«لقاحات كورونا»... بين الترحيب والتحذير

تجارب «مودرنا» تدخل مراحلها النهائية هذا الشهر

طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
TT

«لقاحات كورونا»... بين الترحيب والتحذير

طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)

في الوقت الذي تعيد دول عبر العالم فرض إجراءات عزل على مناطق شهدت عودة تفشي وباء «كوفيد - 19»، أحيا تقدم في تجارب لقاح ضد الفيروس الأمل في الحرب المستمرة منذ أشهر ضد هذا العدو غير المرئي. وفيما أعلنت شركة مودرنا الأميركية إحرازها تقدماً ملموساً في التجارب السريرية، حذّر علماء من الإفراط في الأمل، ودعوا إلى ضرورة انتظار نتائج التجارب كاملة، فيما لفت آخرون إلى أن تحديات جديدة تظهر بالتزامن مع دراسة طبيعة فيروس «كوفيد - 19» وتأثيره على الاستجابة المناعية.

- نتائج مشجعة
أعلنت شركة مودرنا الأميركية لصناعة الأدوية، مساء الثلاثاء، أن التجارب السريرية للقاحها لوباء «كوفيد - 19» ستدخل المرحلة النهائية في 27 يوليو (تموز) الحالي، سعياً لمعرفة فعالية هذا اللقاح في حماية الناس من الإصابة. وجاء الإعلان بالتزامن مع نشر نتائج تجارب سابقة أجريت للتثبت من أن اللقاح آمن، ويحفز إنتاج الأجسام المضادة، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وستُجرى التجارب السريرية في هذه المرحلة الثالثة والنهائية على 30 ألف متطوّع في الولايات المتحدة، سيتلقّى نصفهم جرعات تبلغ الواحدة منها 100 ميكروغرام من اللقاح، فيما سيتلقّى النصف الآخر دواءً وهمياً.
وسيتابع الباحثون هؤلاء الأشخاص على مدى سنتين لمعرفة ما إذا كان اللقاح آمناً وفعّالاً في منع الإصابة بفيروس «سارس - كوف - 2» المسبب لـ«كوفيد - 19».
كذلك، فإنه في حالة الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا بالمرض رغم تلقيهم للقاح، فإن الدراسة ترمي لمعرفة ما إذا كان اللقاح يمكن أن يحول دون ظهور أعراض المرض على هؤلاء المصابين. وحتى إن ظهرت أعراض على أشخاص تم تلقيحهم، فإن هذا اللقاح يمكن أن يعتبر نجاحاً إذا ما منع ظهور إصابات خطيرة بـ«كوفيد - 19». ومن المفترض أن تستمر الدارسة حتى 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2022. لكن يرتقب صدور نتائج أولية قبل هذا الموعد بفترة طويلة.
جاء الإعلان بعد وقت قصير على نشر مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين» الطبية، نتائج المرحلة الأولى من التجارب السريرية على لقاح «مودرنا»، والتي أظهرت أن أول المشاركين في التجارب، وعددهم 45 شخصاً، ظهرت لديهم أجسام مضادة للفيروس. وتعد شركة مودرنا في طليعة السباق العالمي من أجل التوصل للقاح مضاد للوباء الذي أصاب حتى اليوم أكثر من 13 مليون ونصف مليون شخص في العالم، وأوقع أكثر من 570 ألف وفاة.
ويحذر العلماء من أن اللقاحات الأولى التي ستطرح في الأسواق لن تكون بالضرورة الأكثر فاعلية. وكانت شركة مودرنا قد نشرت في مايو (أيار) «معطيات مؤقتة» في المرحلة الأولى من التجارب السريرية، واعتبر خبير الأمراض المعدية أنتوني فاوتشي النتائج الأولى «مشجعة». وفاوتشي مدير المعهد الأميركي للحساسية والأمراض المعدية الذي يشارك في تطوير اللقاح. لكن بعض الخبراء في مجتمع العلوم قالوا إنهم لن يطلقوا أحكامهم قبل معرفة النتائج الكاملة ومراجعتها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وتقوم تكنولوجيا شركة «مودرنا» القائمة على جهاز الحمض النووي الريبي، على إعطاء الجسم المعلومات الجينية لإطلاق وقاية استباقية من فيروس كورونا المستجد.
وميزة هذه التكنولوجيا هي أنها لا تحتاج لتصنيع بروتينات فيروسية في المختبر. ولم تحصل أي لقاحات قائمة على هذه التكنولوجيا على موافقة من هيئة تنظيمية. وجاءت بحوث سابقة اعتمدت هذه التكنولوجيا بنتائج عكسية، إذ جعلت المتلقين أكثر، وليس أقل، عرضة للإصابة بالعدوى، وفق ما صرح أستاذ العلوم الطبية الحيوية في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال إن «أحد الأمور التي نريد بالتأكيد التنبه لها، هي معرفة ما إن كان هناك تأثير طويل الأمد يمكن الاستجابة المناعية... من تطوير مناعة تضرّ بالحماية».

- تجارب أولية للقاح روسي
من جهتها، أعلنت روسيا أمس أنها أكملت التجارب السريرية الأولى للقاح تجريبي ضد فيروس كورونا المستجد اختُبر على البشر، على أن تُنجز بالكامل بحلول نهاية يوليو. وأجرت هذه التجارب وزارة الدفاع الروسية ومركز «نيكولاي غاماليا» للأبحاث في علم الأوبئة والأحياء الدقيقة، وقد بدأت في منتصف يونيو (حزيران) في مستشفى عسكري مرموق في موسكو على مجموعة من المتطوعين تتألف بشكل رئيسي من جنود روس، ومن مدنيين. وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان أمس، إن المجموعة الأولى التي تضم 18 متطوعاً «أنهت مشاركتها وغادرت المستشفى». وكان الهدف الرئيسي للتجربة على هذه المجموعة هو التحقق من سلامة اللقاح وتحمل جسم الإنسان لمكوناته، وفقاً للمصدر نفسه. وقد أمضى المتطوعون 4 أسابيع في المستشفى بعد تلقيهم اللقاح في 18 يونيو حيث خضعوا لفحوصات يومية.
وذكر البيان الصحافي أنه خلال هذه الفترة ظلت وظائفهم الحيوية «في حدود المعدل الطبيعي»، دون «تسجيل أي آثار أو مضاعفات خطيرة غير مرغوب فيها». وقالت سفيتلانا فولتشيخينا، الطبيبة المشاركة في إدارة التجارب، في مقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع، إن «مناعتهم جيدة، والأجسام المضادة تتكون في جسمهم ولديهم حماية من الفيروس».
من جهته، قال الجندي يوري الذي شارك في الاختبارات في مقطع الفيديو: «نعرف الآن أننا محميون بنسبة 100 في المائة ولا نخشى الخروج من هنا». وقال البيان إن مجموعة ثانية من المتطوعين تضم 20 شخصاً تلقوا اللقاح التجريبي يوم 23 يونيو، هم حالياً في العزل في المستشفى تحت إشراف طبي. وأضاف أنه من المتوقع أن تكتمل هذه التجربة السريرية على اللقاح بحلول نهاية يوليو.

- ترحيب حذر
نقل تقرير من مجلة «هارفرد بيزنس ريفيو» عن رئيس شركة «ميرك» للأدوية قوله إنه لا توجد ضمانات بأن لقاحات مرض «كوفيد - 19» التي يجري تطويرها ستكون فعالة، وأن من يُقدرون أن لقاحاً سيكون جاهزاً قبل نهاية العام يُلحقون «أذى خطيراً بالرأي العام». وقال الرئيس التنفيذي كينيث فرايزر، في مقابلة نشرت الاثنين، إن اللقاحات المحتملة قد لا تحتوي على الخصائص اللازمة لتوزيعها بسرعة بين أعداد كبيرة من الناس. وقال: «إذا كنت ستوفر لقاحاً لمليارات الأشخاص، فمن الأفضل أن تكون على دراية بما يفعله هذا اللقاح»، كما نقلت عنه وكالة رويترز.
وذكر مسؤول أميركي، الاثنين، أن شركات الأدوية التي دخلت في شراكة مع الحكومة الأميركية تسير على الطريق الصحيح لبدء تصنيع لقاح «كوفيد - 19» بنشاط بحلول نهاية الصيف، حسبما أفادت «رويترز». وتهدف إدارة ترمب إلى إنتاج 300 مليون جرعة لقاح بحلول نهاية عام 2021 من خلال برنامج «وارب سبيد».

- تحديات جديدة
من جهة أخرى، قال علماء، أول من أمس (الثلاثاء)، إن الدلائل التي ظهرت مؤخراً والتي تشير إلى أن الاستجابة المناعية في جسم الإنسان ضد مرض «كوفيد - 19» قد تكون قصيرة الأجل، تطرح تحديات جديدة على مطوري اللقاحات في التوصل لجرعات وقائية تكون قادرة بشكل كامل على حماية الناس. وخلصت دراسات أولية أجريت في الصين وألمانيا وبريطانيا إلى أن المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد يطورون أجساماً وقائية مضادة للفيروس، كجزء من النظام الدفاعي لجهاز المناعة في الجسم، لكن يبدو أن تلك الأجسام لا تظل فعالة سوى بضعة أشهر فقط.
وقال دانييل ألتمان، أستاذ علم المناعة من جامعة «إمبريال كوليدج لندن»، إن «معظم الناس يطورون الأجسام المضادة، إلا أن تأثيرها في الغالب يخبو سريعاً، ما يشير إلى أنه قد لا تكون هناك مناعة تذكر»، وفق وكالة رويترز.
ويقول الخبراء إن ذلك يثير مشكلات كبرى أمام مطوري اللقاحات المحتملة لعلاج «كوفيد - 19»، وأمام سلطات الصحة العامة كذلك ممن يسعون لنشر تلك اللقاحات لحماية رعاياهم من موجات تفشي الوباء في المستقبل. وقال ستيفن غريفين، أستاذ الطب المساعد في جامعة ليدز: «لا يعني ذلك أن الاعتماد الزائد على لقاح (لكبح جماح الوباء) هو أمر غير حكيم». وتابع أنه لكي تكون اللقاحات فعالة في الحقيقة، فإن هناك خيارين «إما الحاجة لتطوير حماية أكثر قوة وأطول أمداً... أو أن يجري الحصول على اللقاح بانتظام».
وتسعى أكثر من 100 شركة وفريق بحثي حول العالم لتطوير لقاحات لمواجهة مرض «كوفيد - 19»، من بينها 17 لقاحاً على الأقل تجري تجربتها حالياً على البشر لاختبار فعاليتها.
وفي تجارب قبل السريرية على الخنازير لرصد تأثير لقاح طوّرته شركة صناعة الأدوية «أسترازينيكا»، بالتعاون مع جامعة «أوكسفورد» لعلاج «كوفيد - 19»، تبين أن جرعتين من اللقاح أسهمتا في استجابة الأجسام المضادة بشكل أفضل من جرعة واحدة. لكن حتى الآن ليست هناك بيانات سجّلتها أي تجارب للقاحات على البشر تظهر ما إذا ما كانت أي استجابة مناعية للأجسام المضادة ستكون قوية أو طويلة الأمد بالقدر الكافي.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended