حسن ناظم لـ«الشرق الأوسط»: مهمتي العاجلة إصلاح الهيكل الإداري المهترئ للوزارة

أول وزير للثقافة العراقية خارج المحاصصة الطائفية والحزبية

د. حسن ناظم
د. حسن ناظم
TT

حسن ناظم لـ«الشرق الأوسط»: مهمتي العاجلة إصلاح الهيكل الإداري المهترئ للوزارة

د. حسن ناظم
د. حسن ناظم

استبشر المثقفون العراقيون خيرا باستيزار الدكتور حسن ناظم، الناقد والمترجم والأستاذ الجامعيّ. فهي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار وزير ثقافة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والحزبية.
عمل د. حسن ناظم في السلك الأكاديمي منذ عام 1996. فدرّس اللغة العربية وآدابها في جامعات ومعاهد عربية، وأشرف على أطروحات أكاديمية وبحوث في جامعات عربية وبعض مراكز البحوث الغربية، كما كتب مقرراً دراسياً للكلية الإسلامية للدراسات العليا وجامعة ميدلسكس في لندن. قام بتدريس الأدب الحديث والبلاغة ومواد أخرى ذات صلة باللغة العربية وآدابها. وعمل قبل اسيزاره باحثاً زائراً في جامعة جورج تاون، ومديراً لكرسي اليونيسكو في جامعة الكوفة. وكان قد أصدر عدداً من المؤلفات في اللغة والأدب، إضافة إلى ترجمته لعديد من الكتب. هنا حوار معه عن رؤيته وبرنامجه كي تكون وزارة الثقافة «وزارة للمثقفين» فعلاً، كما صرح بعد تسنمه منصبه:

> وأنتم تتسلّمون حقيبة الثقافة كأول وزير مستقل، هل ليدكم تصور كامل عن وضع الوزارة؟ هل أعددتم تصوراً عما ستكون عليه، باعتبارها ذات اختلاف بين عن بقية الوزارات من حيث التوجه والاستراتيجية وطبيعة العمل؟
- أنا ابن الوسط الأكاديمي والثقافي ومعرفتي بعمل وزارة الثقافة تمتد إلى الثمانينيات وكانت الحرب بين العراق وإيران مشتعلة. وكان للوزارة سياستها ومنهجها اللذين كرّسا للحرب ودعمها، حتى أن هناك قرارات وتوجيهات اتخذت من قبل الوزارة بنسب مئوية لدعم حظة الحرب آنذاك... بعد التغيير في 2003 كانت هناك سياسات مختلفة، لكن في هذا التاريخ كانت الوزارة قد شملها اضطراب وفوضى وفساد وغير ذلك، شأنها شأن الوزارات الأخرى منذ عهد بريمر وحتى تشكيل الحكومات المتعاقبة، في كل مرة تأتي موجة واتجاهات تلف هذه الوزارة وكوادرها وسياستها؛ ولم ينظر إليها كوزارة أساسية ومهمة، في خلق بيئة تلائم اللحظة السياسية والنظام السياسي الجديد الذي جاءت به، هذه هي المشكلة الكبرى في نظري.
في ظني أن الوزارة لم ينظر إليها على أنها عمود أساس في خلق بيئة ورأي عام ليس في العراق وحده بل يكون عابراً إلى الحاضنة العربية والحاضنة الإقليمية. ثقافة العراق ممتدة ومتواشجة مع دول الجوار الأخرى كتركيا وإيران، وإن كان الأساس فيها هي حاضنتها العربية. ومنذ لحظة تغير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق، بقيت الوزارة تعمل بشكل روتيني، وتستل قيم وأساليب النظام السابق وكأن هناك شيئاً يسري فيها لا يمكن تغييره. هناك مسلكية وروتينية بالعمل وإن كان في أنشطة مختلفة وبوجوه مختلفة. واحدة من رؤى هذه الوزارة هي محاولة تغيير الأساس الذي تعمل عليه، ليس فقط بإجراء تغييرات هنا وهناك على مستوى الهيكل الإداري، بل على أساس الرؤية التي تقوم عليها. أنا أعتقد أن أهم شيء هو أن تكون هناك برامج تؤسس لهذا التغيير الذي حصل ليكون إيجابياً كي لا تتحدر الوزارة، شأنها شأن وزارات أخرى في مقاومة هذا التغيير بطريقة أو بأخرى، وبالتالي لا يكون لها إسهام في هذا التغيير الذي حدث في العراق. أنا أعتقد أن التحديات ربما تثبط الهمم، خصوصاً أن عمر هذه الحكومة قصير، وتحديات الوضع المالي للبلد وأسعار النفط وأيضاً تداعيات جائحة كورونا. يجب أن تتم بلورة البرامج مع أولئك الذين يرغبون في الانخراط معنا سواء في العراق أو خارج العراق، وأنا أزعم أن هناك رغبة ووضعاً مريحاً من ناحية وتحديات من ناحية أخرى، وهناك رغبة إقليمية من دول الإقليم وخاصة في الخليج العربي، للتعاون مع العراق في إعادة بناء ما دُمّر بالعمليات الإرهابية.
> هل لنا أن نتعرف على أبرز نقاط برنامجك الوزاري؟
- هناك برنامج وزاري مُقر من قبل الوزارة السابقة، وهو بالمجمل فيه نقاط جيدة إذا ما تسنى تطبيقها، أنا أعتقد أن كل وزير عندما يراقب مسألة بلورة أهداف أساسية يضع في اعتباره - ما دامت هذه الحكومة التي شكلت في أزمة وبعد احتجاج واستقالة حكومة سابقة، لا تتمتع بالمدة الكاملة أو التمويل المناسب أو الظروف الطبيعية - ضرورة إجراء تكييفات لتحقيق الأهداف... يعني علينا أن نطمح أكثر مما نستطيع وإلا لن نحقق شيئاً. علينا أيضاً إعادة بناء بعض ما دمرته المجموعات الإرهابية وعلى رأسها «داعش». وهناك، كما قلت، رغبة في دول الجوار وبالأخص دول الخليج العربي لدعم وتوفير وتمويل بعض المعالم التاريخية العراقية في إعادة بنائها أو ترميمها. وأبرز شاهد على ذلك هو المنحة الإماراتية بالتعاون مع اليونيسكو، الجهة المنفذة، وبإشراف وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية لإعادة بناء جامع النوري في الموصل والمنارة الحدباء، وكنيسة الطاهرة، وكنيسة الساعة، والاهتمام بتأهيل متحف الموصل الذي دمره «داعش»، ودمر كذلك الثيران المجنحة ومعالم بارزة وأساسية اطلعت عليها في آخر زيارة قام بها السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الموصل وكنت معه مع مجموعة من الوزراء ذوي العلاقة بطبيعة هذه الزيارة.
> كيف ستتعامل مع الجهاز الإداري للوزارة، والذي يحمّل البعض منه وزر الفساد المستشري في الوزارة، هل ننتظر إعادة هيكلة الوزارة على هذا الأساس؟
- معنى أن تعيد التفكير في النظام الإداري والهيكل الإداري للوزارة هو أنك تفكر في هذه المناصب ومن يحتلها بطريقتين، بطريقة أنك تنظر لتشكيلها إلى أي مدى هو نافع؟ تطرح هذا السؤال، الذي يستدعي البحث والنقاش، وتستشير خبراء وتعقد مناقشات ثم تنتهي إلى نتيجة... مثلاً بدمج هذا التشكيل مع هذا التشكيل باستحداث تشكيل جديد ضمن الرؤية التي تمضي بها في إعادة الهيكلة ومن ثم سيؤثر هذا على تغيير في طبيعة القيادات التي تقود هذه التشكيلات. وبعد القيادات، تأتي المؤسسة نفسها... هل ستلغى أم ستثبت أو تدمج مع مؤسسة أخرى من أجل بناء هيكل إداري أكثر فعالية؟ إذن القضية ليست استهدافاً شخصياً أو استهداف قيادات لأسباب معينة إطلاقاً. المسألة تتعلق بالبنية الأساسية للوزارة وكيف يمكن أن تكون أكثر فاعلية.
أنا أعتقد بدءاً، وهذا ما شرعت به الآن، بأهمية بلورة دراسات عاجلة لإعادة التفكير بالهيكل الإداري المهترئ لوزارة الثقافة، أحياناً، ومع وجود الكوادر المختفية هنا وهناك ضمن كتلة بشرية ضخمة بالوزارة، لا تستطيع أن تعمل، لذا عليك أن تحدّد، فهناك آلاف من الموظفين الذين لا يمكن الانتفاع بهم، لكنهم بطريقة أو بأخرى موجودون. وهذه خطة من مجلس الوزراء وتوصية وتركيز من رئيس مجلس الوزراء في ترشيق الهياكل الإدارية. في وزارة الثقافة هناك (22) دائرة يعني (22) مديراً عاماً... هذا هيكل ضخم بالنسبة لوزارة هي في الحقيقة وزارتان بعد دمج وزارة الآثار والسياحة مع وزارة الثقافة. هناك كادر بشري ضخم ويصعب إدارته بطريقة نافعة هذا هو التحدي الأول، وأعتقد أنه مقترب واقعي للمشكلة... أن نعيد التفكير بهذا الهيكل العام... ونحاول ضمن القانون حذف أو استهداف تشكيل جديد في الوزارة، وهذا ما أفكر فيه مع جملة من الاستراتيجيين والعقول العراقية داخل الوطن أو خارجه أو أستعين بخبراء خارج الوزارة، فأنا ماضٍ بوضع خطة لتشكيل الهيكل الإداري وجعله أكثر فاعلية.
> أصبحت وزيراً للثقافة وهي المرة الأولى منذ 2003 التي يتم فيها الاختيار بعيداً عن المحاصصة ومعروف عنّك كونك مستقلاً، والأهم من ذلك كونك معروفاً في الوسط الثقافي كمثقف وأكاديمي لك إسهاماتك... ما مدى تأثير ذلك في صياغة برنامجك؟
- ما يتعلق بكوني قادماً من عالم الثقافة العراقية إلى الوزارة دون انتماءات حزبية هذا فيه جوانب إيجابية وجوانب تشكل تحديات، كوني مستقلاً ولا أنتمي إلى جهة حزبية هو ليس على الدوام عاملاً مساعداً ربما، أنت تحتاج إلى السياسة، فمثلاً أنا أعد جملة من القوانين التي لم تقر في البرلمان منذ 2003. وقد عقدت اجتماعاً مع مستشاري السيد رئيس مجلس الوزراء ومع مجموعة من المثقفين والمؤرخين حول ما يتعلق باليوم الوطني العراقي. نريد أن نختار يوماً بعينه، يمثل العراقيين جميعاً ويتفقون عليه ويصوّت له البرلمان بالإجماع، كيف يتم تحقيق هذا؟ يمكن تحقيقه بأن يكون هناك قبول لك ولمؤسستك ولنمط تفكيرك وقناعة أن العمل الذي يجري إنما هو لمصلحة العراقيين جميعاً، هذا سيُحسم ليس في الوزارة، ولا حتى في مجلس الوزراء، هذا ستحسمه القوى السياسية الموجودة في مجلس النواب ولذلك كون الإنسان مستقلاً أو منتمياً لا يعني شيئاً أحياناً كثيرة إذا ما تعلق الأمر بعمل مشترك مع هذه القوى السياسية الموجودة التي لها ممثلون في مجلس النواب.
> هناك ملفات الفساد التي تعاقب عليها وزيران للثقافة حتى الآن، ولم تفتح. هل سيكون الوزير د. حسن ناظم في مواجهتها. إنها تشكل تحدياً كبيراً لك،، مثل ملف الفساد في مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية، ومشروع أوبرا بغداد ومسرح الرشيد؟
- لكل مثال ظروفه وتفصيلاته، وربما من غير المجدي أن نذهب إلى تفصيلات في لقاء مثل هذا، لكني سأعطيك ما تريد. بالنسبة لملف بغداد عاصمة للثقافة ملف شائك ومعقد ولا أعتقد أنني في المدة التي قضيتها الآن أستطيع أن أحدّد مساراً بشأنه، كما أنه ليس هناك مساراً محدداً للفساد. قضايا الفساد تخص النزاهة. هذا سياق عمل. القضية ليست مرتهنة بالوزارة وبشخص الوزير أو باللجان التحقيقية. هناك عمل يُنجز وعلى جهات أخرى في الدولة وفي الحكومة أن تُفعل ما عليها ونحن لدينا قضايا كثيرة تتعلق بالفساد في هذا الملف وفي غيره مُحالة إلى النزاهة، وهنا تقف حدودنا... أن نكتشف الفساد ونشكل اللجان التحقيقية ونقضي بأن هذا الملف فيه من الأدلة ما يكفي لإحالته إلى النزاهة، والنزاهة هي الجهة التي تتكفل بالخطوة اللاحقة. هنا ينتهي دورنا، لا ينتهي نهائياً - بطبيعة الحال - لكن القرار الذي يتخذ لم يعد بين أيدينا. هذا ينطبق على كل القضايا ليس فقط في ملف مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية.
> قلت مرة إن الوزارة يجب أن تكون للمثقفين، ونعرف أن الوزارة تعاني من اللبس والإشكاليات في عملها على مختلف الصُعد، حتى وصلت إلى أنها تبدو مغربة عن طبيعة مهمتها وهي التي من المفترض أن تكون في صلب العمل الثقافي. كيف ستجد سبيلاً إلى أن تكون وزارة الثقافة في خدمة المثقفين؟
- أحياناً أنظر إلى هذا التعبير بأن الوزارة في خدمة المثقف على أنه تعبير غير دقيق، المثقفون والأكاديميون هم أيضاً يخدمون وزارة الثقافة، فهم يخدمون ثقافة العراق من خلال وزارة الثقافة. أضرب مثلاً لك على ذلك. فيما يخص اختيار العيد الوطني العراقي. عقدنا مؤتمراً عبر منصات التواصل لأكثر من ثمانية عشر مثقفاً ومؤرخاً عراقياً لندرس هذا الموضوع... كل الأسماء اللامعة من المثقفين والأكاديميين والمؤرخين العراقيين لكي نسمع آراءهم فيما يتعلق باختيار أي يوم يمثل العراقيين. المثقف الآن مدعو لخدمة بلده من خلال وزارة الثقافة. وفي المقابل هناك عمل روتيني للوزارة يتعلق بخدمة المثقفين كتوفير المنحة السنوية لاتحاد الأدباء الذي يناشد ويريد دعماً من خلال وجودنا بالحكومة، وعلينا أن نثبت هذا الحق للمثقفين، للكتاب، للشعراء... هذا العمل يأخذ مجراه الطبيعي بمعنى أن هذه المؤسسة هي ليست فقط منذورة لخدمة المثقف، كأن المثقف جالس ويحتاج إلى دعم دائم لهذه المؤسسة. هناك شيء اسمه وزارة الثقافة والسياحة والآثار، مرافق كثيرة، أفكار كثيرة، أعمال كثيرة، مشاريع كثيرة. وهنا أريد أن أشير إلى إشكالية عن المثقفين العراقيين. أنهم ليس جميعهم يؤمنون بأن هناك جدوى بالعمل مع المؤسسة الحكومية. ما زال هناك أكثر من ذلك. هناك مثقفون ينظرون إلى السلطة على أنها دنس لا يجب الاقتراب منه وهذه مشكلة عانينا منها جميعاً تتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المثقف بالسياسة وبالمؤسسة الحكومية هذه الإشكالية غير محسومة لأن العِبر والدروس التي واجهها المثقفون كانت مريرة، وبالتالي كانوا يشعرون دائماً بالتردّد، أنا نفسي دعوت كبار مثقفي العراق للعمل معاً وهم يأنفون أن يفعلوا ذلك، والمشكلة أن هناك من يرى أنك تنفخ في قِربة مثقوبة، أنا في فترة ما من حياتي تبنيت مثل هذه الرؤية عليك أن تبقى، لا أقول في البرج العاجي فهناك فاعلية للمثقف لكن ليس عبر المؤسسة الحكومية، بل عبر مبادرتك الخاصة وبقيت على هذا العمل، أتذكر مرة في لقاء تلفزيوني طرحت هذا الموضوع بوضوح ودللّت على موقف توفيق الحكيم من عبد الناصر في كتابه «عودة الوعي»، كيف أنه كان مأخوذاً بأكاذيب ومخادعات وخطب رنانة، فكان هناك سؤال مشروع في أن المثقف الفلاني حينما يعمل بمبادرته الخاصة وبميزانيته الفقيرة وإمكاناته المحدودة ما الذي سيقدمه، مقارنة بما يستطيع أن يقدمه حينما ينتمي لمؤسسة ذات تمويل وكوادر لها إمكانيات أكبر، ما انتهيت إليه أنه مهما تكن السلطة بما فيها من سلبيات في عين المثقف، هناك إمكانية مهمة للعمل والإنجاز عبر هذا بغض النظر عنه.
> أعطيت إشارة إيجابية في بداية تسنمك الوزارة وهي إعفاء مدير عام من منصبه لأسباب مشروعة تتعلق بنشره في مواقع التواصل الاجتماعي ما يحث على الكراهية... لاقى هذا الإجراء استحسان الكثير ألا تتحسب للصدام مع المرجعيات السياسية بخصوص بعض الإجراءات التي تقوم بها داخل الوزارة؟
- دعني أحسم الأمر في هذه القضية. ما حدث لهذا الإعفاء لاقى تفهماً من هذه المرجعيات التي قد يظن كثيرون أنها ستتخذ مواقف معينة... على العكس هناك تفهم لهذا العمل خاصة حينما تتضح الأمور بأنها لا تختصر بكونها مجرد إعفاء مدير عام من منصبه. ليست هذه هي المشكلة... المشكلة هي اصطدام مع الرؤية والأساس الذي تحدثت عنه قبل قليل، عن الثقافة العراقية. أنا قادم من عمل ست سنوات في كرسي اليونيسكو للحوار في جامعة الكوفة، مهمته هي رأب هذا الصدع في المجتمع العراقي. نحن ما زلنا مجتمعاً متطاحناً على صُعد كثيرة طائفية، وعرقية، ومصالحية، وغيرها، هذه الصدوع التي نرأبها عبر برامج لست سنوات في كرسي اليونيسكو هل يمكن أن يُتاح المجال لتهديدها وتدمير هذا السعي بمنشور لحظوي آني دون أن نفكر فيه أو ببعض المواقف المتخذة غير المدروسة أمام شخصية فذة في تاريخ الرياضة العراقية، ولها من المعجبين المحبين الملايين. نظرت إلى المسألة ليس باعتبارها هجوماً على شخص، بل هي هجوم على هؤلاء الملايين من المعجبين للاعب أحمد راضي، فصار هناك نوع من الأزمة المجتمعية التي خلقتها بضعة أسطر حمقاء غير محسوبة من شخص يجب أن يتحلى بسمات القيادة والكياسة وحساب الكلمات وغير ذلك، هذه هي المعضلة التي كان يجب أن تحسم.



«عيون مليئة بالأحلام»... نظرات تروي حكايات عبر الزمن

رمزية العين بطرق متنوّعة في أعمال الفنانة (إدارة المعرض)
رمزية العين بطرق متنوّعة في أعمال الفنانة (إدارة المعرض)
TT

«عيون مليئة بالأحلام»... نظرات تروي حكايات عبر الزمن

رمزية العين بطرق متنوّعة في أعمال الفنانة (إدارة المعرض)
رمزية العين بطرق متنوّعة في أعمال الفنانة (إدارة المعرض)

ظلّت العين عبر العصور أحد أكثر الرموز قدرة على حمل المعاني والإيحاءات. فهي نافذة الروح وعلامة الحضور الإنساني التي استدعت اهتمام الفنانين منذ أقدم الحضارات وحتى التجارب المُعاصرة. وفي معرضها «عيون مليئة بالأحلام» المقام في غاليري «بيكاسو» بالقاهرة، تُعبّر الفنانة المصرية لينا أسامة عن الأمل ورفاهية الحلم لدى الإنسان المعاصر، في ضوء الحنين إلى الماضي، من خلال نظرات ذات دلالات عميقة لشخوصها.

وعبر نحو 30 لوحة، تواصل لينا أسامة تقديم تجربة تجمع بين جذورها المصرية والانفتاح على العالم، مقدِّمة خطاباً بصرياً يزاوج بين الحكاية الشخصية والذاكرة الجمعية، وبين التراث المحلّي والتأثيرات الفنية المعاصرة. فعلى سبيل المثال، يظهر تأثّرها بحضارة مصر القديمة، إذ اكتسبت العين مكانة استثنائية عبر رمز «عين حورس»، المرتبط بالحماية والقوة الملكية والصحة.

استخدمت العين أداة تعبير نفسي وجمالي (الشرق الأوسط)

وقد ظهرت هذه العلامة في النقوش والتمائم والزخارف بوصفها درعاً ضدّ الشرّ ورمزاً لليقظة والنظام الكوني. كما نجد في بعض أعمالها استخدام العين أداةَ تعبير نفسي وجمالي، في استلهام واضح من الفنَّيْن اليوناني والروماني، الذي جعلها وسيلة لتجسيد الانفعال الإنساني.

في لوحات المعرض، المستمر حتى 4 مايو (أيار) المقبل، يمكن للزائر أن يقرأ من خلال نظرة العين طيفاً واسعاً من المشاعر: الغضب، الحزن، الحب، التأمل، الترقّب، أو حتى الانتظار القلق لتحقّق الحلم. وخلال ذلك، تتحوّل العين إلى جسر يكشف العالم الداخلي للشخصيات المرسومة.

تضمّ الأعمال لوحات مؤثّرة تتخذ من النظرة عنصراً أساسياً يضفي الحيوية والإنسانية على العمل، حتى تدفع المتلقّي إلى التأمُّل طويلاً. فالعين تصبح مرآة للمشاعر ووسيلة لقراءة روح الشخصية.

لينا أسامة قدَّمت تنويعات على العين (الشرق الأوسط)

تقول لينا أسامة لـ«الشرق الأوسط»: «ينجذب الفنانون إلى العيون لسبب وجيه، فهي غالباً ما ترتبط بالتركيز والحقيقة والوضوح والنور والرؤية والوعي والملاحظة والخيال والأحلام أيضاً. لذا فهي رمز مثالي للساعين إلى استحضار صور تبرز هذه المفاهيم للعقل الواعي».

على الجانب الآخر، من الواضح أنّ أسامة تشبّعت بهذا التأثير الآسر في عالم الفنّ، المعروف باسم «تأثير الموناليزا»، الذي يخلق وهماً بصرياً بأن عيون الشخصية في اللوحة، أو الصورة، تتبع المشاهد، وهو ما نجده في بعض لوحات المعرض. ويستمد هذا المصطلح من لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، إذ غالباً ما يشعر المشاهدون بأنّ عينيها تتبعانهم، وذلك بفضل الاستخدام البارع لعناصر، مثل المنظور والنسب والتظليل والإضاءة، فضلاً عن غموض التعبير.

تستحضر أجواء الحكايات الكلاسيكية (الشرق الأوسط)

وفي أعمالها الجديدة، تنطلق الفنانة من قناعة راسخة بأن العالم المتغير يحتاج دوماً إلى استعادة قوة الحلم، وإلى الإيمان بإمكانية بناء واقع أكثر إنسانية واتساعاً للأمل. ومن هذا المنطلق تأتي أعمالها بوصفها «دعوة بصرية للتأمّل في قدرة الخيال على مقاومة القسوة اليومية، وصياغة رؤى أكثر إشراقاً للمستقبل»، وفق تعبيرها.

تعكس هذه السلسلة ملامح تجربتها في التصوير التعبيري ذي النزعة الشاعرية، حيث تمزج بين مفردات الحياة المعاصرة وإشارات مستلهمة من التاريخ والذاكرة البصرية.

وتتميّز لوحاتها بحضور العنصر الإنساني، حتى في الأعمال التي تتناول الأشياء أو الحيوانات أو التكوينات التجريدية. وتقول: «أهتم أن تظل المشاعر والعلاقات الإنسانية والسرد البصري في صدارة المشهد».

ترى أنّ العالم المُتغير يحتاج إلى استعادة قوّة الحلم (الشرق الأوسط)

وتولي الفنانة اهتماماً خاصاً بعوالم النساء والفتيات، من خلال مواقف يومية وتجارب ذاتية تنعكس على سطح اللوحة في هيئة حكايات حميمة ومشحونة بالرموز. وتقول: «الشخصيات لدي لا تبدو منفصلة عن الواقع، بل تحمل أثر الذاكرة، والأسئلة الشخصية، والتحولات الاجتماعية».

وتستدعي بعض الأعمال مفردات من ثقافات ومراحل زمنية مختلفة؛ فتظهر إشارات إلى شخصيات من عالم الرسوم المتحرّكة، وزهور ذهبية تستحضر أجواء الحكايات الكلاسيكية، إلى جانب هواتف وسيارات من طرز قديمة، فضلاً عن استحضار «عنزة بيكاسو» الشهيرة، ونقوش مستلهمة من المطبوعات اليابانية التقليدية.

تكشف العين عن العالم الداخلي للشخصيات المرسومة (الشرق الأوسط)

ومع أنّ هذا المفهوم يُنسب إلى «الموناليزا»، فإنّ كثيراً من الفنانين استعانوا بتقنيات مشابهة. وفي هذا السياق، يظهر هذا المعرض كيف وظّفت لينا أسامة هذه التقنية، عمداً أو من دون قصد، لتجعل العيون نوافذ إلى أعماق روح المتلقي.

وهي عناصر تكشف عن انفتاح الفنانة على مرجعيات بصرية متنوّعة، ولا سيما بعد رحلاتها إلى الشرق الأقصى وأوروبا، التي تركت أثراً واضحاً في أعمالها الأخيرة.

وُلدت لينا أسامة في القاهرة عام 1986، وحصلت على بكالوريوس التصوير الزيتي من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 2009، كما تلقّت تدريباً فنياً في الأكاديمية الدولية للفنون بمدينة سالزبورغ النمساوية، إلى جانب اهتمامها بدراسة صناعة الأفلام وعلم المصريات، ممّا أضفى على تجربتها أبعاداً معرفية وبصرية متعدّدة.


تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
TT

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تنقّلت تيما زلزلي بين برامج تلفزيونية مختلفة، فاستهلّت مسيرتها عبر تقديم نشرات الطقس على شاشة «الجديد»، قبل أن تنتقل إلى نشرات الأخبار، ومن ثم إلى البرامج الحوارية. ومؤخراً، أطلت عبر شاشة «لنا تي في» في برنامج «المصير»، حيث استضافت شخصيات فنّية وغيرها ضمن حوارات اتّسمت بالحدّة. إلا أن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما غادرت المحطة على خلفية سوء تفاهم بين الطرفين.

وتوضح، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنّ أسلوب «القصف» في «المصير» لم يكن ينسجم مع شخصيتها. وتقول: «كنت أشعر كأنني أؤدي دوراً لا يشبهني خلال الحوارات. فطبيعتي بعيدة عن الأسلوب الحادّ في المحاورة، وأميل إلى السلاسة والحديث الهادئ». وتتابع: «قد لا أكرّر هذه التجربة، لكنني استمتعتُ بخوضها. فكلما تنوّعت تجارب المقدّم التلفزيوني، أضافت إلى رصيده المهني وخبراته».

تجد التلفزيون صاحب تاريخ طويل وعريق (صور تيما زلزلي)

وتشير إلى أنها، خلال تنقّلها من برنامج إلى آخر، لم تكن تبحث عن هوية تلفزيونية محدّدة لها. وتوضح: «التقديم التلفزيوني يستهويني، لذلك لا أربط نفسي بنوعية المادة التي أقدّمها. فأنا أحب العمل في المجال السياسي كما في الفنّي والترفيهي».

وتصف قناة «الجديد»، التي شكّلت إطلالتها الأولى، بأنها كانت بيتها الثاني. وتقول: «كانت المحطة الأساسية في حياتي المهنية، ومنها نهلت خبرة وتعرّفتُ إلى طبيعة العمل الإعلامي. هناك تكوّنت لدي صورة شاملة عن مختلف أنواع البرامج، وأصبحت قادرة على الانخراط في أي منها. ومع ذلك، لا أزال أعدُّ نفسي هاوية، وأحتاج إلى مزيد من التجارب لأصل إلى مصاف نجوم الإعلام».

مع الممثلة ورد الخال في أحد برامجها التلفزيونية (صور تيما زلزلي)

وترى أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها. وتتابع: «كنت أُضطر أحياناً في (المصير) إلى مقاطعة الضيف مهما بلغت نجوميته، وهو أمر لم يرقَ لي، لأنه لا يشبهني».

وتؤكد أن التنقّل بين المحطات لا يزعجها، موضحة: «لم أخض تغييرات كثيرة، فقناة (الجديد) شكّلت المرحلة الأهم في مسيرتي. لاحقاً انتقلت إلى قناة (لنا تي في) بهدف تنظيم وقتي والتفرّغ لتربية ابنتي. لا أسعى إلى التنقّل بذاته، لكنني لا أتردّد في خوض تجربة جديدة إذا كان العرض مناسباً».

وتصف تجربتها في تقديم نشرات الأخبار بالممتازة، مشيرة إلى أنها طوّرت لغتها العربية بمساعدة أستاذة متخصّصة، كما وسَّعت خلفيتها الثقافية والسياسية. وتقول: «كانت عليَّ متابعة الأحداث باستمرار، وإجراء بحوث، لا سيما حول الحرب اللبنانية. وعندما تولّيت هذه المهمة، واكبت حرب الجنوب عام 2024 بكلّ تفاصيلها، خصوصاً أنّ العمل تطلَّب البثّ المباشر».

ورغم تراجع نسب مشاهدة التلفزيون، ترى أنّ للمشهد بعداً مختلفاً، وتوضح: «يلجأ الناس إلى الشاشة الصغيرة في أوقات الأزمات والحروب، في حين يتّجهون إلى المنصّات الرقمية في أيام السلم. كما نفتقد اليوم برامج جاذبة تستقطب المُشاهد كما في السابق، وقد تراجعت الدراما اللبنانية التي كانت تستقطب بدورها نسب مُشاهدة عالية».

وعمّا إذا كان التلفزيون بالنسبة إليها يمثّل خياراً أكثر أماناً من المنصّات الإلكترونية، تجيب: «لو خُيّرت بين الاثنين، لاخترت التلفزيون فوراً. فلا يزال يحظى بنسبة مشاهدة كبيرة، لا سيّما لدى المغتربين اللبنانيين الذين يجدون فيه آخر صلة وصل تربطهم بوطنهم الأم. كما أنه يمتلك تاريخاً عريقاً يصعب مقارنته بالمنصّات الرقمية. صحيح أنّ هذه الأخيرة توفّر انتشاراً أوسع، لكن متعة العمل في التلفزيون لا تُضاهى. وبرأيي، لن تُقفل أبواب القنوات التلفزيونية مهما حصل، بينما يبقى مصير المنصّات مفتوحاً على المجهول، ولا نعرف ما الذي ينتظر هذه الظاهرة في المستقبل أو مدى قدرتها على الاستمرار». وتستدرك: «مع ذلك، لن يكون هذا الموقف عائقاً أمام خوضي تجربة العمل على المنصّات إذا ما توفّرت الفرصة».

ومن بين البرامج التي قدّمتها: «ألو تيما»، و«مشوار مع الحياة»، وهما من البرامج الحوارية ذات الطابع الفنّي، إذ استضافت نخبة من نجوم لبنان والعالم العربي، من بينهم جورج خباز، وعابد فهد، وراغب علامة. أمّا عن البرنامج الذي تحلم بتقديمه مستقبلاً، فتقول: «أميل إلى البرامج المشابهة لـ(ستار أكاديمي) الخاصة باكتشاف المواهب الفنّية. لطالما أعجبتني تجربة الإعلامية هيلدا خليفة، ولا أمانع خوض تجربة مماثلة. وأتمنّى عودة العصر الذهبي للتلفزيون اللبناني، الذي شهد هذا النوع من البرامج».


هل الأشباح مجرّد اهتزازات؟ دراسة تُفسّر ظاهرة «البيوت المسكونة»

حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
TT

هل الأشباح مجرّد اهتزازات؟ دراسة تُفسّر ظاهرة «البيوت المسكونة»

حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)

بيَّنت دراسة جديدة أنّ الاهتزازات المُنبعثة من الأنابيب المتهالكة وأنظمة التهوية في المباني القديمة قد تكون وراء إضفاء تأثير «البيوت المسكونة».

وأفادت بأنّ الأصوات ذات التردُّد المنخفض جداً، التي لا يستطيع البشر سماعها، لكنها قد ترفع مستويات هرمونات التوتّر في الجسم، يمكن أن تُقدّم تفسيراً علمياً للمواقع «المسكونة».

تأتي هذه الموجات، التي يقلّ تردّدها عن 20 هيرتزاً، من مصادر طبيعية مثل العواصف، أو من صنع الإنسان مثل حركة المرور، وقد تؤدّي إلى زيادة سرعة الانفعال وارتفاع مستويات هرمون «الكورتيزول». وبيّنت النتائج أنّ التعرض القصير لهذه الموجات «دون السمعية» قد يبدّل المزاج ويرفع مستويات التوتّر.

وقال رودني شمالتز، أحد مؤلفي البحث الذي نقلته «الإندبندنت» عن دورية متخصّصة في علوم السلوك العصبي: «قد يزور شخص مبنى يُعتقد أنه مسكون، فيشعر بالاضطراب من دون أن يرى أو يسمع شيئاً غير طبيعي».

ويرى الباحثون أن هذه الموجات مرجَّحة الوجود في المباني القديمة، خصوصاً في الأقبية، حيث تولّد الأنابيب وأنظمة التهوية اهتزازات منخفضة التردُّد. وأوضح شمالتز أنّ هذه الظاهرة شائعة في البيئات اليومية، قرب أنظمة التهوية وحركة المرور والآلات الصناعية، وقد تُفسَّر خطأً على أنها ظواهر خارقة.

وشملت الدراسة 36 مشاركاً جلسوا بمفردهم في غرفة مع تشغيل موسيقى هادئة أو مثيرة للقلق، فيما بثَّت مكبرات صوت مخفية موجات دون سمعية بتردُّد 18 هيرتزاً لنصفهم. وطُلب منهم تقييم مشاعرهم، مع جمع عيّنات من اللعاب قبل التجربة وبعدها.

وأظهرت النتائج ارتفاع مستويات الكورتيزول لدى المشاركين الذين تعرّضوا لهذه الموجات، إضافةً إلى شعورهم بانفعال أكبر واعتقادهم بأنّ الموسيقى أكثر حزناً، رغم عدم قدرتهم على تمييز سبب ذلك.

وأكد الباحثون أنّ البشر قد يستشعرون هذه الموجات من دون وعي مباشر بها، في حين تبقى آلية تأثيرها الدقيقة غير مفهومة تماماً. ويأمل العلماء في توسيع البحوث لدراسة آثار التعرض الطويل لها، خصوصاً أنّ ارتفاع الكورتيزول لفترات ممتدة قد يؤثر سلباً في الصحة.

وخلص الباحثون إلى أنّ ما يُفسَّر أحياناً على أنه نشاط خارق قد يكون في الواقع نتيجة اهتزازات غير مسموعة، ناتجة عن البيئة المحيطة.