدانه لعقله، ويبدو أنه نفي بعد ذلك إلى مدينة بدرة الحدودية من لواء الموت على الحدود الإيرانية، وأطلق سراحه يوم 14 يوليو (تموز) 1957، لكنه لم يعد إلى بيته، وتتهم عائلته جهاز الأمن في العراق بالمسؤولية عن تغييبه واختفائه.
ويشير الشاعر العراقي الراحل كاظم السماوي إلى أنه التقى صديقه القاص عبد الرزاق الشيخ علي بعد عودته من باريس عام 1949 حاملاً كثيراً من الأحلام والتفاؤل:
«كان عائداً من باريس بشعره المسترسل وراء عنقه، وكلماته النارية المدوية، وعينيه العميقتين الكبيرتين. تحدث عن تنقله بين أحياء باريس ومتاحفها وميادينها، وإيمانه بالرسالة الاجتماعية التنويرية التي يتعين على الأدب أن يحملها: الأدب يعني الإنسان الشامخ سيد الأرض صانع الحياة. فإذا لم يكن هذا محوره، فإنه ثرثرة حانقة، وصناعة بائرة.
فالأدب دم ودموع، وجراح ونار وأشواق، وهو بعد هذا كله يهندس للغد العملاق».
لقد كان يرى أن الأدب مسؤولية كبيرة، وأن أهل القلم هم بناة الغد المشرق، وهو يفسر إلى حد كبير طبيعة المحتوى الاجتماعي والنضالي الهادف لكثير من تجاربه القصصية التي وثق فيها لحظات مهمة من حياته داخل السجون والمعتقلات، أو سجل فيها معاناة المضطهدين والفقراء في بلاده، لكنه لم يكترث بما فيه الكفاية للارتقاء بمستوى البناء السردي لقصصه، مع أنه يمتلك تجربة دراسية وتعليمية جيدة في فرنسا، وكان يتابع النتاج الأدبي العراقي والعربي والعالمي بصورة مستمرة. ويمكن القول إن عواطفه السياسية، ونظرته الآيديولوجية والإنسانية، ضغطت على الشروط الفنية للسرد القصصي، وحولته إلى رسالة اجتماعية تهدف إلى تحقيق تغيير جذري في المجتمع وفي أفكار الناس. وظلت كثير من المناشدات الحارة للكشف عن مصيره بلا إجابات شافية، ومنها المناشدة التي نشرها الشاعر كاظم السماوي عام 1959، أي بعد الثورة التي حلم بها:
«عام 1959… شارع الرشيد، أتصفح الوجوه، أسال عنه المارة، أقتحم الأبواب، أطرق الصمت على كل شفة، أتوسل الحيرة في كل عين، ووجدتني أجلس في مكتب جريدة لأكتب بتساؤل جريح: أين عبد الرزاق؟ وتحمل الجريدة ذلك التساؤل إلى عشرات من الناس البسطاء الذين أحبهم عبد الرزاق».
ولا يمكن أن ننسى ذلك النداء الحار الذي وجهته ابنة القاص الراحل، السيدة سامرة عبد الرزاق الشيخ علي، عام 1974، من على صفحات إحدى الصحف الوطنية:
«أين أبي؟ أين نصير السلم عبد الرزاق الشيخ علي؟ ومن يعرف عن مخطوطاته الأدبية شيئاً؟ إنني اليوم أرفع صوتي بنداء لكل الناس الشرفاء الطيبين، لكل من يهمه الأمر، أن يعثر على آثار مؤلف (حصاد الشوك) و(أجراس السلام) و(عباس أفندي)؛ ذلك الإنسان الذي ذهب ولَم يعد».
- ناقد عراقي



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».