ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟ (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟  (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية
TT

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟ (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟  (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

نشرنا في عدد أمس آراء عدد من الكتاب والقراء حول الصفحات الثقافية، وماذا يريدون منها، وما اقتراحاتهم لتطويرها، وهل يقرأون هذه الصفحات أساساً، ونعني هنا الصفحات الثقافية الورقية.
وفي هذه الحلقة، يتحدث عدد من الكتاب الشباب المغاربة عن المحاور نفسها، مع إشادة بالدور الذي لعبته هذه الصفحات على مدى العقود الماضية، في «تطور الحركة الأدبية العربية، وإثراءِ الحقول المعرفية بتعدُّدِيَّةٍ خِصْبَة»، مع دعوة للانفتاح أكثر على التجارب الشبابية:
طارق بكاري: فسح المجال للشباب
يميز بكاري بين المنابر الورقية والإلكترونية، ملاحظاً أنه «إذا كانت الأولى تعيش اليوم أكثر من أي وقت مضى حالة موت بطيء»، فإن الصفحات الثقافية الإلكترونية تعيش «انتعاشاً»، وذلك «انسجاماً وروح العصر».
ويبدو بكاري، الذي توج في 2016 بجائزة المغرب للكتاب في صنف «السرد» عن روايته «نوميديا» التي اختيرت، في السنة نفسها، ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وكان سنه وقتها دون الثلاثين، قاسياً في تعاطيه مع الصفحات الثقافية، وهو يستعرض تجربته الخاصة، حيث يقول: «شخصياً علاقتي بالصفحات الثقافية سيئة جداً، وأكاد لا أزورها إلا إذا نشر لي فيها حوار أو تضمنت قراءة في أحد أعمالي، كثير مما ينشر فيها اليوم إما مكرور وإما يغرد في آفاق لا تتصل بواقع كاتبها ولا واقع الثقافة».
ويقول بكاري إنه يريد من الصفحات الثقافية عموماً «أن تكون مرنة أكثر، عملية أكثر، والأهم أن تنتصر للقلم الحر، وللكتابات الحقيقية، وأن تتخلص من عقد التبعية السياسية لجهات ما، من أمراض الشللية، وأن تفسح المجال للأقلام الشابة، لأن هناك أقلاماً تستحق التشجيع».
ويطلب أيضاً من الصفحات الثقافية أن «تقرب الجمهور من الأدب»، لأن «كثيراً مما ينشر الآن»، حسب قوله، «ينفّره»، متحدثاً في هذا الصدد عن «نصوص تنشر من دون تحرير ولا مراجعة، وأخرى توغل في التنظير وتلتهم من هذه المجلة أو تلك صفحات بحالها دون أن يعتقها قارئ من جب النسيان».
محمد بشكار: هموم جيل جديد
ينطلق بشكار من وضعية المقارنة بين قيمة الصفحة الثقافية ضمن الجريدة وقيمة الشباب ضمن باقي الفئات العمرية، مشيراً إلى أنه «كما أن الصفحة الثقافية حِلْيةٌ تزْدان بِجمالها الجريدة، كذلك الشباب زينة كل الأعمار وذِرْوتها»؛ قبل أن يذكر باللحظة التي أمسك فيها بزِمام مسؤولية الصفحة الثقافية بجريدة «العلم» منذ أكثر من عقدين، حيث وجد من سبقوه من المُؤسسين الرواد، وتحديداً الأديبين عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي، قد «أوْسعوا من الأفق الثقافي لهذه الصفحة، ووسَمُوها تيمُّناً بترتيبها الأخير في الجريدة بـ(الأخيرة)، فجعلوها بهذا الاسم غير الخاضع لتجنيسٍ صحفي، أكثر انفتاحاً على أشكال إعلامية مُتعددة حتى لا تكون حكْراً على الجنس الأدبي، وما ذلك إلا لأنَّ الثقافة في سِعتها الوثيقة الصلة بأنماط الفكر والحياة، تشمل كل الممارسات الإنسانية».
ويقارن بشكار بين مرحلة شبابه وطريقة تفكير شباب اليوم، فيقول: «لكأني نسيت نفسي فانفلتتْ تتسكع بحنينها في دروب الزمن الجميل، حين كان شبابنا وهو ليس ببعيد، لا يعزف على نفْس وتر الشباب اليوم، حين كان شبابنا في حاملاته الثقافية من ورقٍ ولكنه في تعطشه للمعرفة من حديد، وأصبح اليوم في محمولاته المعرفية أو الترفيهية من معدن هاتفاً وحاسوباً، ولست أقول ما أقول تفضيلاً لجيل على جيل، فقط أنبِّه إلى أن التَّطور التكنولوجي والرقمي لم يأْتِ لإعدام الصفحات الثقافية للجرائد، ولكنه أضاف لصيغتها الورقية نُسخة إلكترونية لتواكب روح العصر من حيث السرعة، وهي تسْتجيبُ أيضاً لنداءات القارئ الذي يستهلك في كل دقيقة سيلاً عارماً من المعلومات الثقافية، ويختلف المُبحر في هذا السيل بين موثِرٍ للأعماق في اختياره للمادة المقروءة التي تفضي به لأكثر من مرجع، وبين مُكتَفٍ بالزبد فلا يستهلك إلا الفلين ليبقى طافياً على السطح!».
يربط بشكار الماضي بالحاضر بقوله: «أذكر، هنا، دون أن أفرِّق بين مرحلة شبابي وبين الذين يعيشون اليوم ميْعة الشباب في كهولتي، أنِّي كنت أتربص في كل أسبوع باليوم الذي يكتب فيه أحد الكُتاب الذي يوافق تفكيره هواي الثقافي، فأقتني الجريدة لأتوارى خلف صفحاتها عن الأنظار، كطفل يزدرد بنهم حلواه، حتى أكمل قراءة عمود هذا الكاتب الذي يصبح مع الزمن وفضول المعرفة واستكشاف الأساليب، أكثر من كاتب وكاتبة، ثمة الساخر والواقعي والفاضح، وثمة الغامض والرمزي والواضح!».
يشدد بشكار على أنه ليس من الصِّنْف الذي تعْتريه العصبيَّة لجيله، بل هو موقنٌ أنَّ «ثمة اليوم كثيراً من الشباب يكتنف نفْس هوسي لقراءة ما يُحِب، ولا يأْلو جهداً في البحث عن البضاعة الثقافية التي توافق تطلُّعاته الفكرية، وأفظع ما قد يتسبَّب في كساد بعض الصفحات الثقافية، أن تنغمس في نُخبويتها فكأنها تُخاطب عقولاً أعلى من تفكير المجتمع، أو تُضيِّق من شريحة مُخاطبيها بالتأدْلُج في لون سياسي، ذلك أن عدم الالتزام بمسافة الحِياد يجعل المادة المنشورة تصل بتوزيع الجريدة إلى كل المدن دون أنْ تصل إلى أحد!».

عبد اللطيف السخيري: العلاقة
بين الصحافة والثقافة
ينطلق السخيري، الذي توج في 2015 بجائزة القناة المغربية الثانية للإبداع في مجال الشعر، عن باكورة أعماله «تراتيل السراب وأقوال نبي الصلصال الأعمى»، من وَضْعِ الكلام عن الصفحات الثقافية في سياقه العام؛ وهو سِياقٌ قال إنه «يَحكُمه سُؤال العلاقة بين الصحافة والثقافة عُموماً، والأَدب على وجه التَّخصيص»، وإن كانت علاقة تلازُم أم تعارُض. والإجابة عن سؤال العلاقة بين الصحافة والثقافة، هي التي «تُحدِّد أَيَّ موقفٍ من الصفحات الثقافية، وآفاقِ المُتوقَّع منها»؛ مشيراً إلى أن «المفاهيم المؤسِّسة للتَّساؤل أعلاهُ هي في ذاتها إشكالية (الثقافة والأدب خاصةً). ولهذا فأي اختلاف في تحديدها، وبيان أُسُسها، وطبيعة وظائفها سيؤدي - دون ريب - إلى اختلاف المواقف، إن لم يكن إلى تضاربها».
يؤكد السخيري أنه يرى «اصطلاحَ الثقافة - بزئبقيَّته المعهودة - شاملاً للفِعلين الصحفي والأدبي. فهما معاً خادمان للثقافة، كلٌّ حسب خصائصه المائزة، وآليات اشتغاله. ولذا لن نختلف في الدور الجوهري الذي تؤديه الصحافة في (التثقيف) بما تُتيحه من تنوُّعٍ في موضوعاتها، ومن انفتاحٍ على مجالات متعددة. فقد كان ميلاد الصحافة في عصر النهضة مُؤذِناً بشيوع فعلٍ ثقافيٍّ كان حكراً على مؤسسات معينة، وبآليات محدودة نظراً لضعف انتشار الكتاب، والبدايات المتعثرة للطباعة»؛ حيث «كانت الصفحات الثقافية، والأعمدة المُخصَّصة لأقلام كبار الكُتاب والمفكرين بمثابة المشاعل التي تنير سُبُل القُراء. وغالباً ما تكون الحرائق الناجمة عن لَهَب النَّقد، والآراء المُخالِفة دواعيَ لتجديد الأسئلة، وإثراءِ الحقول المعرفية بتعدُّدِيَّةٍ خِصْبَة. ونُشير في هذا الباب إلى خصومات الرافعي وطه حسين والعقاد في مصر، ومحمد بن العباس القباج، وعبد الكريم ثابت وغيرهما في المغرب».
ويشير السخيري إلى أن «تلك العهود وَلَّتْ، أمامَ طُغيان حقول ثقافية على أخرى» من قبيل السياسة والمجتمع والرياضة وأخبار مشاهير الغناء والتمثيل، وذلك مقابل «تَراجُعِ الاهتمام بحقول الأدب، والفكر، والفنِّ الهادف البعيد عن الطابع الاستهلاكي، ومنطق البوز الذي لا منطق له إلا عدد القراء، والمشاهدات، وما ينجُم عنهما من ربح استشهاري. وهكذا وَلَّتْ الصَّفحات الثقافية في الصَّحافة المكتوبة، لأنها - في الأغلب - الأقلُّ تأثيراً من وجهة نظر تسويقية».
داخل هذه الإكراهات العامة، يرى السخيري أن أزمة الصفحات الثقافية تتفاقم بــ«خضوعها للمزاجِيَّة»، و«عدم توفر خطٍّ تحريري يُحدِّد مفهومَ الثقافة، والأهدافَ والغاياتِ البعيدة من ورائها. إذ لا يكفي أن يتمَّ إرضاءُ (دفاتر التحملات) فقط؛ بل لا بد لهذه الصفحات - من خلال المسؤولين عنها - الإجابة عن التساؤل الذي افتتحنا به حديثنا هذا، لكي يكون الخط التحريري واضحاً، له ثوابته وأعمدته الراسخة، وله متغيِّراتُه المنفتحة على الجديد من الأشكال، ومن أقلام الفكر والأدب، مع خلق أَنْوِيَةٍ للحوار بين الأجناس، والفنون، وبين الأجيال والحساسيات المختلفة، دون تحيُّزٍ أو علاقاتٍ يَطغى فيها ما هو شخصي على ما هو ثقافي فكري».
يختم السخيري بأن غياب كثير من النقط المذكورة، يبقى من بين «دواعي تراجُع الصفحات الثقافية في أداء دورها المتمثل في رَجِّ الراكد من الظواهر والأسئلة والأشكال الفنية، وفي فَتْح آفاق جديدة للممارسة الثقافية، واكتشاف الأقلام الشابة الواعدة القادرة على حمل مِشعل الإبداع والثقافة، في الآتي».



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.