باحث مصري في فريق «أوكسفورد»: النتائج النهائية للقاح «كورونا» في أكتوبر

سالمان قال لـ «الشرق الأوسط» إن سعر الجرعة لن يتجاوز 7 دولارات

الدكتور أحمد محمود سالمان مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات في معهد «إدوارد جينر»
الدكتور أحمد محمود سالمان مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات في معهد «إدوارد جينر»
TT

باحث مصري في فريق «أوكسفورد»: النتائج النهائية للقاح «كورونا» في أكتوبر

الدكتور أحمد محمود سالمان مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات في معهد «إدوارد جينر»
الدكتور أحمد محمود سالمان مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات في معهد «إدوارد جينر»

دخل العالم في سباق حقيقي لحصار فيروس «كورونا المستجد»، وتَرِد أنباء من أنحاء العالم كافة عن تجارب للقاحات في مضمار المواجهة، غير أن بعضها بدا أكثر تقدماً عن غيره. ويوجد حالياً 155 مجموعة بحثية تعمل على أبحاث لقاحات خاصة بفيروس «كورونا» المستجد، المسبب لمرض (كوفيد - 19)، منها 15 لقاحاً في مرحلة التجارب السريرية الأولى، و135 لا تزال قيد التجارب المعملية، وهناك ما بين 10 و11 في المرحلة الثانية من التجارب السريرية، و4 في المرحلة الثالثة، من بينها لقاح جامعة أكسفورد. كما هناك لقاح وحيد تم اعتماده بصورة مؤقتة، رغم أنه لم يخضع لتجارب المرحلة السريرية الثالثة، وهو لقاح للجيش الصيني، تم اعتماده مؤقتاً للاستخدام المحلي (للجيش الصيني فقط) بشكل طارئ.
وبينما يملك كل لقاح من اللقاحات التي أخذت مرحلة متقدمة من التجارب السريرية بعض المزايا والعيوب، فإن لقاح جامعة أكسفورد «يكاد يكون الوحيد الذي تلافى عيوب الآخرين»، كما يعتقد الدكتور المصري أحمد محمود سالمان، مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات بمعهد «إدوارد جينر» بجامعة أكسفورد وعضو فريق تطوير اللقاح، والذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أحدث تطورات البحث والتوقيتات الزمنية المتوقعة لخروج اللقاح المنتظر للعالم.
وأوضح الدكتور موضحاً أن «من أبرز عيوب اللقاحات الأخرى، هي الحاجة إلى ظروف خاصة في التخزين، وصعوبة التصنيع، وعدم تحفيزها الكامل لجهاز المناعة، وهي المشكلات التي تلافى لقاح جامعة أكسفورد حدوثها». ويقول: «على سبيل المثال فإن لقاح شركة (موديرنا) الأميركية، الذي انتهى مؤخراً من المرحلة الثانية للتجارب السريرية، له ميزة وهي استخدام تسلسل من المادة الوراثية (mRNA) مشابه لما يحتويه الفيروس الطبيعي، لكنه في المقابل تكلفة تصنيعه عالية قد تصل (200 - 300) دولار للقاح الواحد، ولا بد من تخزينه في ظروف معينة (- 80 درجة مئوية)، حتى لا يتكسر ويفقد قدراته على تحفيز جهاز المناعة، وليس من السهولة إنتاج مليارات الجرعات منه».
ويستطرد: «أما اللقاح الصيني الذي تم التصريح باستخدامه محلياً، بصورة مؤقتة للجيش الصيني فقط، بعد الانتهاء مباشرةً من تجارب المرحلة الثانية، فميزته أنه يحفّز ذراعَي جهاز المناعة والمتمثلين في إنتاج الأجسام المضادة من الخلايا البائية (B - cells)، وخلايا الذاكرة المناعية القاتلة (Cytotoxic T - cells)، أما عيبه فهو أنه يعتمد في إنتاجه على فيروس بشري من المحتمل أن يكون الشخص قد أُصيب به ولديه أجسام مضادة بالجسم تشكلت بعد الإصابة، وبالتالي فإن ذلك من شأنه أن يقلل من كفاءة اللقاح، حيث يتخلص الجهاز المناعي من غالبية اللقاح المستخدم، ويتبقى الجزء الأقل فقط من الفيروس المستخدم كلقاح، والذي يحقن المادة الوراثية الخاصة داخل الخلايا».
ويوضح سالمان أنه بخلاف هذين اللقاحين، هناك أربعة لقاحات توجد حالياً في مرحلة التجارب السريرية الثالثة، أولها لقاح أسترالي يعتمد على تطوير لقاح السل، وهذا اللقاح عليه جدل علمي كبير، لأنه لا يعطي مناعة متخصصة أو ذاكرة ضد الفيروس، لكنه يحفّز جهاز المناعة بشكل عام». أما عن اللقاحات الثلاثة الأخرى، فهناك لقاحان آخران في الصين، أحدهما ينفذه معهد ووهان لأبحاث اللقاحات، والآخر تنفذه شركة (ساينوفاك) الصينية، ولقاح جامعة أكسفورد.
ويقول سالمان: «اللقاحان الصينيان، يعتمدان على تقنية الفيروس غير النشط (المقتول)، حيث يؤخذ فيروس (كورونا المستجد) ويتم قتله سواء بالحرارة أو الإشعاع أو ماده كيميائية، ويتميز أحدهما وهو (لقاح شركة ساينوفاك) بإضافة مادة مساعدة محفزة لجهاز المناعة (adjuvant)، ومشكلة هذا النوع أنه يستخدم فيروساً مقتولاً غير قادر على إحداث العدوى، وبالتالي لا يستطيع دخول الخلايا، ويظل موجوداً خارجها في انتظار خلية مناعية تُكسّره، وتعرّضه للخلايا المنتجة للأجسام المضادة، وبالتالي فهو لا يحفز سوى ذراع واحدة فقط من المناعة بصورة أساسية، وهو إنتاج الأجسام المضادة من الخلايا البائية (B - cells)، ولا يحفز إنتاج خلايا الذاكرة المناعية (القاتلة Cytotoxic T - cells)».
ورفض سالمان ما يتردد عن أن اللقاح (من إنتاج ساينوفاك) قد تكون له فرص تسويقية، لأنه يستخدم طريقة «قديمة ومجربة»، وقال: «بالعكس؛ فنظراً لأنه يستخدم طريقة قديمة فهي بدائية، ومثل أي طريقة بدائية هناك الكثير من المشكلات به، منها أنه عندما تقتل الفيروس لاستخدامه في اللقاح، فأنت بذلك قد تفقد جزءاً من تركيبته البروتينية (الفراغية أو ثلاثية الأبعاد)، مما قد يؤثر على فعاليته في تحفيز جهاز المناعة ضد أجزاء معينة من البروتين الطبيعي في الفيروس التي تفقد تركيبها المحفز لجهاز المناعة عند قتل وتدمير الفيروس في اللقاح باستخدام الحرارة أو الإشعاع، كما أن استخدامه لفيروس (كورونا) نفسه، يجعل ظروف إنتاجه صعبة للغاية، واحتمالات العدوى للقائمين على الإنتاج قائمة، هذا فضلاً عن أن تكلفة الإنتاج عالية جداً، وهناك صعوبة في توفير كميات كبيرة من اللقاح».
وأضاف سالمان أن «لقاح جامعة أكسفورد تلافى هذه العيوب، فتكلفة إنتاجه هي الأقل، حيث لن تتعدى 7 دولارات، وهناك محاولات لتخفيض التكلفة إلى 5 دولارات. كما أنه أرخص في التخزين، حيث يمكن تخزينه ونقله في درجة حرارة الثلاجة العادية (+٤ درجة مئوية)، كما أن تقنية التصنيع أسهل، وذات قدرة إنتاجية أكبر واحتمالات العدوى غير قائمة. ومع كل هذه المزايا، فهو يحفز ذراعي جهاز المناعة، وهما الأجسام المضادة من الخلايا البائية (B - cells) وخلايا الذاكرة المناعية (القاتلة Cytotoxic T - cells)».
ويستخدم لقاح أكسفورد تقنية الناقلات الفيروسية التي يستخدمها اللقاح الصيني المعتمد للاستخدام الطارئ حالياً، ولكن مع فارق رئيسي وجوهري، وهو أنه يستخدم «الأدينو فيروس» الذي يسبب نزلات البرد الخفيفة عند الشمبانزي، بخلاف اللقاح الصيني الذي يستخدم فيروسات «الأدينو فيروس» البشرية. ويقول: «ميزة استخدام الفيروس الذي يصيب الشمبانزي أن جهاز المناعة لا يتعرف عليه، مما يساعده في الوصول إلى الخلايا المخاطية في الجهاز التنفسي، ليقوم بحقن المادة الوراثية الخاصة بفيروس (كورونا المستجد)، مما يساعد على إنتاج أجسام مضادة للفيروس، وتكوين ذاكرة مناعية».
وعن تحدي إجراء التجارب السريرية والذي قال خبراء إن الصين تعاني منه بسبب انحسار الفيروس، قال سالمان: «إننا واجهنا هذه المشكلة في بريطانيا، مع بداية التجارب في 23 أبريل (نيسان) الماضي، حيث تراجعت الإصابات، وأجرينا التجارب في البرازيل، وجنوب أفريقيا، وبعض الولايات الأميركية».
وتقوم فكرة التجارب السريرية على تقسيم مجموعة بحثية إلى فريقين: فريق يتم تطعيمه باللقاح، وفريق آخر يتم إعطاؤه لقاحاً وهمياً، ثم يتم تركهم للتعرض الطبيعي للفيروس في المجتمع، لتقصي مدى فاعلية اللقاح في توفير الحماية. ويضيف سالمان: «في تجارب على لقاحات مثل الملاريا التي يوجد لها علاج، يمكن أخلاقياً إعطاء اللقاح للمريض، ثم حقنه بالملاريا لاختبار فاعلية اللقاح. ولكن في أمراض مثل (كوفيد – 19) و(إيبولا) لا يمكننا فعل ذلك، لأنه لا يوجد لها علاج فعال تماماً».
وعندما سئل سالمان عن أسباب ثقة فريق «أكسفورد» في نجاح اللقاح، قال إن «هناك ثلاثة أسباب: الأول أن التجارب على القرود أعطت نسبة نجاح 100%، ومنعت حدوث أيٍّ من أعراض الالتهاب الرئوي. والسبب الثاني أن الفريق عمل سابقاً على لقاح لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ووصلت التجارب السريرية إلى أن 79% من المتطوعين الذين تم تطعيمهم أنتجوا أجساماً مضادة قادرة على معادلة وتدمير الفيروس. والسبب الثالث هو أن اللقاح يعمل على الجزء الخاص بالأشواك المميزة لشكل الفيروس، وهذا الجزء هو الذي يمنحه القدرة على عدوى الخلايا البشرية، ومن ثم فإن من مصلحة الفيروس ألا يتحوّر ويغيّر هذا الجزء الذي يسمح له بالارتباط بالخلايا البشرية».
ووصف سالمان ما نُشر في مقال بمجلة «فوربس» وحمل انتقادات لتجربة أكسفورد على القرود، بأنه «غير علمي على الإطلاق». وقال إن «كل ما حدث أن القرود التي تم تعريضها للفيروس بجرعات عالية جداً عن طريق حقن محلول للفيروس عالي التركيز في القصبة الهوائية والفم والأنف والعين بعد إعطائها اللقاح، قد عُثر في إفرازاتها الأنفية على المادة الوراثية للفيروس، التي تلاشت تماماً خلال أقل من أسبوع من جميع القرود بالإضافة إلى أنه لم يتم تأكيد وجود أي علامات تدل على قابلية الفيروس للتكاثر أو إحداث العدوى، ولكن كانت نتيجة التحليل سلبية للفيروس، ومن الوارد أن يكون سبب ذلك أن الفيروس التصق بالمادة المخاطية في الأنف، ولكنه غير قادر على اختراق الخلايا، وغير قادر على إحداث العدوى».
ورأى الباحث المصري أن التعاقدات التي أُبرمت بشأن لقاح أكسفورد، تكشف بوضوح عن «ثقة العالم في اللقاح، والتي ستتأكد في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل مع إعلان نتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية». ولم يستطع سالمان تحديد ما إذا كان اللقاح سيؤخذ مرة واحدة فقط أو يؤخذ بشكل موسمي، وقال: «الذين حصلوا على اللقاح في التجارب السريرية التي بدأت في أبريل لا تزال لديهم أجسام مضادة إلى الآن، وحتى نستطيع معرفة مده فاعلية اللقاح علينا الانتظار وإجراء تحليل كل فترة لمعرفة إلى أي مدى يمكن أن يستمر، وهذا أمر مهم لأن الفيروس على ما يبدو لن ينتهي وسيظل مستمراً معنا، ولكن تأكيد أو نفي هذه الفرضيات سيتضح مع مرور الوقت وإجراء المزيد من الأبحاث العلمية».
واستبعد ما يتردد عن احتمالية وصول اللقاح إلى بعض الدول العربية بنهاية العام الجاري، موضحاً أن «هذا أمر صعب للغاية وتحدٍّ كبير جداً، لأن دورة إنتاج اللقاح تأخذ من 4 إلى 6 أشهر، وهناك تعاقدات حدثت بالفعل على عدد من دورات الإنتاج التي تنتهي بنهاية العام الجاري، وتتقيد بطاقة إنتاجية وقدرة استيعابية على التخزين، وكذلك القدرة على إنتاج بعض المستلزمات الضرورية المطلوبة لإنتاج اللقاح».
والحل الوحيد الذي يراه سالمان لوصول اللقاح إلى الدول العربية بشكل أسرع هو أن «تتعاقد مع (أكسفورد) وشركة (استرازينكا) على الإنتاج لا على الشراء، لأن انتظار شراء اللقاح قد يقتضي الانتظار لفترة قد تطول إلى عام ونصف العام».


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.