ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟ (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟  (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية
TT

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟ (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

ماذا يريد الكتّاب الشباب والقراء من الصفحات الثقافية؟  (2-2) : كُتاب مغاربة: احذروا النخبوية وانفتحوا أكثر على التجارب الشبابية

نشرنا في عدد أمس آراء عدد من الكتاب والقراء حول الصفحات الثقافية، وماذا يريدون منها، وما اقتراحاتهم لتطويرها، وهل يقرأون هذه الصفحات أساساً، ونعني هنا الصفحات الثقافية الورقية.
وفي هذه الحلقة، يتحدث عدد من الكتاب الشباب المغاربة عن المحاور نفسها، مع إشادة بالدور الذي لعبته هذه الصفحات على مدى العقود الماضية، في «تطور الحركة الأدبية العربية، وإثراءِ الحقول المعرفية بتعدُّدِيَّةٍ خِصْبَة»، مع دعوة للانفتاح أكثر على التجارب الشبابية:
طارق بكاري: فسح المجال للشباب
يميز بكاري بين المنابر الورقية والإلكترونية، ملاحظاً أنه «إذا كانت الأولى تعيش اليوم أكثر من أي وقت مضى حالة موت بطيء»، فإن الصفحات الثقافية الإلكترونية تعيش «انتعاشاً»، وذلك «انسجاماً وروح العصر».
ويبدو بكاري، الذي توج في 2016 بجائزة المغرب للكتاب في صنف «السرد» عن روايته «نوميديا» التي اختيرت، في السنة نفسها، ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وكان سنه وقتها دون الثلاثين، قاسياً في تعاطيه مع الصفحات الثقافية، وهو يستعرض تجربته الخاصة، حيث يقول: «شخصياً علاقتي بالصفحات الثقافية سيئة جداً، وأكاد لا أزورها إلا إذا نشر لي فيها حوار أو تضمنت قراءة في أحد أعمالي، كثير مما ينشر فيها اليوم إما مكرور وإما يغرد في آفاق لا تتصل بواقع كاتبها ولا واقع الثقافة».
ويقول بكاري إنه يريد من الصفحات الثقافية عموماً «أن تكون مرنة أكثر، عملية أكثر، والأهم أن تنتصر للقلم الحر، وللكتابات الحقيقية، وأن تتخلص من عقد التبعية السياسية لجهات ما، من أمراض الشللية، وأن تفسح المجال للأقلام الشابة، لأن هناك أقلاماً تستحق التشجيع».
ويطلب أيضاً من الصفحات الثقافية أن «تقرب الجمهور من الأدب»، لأن «كثيراً مما ينشر الآن»، حسب قوله، «ينفّره»، متحدثاً في هذا الصدد عن «نصوص تنشر من دون تحرير ولا مراجعة، وأخرى توغل في التنظير وتلتهم من هذه المجلة أو تلك صفحات بحالها دون أن يعتقها قارئ من جب النسيان».
محمد بشكار: هموم جيل جديد
ينطلق بشكار من وضعية المقارنة بين قيمة الصفحة الثقافية ضمن الجريدة وقيمة الشباب ضمن باقي الفئات العمرية، مشيراً إلى أنه «كما أن الصفحة الثقافية حِلْيةٌ تزْدان بِجمالها الجريدة، كذلك الشباب زينة كل الأعمار وذِرْوتها»؛ قبل أن يذكر باللحظة التي أمسك فيها بزِمام مسؤولية الصفحة الثقافية بجريدة «العلم» منذ أكثر من عقدين، حيث وجد من سبقوه من المُؤسسين الرواد، وتحديداً الأديبين عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي، قد «أوْسعوا من الأفق الثقافي لهذه الصفحة، ووسَمُوها تيمُّناً بترتيبها الأخير في الجريدة بـ(الأخيرة)، فجعلوها بهذا الاسم غير الخاضع لتجنيسٍ صحفي، أكثر انفتاحاً على أشكال إعلامية مُتعددة حتى لا تكون حكْراً على الجنس الأدبي، وما ذلك إلا لأنَّ الثقافة في سِعتها الوثيقة الصلة بأنماط الفكر والحياة، تشمل كل الممارسات الإنسانية».
ويقارن بشكار بين مرحلة شبابه وطريقة تفكير شباب اليوم، فيقول: «لكأني نسيت نفسي فانفلتتْ تتسكع بحنينها في دروب الزمن الجميل، حين كان شبابنا وهو ليس ببعيد، لا يعزف على نفْس وتر الشباب اليوم، حين كان شبابنا في حاملاته الثقافية من ورقٍ ولكنه في تعطشه للمعرفة من حديد، وأصبح اليوم في محمولاته المعرفية أو الترفيهية من معدن هاتفاً وحاسوباً، ولست أقول ما أقول تفضيلاً لجيل على جيل، فقط أنبِّه إلى أن التَّطور التكنولوجي والرقمي لم يأْتِ لإعدام الصفحات الثقافية للجرائد، ولكنه أضاف لصيغتها الورقية نُسخة إلكترونية لتواكب روح العصر من حيث السرعة، وهي تسْتجيبُ أيضاً لنداءات القارئ الذي يستهلك في كل دقيقة سيلاً عارماً من المعلومات الثقافية، ويختلف المُبحر في هذا السيل بين موثِرٍ للأعماق في اختياره للمادة المقروءة التي تفضي به لأكثر من مرجع، وبين مُكتَفٍ بالزبد فلا يستهلك إلا الفلين ليبقى طافياً على السطح!».
يربط بشكار الماضي بالحاضر بقوله: «أذكر، هنا، دون أن أفرِّق بين مرحلة شبابي وبين الذين يعيشون اليوم ميْعة الشباب في كهولتي، أنِّي كنت أتربص في كل أسبوع باليوم الذي يكتب فيه أحد الكُتاب الذي يوافق تفكيره هواي الثقافي، فأقتني الجريدة لأتوارى خلف صفحاتها عن الأنظار، كطفل يزدرد بنهم حلواه، حتى أكمل قراءة عمود هذا الكاتب الذي يصبح مع الزمن وفضول المعرفة واستكشاف الأساليب، أكثر من كاتب وكاتبة، ثمة الساخر والواقعي والفاضح، وثمة الغامض والرمزي والواضح!».
يشدد بشكار على أنه ليس من الصِّنْف الذي تعْتريه العصبيَّة لجيله، بل هو موقنٌ أنَّ «ثمة اليوم كثيراً من الشباب يكتنف نفْس هوسي لقراءة ما يُحِب، ولا يأْلو جهداً في البحث عن البضاعة الثقافية التي توافق تطلُّعاته الفكرية، وأفظع ما قد يتسبَّب في كساد بعض الصفحات الثقافية، أن تنغمس في نُخبويتها فكأنها تُخاطب عقولاً أعلى من تفكير المجتمع، أو تُضيِّق من شريحة مُخاطبيها بالتأدْلُج في لون سياسي، ذلك أن عدم الالتزام بمسافة الحِياد يجعل المادة المنشورة تصل بتوزيع الجريدة إلى كل المدن دون أنْ تصل إلى أحد!».

عبد اللطيف السخيري: العلاقة
بين الصحافة والثقافة
ينطلق السخيري، الذي توج في 2015 بجائزة القناة المغربية الثانية للإبداع في مجال الشعر، عن باكورة أعماله «تراتيل السراب وأقوال نبي الصلصال الأعمى»، من وَضْعِ الكلام عن الصفحات الثقافية في سياقه العام؛ وهو سِياقٌ قال إنه «يَحكُمه سُؤال العلاقة بين الصحافة والثقافة عُموماً، والأَدب على وجه التَّخصيص»، وإن كانت علاقة تلازُم أم تعارُض. والإجابة عن سؤال العلاقة بين الصحافة والثقافة، هي التي «تُحدِّد أَيَّ موقفٍ من الصفحات الثقافية، وآفاقِ المُتوقَّع منها»؛ مشيراً إلى أن «المفاهيم المؤسِّسة للتَّساؤل أعلاهُ هي في ذاتها إشكالية (الثقافة والأدب خاصةً). ولهذا فأي اختلاف في تحديدها، وبيان أُسُسها، وطبيعة وظائفها سيؤدي - دون ريب - إلى اختلاف المواقف، إن لم يكن إلى تضاربها».
يؤكد السخيري أنه يرى «اصطلاحَ الثقافة - بزئبقيَّته المعهودة - شاملاً للفِعلين الصحفي والأدبي. فهما معاً خادمان للثقافة، كلٌّ حسب خصائصه المائزة، وآليات اشتغاله. ولذا لن نختلف في الدور الجوهري الذي تؤديه الصحافة في (التثقيف) بما تُتيحه من تنوُّعٍ في موضوعاتها، ومن انفتاحٍ على مجالات متعددة. فقد كان ميلاد الصحافة في عصر النهضة مُؤذِناً بشيوع فعلٍ ثقافيٍّ كان حكراً على مؤسسات معينة، وبآليات محدودة نظراً لضعف انتشار الكتاب، والبدايات المتعثرة للطباعة»؛ حيث «كانت الصفحات الثقافية، والأعمدة المُخصَّصة لأقلام كبار الكُتاب والمفكرين بمثابة المشاعل التي تنير سُبُل القُراء. وغالباً ما تكون الحرائق الناجمة عن لَهَب النَّقد، والآراء المُخالِفة دواعيَ لتجديد الأسئلة، وإثراءِ الحقول المعرفية بتعدُّدِيَّةٍ خِصْبَة. ونُشير في هذا الباب إلى خصومات الرافعي وطه حسين والعقاد في مصر، ومحمد بن العباس القباج، وعبد الكريم ثابت وغيرهما في المغرب».
ويشير السخيري إلى أن «تلك العهود وَلَّتْ، أمامَ طُغيان حقول ثقافية على أخرى» من قبيل السياسة والمجتمع والرياضة وأخبار مشاهير الغناء والتمثيل، وذلك مقابل «تَراجُعِ الاهتمام بحقول الأدب، والفكر، والفنِّ الهادف البعيد عن الطابع الاستهلاكي، ومنطق البوز الذي لا منطق له إلا عدد القراء، والمشاهدات، وما ينجُم عنهما من ربح استشهاري. وهكذا وَلَّتْ الصَّفحات الثقافية في الصَّحافة المكتوبة، لأنها - في الأغلب - الأقلُّ تأثيراً من وجهة نظر تسويقية».
داخل هذه الإكراهات العامة، يرى السخيري أن أزمة الصفحات الثقافية تتفاقم بــ«خضوعها للمزاجِيَّة»، و«عدم توفر خطٍّ تحريري يُحدِّد مفهومَ الثقافة، والأهدافَ والغاياتِ البعيدة من ورائها. إذ لا يكفي أن يتمَّ إرضاءُ (دفاتر التحملات) فقط؛ بل لا بد لهذه الصفحات - من خلال المسؤولين عنها - الإجابة عن التساؤل الذي افتتحنا به حديثنا هذا، لكي يكون الخط التحريري واضحاً، له ثوابته وأعمدته الراسخة، وله متغيِّراتُه المنفتحة على الجديد من الأشكال، ومن أقلام الفكر والأدب، مع خلق أَنْوِيَةٍ للحوار بين الأجناس، والفنون، وبين الأجيال والحساسيات المختلفة، دون تحيُّزٍ أو علاقاتٍ يَطغى فيها ما هو شخصي على ما هو ثقافي فكري».
يختم السخيري بأن غياب كثير من النقط المذكورة، يبقى من بين «دواعي تراجُع الصفحات الثقافية في أداء دورها المتمثل في رَجِّ الراكد من الظواهر والأسئلة والأشكال الفنية، وفي فَتْح آفاق جديدة للممارسة الثقافية، واكتشاف الأقلام الشابة الواعدة القادرة على حمل مِشعل الإبداع والثقافة، في الآتي».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.