رون دي سانتيس...حليف ترمب يحلم بدور أكبر

حاكم فلوريدا الذي ستلعب ولايته دوراً حاسماً في الاقتراع الرئاسي

رون دي سانتيس...حليف ترمب يحلم بدور أكبر
TT

رون دي سانتيس...حليف ترمب يحلم بدور أكبر

رون دي سانتيس...حليف ترمب يحلم بدور أكبر

بعد احتلال ولاية فلوريدا الأميركية المركز الرابع عالمياً في عدد الإصابات بفيروس «كوفيد - 19»، وتسجيلها أيضاً أرقاماً عالية من الوفيات، سُلّط الضوء عليها أخيراً مع تصاعد أهميتها في تقرير مصير المعركة الانتخابية التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنافسه جو بايدن. فالولاية باتت تُصنَّف من الولايات المتأرجحة، واستطلاعات الرأي فيها تشير إلى صعوبات حقيقية تواجه ترمب، بسبب إدارته ملف الجائحة التي سببت تداعياتها ضرراً اقتصادياً كبيراً على الولاية التي تُعتبر معقل السياحة في الولايات المتحدة.
حظي حاكم ولاية فلوريدا الأميركية الجمهوري رون دي سانتيس، خلال الأسابيع الأخيرة، باهتمام وسائل الإعلام جراء مواقفه وإجراءاته المثيرة للجدل، خصوصاً في مواجهة جائحة «كوفيد - 19».
ولاء دي سانتيس الشديد للرئيس دونالد ترمب، تعود جذوره إلى مسيرته السياسية التي بدأت قبل نحو 10 سنوات في صفوف الحزب الجمهوري. وبعد ذلك كان بين أوائل المنحازين لترمب عند ترشح الأخير للانتخابات الرئاسية عام 2015، ثم تعمَّق ولاؤه له عبر «الحروب» السياسية التي خاضها دفاعاً عن الرئيس، وصولاً إلى إصراره على رفض اتخاذ إجراءات متشددة لمواجهة انتشار الجائحة، وإسراعه في تنفيذ رغبة ترمب «بإعادة فتح الاقتصاد».

دور ترمب في صنع نجوميته
في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017 أعلن ترمب أنه سيدعم دي سانتيس إذا ترشح لمنصب حاكم ولاية فلوريدا خلفاً للحاكم السابق ريك سكوت، الذي كانت ستنتهي ولايته في يناير (كانون الثاني) 2018. ولا يسمح القانون بتجديد فترته. وعندما رشح دي سانتيس نفسه للمنصب؛ فإنه شدد على دعم ترمب، وبلغ تملقه له حدّ عرض إعلان يظهر تعليمه أطفاله كيفية «بناء الجدار» (الفاصل عن المكسيك)، وقول: «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، وإلباس أحد أطفاله اللون الأحمر (لون الحزب الجمهوري) مع الشعار نفسه. وذات يوم عندما سُئل عما إذا كان بإمكانه تسمية قضية اختلف فيها مع ترمب، ردّ بأنه لم يجد مشكلة واحدة. وحقاً، كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها، 30 يوليو (تموز) 2018، أن الدعم الذي تلقته حملة دي سانتيس أظهر قدرة ترمب على صنع «ملك» في دولة ذات اتجاه جمهوري، ولكن أيضاً قدرته على توسيع قاعدة المحافظين بشكل أكبر.
ثم، عندما تفشى فيروس كوفيد - 19» في الولايات المتحدة، رفض رون دي سانتيس إصدار أمر تنفيذي يدعو مواطني ولاية فلوريدا إلى البقاء في منازلهم، «لأن إدارة الرئيس ترمب لم توصِ بذلك». ولكن، مع نهاية مارس (آذار) الماضي، مع بلوغ عدد الإصابات فيها نحو 7 آلاف حالة مؤكدة، اضطر الحاكم الشاب في 1 أبريل (نيسان) إلى إصدار أمر البقاء في المنازل لمدة 30 يوماً مع استثناء الخدمات والأنشطة الأساسية.
وفي التاسع من الشهر نفسه تعرّض لانتقادات حادة إثر تصريحه الخاطئ بأن الوفيات لم تطل مَن هم دون سن الـ25، في دفاع غير مباشر عن صور الشبان والشابات التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، وهم يحتفلون ويستجمّون على شواطئ الولاية المشهورة كوجهة سياحية. وهو ما نفته السلطات الصحية في الولاية، وبالتالي، أُجبر على الاعتراف بهذا الخطأ.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، رضخ دي سانتيس للضغوط مجدداً، وطلب تكثيف الفحوص الطبية بعد التزايد الكبير في عدد الإصابات، التي بدأت ترتفع بعد أربعة أسابيع تقريباً من بدء فلوريدا رفع الإغلاق وإعادة فتح الاقتصاد. غير لأنه، مع هذا، رفض تحميل المسؤولية لأوامر فتح الولاية، زاعماً أن «ارتفاع الإصابات مرده لزيادة عدد الاختبارات واكتشاف حالات من دون اعراض للمرض، وتفشي الفيروس، خصوصاً، في السجون ومرافق قطاع الزراعة الذي يعمل فيه عمال من أميركا اللاتينية».
أيضاً، أصرّ دي سانتيس على أن لدى فلوريدا ضعفَيْ عدد الأسرة المخصّصة لمرضى الجائحة، وبالتالي لا ضغط عليها، رافضاً إعادة فرض القيود على الأنشطة التجارية والاجتماعية، بحجة أنها غير مسؤولة عن الارتفاع القياسي في عدد الإصابات. ولكن، في منتصف يونيو سجلت فلوريدا ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد الإصابات منذ بداية التفشي، فوصل عدد المصابين يوم الاثنين الماضي (بحسب إحصاءات وزارة الصحة في الولاية) أكثر من 360 ألف إصابة بما في ذلك أكثر من 5 آلاف وفاة.

خسارة فلوريدا... خسارة السباق؟
وسط هذه الأجواء، تصاعدت الانتقادات لدي سانتيس شخصياً، ولإدارة ترمب وللجمهوريين عموماً، بسبب ما اعتُبِر «سوء إدارتهم» لملف التعامل مع الجائحة، الأمر الذي يُخشى أن يتحوّل إلى أحد أبرز العوامل التي قد تساهم في خسارتهم الانتخابات الرئاسية والعامة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
إذ يؤخذ على «الولايات الجمهورية» أنها هي التي تسجل الآن (باستثناء ولاية كاليفورنيا) أعلى أرقام الإصابات، مقابل تراجعها بشكل حاد وكبير في «الولايات الديمقراطية» التي التزمت باتخاذ إجراءات مشددة لوقاية المواطنين. وراهناً، تسجل ولايات تكساس وجورجيا وأريزونا ونيفادا، مع فلوريدا وغيرها من «الولايات الجمهورية»، غالبية الإصابات الجديدة المؤكدة، ليصل عدد الإصابات في الولايات المتحدة نحو 4 ملايين ووفاة أكثر من 141 ألفاً.
ومع إصرار خبراء الصحة على أن الموجة الثانية من «كوفيد - 19»، المتوقعة في بداية الخريف (أي قبيل إجراء الانتخابات في نوفمبر المقبل) لم تضرب بعدُ، بات الجمهوريون أكثر توتراً من احتمال خسارة ولاياتهم «الحمراء» (أي الجمهورية) التقليدية، وبالأخص فلوريدا وتكساس. وهذا، مع الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تقدُّم المرشح الديمقراطي جو بايدن على الرئيس ترمب في غالبية هذه الولايات، وبالذات، في فلوريدا، بحسب استطلاع قناة «فوكس نيوز» اليمينية المحسوبة على الجمهوريين. ولذا، يعتقد خبراء الانتخابات أن خسارة فلوريدا وحدها من بين «الولايات الجمهورية»، قد تؤدي إلى خسارة ترمب السباق الرئاسي. ذلك أن هذه الولاية هي ثالث كبرى الولايات من حيث عدد السكان الإجمالي (وأيضاً من حيث حجم الجاليات اللاتينية) بعد كاليفورنيا وتكساس.

التعددية والتنوّع
والحال أن لدى فلوريدا 29 صوتاً في المجمع الانتخابي الذي يختار الرئيس. وهي تُعدّ من أكثر الولايات الأميركية تعدداً عرقياً ودينياً وسياسياً، ويمثل الأميركيون من أصول كوبية فيها أكبر جماعات الضغط، بعد احتضانها مئات آلاف المنشقين والهاربين من نظام فيديل كاسترو اليساري، الذي سيطر على الجزيرة عام 1959. ويسيطر هؤلاء على العديد من المشاريع الاقتصادية والسياحية والكازينوهات وشبكات التهريب التي تعمل في مختلف الولايات امتداداً نحو دول كاريبية ولاتينية عدة.
ثم أنه بسبب طقس فلوريدا شبه الاستوائي، تشكل الولاية أهم مركز تقاعد للعديد من الأميركيين الذين ينقلون سجّلات قيودهم إليها، حاملين معهم أموال التقاعد ومدخّرات العمر، ويتملكون فيها الشقق والمنازل والسيارات الفاخرة. ومع هؤلاء ومنهم، تحتضن ثاني أكبر جالية يهودية في البلاد بعد ولاية نيويورك، وكثيرون منهم انتقلوا إليها أيضاً للتقاعد.
وغني عن القول أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل مكان إقامته وسجله إلى فلوريدا من نيويورك، بعد خلافه السياسي والقضائي مع مسؤوليها على خلفية الدعاوى التي رُفعت ضده في قضايا الضرائب وأعمال مؤسساته وشركاته. وهو يملك فيها اليوم فنادق ومؤسسات ومنتجعاً سياحياً ضخماً يُدعى «مار دي لاغو» يمضي فيه عطلاته الأسبوعية والرسمية، حيث يمارس لعبة الغولف المفضلة لديه، ويعتمده مقراً للقاء كبار مسؤولي إدارته وعدد من الشخصيات الدولية.

بطاقة شخصية
... ولكن مَن هو دون دي سانتيس؟ فمع تمسك حاكم ولاية فلوريدا بخطابه المتشدد وولائه المطلق لترمب، سلطت الأضواء أخيراً على شخصيته ومسيرته الحزبية والسياسية، خصوصاً، وأنه يُعد من «صقور» الجمهوريين الطامحين للعب أدوار قيادية مستقبلاً بسبب صغر سنه نسبياً.
وُلد رونالد «رون» ديون دي سانتيس يوم 14 سبتمبر (أيلول) 1978 في مدينة جاكسونفيل بأقصى شمال شرقي ولاية فلوريدا. وهو كاثوليكي من أصل إيطالي، تزوج عام 2010 من الإعلامية كيسي بلاك ولهما ثلاثة أولاد ويقيمان في بالم كوست، إلى الشمال من مدينة دايتونا بيتش في شمال شرقي فلوريدا.
حصل على شهادة البكالوريوس التاريخ من جامعة ييل العريقة عام 2001. ثم تخرّج بشهادة في القانون، في كلية الحقوق بجامعة عريقة أخرى هي جامعة هارفارد، عام 2005. وعلى الأثر، عمل محامياً، كما خدم ضابطاً في البحرية الأميركية، إلى أن دخل العمل السياسي عضواً في مجلس النواب الأميركي من عام 2013 إلى 2018 عن ولاية فلوريدا. وبات حاكم فلوريدا الـ46 منذ يناير 2019. وما يُذكر أن دي سانتيس - المتحدّر أبوه من أصل إيطالي - ترشح في عام 2016 لعضوية مجلس الشيوخ، لكنه انسحب عندما أعلن السيناتور الحالي ماركو روبيو ترشحه مرة جديدة بعد انسحابه من السباق الرئاسي أمام ترمب عام 2016.
وكما سبقت الإشارة، يُعتبر دي سانتيس من أشد حلفاء الرئيس. وذاع صيته عندما حثه على وقف التمويل وإقفال ملف التحقيقات في التدخل الروسي المفترض في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2017. كما أنه وجه انتقادات قاسية للمحقق الخاص روبرت مولر داعياً للتحقيق معه، ولنائب المدعي العام في وزارة العدل رود روزنشتاين.

أصغر حاكم ولاية

في أغسطس (آب) 2018، خاض دي سانتيس معركة قاسية للفوز بمنصب حاكم فلوريدا أمام منافسه الديمقراطي الأفرو - أميركي أندرو جيلوم، عمدة مدينة تالاهاسي عاصمة الولاية، أسفرت عن فوزه بعد إعادة فرز الأصوات الآلية، ليغدو أصغر حاكم حالي لولاية أميركية في سن 41.
وبالنسبة لتاريخه العسكري، فإنه، عام 2004، بدأ تلقي علومه العسكرية في مركز الاحتياط البحري الأميركي بمدينة دالاس في ولاية تكساس، وتخرج عام 2005، عندما كان لا يزال طالباً في كلية الحقوق بجامعة هارفارد. وعام 2006، رقّي من رتبة مبتدئ إلى ملازم وعمل مع قائد فرقة العمل المشتركة مع المعتقلين في معتقل غوانتانامو بكوبا. وفي عام 2007 انضم إلى الوحدات الخاصة «نافي سيل» وخدم في مدينة الفلوجة العراقية. وهو حصل على ميدالية «النجم البرونزي» وميدالية إشادة من سلاح البحرية وميدالية «الحرب ضد الإرهاب» وميدالية «الحرب في العراق».
ولقد عاد في عام 2008 ليُعيّن مدعياً عاماً فيدرالياً في المنطقة الوسطى من فلوريدا، ثم خدم كمحامي دفاع تجريبي حتى عام 2010، حين أصبح نائباً في مجلس النواب الأميركي.
في مجال السياسة الخارجية، عارض دي سانتيس خطة الرئيس السابق باراك أوباما لإغلاق معتقل غوانتانامو، قائلاً «إن جلب الإرهابيين المتشددين إلى الأرض الأميركية يضر بالأمن القومي». وعارض استئناف العلاقات الدبلوماسية مع كوبا بحجة «إن رفع العلم الكوبي في الولايات المتحدة صفعة على وجوه أولئك الذين عانوا من وحشية نظام كاسترو»، أيضاً، عارض دي سانتيس الاتفاق النووي مع إيران، واصفاً إياه بأنه «صفقة سيئة من شأنها أن تتسبب في تدهور كبير لأمننا القومي». وتابع دي سانتيس: «الاتفاق الإيراني يمنح آية الله علي خامنئي ما يريده بالضبط: مليارات الدولارات لتخفيف العقوبات، وتحقيق البرنامج النووي الإيراني والقدرة على عرقلة عمليات التفتيش». وفي عام 2013، قدم قانون مساءلة الفلسطينيين، الذي يوقف المساعدة الأميركية للسلطة الفلسطينية حتى تعترف رسمياً بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية وتقطع جميع علاقاتها بحركة حماس.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.

عاجل التلفزيون الرسمي الإيراني يؤكد مقتل المرشد علي خامنئي