حملات حوثية في صنعاء تستهدف متاجر ملابس النساء

حملات حوثية في صنعاء تستهدف متاجر ملابس النساء
TT

حملات حوثية في صنعاء تستهدف متاجر ملابس النساء

حملات حوثية في صنعاء تستهدف متاجر ملابس النساء

أفاد شهود في العاصمة اليمنية صنعاء بأن الجماعة الحوثية شنت خلال اليومين الأخيرين حملات تعسف واسعة استهدفت متاجر بيع الملابس النسائية بذريعة أنها تحاكي «الموضة الغربية» وتخالف تعليمات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي فيما يتعلق بأشكال الملابس التي سمح بارتدائها.
وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الحملات الحوثية استهدفت الأسواق والمتاجر في أحياء صنعاء القديمة وسعوان والزمر والسنينة وهائل وشارع جمال، وأسفرت عن مصادرة وإحراق المعروض من الملابس وتغريم ملاك المحلات مبالغ مالية.
وشكا ملاك متاجر بيع الملابس الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» من انتهاكات الجماعة الحوثية بحقهم في سياق سعيها للتضييق عليهم وإجبارهم على وقف أنشطتهم تحت مبررات وأفكار شبيهة بما يقوم به تنظيم «داعش» الإرهابي.
وأكد ملاك المتاجر الذين طالتهم يد النهب أن المسلحين الحوثيين وخلال حملتهم المسعورة والمفاجئة التي شنوها صادروا دون وجه حق المعروض من الملابس وأجبروهم على دفع مبالغ وصفها مسلحو الجماعة بـ«التأديبية».
وتركزت حملات التعسف الحوثية بالدرجة الأساسية على الملابس الداخلية والقصيرة والضيقة الخاصة بالنساء، إلى جانب ملابس أخرى رجالية تعدها الجماعة ضمن الموضات الحديثة التي جاءت تقليدا للمجتمعات الغربية على حد ما يزعمه قادتها.
ومع تنامي حالة السخط في أوساط اليمنيين جراء ممارسات النهب المنظم من قبل الميليشيات والتي طالت ممتلكات الناس ومصادر رزقهم وفرضت عليهم كلفة المشاركة في الحرب من أموالهم الخاصة، اتهم ملاك المتاجر الجماعة الحوثية بـ«الإرهاب» وقالوا إن «سلوكها لا يختلف كثيرا عن سلوك تنظيم (داعش) الإرهابي».
وأشاروا إلى إن حملات الاستهداف والجباية والنهب والاعتداء على الحريات الشخصية وممتلكات وأموال اليمنيين تؤكد أن تلك الجماعة عبارة عن عصابة إرهابية مجرمة وباغية ومنغلقة على نفسها. وعلى صلة بالموضوع نفسه، عبر ناشطون في صنعاء عن سخريتهم واستهجانهم من تصرفات الجماعة، ولجوئها في هذه المرحلة الحرجة للاهتمام بأمور وشكليات لا فائدة منها، وأكدوا أن ذلك يدل على تخبطها وفشلها الذريع في السيطرة على تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين بالتزامن مع ظهور أزمات متعددة خلفتها ممارساتها الخاطئة التي جاءت نتيجة انقلابها المشؤوم.
واعتبر الناشطون أن معاودة الميليشيات لمداهمة محال للملابس في صنعاء بحجة أنها «محرمة»، تعد وسيلة جديدة لسرقة أموال وممتلكات المواطنين، وتأتي ضمن مسلسل الجماعة الممنهج لاستهداف ما تبقى من القطاع التجاري في صنعاء العاصمة وبقية المدن الواقعة تحت سيطرتها.
من جانبه، أشار قيادي في حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للجماعة في صنعاء إلى أن انتهاكات الميليشيات السابقة والحالية تشبه إلى حد كبير تلك الجرائم التي تقترفها جماعة «داعش» الإرهابية في المناطق والدول التي نشطت وتنشط فيها.
وقال القيادي الحزبي الذي طلب عدم ذكر اسمه خشية بطش الجماعة لـ«الشرق الأوسط» إن من بين تلك الجرائم الحوثية المرتكبة بحق اليمنيين على سبيل المثال لا الحصر «منع الاحتفالات وإغلاق المقاهي والمطاعم بحجة الاختلاط، ومنع الأغاني، وإحراق أحزمة عباءات النساء، ومنع قصات الشعر، وإزالة الصور الدعائية الإعلانية لمستحضرات التجميل وغيرها من واجهة المحلات، واستمرار تعمد بث الجماعة لخطاب ديني متشدد ومتطرف في رياض الأطفال والمدارس والجامعات وغيرها».
وكانت تقارير محلية وأخرى دولية رصدت على مدى سنوات الانقلاب الماضية عشرات الآلاف من الانتهاكات والجرائم الوحشية التي اقترفتها الميليشيات الحوثية.
وشملت جرائم الجماعة المدعومة من إيران - بحسب التقارير الحقوقية - دهم المنازل والقتل والنهب والاختطاف والسجن والابتزاز والإغلاق للمحال التجارية، وفرض الجبايات غير القانونية، ومحاولة طمس عادات المجتمعات المحلية وفرض ثقافة الجماعة ذات الصبغة الطائفية.


مقالات ذات صلة

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

خاص اللواء الركن خالد القملي قائد «خفر السواحل اليمنية» (سبأ)

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

أكد اللواء الركن خالد القملي، قائد مصلحة خفر السواحل اليمنية، أن الهجوم الحوثي لم يوقف مهامها، وأن العمل مستمر «بشكل طبيعي» وبمعنويات عالية...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

وسع الحوثيون انتهاكاتهم بريف تعز ولحج بتفجير الطرق والعبّارات، واختطاف سكان، ونهب منازل النازحين، والاعتداء على مياه الشرب؛ مما سبب مخاوف من اتساع موجات النزوح.

وضاح الجليل (عدن)
خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)

نائبة فرنسية لـ«الشرق الأوسط»: سنواصل دعم أمن السعودية

النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

نائبة فرنسية لـ«الشرق الأوسط»: سنواصل دعم أمن السعودية

النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

أكدت النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي أن بلادها ستواصل تقديم الدعم الدفاعي للمملكة العربية السعودية، بما يشمل إرسال القوات والمعدات للإسهام في حماية بنيتها التحتية الحيوية، مشددة على أن باريس ليست طرفاً في الحرب، وأن التزامها تجاه المملكة لا يحمل أي طابع هجومي.

وفي حين كشفت عن تحركات فرنسية وأوروبية لبحث إمكانية فرض عقوبات على الحوثيين وإيران، رأت أن «بعض الحلفاء التقليديين للسعودية لم يكونوا حاضرين بالقدر المتوقع خلال الأزمة الراهنة».

وقالت لاكرافي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن فرنسا تعطي الأولوية للحوار والدبلوماسية، «بالتوازي مع حرصها على مرافقة شريكها السعودي وتعزيز قدراته الدفاعية»، موضحة أن «القوات والمعدات الفرنسية التي ترسلها باريس إلى المملكة، والتي ستواصل إرسالها، تستهدف ضمان الأمن والدفاع عن السعودية، وليس تنفيذ عمليات هجومية».

وأوضحت أن حدود الالتزام الفرنسي ترتبط أساساً بالقدرات البشرية والمادية المتاحة، مؤكدة أنه «ما دامت تتوافر لدى فرنسا الإمكانات اللازمة للإسهام في حماية البنى التحتية الحيوية؛ سواء في ينبع أو في مواقع أخرى، فإنها ستواصل تقديم هذا الدعم».

وأضافت أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يضمن استمرار هذا الالتزام، ويلتزم تنفيذ ما يعلنه.

وقالت لاكرافي إنها تجد من اللافت أن بعض الحلفاء التقليديين للمملكة العربية السعودية «ليسوا حاضرين بالقدر المتوقع في هذه الأزمة»، مشيرة في المقابل إلى أن «فرنسا أثبتت حضورها والتزامها تجاه المملكة، وهو ما تجلى خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى السعودية، التي حملت رسالة تضامن واضحة».

وشددت على أن باريس لا تكتفي بالتصريحات؛ «بل تتحرك على المستويين الدبلوماسي والعملي، من خلال المشاركة في المبادرات الرامية إلى إيجاد حلول للأزمة، ودعم عقد اجتماعات طارئة لمجلس الأمن، بالتزامن مع تقديم المعدات اللازمة لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للمملكة وحماية بنيتها التحتية الحيوية».

ورأت أن هذا الحضور يعكس طبيعة الشراكة السعودية - الفرنسية، مؤكدة أن فرنسا أثبتت أنها شريك موثوق للمملكة ودول الخليج، وأن «العلاقات السعودية - الفرنسية شهدت تطوراً ملحوظاً، ومن المتوقع أن تواصل تعزيزها، خصوصاً في المجال الأمني».

وفي قراءتها التطورات الإقليمية، حذرت النائبة الفرنسية من تداعيات شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات جديدة على إيران، عادّةً أن مثل هذا التصعيد قد يدفع طهران إلى الرد بصورة أكبر حدة على دول الجوار.

وقالت إن السؤال الذي يثير قلقها، ويشغل كثيرين، يتعلق بـ«ما ستقرره الولايات المتحدة والخطوات التي قد تتخذها واشنطن وإسرائيل خلال الأيام والأسابيع المقبلة».

وأشارت إلى «احتمال استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران دون تصعيد عسكري جديد؛ مما قد يؤدي تدريجياً إلى إضعافها اقتصادياً ودفعها إلى التراجع، مقابل احتمال آخر يتمثل في شن هجمات جديدة».

وأعربت عن اعتقادها أن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران قد تزداد وتفرض أعباء إضافية على قيادتها، فيما ترى أن فرنسا وحلفاءها في الخليج قادرون على الصمود في مواجهة التحديات الراهنة.

وبشأن تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي، أشارت إلى أنها لاحظت عودة حركة الملاحة العالمية، لا سيما ناقلات النفط، خلال الأيام الأخيرة إلى مستويات ما قبل الحرب، عادّةً أن ذلك يدفعها إلى الاعتقاد بإمكانية «تراجع الاختناقات والصعوبات الاقتصادية تدريجياً، وإن كان الأمر سيستغرق بعض الوقت».

ولم تستبعد أن «تدفع هذه التطورات مزيداً من الدول، بينها باكستان وتركيا، إلى الاضطلاع بدور أكبر في الجهود الرامية إلى تجاوز الأزمة، خصوصاً أن تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والمضائق الحيوية الأخرى تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره».

وعن مستقبل المواجهة مع الحوثيين، أقرت لاكرافي بصعوبة التنبؤ بمسار الأحداث، مؤكدة وجود جهود متواصلة على مستوى البرلمان الفرنسي والبرلمان الأوروبي والمنظمات البرلمانية الدولية «للدفع نحو حلول سلمية، وتعزيز الدبلوماسية الدولية، لا سيما من خلال الأمم المتحدة، لإدانة أعمال الحوثيين».

وأوضحت أن هذه الجهود تشمل بحث مختلف الوسائل الممكنة للضغط على الحوثيين، بما في ذلك «إمكانية فرض عقوبات تدفعهم وإيران إلى التراجع عن الممارسات التي تهدد أمن الملاحة».

وأضافت أن التحركات تشمل أيضاً تحديد الشركاء الدوليين القادرين على دعم هذه الجهود، ومن بينهم الولايات المتحدة، عادّةً أن توسيع نطاق مشاركة الدول والبرلمانات من شأنه تعزيز فرص إقناع مزيد من الشركاء بالانضمام إليها، مشيرة إلى أن التجارب أثبتت إمكانية تحقيق ذلك.

وأكدت وجود تحركات واتصالات تهدف إلى دعم السعودية وإدانة أعمال الحوثيين، في إطار جهود برلمانية ودولية مستمرة للوصول إلى تسوية سلمية ومستدامة للأزمة اليمنية.

وفي ملف الأمن البحري، شددت النائبة الفرنسية على أن «المضائق البحرية ممرات دولية مشتركة، وليست ملكاً لإيران أو الحوثيين، بل تخدم العالم بأسره، ويجب أن تظل مفتوحة أمام الملاحة الدولية، دون فرض قيود أو رسوم عبور تعرقل حرية المرور».

وأشارت إلى أن الاقتصاد العالمي «يتأثر مباشرة بالتهديدات التي تواجه هذه الممرات؛ مما يستدعي تضافر الجهود الدولية للضغط على الحوثيين ودفعهم إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى مخرج سلمي ومستدام للأزمة».

وأوضحت أن فرنسا تعمل في مجال الأمن البحري بالتعاون مع «الاتحاد الأوروبي»، و«مجلس الأمن» التابع للأمم المتحدة؛ لإيجاد حلول للأزمة، مؤكدة أن العمل المشترك، والدبلوماسية، «يظلان أساسيين لتجاوز التحديات الراهنة، رغم صعوبة الجزم بكيفية تطور الصراع».


الحوثيون ونقض العهود... سلام على الورق ومكاسب على الأرض

شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
TT

الحوثيون ونقض العهود... سلام على الورق ومكاسب على الأرض

شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)

منذ اتساع نفوذ الميليشيات الحوثية وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير، دأبت الجماعة بشكل ممنهج على التنصل من الاتفاقات والتعهدات، خلال مسار طويل لم يفضِ إلى تسوية تنهي الحرب اليمنية، رغم تعدد المبادرات والوساطات، ويرى باحثون وسياسيون أن تجربة الاتفاقات تكشف خللاً يتجاوز نصوصها إلى موازين القوة وآليات التنفيذ والضمانات، مع نوايا حوثية مسبقة للتنصل.

وشاركت الجماعة في مؤتمر الحوار الوطني (2013 - 2014)، ووقّعت على مخرجاته في يناير (كانون الثاني) 2014، قبل أن ترفض مشروع الأقاليم الستة للدولة الاتحادية. وفي 21 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، سيطرت على صنعاء بالقوة، بالتزامن مع توقيع اتفاق «السلم والشراكة» برعاية أممية.

وتقول روايات حكومية إن الحوثيين رفضوا التوقيع على الملحق الأمني للاتفاق، ثم واصلوا التمدد والسيطرة على مؤسسات الدولة، وصولاً إلى تقويض السلطة الانتقالية مطلع 2015. وفي المقابل، قدّمت الجماعة توسعاتها بوصفها «ثورة» على الفساد والوصاية الخارجية، واتهمت خصومها بإفراغ التوافقات السياسية من مضمونها.

ومع أن قرار مجلس الأمن (2216) الصادر عام 2015 طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم السلاح، فإن الجماعة رفضته، ووصفته بالمنحاز، وعدّته انعكاساً لموقف دولي لا يعبر عن حقيقة الصراع.

الجماعة الحوثية استغلت الهدنة الأممية لتعزيز قدراتها العسكرية والتهيئة للتصعيد العسكري (أ.ف.ب)

وشكّل اتفاق استوكهولم، الموقع في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أحد أبرز اختبارات المسار التفاوضي. فقد نص على وقف إطلاق النار في الحديدة، وترتيبات حول الانتشار العسكري فيها، وصرف مرتبات موظفي الدولة من موارد موانئها، إلى جانب اتفاق بشأن تبادل الأسرى وتفاهمات لفتح الطرق في تعز.

اتفاقات من دون ضمانات

فسرت الجماعة الاتفاق بإعادة انتشار قواتها، ومنذ اللحظة الأولى حدثت خلافات حول تفسير بنوده وآليات التنفيذ. وتتهم الحكومة الحوثيين بإفشاله والإبقاء على سيطرتهم الفعلية على الموانئ، وخرق وقف إطلاق النار تحت رقابة البعثة الأممية. وتعثر تنفيذ التفاهمات المتعلقة بتعز، وظل ملف الأسرى عُرضة لجولات تفاوض وتأجيلات متكررة.

يتحدث الباحث اليمني في الشؤون السياسية والنزاعات، محمد القاضي، لـ«الشرق الأوسط» عن صعوبة أي نشاط دبلوماسي أو اتفاقات يمكن عقدها مع الجماعة الحوثية بالنظر إلى الاتفاقات السابقة، مثل هذا الاتفاق.

فبعد أن تمكنت الجماعة من تحقيق التوسع في الساحل الغربي اليمني والسيطرة على أرياف محافظة تعز ومحاصرة المدينة من الاتجاهات كافة، التي تعدّ مكاسب استراتيجية كبيرة ومهمة جداً لم تكن تحلم بها، بات من صالحها أن تذهب إلى مفاوضات تحفظ لها هذه المكاسب، وهو ما حدث فعلاً بحسب مصادر قال إنها أكدت طلب الحوثيين العودة إلى خريطة الطريق.

برغم استفادتها من اتفاقات تبادل الأسرى عطّلت الجماعة الحوثية كثيراً من الجهود لحل هذا الملف (رويترز)

ويرى القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني ومستشار رئيس الحكومة اليمنية علي الصراري أن الجماعة لم تتعثر معها الاتفاقات لأسباب موضوعية، بل لأنها «كانت تبيت النوايا للتنكر لكل ما جرى التفاهم حوله، بعد أن تنجز ما وقعت الاتفاق لإنجازه».

ويقول الصراري لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين تعاملوا مع الاتفاقات كأنها هدن لاستجماع القوة وترتيب الأوضاع، مشيراً إلى اتفاق السلم والشراكة واستوكهولم بوصفهما نموذجين لذلك. ويتهم الجماعة باستغلال اتفاق الحديدة للإبقاء على موارد الموانئ وتعزيز قدراتها العسكرية.

ومثّلت هدنة أبريل (نيسان) 2022 اختراقاً مهماً، إذ أسهمت في خفض العمليات العسكرية الكبرى، وأتاحت ترتيبات إنسانية، بينها تسيير رحلات من مطار صنعاء ودخول سفن الوقود عبر الحديدة، وهو ما التزمت به الحكومة من جانبها واستفادت منه الجماعة لتعزيز نفوذها.

اختبار الالتزام

لكن الهدنة لم تتحول إلى اتفاق سلام شامل، وظلت الطرق، خصوصاً في تعز، من أبرز الملفات العالقة، وتتهم الحكومة الحوثيين برفض فتح الطرق الرئيسية، فيما لم تفضِ جولات التفاوض إلى تسوية تنهي معاناة السكان.

حوثيون يرقصون احتفالاً بمزاعم «نصرة غزة» واستغلت الجماعة ذلك للتنصل من تفاهمات السلام (أ.ف.ب)

غير أن الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح يرى أن اختزال التجربة في نقض العهود لا يفسر جوهر المشكلة، إذ استفاد الحوثيون، وفق تقديره، من الفراغات السياسية والعسكرية والمؤسسية التي تركها خصومهم، وربما كانت هذه الفراغات أهم من الاتفاقات نفسها.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن توقيع الاتفاق لا يغير موازين القوى تلقائياً، وأن الطرف الأكثر قدرة على استثمار الثغرات يستطيع تحويلها إلى مكاسب ميدانية، في ظل انقسام الطرف المقابل وغياب ضمانات التنفيذ.

وينوه القاضي، بأن الاتفاقات تُبنى على الثقة، وهي المنعدمة تماماً بالجماعة، وبعد التطورات العسكرية والتوسع الحوثي على الساحل الغربي وفي أرياف تعز، تعزز موقع الجماعة التفاوضي، بما يجعل أي مفاوضات مقبلة أكثر صعوبة على خصومها، خصوصاً مع استخدام التصعيد والتهديد بالمصالح الإقليمية والدولية لفرض المطالب.

وكانت خريطة الطريق التي رعتها الأمم المتحدة والسعودية، أواخر عام 2023، مثّلت أملاً في استئناف مسار السلام، غير أن لجوء الجماعة إلى خوض مواجهة إقليمية تحت مزاعم مناصرة قطاع غزة، عرقل فرص التقدم.

برغم إعلان انتهاء أزمة خزان صافر لا تزال الشكوك تساور خبراء البيئة حول التزامات الحوثيين (أ.ف.ب)

في يوليو (تموز) 2026، تصاعدت المواجهة عقب أزمة رحلة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء، واتخذتها الجماعة ذريعة لإنهاء الهدنة، فبدأت التصعيد بهجمات باتجاه السعودية، قبل إعلان ما وصفته بحصار بحري على الموانئ السعودية واستهداف سفن مرتبطة بها، مقابل التصعيد التدريجي داخلي، وصولاً إلى توسعها القائم حالياً.

وأعادت هذه التطورات خلط المسار التفاوضي بالصراع الإقليمي، ووسعت المخاوف من تهديد الملاحة وإمدادات الطاقة، مثيرة أسئلة بشأن الالتزامات الدولية والتهدئات السابقة.

ويحذر القاضي من أن الجماعة، بعد تحقيق مكاسب ميدانية، قد تسعى إلى مفاوضات تحفظ تلك المكاسب، وتكرس حضورها بوصفها قوة يصعب تجاوزها.

مأزق الضمانات

لم تقتصر الإشكالات على الاتفاقات العسكرية؛ إذ ظلت ملفات إنسانية، بينها خزان صافر، موضع خلافات وضغوط امتدت سنوات، قبل أن تنجح الأمم المتحدة في تفريغ النفط ونقله إلى سفينة بديلة، وسط تحذيرات جهات بيئية من أن الأزمة لم تنتهِ بالكامل، مع وجود فرصة للجماعة لإعادة استثمار الأزمة لممارسة الابتزاز بشأن تهديدات التلوث التي تمثلها كمية الوقود التي تسببت بالأزمة.

الحوثيون عطلوا خريطة الطريق نهاية عام 2023 بإعلان المواجهة الإقليمية والهجمات في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

كما تثير الاعتقالات المستمرة لموظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين أسئلة بشأن احترام الالتزامات الدولية وحماية العمل الإغاثي.

ويشير باحث سياسي يقيم في صنعاء، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الحوثيين استفادوا في محطات متعددة من التفاوض لتثبيت مكاسب سياسية وميدانية واقتصادية، ويشدد على ضرورة عدم اختزال جميع الاتفاقات في مناورة واحدة.

ويخلص إلى أنه ينبغي ألا تُقيّم الاتفاقات بما تعلنه الجماعة أو توقعه، بل بما تنفذه فعلياً، وبمدى وجود آليات تجعل التنصل من الالتزامات أكثر تكلفة من الوفاء بها.

الجماعة الحوثية تنصلت من كامل التزاماتها باتفاق استوكهولم واستمرت في استغلال موانئ الحديدة (رويترز)

لافتاً إلى أن نقض العهود يعكس نهجاً متكرراً لدى الجماعة، ويربطه بمبدأ التقية الذي يعدّ أحد ثوابت الجماعة، الذي تتخذه منطلقاً لممارسة الكذب والخداع في سبيل تمرير أجندتها واستكمال مخططاتها ومضاعفة قوتها باستخدام وسائل التضليل وتزوير الوقائع.

وتكشف التجارب أن الاتفاقات مع الجماعة الحوثية تحتاج إلى آليات قوة وتوازنات قادرة على فرض التنفيذ، تمنع فرصة تحولها إلى محطات لإدارة الصراع بدلاً من إنهائه، ومن دون تغيير حسابات السيطرة والحسم العسكري، سيظل أي اتفاق جديد معرضاً لمصير سابقاته.


تعز تحت القصف والحصار... والقطاع الصحي يقترب من الانهيار

القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
TT

تعز تحت القصف والحصار... والقطاع الصحي يقترب من الانهيار

القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)

تواصلت المواجهات على جبهات مدينة تعز اليمنية، الاثنين، وسط قصف حوثي متواصل على المناطق السكنية وتشديد للحصار، من دون تحقيق تقدم ميداني، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف التعزيزات ومراكز القيادة وخطوط الإمداد التابعة للجماعة، في وقت تتفاقم فيه التداعيات الإنسانية والصحية على ملايين السكان.

وفي حين تواصل «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» الحكومية تثبيت مواقعها في جبال كهبوب ومحيط باب المندب، تصاعدت الهجمات الصاروخية الحوثية، لتضيف تهديداً جديداً للنازحين والمدنيين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ 753 عملية استهداف دقيقة ومباشرة خلال الساعات الـ24 الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، استهدفت القدرات العسكرية للحوثيين، وفق ما ذكره المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي.

وقال إن العمليات طالت مراكز قيادة وسيطرة ميدانية، وهيئات حاكمة، وتحصينات ومصادر نيران، إلى جانب تجمعات وتعزيزات ووسائل حركة وإمداد، مشيراً إلى أن ذلك أسهم في تعطيل دفع قوات الجماعة إلى المعركة، وإسناد عمليات القوات الحكومية في مختلف المحاور.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد نحو 218 عنصراً من الجماعة وقياداتها الميدانية، وتدمير أو إعطاب 78 عربة وآلية ووسيلة عسكرية، إلى جانب قطع من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وأكد استمرار العمليات لاستهداف قدرات الحوثيين على الحشد وإعادة التنظيم، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.

قصف المدنيين

في المقابل، وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» 42 جريمة وانتهاكاً قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال 48 ساعة، بالتزامن مع إطلاق نحو 369 مقذوفاً على مناطق سكنية؛ ما أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة 7 آخرين، بينهم طفلتان تبلغان 14 عاماً، وفق تقرير أصدرته الاثنين.

وأفادت «الشبكة» بأن الانتهاكات شملت اختطاف 8 مواطنين من منازلهم ومحالهم التجارية في منطقة الكلائبة بمديرية المعافر، واقتيادهم إلى مدينة الصالح، بينهم شخص قالت إنه استُدرج بحجة وجود عفو عام. كما تحدثت عن مداهمات وترهيب وضغوط لتجنيد العشرات من أبناء المنطقة، ونهب 8 منازل، واعتداءات على منازل في الأقروض.

آثار قصف حوثي استهدف أحد المنازل في تعز المحاصرة (أ.ب)

وشملت الوقائع، وفق التقرير، اقتحام منزل العقيد طه القدسي في قرية البطنة بعزلة قدس بمديرية المواسط ونهب محتوياته، إلى جانب قصف منزل فؤاد التبوكي في رأس النقيل بالأقروض من موقع تبة المنارة؛ ما ألحق أضراراً كبيرة بجهته الجنوبية.

تداعيات إنسانية

لا تقتصر تداعيات القصف والحصار الحوثيين على الخسائر المباشرة؛ إذ تقول الشبكة الحقوقية إن القيود المفروضة على الحركة والإمدادات تعرقل وصول المرضى والجرحى إلى المستشفيات، وتحد من قدرة المرافق الصحية على مواصلة العمل في ظل نقص الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.

وحذرت «الشبكة» بأن القطاع الصحي في تعز يواجه ضغوطاً متصاعدة تهدد استمرارية خدمات أساسية، مشيرة إلى أن نحو 1280 مريضاً بالفشل الكلوي معرضون لانقطاع العلاج بسبب نقص مستلزمات الغسل، في وقت تحتاج فيه المرافق إلى توفير 140 جلسة يومياً. كما يهدد نقص الوقود والإمدادات الطبية حياة 192 مريضاً في أقسام العناية المركزة و154 طفلاً في الحاضنات.

تعز تعيش أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة من جراء نقص الأدوية والوقود (أ.ف.ب)

وذكر التقرير أن مستشفيين و4 مراكز طبية و3 مخازن طبية تضررت، بينها «مستشفى الصفوة» الذي يقدم خدماته لأكثر من 50 ألف مريض. وأشار إلى أن 42 مرفقاً صحياً تعاني نقصاً حاداً في الإمدادات، وأن المستشفيات وسيارات الإسعاف تحتاج إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لضمان استمرار الخدمات، وسط تعطل مولدات كهربائية وانقطاع التيار العام.

وفي تطور موازٍ، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن سقوط صاروخين أطلقهما الحوثيون بالقرب من مخيمات النازحين في منطقة صلاح الدين بمحافظة عدن يشكل تهديداً لحياة مئات الأسر التي غادرت منازلها هرباً من الانتهاكات، لتجد نفسها مجدداً في دائرة الخطر.

وأضاف الإرياني أن استهداف محيط مخيمات النزوح بالصواريخ يضاعف معاناة النساء والأطفال وغيرهم من الفئات الأكبر ضعفاً، داعياً إلى اتخاذ إجراءات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.