صورة الرواية العربية في المستقبل بعد {كورونا}

الأشكال والبنى الثقافية والأدبية والفنية تتغير

زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
TT

صورة الرواية العربية في المستقبل بعد {كورونا}

زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز

تمر البشرية اليوم، ونحن معها، بأزمة خطيرة، ومنعطف تاريخي كبير (سياسي ثقافي اجتماعي)، ربما يعاد فيه تشكيل العالم وفق أسسٍ جديدة. فقد اهتز العالم، واهتزت معه المجتمعات الإنسانية، أمام الرعب الذي فرضته جائحة كورونا على الناس في كل مكان، ووجدت فيه جميع الدول والمجتمعات، غنيها وفقيرها، شمالها وجنوبها، نفسها في حالة استسلام فجائعي أمام هجمة داخلية غير متوقعة من فيروس خطير يتربص بنا جميعاً في كل لحظة.
لم يكن أحد يتخيل أن النظام العالمي المعاصر، بأقطابه المتعددة، وأسلحته الجبارة، وجيوشه، ومؤسساته العلمية والطبية، يركع فجأة كاشفاً عن هشاشته أمام هجوم فيروسي لكائن متناهي الصغر.
وليست العبرة الآن فيما إذا كان هذا الهجوم بفعل فاعل امتثالاً لنظرية المؤامرة، أو أنه نتاجٌ مفاجئ لتعديل بيولوجي لكائنات بعيدة عن اهتمامنا، فقد فرض علينا هذا الفيروس المتناهي الصغر أن نهرب من الشوارع والساحات العامة وأسواق التبضع، وأن نلزم بيوتنا، ونضع الكمامات، ونرتدي القفازات، ونستهلك يومياً آلاف الأطنان من المعقمات والأدوية.
ومن هنا، ندرك أن العالم سيشهد تغيراً كبيراً في المفاهيم والقيم، وربما تلزمنا الحاجة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد أشعرنا هذا الفيروس الصغير بأننا حقاً متساوون في كل شي، تماماً مثلما نشعر بأننا، بصفتنا بشراً، متساوون أمام سلطة هذا الخوف الجديد، وأن العالم الذي كنا نقول إنه قرية صغيرة قد أصبح اليوم أسرة واحدة، وأننا جميعاً -أفراداً وحكومات ومؤسسات- نتحمل مسؤولية مشتركة لحماية الكائن الإنساني، والحفاظ على بيئته الطبيعية التي تتعرض كل يوم إلى خطر التدمير بسبب التغير المناخي، وتأثير السياسات غير العقلانية وغير الإنسانية التي تمارسها الأنظمة الرأسمالية والدول الصناعية. ويخيل لي أن إنسانية جديدة ستتخلق، فيها كثير من مقومات الإحساس بالتراحم الإنساني والتسامح، يتخلص فيها الإنسان -ربما بطريقة التطهير الأرسطي- من كثير من نوازع الكراهية والتعصب والانغلاق.
لا نريد أن نتحدث عن يوتوبيا (Utopia) بيضاء خيالية نظيفة، في مقابل مجتمعات الدستوبيا (Dystopia) السوداء الملوثة؛ إنها قد تكون مجرد تمنيات أو تبصرات، ولكن علينا في جميع الأحوال أن نتأمل، ونعيد الحساب مرات ومرات، ونستقرئ فيما يمكن للعالم أن يكون عليه بعد زوال كابوس جائحة كورونا.
وفي ظني، فإن كثيراً من الأشياء سوف تتبدل، بطريقة أو بأخرى، كما ستسقط كثير من الأوهام والخرافات والأكاذيب والأساطير والأوثان الميتافيزيقية التي عششت في أذهاننا لفترة طويلة، وهيمنت على سلوكنا، وقادتنا مثل قطيع لا حول له ولا قوة إلى المجهول. وستتغير أشياء وأشياء، ومنها الأشكال والبنى الثقافية والأدبية والفنية، وربما تخلق عَلاقة تواصلية تفاعلية بين المبدع بصفته كاتباً أو فناناً أو مفكراً منتجاً للثقافة، والقارئ أو المتلقي الذي بدأ يشعر بأنه بحاجة إلى مثل هذا التواصل.
وربما يتحول هذا الفضاء الافتراضي الجديد، بمنصاته الإلكترونية المفتوحة، الذي خلقته العزلة، إلى قناة التواصل الرئيسة على حساب العالم الورقي للكتاب والصحيفة والمجلة، التي راح فيها الملايين من الناس يصنعون منصاتهم الاجتماعية، لكي يتواصلوا ويطلوا من خلالها على العالم، وربما لإيجاد صيغة مشتركة عملية لإدارة الأزمة الحالية، وخلق غرفة عمليات إنسانية موحدة لهذا الغرض.
ويبدو لي أن الرواية الحديثة ستكون من أكثر الأجناس الثقافية والأدبية استجابة لمثل هذا التحول باتجاه ولادة رواية جديدة تنبثق من رحم التراجيديا الإنسانية، ومن قلب الفاجعة التي عشناها ونعيشها كل يوم. وقد يوظف الروائي كثيراً من عناصر الفنتازيا والغرائبية واستراتيجيات رواية الخيال العلمي والقص البوليسي، وسيكون للمخيال الشعبي حضوره المؤثر في رواية المستقبل القريب. لكن هذه الرواية بحاجة ماسة إلى مسافة زمنية يتأمل فيها الروائي ما حدث من أجل إعادة إنتاجه وتركيبه وخلقه من منظور جديد، ودون أن يسقط في نزعة سوداوية أو تعاطفية (سنتمنتالية) تحت وطأة هذه الفاجعة، ربما من خلال اللجوء إلى لون من الكوميديا السوداء والتغريب البريختي، وتجفيف المشاعر والصرخات، لكي تكون هذه الرواية شهادة فنية إبداعية صافية قادرة على أن تعيش، لا بصفتها مجرد مرثاة أو بكائيات عن خسارات كبيرة.
وهذه المسافة الزمنية ليست جديدة على الرواية، لكنها قد تكتسب بعداً جديداً بارتباطها بمفهوم التباعد الاجتماعي الذي لم تألفه مجتمعاتنا الريفية والبدوية والعشائرية بعد. وأعتقد أن ثيمات جديدة ستتكرس في الرواية، منها ثيمة التباعد الاجتماعي التي بدأنا نمارسها على الرغم عنا، وثيمة العزلة التي سبق للرواية العالمية أن تناولتها، لكنها هنا عزلة من نوع جديد عاشها البشر في كل مكان. ولا تقتصر هذه العزلة على الأنموذج الماركيزي للعزلة في رواية «مائة عام من العزلة»، أو تلك العزلة التي عاشها أبطال رواية «صحراء التتار» لدينو بوزاتي، أو تلك التي كان يمارسها معظم أبطال كافكا، بل ربما ستقفز إلى أذهاننا عبارة الناقد فرانك أو كونور في «الصوت المنفرد»، التي يرى فيها أن القصة القصيرة تعبر عن حالة التوحد والعزلة حد الاستيحاش. وقد ترتبط بثيمة العزلة ثيمة قريبة منها، وهي ثيمة الخوف بأبعادها المختلفة، كالخوف الكوني الذي تحدث عنه باختين، أو الخوف السائل الذي تحدث عنه المفكر البولوني سيغمونت باومان، وهو خوف من المجهول والموت والمرض والخرافة. وقد يضرب الخوف البنية الاجتماعية من خلال الخوف من الآخر الذي عبر عنه مرة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بمقولته الوجودية الشهيرة «الآخرون هم الجحيم»، أو مقولة هوبز بذئبية الإنسان. لكني أعتقد أن نزعة إنسانية هيومانية تقوم على مبادئ الغيرية والإيثار ستتكرس لمواجهة أي انزلاق نحو الاستذئاب البشري، والخوف المتطرف من الآخر، وهو ما نجده اليوم من إحساس مشترك بمصائر الآخرين، المتمثل بالدور الشجاع الذي تنهض به الطواقم الطبية وفرق الدفاع المدني، وهو ما يدفع إلى خلق شخصيات جديدة حاولت أن تواجه هذا الهجوم الغامض، منها شخصية الطبيب والمسعف الطبي ورجل الدفاع المدني ومرافق المريض وأفراد أسرته، من خلال التركيز على بنية مكانية مركزية، هي بنية المشفى أو المحجر.
ويخيل لي أن هذا المناخ سيعطي ضوءاً أخضر للرواية السيرية، ورواية المذكرات واليوميات، بما توفره حالة العزلة والمرض من فرصة للانتباه إلى مركزية الذات المتأملة، فلسفياً ووجودياً، في المصير البشري، وثنائية الحياة والموت، ووضع الإنسان داخل هذا الكون الغامض. وربما سيعود التركيز على توظيفات تيار الوعي والسرد السيكولوجي والمونولوج الداخلي والرواية الاعترافية. وسيكون هناك موقع متميز لعالم الطفولة والصبا والأسرة، ربما للتعويض غن غياب التواصل الإنساني بأبعاده الحسية الحميمة التي اعتاد عليها الفرد، وبشكل خاص في مجتمعاتنا الشرقية.
ومن المتوقع أن تنضج لدى الروائي العربي الأبعاد الفلسفية والتأملية لرؤيا العوالم الفائقة والافتراضية (Virtual Worlds) التي بلورها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو، وقد تندمج بمنظور رواية الخيال العلمي (Science Fiction)، بما فيها من تخييل وفنتازية وتغريب، وقد نجد عودة لنظرية العود الأبدي وتداخل الأزمنة عند نيتشه، وإعادة التأمل بكثير من القيم والمنظورات الفلسفية والصوفية والعرفانية.
لكن الشيء الأساسي الذي سيتغير هو بنية المكان التي ستركز على بنية المشفى الطبي، وما يدور داخله من علاقة تعاطفية بين المريض المصاب بالكورونا والطبيب الذي يعالجه أو الممرض الذي يرعاه، كما ستتحول بيوتنا الصغيرة وحجرات نومنا ومكتباتنا الصغيرة إلى ملاذات وبنيات مكانية فاعلة مؤثرة مولدة.
والرواية قد ترحل بعيداً إلى التاريخ البعيد أو القريب، لتستحضر تجارب مماثلة من تاريخنا لأوبئة مدمرة، مثل الطاعون أو الملاريا أو الكوليرا، وربما أوبئة أخرى مرت بمجتمعات ثانية، مثل الإنفلونزا الإسبانية والإيبولا وإنفلونزا الخنازير وغيرها. وربما سيقيم الروائي تعالقاً بين الحاضر، بما فيه من آثارٍ مدمرة لجائحة كورونا الحالية، وأوبئة الماضي، لخلقِ تواصل بين الماضي والحاضر، من خلال تأكيد دور الفعل الإنساني التفاعلي في مواجهة الموت، والانتصار عليه. ولا شك أننا نتذكر كثيراً من الأعمال الأدبية التي قدمت صوراً مؤثرة عن كثير من الأوبئة.
فلا يمكن أن ننسى مثلاً منظر وباء الطاعون في مسرحية «روميو وجوليت» لشكسبير الذي كان من الأسباب التي قادت إلى انتحار روميو وجوليت، حيث كانت العربات تمر بالحارات والشوارع والبيوت لتجمع الجثث مثلما تجمع النفايات. ولا يمكن أن ننسى رواية «الطاعون» لألبير كامو، ورواية «الموت في البندقية» لتوماس مان، ورواية «الحب في زمن الكوليرا» لماركيز، ورواية «العمى» لساراماغو التي تعرض فيها الناس إلى هجوم وباء غامض يصيب الناس بالعمى. كما لا يمكن أن ننسى قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة، التي عبرت بطريقة فنية شعرية نادرة عن تأثير وباء الكوليرا في مصر الشقيقة آنذاك؛ وغير ذلك من الأعمال الأدبية والفنية.
إن فن الرواية بصفته جنساً مفتوحاً جريئاً في قدرته على اقتحام حاجز التجنيس، وامتصاص كثير من منجزات الأجناس الأدبية الأخرى، مؤهل أكثر من غيره للتفاعل الخلاق مع الواقع الجديد، والكشف عن آفاق جديدة للكتابة السردية والروائية.
* ناقد عراقي



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.