برتراند رسل... أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين

50 عاماً على رحيل العالم الرياضي والفيلسوف الأخلاقي

برتراند رسل
برتراند رسل
TT

برتراند رسل... أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين

برتراند رسل
برتراند رسل

نحاول هنا تقديم لمحة عامة عن حياة برتراند رسل، وأعماله وانخراطه في معمعة الحياة السياسية لعصره. فرغم تخصصه بالرياضيات وفلسفة العلوم البعيدة جداً عن القضايا الاجتماعية والسياسية، فإن برتراند رسل لم يجلس منعزلاً في برجه العاجي -كما يفعل بعض الفلاسفة- وإنما نزل إلى الشارع، وتدخل في الأحداث الجارية. فالرجل كان ذا نزعة إنسانية عميقة، ويهمه مصير الشعوب والإنسانية ككل؛ كان أحد الضمائر الكبرى للقرن العشرين. كان يحس بآلام المعذبين والمضطهدين وكأنها آلامه. من هنا عظمة برتراند رسل وأهميته في تاريخ الفكر. نقول ذلك دون أن نهمل بالطبع ضخامة الإنجازات التي حققها في مجال فلسفة العلوم والرياضيات والفيزياء والمنطق... إلخ. فمن هو برتراند رسل يا ترى؟
لقد ولد عام 1872 في عائلة أرستقراطية إنجليزية كبيرة، ومات عام 1970 عن عمر يقارب المائة عام! وكان عالماً رياضياً وفيلسوفاً أخلاقياً من الطراز الأول. وهناك إجماع على كونه أحد كبار فلاسفة القرن العشرين. وقد ساهم في تبسيط مبادئ الفلسفة وأفكارها لكي يفهمها الجمهور الواسع العريض. ورغم أصوله الأرستقراطية وغناه، فإنه كان مناضلاً إنسانياً من أجل العدالة الاجتماعية. كما كان منخرطاً في الهموم السياسية والقضايا الكبرى ضد مصلحة الرأسمالية الغربية والقوى المهيمنة. وكان قريباً من الخط الاشتراكي ذي الاتجاه الديمقراطي، لا الشيوعي الماركسي التوتاليتاري. ومعلوم أنه شكل المحكمة الدولية «رسل - سارتر» لمحاكمة جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام. وكان ذلك بالتعاون مع الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر.
وقد تلقى جائزة نوبل عام 1950 تقديراً لمنجزاته في مجال العلوم والفلسفة، ثم بشكل أخص تقديراً لانخراطه في المجال السياسي الإنساني التحرري. وبالتالي، فقد جمع المجد من كل أطرافه: مجد العلم الرياضي الفيزيائي، ومجد الفلسفة، ومجد السياسة وخدمة البشرية. لكن لنعد إلى طفولته الأولى؛ من المعلوم أن برتراند رسل فقد أمه وأخته عام 1875، أي وهو في الثالثة من عمره، ثم فقد أباه بعد عام واحد فقط، أي وهو في الرابعة من عمره. وبالتالي، فقد كان يتيم الأب والأم، ولم يتح له أن يتعرف على والديه اللذين أنجباه، فربته جدته وعائلته الكبيرة. وكان متوحداً جداً في شبابه الأول وذا ميول انتحارية. من يصدق ذلك؟ نقول ذلك، وبخاصة عندما نعرف تطوراته اللاحقة، وكيف انقلب من النقيض إلى النقيض، وأصبح رجلاً اجتماعياً جداً منخرطاً كل الانخراط في شؤون العالم وهمومه وقضاياه. ولكن ربما كانت انطوائيته الأولى عائدة إلى أنه تربى في جو ديني قمعي يقتل الشخصية، ثم عشق الرياضيات ووقع في غرامها، كما تقع أنت في غرام امرأة حسناء فاتنة. وقال عندئذ عبارته الشهيرة: «عندما اكتشفت أقليديس، شعرت بالانخطاف والذهول، تماماً كما حصل لي عندما اكتشفت أول قصة حب في حياتي»! وفي عام 1890، دخل إلى جامعة كامبردج لدراسة الرياضيات والعلوم الأخلاقية أو الإنسانية. وفي عام 1910، نشر كتاباً مهماً تحت عنوان «مبادئ علم الرياضيات». ثم أصبح أحد كبار ممثلي الفلسفة التحليلية الإنجليزية.
وهذا يعني أنه كان يستخدم المنطق الرياضي الدقيق لتوضيح المشكلات الفلسفية وتحليلها أو تشريحها من أجل حلها. وبالتالي، فهو أحد مؤسسي علم المنطق الحديث. كما أنه الأب الشرعي للفلسفة العلمية أو التحليلية، وهي المضادة لفلسفة هيغل، ومجمل الفلسفة المثالية الألمانية القائمة على المفاهيم التجريدية العويصة الغامضة غير الدقيقة، بحسب رأيه. إنها قائمة على الشطحات الفلسفية العمومية، لا على العلم الفيزيائي أو الرياضي، بحسب زعمه. وهذه وجهة نظر يمكن الدفاع عنها ونقدها في الوقت ذاته. فلا أحد يشك في أن هيغل كان أحد عمالقة الفلسفة على مدار التاريخ، ولا يستطيع برتراند رسل أن يطيح به.
على أي حال، فلهذا السبب نجد أن الفلسفة الإنجليزية تختلف كثيراً عن الفلسفة الألمانية والفلسفة الفرنسية في آن معاً.
فهي فلسفة علمية إذا جاز التعبير، أي تابعة للعلم الفيزيائي الرياضي، وليست مستقلة بذاتها. ويبدو أن المشكلة الأساسية التي كانت تهمه هي التالية: هل يمكن للإنسان أن يتوصل إلى المعرفة اليقينية المطلقة في هذا العالم؟ أقصد المعرفة التي لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يشك فيها أو ينقضها. بمعنى آخر: هل يمكن للفلسفة أن تتوصل إلى يقينيات قطعية كيقينيات علم الفيزياء والرياضيات والعلوم التجريبية؟ ثم هناك نقطة مهمة جداً: وهي أن برتراند رسل كان يكتب مؤلفاته بلغة بسيطة واضحة قابلة للفهم. وكان يفعل ذلك عن قصد بغية نشر الفلسفة العقلانية الهادفة إلى تحقيق السلام والمحبة في شتى أرجاء المجتمع، والعالم ككل إذا أمكن. وبالتالي، فالرجل كان ذا نوايا طيبة من دون أدنى شك.
أما من حيث الانخراط السياسي، فيبدو أن برتراند رسل كان من أتباع التيار السلمي المضاد للحروب والنزعة العسكرية. ولهذا السبب فإنه وقف ضد انخراط بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكلفه ذلك غالياً لأنهم أقالوه من منصب الأستاذية في جامعة كامبردج، كما سجنوه لمدة ستة أشهر بتهمة العصيان المدني.
وفي السجن، كتب برتراند رسل كتاباً تحت عنوان «مدخل إلى فلسفة الرياضيات». وبالتالي، فإن فترة السجن كانت خصبة منتجة، ولم تذهب سدى. وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، دافع برتراند رسل عن سياسة السلام في أوروبا، ولكنه اعترف بأنه من المشروع محاربة شخص مجرم مثل هتلر. وبالتالي، فموقفه كان يشبه موقف غاندي الذي اشتهر بميله إلى السلام، واتباع سياسة اللاعنف. ولكنه أجاز محاربة هتلر لأنه لا تنفع معه أي سياسة سلمية؛ من يستطيع أن يفاوض هتلر أو «داعش»؟
وبالتالي، فبرتراند رسل لم يكن مسالماً بأي ثمن. فقد كان يعتقد أن الحرب يمكن أن تمثل ضرورة إيجابية في بعض الظروف، ولكن إذا كان بالإمكان تحاشيها فينبغي تحاشيها بأي شكل.
وفي أوائل العشرينيات من القرن الماضي، زار برتراند رسل، مع بعض أعضاء حزب العمال البريطاني، الاتحاد السوفياتي لكي يرى الشيوعية كما هي مطبقة على الأرض. وهناك التقى بلينين وتروتسكي. وبعد أن حيا الثورة البلشفية التي حررت الشعب الروسي من نير القياصرة والإقطاعيين الذين استعبدوا الفلاحين كأقنان، راح يهاجمها بعنف لأنها ديكتاتورية تضحي بالحريات الفردية. وهذا ما أزعج زملاءه الاشتراكيين الذين اتهموه بخيانة المبادئ الاشتراكية.
ولكن كيف يمكن لهذا الليبرالي الإنجليزي الأرستقراطي الحريص على حريته الشخصية أن يؤيد نظاماً شيوعياً شمولياً توتاليتارياً لا يعترف بأي حرية شخصية؟ مستحيل. ولهذا السبب انتقد التجربة الشيوعية، رغم أنه كان يتمنى أن تكون أفضل لكي تقدم بديلاً عن الأنظمة الرأسمالية التي يكرهها. مهما يكن من أمر، فإن الشيوعيين اتهموه عندئذ بأنه من عبيد البورجوازية وكلابها النابحين ضد الاشتراكية الحقيقية المطبقة في الاتحاد السوفياتي العظيم! وهذه هي طريقة الشيوعيين في الرد على خصومهم أو كل من يختلف معهم. وهكذا وجد برتراند رسل نفسه بين نارين: نار الرأسماليين، ونار الشيوعيين. ثم زار الفيلسوف الإنجليزي بعدئذ الصين عام 1921، ولم تكن قد أصبحت شيوعية بعد؛ كانت لا تزال فلاحية إقطاعية متخلفة. وعندئذ، اقتنع بميزات الغرب رغم رأسماليته ونواقصه، وعرف أنه يمثل مركز الحضارة العالمية، وقال إنه سيقدم النموذج الذي يحتذى للبشرية إذا ما اهتم بالعدالة الاجتماعية، وقلل من أنانيته ورأسماليته وحبه للربح والفائدة بشكل جشع لا يشبع. فالغرب هو وحده الذي يسيطر على العلم والتكنولوجيا والصناعة وكل وسائل التقدم. كما أنه يوفر الحريات الفردية للناس، رغم كل نواقص هذه الحرية. يضاف إلى ذلك أن حرية الفكر والتعددية السياسية، وكذلك حرية الصحافة، كلها أشياء غير متوافرة إلا في الغرب المستنير. ولكن الشيء الذي كان يكرهه برتراند رسل في الغرب هو النزعة القوموية الشوفينية والأنانية الضيقة التي أدت إلى انفجار حربين عالميتين في ظرف عشرين سنة (1914-1918) و(1939-1945). وقد أدى ذلك إلى قتل عشرات الملايين من البشر بشكل وحشي (بين قوسين، لحسن الحظ، فإن الاتحاد الأوروبي تشكل لاحقاً، وأثلج قلب برتراند رسل. لماذا؟ لأنه قضى على كل هذه النعرات القوموية الشوفينية المتعصبة التي أشعلت الحروب بين الأمم الأوروبية من إنجليزية وفرنسية وألمانية).
على أي حال، فقد كان من أتباع التيار السلمي، تيار اللاعنف في السياسة. ولهذا السبب لم يفهمه الآخرون، فأدانوه بتهمة الانهزامية والسلبية والجبن. يضاف إلى ذلك أن برتراند رسل كان ضد الأسلحة الذرية لأنها فتاكة مدمرة. وقد وقع مع ألبرت آينشتاين بياناً بهذا الخصوص، سجنوه عليه عام 1961.
وبالتالي، ففي كل مرة كان يدفع ثمن مواقفه السياسية الجريئة. وربما لهذا السبب أطلقوا عليه لقب: فولتير الإنجليزي. لماذا؟ لأن فولتير ضُرب به المثل على «المثقف المنخرط» في قضايا العصر؛ لم أقل «المثقف الملتزم» لأن هذا المصطلح فقد بريقه ومشروعيته وسقط بسقوط الشيوعية. هذا وقد نظم محكمة عالمية ضد جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الأميركي في فيتنام، كما قلنا سابقاً. وقد عابوا عليه ذلك، وقالوا له: لا يحق لك أن تنظم أي محكمة بهذا الخصوص؛ ألا تنظر إلى الخطر الشيوعي الزاحف على أوروبا؟ لماذا لا ترى إلا الخطر الأميركي الرأسمالي؟



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended